Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الجُرُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٧٨/٧ -١٧٩ وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ فيدل في رأي أهل السنة على أن الله تعالى خلق الأفعال أو الأعمال، فإن أولئك الكفار استعملوا عقولهم وحواسهم في مصالح الدنيا، ولم يستخدموها في مصالح الدين، فما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يحقق مصالح الدين، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين. والمعنى أن الله خلق في المؤمن القدرة على الإيمان، وخلق في الكافر القدرة على الكفر (١)، والعبد وجَّه تلك القدرة إما إلى الإيمان وإما إلى الكفر، ولم يجبره تعالى على اختيار أحد الأمرين، وإلا لما كان عدلاً حسابه وعقابه. قال ابن كثير في تفسير آية: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي خلقنا وهيأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَّه قال: ((إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)). والخلاصة: يرى المعتزلة أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، وأن الإنسان مخيّ مطلقاً، ويرى أهل السُّنة والجماعة أن الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العبد، وأن للإنسان تخييراً وكسباً في أمور ما عدا الحياة والموت والعزّ والذّل والرزق ونحوها من الأصول؛ وذلك لأن الله هو خالق الخلق ومتصف بالعدل، فيخلق أفعال الإنسان، ومن الظلم أن يحاسبه على فعل أكره عليه أو قهر عليه، والهداية من الله لها مفهومان: الدلالة، والتمكين من الوصول إلى الغاية، أي إن الله تعالى أرشد الإنسان ودلَّه على طرق الخير: ﴿وَهَدَيْنَهُ ﴾ [البلد: ١٠/٩٠] ثم وفقه لهدفه ومكنه من الوصول إليه بهداية ١٠ النَّجْدَیْنِ أخرى، فمن سأل شرطياً عن طريق فدلَّه عليه، فتلك الهداية الأولى، وإذا (١) تفسير الرازي: ٦٠/١٥ - ٦٣. ١٨٢ لُ (٩) - الَّغرافِ :: ٧/ ١٨٠ ركب معه في سيارته، وأوصله إلى المكان المطلوب فذلك هو التمكين من الهداية الثانية، والإنسان هو الذي يوجِّه ما خلق الله فيه من قدرات في الخير والشر إلى كلٍّ منهما، وبهذا التوجيه يحاسب وعليه يعاقب. واستدلَّ العلماء بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧] على أن محلَّ العلم هو القلب؛ لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذَّم، مما يدل على أن محل الفهم والفقه هو القلب. أسماء الله الحسنى ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَنْبِهٍ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٨٠ القراءات: ﴿ يُلْحِدُونَ﴾ : وقرأ حمزة: (يَلحَدون). المفردات اللغوية: اٌلْأَسْمَاءُ﴾ جمع اسم: وهو ما يدل على الذات أو هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتقاً، فإن كان مشتقاً فهو صفة ﴿اٌلُْسْنَى﴾ مؤنث الأحسن ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ سُمُوه ونادوه بها للثناء عليه أو لطلب الحاجات منه ﴿وَذَرُواْ﴾ اتركوا ﴿يُلْحِدُونَ فِيِّ أَسْمَلْبِهِ﴾ يميلون عن الحق، حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم، كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان. أصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف. ومنه اللحد في القبر انحرافه إلى جهة القبلة ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ سيلقون في الآخرة جزاء أعمالهم. ١٨٣ للجُعُ (٩) - الأَغَراف: ١٨٠/٧ المناسبة: لما وصف الله تعالى المخلوقين لجهنم بأنهم هم الغافلون، لتعطيل عقولهم ومشاعرهم في فهم آيات الله وتزكية نفوسهم بالإيمان والعلم النافع، أمر بعده بذكر الله تعالى، فهو الدواء لتلك الغفلة، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِاٌ﴾ وهو كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى، والمخلّص من عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى. وقد ذكرت أسماء الله تعالى الحسنى في سور أربعة: أولها: هذه السورة، وثانيها: في آخر سورة الإسراء (بني إسرائيل) في قوله: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠/١٧]، وثالثها: في أول طه، وهو قوله: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [طه: ٢٠/ ٨ ٨]، ورابعها: في آخر الحشر، وهو قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤/٥٩]. سبب النزول: روي أن بعض المسلمين دعا (الله) أو (الرحيم) في صلاته، ودعا (الرحمن) مرة أخرى فقال المشركون: محمد وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربّاً واحداً، فما بال هذا يدعو اثنين، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، أي إن هذه الأسماء إله واحد، وليست بآلهة متعددة. التفسير والبيان: لله دون غيره جميع الأسماء المشتملة على أحسن المعاني، فنادوه بها إما للثناء عليه، مثل: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢] ومثل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: ٢٢/٥٩]. وإما للسؤال وطلب الحاجات. ١٨٤ لُ (٩) - الَّغرافة: ١٨٠/٧ وأسماء الله الحسنى تسعة وتسعون، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)) ومعنى (أحصاها) عدها وحفظها وتفكر في مدلولها. وقد ذكر الترمذي والحاكم هذه الأسماء من طريق الوليد بن مسلم عن شعيب، فقال بعد قوله: ((يجب الوتر)): (هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفار، القهّار، الوهّاب، الرَّزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحَكَم، العَدْل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشَّكُور، العلي، الكبير، الحفيظ، المُقُيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البَرّ، التّواب، المنتقم، العفوُّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المُقْسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضَّارّ، النّافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور))(١). والمراد من الأسماء في الآية والحديث: التسميات بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه، ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، ومنها صفات لذاته، ومنها صفات أفعال. (١) قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. والراجح لدى المحدثين أن سرد هذه الأسماء مدرج من الراوي، كما حقق الحافظ ابن حجر. ٠ ١٨٥ الُ (٩) - الأَغَرَافِ: ٧ / ١٨٠ وهذه الأسماء عند العلماء توقيفية، فلا يسمى باسم لم يرد في القرآن والسُّنة كالرفيق والسخي والعاقل. ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلِْدُونَ فِيَّ أَسْمَنْيِهِ﴾ أي اتركوا أولئك الذين يلحدون في أسمائه بالميل بألفاظها أو معانيها عن الحق، إلى سبيل أخرى من تحريف أو تأويل، أو شرك، أو تكذيب، أو زيادة، أو نقصان، أو ما ينافي وصفها بالحسنى. والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها - بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسمّوا بها أوثانهم، فاشتقُوا اللَّت من الله، والعزى من العزيز، ومَناة من المنان. الثاني - بالزيادة فيها، أي التشبيه، فالمشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه. الثالث - بالنقصان منها، أي التعطيل، فالمعطلة سلبوه ما اتصف به، كما يفعل الجهّال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرونه بغير ما يذكر من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به. والسبب في تركهم أنهم سيلقون جزاء عملهم، ويعاقبون في الدنيا قبل الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلَّت الآية على ما يأتي: ١ - الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى: لأن قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَى﴾ يفيد الحصر. ١٨٦ الجُرُ (٩) - الأَغرافِن: ١٨٠/٧ ٢ - أسماء الله ليست إلا الله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال، وهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال، فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه. والأسماء: ألفاظ دالة على المعاني، فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال، وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، وثبوت افتقار غيره إليه. وأسماء الله تعالى يجوز إطلاقها على غير الله تعالى، ما عدا اسمي: الله والرحمن. وهذه الأسماء منها ما يمكن ذكره وحده، مثل: يا الله، يا رحمن، يا حكيم. ومنها ما لا يجوز إفراده بالذكر، بل يجب أن يقال: يا محيي يا مميت، يا ضار يا نافع. ولا يجوز إطلاق اسم على الله غير وارد في القرآن والسُّنة، فهي أسماء توقيفية، ولا تنحصر في تسعة وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد، وأبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله وَلفل أنه قال: ((ما أصاب أحداً قط همّ ولا حُزْن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حُزْنه وهَّه، وأبدل مكانه فرجاً)) فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلَّمُها؟ فقال: ((بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلَّمها)). وقد أورد ابن العربي مئة وستة وأربعين اسماً من أسماء الله للتضرع ١٨٧ الجُ (٩) - الْأَغرافِ: ١٨٠/٧ والابتهال، وذكر في موضع آخر زيادة ثلاثين اسماً(١). فصار المجموع مئة وستة وسبعين، مثل الطيِّب والمعلِّم والجميل: وهو الذي لا يشبهه شيء. ٣ - لله أسماء حسنى، يجب على الإنسان أن يدعو الله بها، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، كما تبين، فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، يا عاقل، يا طبيب، يا فقيه. ٤ - الاسم غير المسمى؛ لأن أسماء الله كثيرة، ولا شك أن (الله) واحد منها، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى. لذا قال جماعة من العلماء: المراد بهذه الأسماء التسميات؛ لأنه سبحانه واحد، والأسماء جمع. ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعاً من المتأولين لا يجوز غيره. فمعنى قوله: ﴿وَلَِّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي التسميات الحسنى التي يدعى بها لا بغيرها، وقيل: ولله الصفات، والاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وهو غير التسمية. ٥ - سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى؛ لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وجوده ورحمته وإفضاله. ٦ - وليس للإنسان أن يدعو ربَّه إلا بتلك الأسماء الحسنى، وهذه الدعوة تتطلب فهم معاني تلك الأسماء. وقد ذكر ابن العربي في أحكام القرآن(٢) وغيره تلك المعاني، فیطلب بکل اسم ما يليق به، يقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احکم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني، وإن دعا باسم عام قال: يامالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني، وإن دعا بالاسم الأعظم قال: (١) أحكام القرآن: ٧٩٨/٢ - ٨٠٥ (٢) المرجع والمكان السابق. ١٨٨ المُ (٩) - الَّغرافِنْ: ١٨٠/٧ يا الله، فهو متضمن لكل اسم، قال ابن العربي: وهكذا، رتِّب دعاءك تكن من المخلصين. ٧ - يجب تنزيه الله تعالى عن الإلحاد في أسمائه، وذلك على ثلاثة أوجه: الأول - إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله، كتسمية الكفار الأوثان آلهة، وتسمية أصنام لهم باللات والعزى ومناة، من الإله، والعزيز، والمنان. وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن. والثاني - أن يسمى الله بما لا يجوز تسميته به، مثل تسميته أباً للمسيح، وقول النصارى، الأب، والابن، وروح القدس. والثالث - أن يذكر العبد ربَّه بلفظ لا يعرف معناه، ولا يتصور مسماه، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال الله تعالى. وقد ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله تعالى. قالت المعتزلة: الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله. والدعاء مشروع وعبادة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦/٢]. ولا يكون الدعاء لغير الله تعالى من أي مخلوق حي أو ميت، فالله وحده هو الذي يقصد في الدعاء، فهو الصمد أي الذي لا يقصد في المطالب غيره، وقال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اُلْأَرْضِّ أَِلَهُ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢/٢٧] أي لا يجيب المضطر إلا هو، فهو المستحق وحده للعبادة، المقصود بالدعاء. ١٨٩ لِجُرُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٨١/٧-١٨٦ وفوائد الأمر بذكر الله في الآية: ﴿فَأَدْعُوهُ بِهَا﴾ كثيرة: منها ترسخ معالم الإيمان وتنميته، وتحقيق مراقبة الله والخشوع له، والرغبة فيما عنده، وتهوين شأن الدنيا ولذاتها، روى البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي: ((من نزل به غمّ أو كرب أو أمر مهمّ، فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم». وروى الحاكم في المستدرك عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَالد لفاطمة: ((ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحتٍ، وإذا أمسيتِ: يا حيُّ، يا قيُّوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)). المهتدون والمكذبون من أمة الدعوة الإسلامية وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِهَايَلِنَا ١٨١) ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ وَأَمَّلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (َ أَوَلَمْ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ يَنَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن حِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيِّرُ مُّبِينُ (٨٩) أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْرَبَ أَجَلُهُمْ فِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٨٩) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِ طُغْيِهِمْ يَعْمَعُونَ (٨٦) القراءات: ﴿ وَيَذَرُهُمْ﴾ : قرئ: ١- (ونذرُهم) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر. ٢- (ويذرُهم) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم. ١٩٠ لُ (٩) - الأَغرافِ :: ١٨١/٧-١٨٦ ٣- (ويذرْهم) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿ وَيَذَرُهُمْ﴾ بالرفع على تقدير مبتدأ، وتقديره: هو يذرُهم. ويقرأ بالجزم بالعطف على موضع الفاء في ﴿فَلاَ هَادِىَ لَهُ﴾ وموضعه الجزم على جواب الشرط، أي إن الرفع على سبيل الاستئناف، والجزم عطف على محل ما بعد الفاء. ﴿ وَأَنْ عَسَى﴾ أي في أنه عسى، وأن: محففة من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن، والمعنى: أوَ لم ينظروا في أن الشأن والحديث، عسى أن يكون أجلهم قرب، ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق قبل مفاجأة الموت والعقاب. وقوله: ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَأَنّ عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿ وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةُ يَهْدُونَ﴾ هم أمة محمد بَّر كما في الحديث المتواتر ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق .. )). ويهدون: يرشدون الناس إلى الحق والخير ﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ أي وبالحق يحكمون وكما عند الشيخين عن المغيرة بالعدل دون ميل لأحد الجانبين المتخاصمين. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا﴾ القرآن، من أهل مكة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ سنأخذهم قليلاً قليلاً، وننزلهم درجة بعد درجة إلى دركات العذاب، وندنيهم من الهلاك شيئاً فشيئاً ﴿وَأَمَلّى لَهُمّ﴾ نمهلهم ونؤخرهم ﴿إِنَّ كَيْدِی مَتِینُ﴾ أي إن تدبيري الخفي شديد قوي لا يطاق. ﴿مَا بِصَاحِم﴾ محمد نَِّ ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ جنون ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الإنذار، والإنذار: التعليم والإرشاد مع التخويف ﴿مَلَكُوتٍ﴾ ملك ﴿مِن شَىْءٍ﴾ بيان لما، فيستدلوا به على قدرة صانعه ١٩١ الُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٨١/٧ - ١٨٦ ووحدانيته ﴿قَدِ أُقْثَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قرب أجلهم، فيموتوا كفاراً، فيصيروا إلى النار، فيبادروا إلى الإيمان ﴿مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ مجموع العالم ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الحديث: كلام الله، وهو القرآن، وبعده: بعد القرآن ﴿ وَيَذَرُهُمْ﴾ يتركهم ﴿فِي طُغْيَِهِمْ﴾ الطغيان: تجاوز الحد في الكفر والشر والظلم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون تحيراً. سبب النزول: نزول الآية (١٨٤): ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة بن دعامة قال: ذكر لنا أن النبي وَلّ قام على (صفا) فدعا قريشاً، فجعل يدعوهم فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوّت(١) إلى الصباح، أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرُ ١٨٤) مُّبِينُ المناسبة: أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه خلق لجهنم كثيراً من الخلق؛ لأنهم أهملوا طاقات المعرفة لديهم من العقل والحواس، ثم أرشد إلى ما يصلح الناس ويقوي إيمانهم من الدعاء بأسمائه الحسنى، ثم ذكر هنا انقسام أمة الدعوة المحمدية فريقين: فريق المهتدين الذين يقضون بالحق والعدل، وفريق المكذبين الضالين. ولفت النظر إلى وجوب التفكر والنظر في عالم السماوات والأرض، للتوصل إلى فهم الأمور الدالة على وحدانية الله وصدق الرسول واله. (١) وفي رواية: ((يهوّت)). ١٩٢ لِزُ (٩) - الْأَغراف: ١٨١/٧ -١٨٦ التفسير والبيان: من بعض الأمم أمة قائمة بالحق قولاً وعملاً، يرشدون الناس ويدعونهم إليه، ويعملون بالحق، ويقضون بالعدل، دون ميل ولا جور، وهم أمة محمد وسلم، بدليل ما جاء في الأحاديث الكثيرة التي منها: ما رواه الشيخان في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله وَله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)) وفي رواية: ((حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك)). ومنها: ما قاله الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِعَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ قال رسول الله وَله: ((إن من أمتي قوماً على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متی ما نزل)). ومنها : ما أخرجه ابن جرير الطَّبري وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ذكر لنا النَّبِي وَِّ قال: ((هذه أمَّتي بالحقِّ يحكمون ويقضون، ويأخذون ويُعطون)). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية: بلغنا أنَّ النبي وَلّ كان يقول إذا قرأها: وهذه لكم وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلها: ١٥٩ ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن علي بن أبي طالب قال: لتفترقَنَّ هذه الأُمَّة على ثلاث وسبعين فرقةً كلُّها في النّار إلا فرقةً، يقول الله: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا (3) فهذه هي التي تنجو من هذه الأمّة. أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ والخلاصة: لما ذكر تعالى في قصّة موسى قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ﴿3﴾ ثم أعاد الله تعالى هذا الكلام، حمله أكثر المفسّرين على أنَّ المراد منه أمَّ محمد ◌َّ، بدليل ما روي عن ابن عباس وقتادة وابن جريج وغيرهم. ١٩٣ ◌ِلُ (٩) - الأَغرافِ: ١٨١/٧ -١٨٦ هذا هو الفريق الأوّل من أمَّة الدَّعوة المحمّدية، ثمَّ ذكر تعالى الفريق الثَّاني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَئِنَا﴾ أي والذين كذبوا بالقرآن، وهم أهل مكة، نتركهم في ضلالهم، ونستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، ونقرِّبهم إلى ما يهلكهم، فإمدادهم بالنِّعم، وفتح أبواب الرِّزق والخير، وتيسير سبل المعاش، كلَّما ارتكبوا ذنباً أو فعلوا جرماً، فيزدادون بطراً وانغماساً في الفساد، وتمادياً في الغي، وتدرُّجاً في المعاصي، بسبب متابعة تلك النِّعم والخيرات، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِذُهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَيِنٌ [المؤمنون: ٥٥/٢٣-٥٦]، وقال تعالى ٥٦ ◌ُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ۵۵ أيضاً: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُّبْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَائِرُ اُلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ [الأنعام: ٤٤/٦-٤٥]، وروى الشيخان عن أبى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ موسى: ((إنَّ الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته)». وقد تحقَّق ذلك بكفار قريش الذين هزموا في بدر والخندق وفتح مكة وغيرها من المعارك، وأظهر الله رسوله عليهم. قال عمر لما حملت إليه كنوز كسرى: ((اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرَجاً، فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾)). ﴿وَأُمْلِى لَهُمَّ﴾، أي سأملي وأطوّل لهم ما هم فيه وأمهل هؤلاء المكذِّبين المستدرَجين، إنَّ مكري أو تدبيري الخفي شدید قوي. والخلاصة: أنَّ الإمداد بالنّعم والخيرات والأرزاق ليس دليلاً على صلاح الإنسان، وإنما قد يكون استدراجاً كما يستدرج العدو إلى مكان للقضاء عليه، فالظالم إذا لم يعاقب فوراً، عليه ألا ينخدع بذلك، فقد يكون تركه طعماً للتَّعرُّف على المزيد من بغيه وجوره، كما تفعل أجهزة الأمن اليوم في كثير من حالات مراقبة تحرُّكات المشبوهين، ثم يقع ذلك الظالم في قبضة الحكام ١٩٤ لُُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨١/٧-١٨٦ لعقابه في الدُّنيا، أو تنزل به المصائب والدَّواهي، ثم يعاقبه الله بالعذاب الشديد في الآخرة. والاستدراج: هو الإدناء قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. وبعد أن هدَّد الله المعرضين عن آياته، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ أي أوَ لم يتفكّر هؤلاء المكذِّبون بآياتنا ما بصاحبهم، يعني محمداً وَله، من جنون، فقد كانوا يقولون: شاعر مجنون، مع أنهم يعرفون حاله من بدء نشأته، ويعلمون حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، فهو رسول الله حقّاً، دعا إلى حقّ. والتَّعبير: ﴿بِصَاحِبِهِم﴾ للتَّذكير بأنهم يعرفون سيرته معرفة كاملة في سنِّ الصِّبا وعهد الشَّباب والكهولة وبعد النُّبوة. إنهم إن تفكّروا في شأنه، وتجرَّدوا عن عصبيّتهم وأهوائهم، عرفوا الحقَّ وأدركوا صدقه، وأنه ليس مجنوناً ولا شاعراً، كما حكى القرآن افتراءهم: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ [التكوير: ٢٢/٨١]، ﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ ٢٢ يَوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ ﴾ [سبأ: ٤٦/٣٤]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، ٤٦ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ( [المؤمنون: ٢٣ /٧٠]، جِنَّةُ بَلْ جَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْتَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴾ [الحجر: ٦/١٥]، ﴿ وَقَالُواْ يَّأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الصافات: ٣٦/٣٧]. ٣٦ ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعٍ تَجْنُونٍ إنه ليس بمجنون، بل هو منذر ناصح، ومبلِّغ أمين، فهو ينذركم ما يحلُّ بكم من عذاب الدُّنيا والآخرة إذا لم تؤمنوا بدعوته. وبعد أن حكى الله تعالى عن هؤلاء المكذِّبين موقفهم، فذكر: أكذَّبوا الرَّسول، ولم يتفكّروا في شأنه وشأن دعوته؟ لفت نظرهم إلى ما يدعوهم إلى الإيمان بوحدانية الله، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ﴾ أي أكذَّبوا الرَّسول، ولم ينظروا في عالم السماوات والأرض، ففي ملكوت السماء والأرض دلائل على وجود ١٩٥ الُ (٩) - الأَغَافِ: ١٨١/٧ -١٨٦ الصانع الحكيم القديم، والملكوت: من صيغ المبالغة ومعناه: الملك العظيم، فإذا نظر هؤلاء المكذُّبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه ونظامه البديع في السماوات والأرض، وفي كل ما خلق الله من كبير وصغير، لأداهم النّظر الصحيح إلى وجود الله تعالى ووحدانيته، أو لم ينظروا في احتمال مجيء الموت فربّما يموتون عمّا قريب، فليسارعوا إلى النّظر وطلب الحقّ قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب، وليؤمنوا برسول الله، وينيبوا إلى طاعته. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ تنبيه على أن دلائل التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض، بل كلّ ذرة من ذرات الأجسام والأرواح التي خلقها الله برهان قاهر على التّوحيد. وقوله: ﴿وَأَنْ عَسَىّ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْثَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معناه: أو لم ينظروا في أن الشّأن والحديث عسى أن يموتوا عما قريب لينظروا في آجالهم التي ربَّما اقتربت، وهذا ترغيب شديد في الإتيان بهذا النّظر والتَّفكر، وتحذير لهم أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. والخلاصة: لعلَّ أجلهم قد اقترب فمالهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل فوات الأوان. قال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر، ويوم أُحد. فبأي كلام أو حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به؟ وبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد وَعليه وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله في كتابه، يصدِّقون إن لم يصدِّقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد أَّلو من عند الله عزَّ وجلَّ؟ وبأي حديث أحقّ من القرآن أن يؤمنوا به؟ ثم قال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ مقرّراً لما سبق، ومعلِّلاً له، وهو أنَّ من يضلّه الله فلا هادي له، أي أنَّ من فقد الاستعداد للإيمان بالنَّبِي وَّ والعمل بالقرآن، فإن الله يتركه متردِّداً في ضلاله، حائراً في سبيله، بسبب تجاوزه الحدّ في الظُّلم والطُّغيان والفجور، ولن يجد لنفسه هادياً أو مرشداً آخر غير الله. ١٩٦ الُعُ (٩) - الأَّغَرَافِن: ١٨١/٧-١٨٦ وليس معنى إضلال الله لهم أنه أجبرهم على الضَّلال، بل المقصود أنهم لما تأصَّل الكفر في قلوبهم، وأسرفوا في طغيانهم، فقدوا باختيارهم ما يدعوهم إلى الهدى والإيمان، وأصبحت نفوسهم غير متهيِّئة لدعوة الحقّ، وخلقهم الله على هذا النحو الذي علمه منهم قبل إيجادهم فكانوا هم الضَّالين. فقه الحياة أو الأحكام: أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أمة الدَّعوة المحمَّدية، وجعلهم كغيرهم من أقوام الأنبياء فريقين: فريق المؤمنين المهتدين، وفريق الضّالين المكذِّبين. أما المهتدون فوصفهم الله بأنهم يرشدون الناس إلى الحقّ، ويقضون بالحقّ والعدل، وهذا كما وصف بعض قوم موسى بالوصفين ذاتهما، وفي ذلك غاية التَّجرُّد والموضوعيَّة والحياد وإنصاف الحقائق. ودَلَّت الآية - كما ذكر القرطبي - على أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يخلِّي الدُّنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعو إلى الحقِّ. وأما المكذِّبون بآيات الله وقرآنه وهم أهل مكة: فقد أخبر تعالى أنه سيستدرجهم بإدنائهم وتقريبهم إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، عن طريق إمدادهم بالنِّعم والخيرات والأرزاق، كلما أتوا بجرم، أو أقدموا على ذنب. وأنه سيطيل لهم المدَّة، ويمهلهم مع إصرارهم على الكفر، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وإنما يؤخِّر عقوبتهم، لإعطائهم فرصة للعودة إلى الحقّ، والاستجابة لدعوة الإيمان، وتصديق النَّبي المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام. وفي فترة إمهالهم أنذرهم أنهم إن داموا على المعصية والكفر، فإن كيد الله، أي تدبيره شَدید قوي محكم. قيل: نزلت في المستهزئين من قريش، قتلهم الله في ليلة واحدة، بعد أن ١٩٧ الُعُ (٩) - الأغرافي: ١٨١/٧-١٨٦ أمهلهم مدة، كما قال تعالى: ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٦ / ٤٤]. وتضمَّنت آية ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ دعوة المكذِّبين إلى إصدار الأحكام بالاعتماد على العقل والتَّفكير والموازنة والنَّظر إلى واقع النَّبي ◌َّ وسيرته، فهو ليس كما تقوَّلت ألسنتهم بمجنون، وإنما هو داعية حقّ، ونذير خير، وناصح أمة، ومرشد قوم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم. ثم دعاهم الله تعالى إلى إعمال فكرهم وتسديد نظرهم في ملكوت السماوات والأرض، وفي المخلوقات والأشياء العديدة، وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت، للتَّوصُّل إلى معرفة الإله الحقّ، والإيمان بوجود الصانع الحكيم القدير القديم، الذي لا ندَّ له ولا شريك ولا نظير، ومعرفة كمال قدرته. وإذا لم يؤمنوا بالقرآن، فبأي قرآن غير ما جاء به محمد واله يصدِّقون؟! وفي هذا دلالة على أن القرآن هو مصدر الهداية. وقد استدلَّ العلماء بآية ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأمثالها الكثيرة في القرآن الكريم(١)، على وجوب النظر في آيات الله، والاعتبار بمخلوقاته. وقد ذمَّ الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم، فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبُ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧]، قال الجصاص: في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْ﴾ حثَّ على النَّظر والاستدلال والتَّفْكُّر في خلق الله وصنعه وتدبيره، فإنه يدلُّ عليه وعلى حكمته وجوده وعدله(٢). وذلك يدلُّ على أنَّ التَّقليد في العقائد غير جائز، ولا بدَّ من النَّظر (١) نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُواْ إِلَى السَّمَاِ فَوَقَّهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا﴾، وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِّقَتْ ﴿﴾، وقوله: ﴿وَفِيَّ أَفْسِكُمْ أَقَلَاَ تُبْصِرُونَ ﴿َ﴾. (٢) أحكام القرآن: ٣٦/٣. ١٩٨ الُ (٩) - الأَغَافِ: ١٨١/٧-١٨٦ والاستدلال. واتَّجه أكثر العلماء إلى أن النّظر والاستدلال أوّل الواجبات على الإنسان. وذهب بعضهم إلى أنَّ أوّل الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، والإيمان: هو التَّصديق الحاصل في القلب، الذي ليس من شرط صحته المعرفة، ثم النظر والاستدلال المؤدِّيان إلى معرفة الله تعالى، فيتقدَّم وجوب الإيمان بالله تعالى على المعرفة بالله. وقالوا - ومنهم القرطبي -(١): هذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق؛ لأن أكثرهم ومنهم العامة والمقلِّدون لا يعرفون حقيقة المعرفة والنَّظر والاستدلال. ولأن النَّبِي وَّ في الحديث المتواتر الذي رواه أصحاب الكتب الستّة عن أبي هريرة قال: ((أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله). من الطَّريف أن العلماء قالوا: لا يكون النَّظر والاعتبار في الوجوه الحسان من المُرْد والنّسوان، فذلك متابعة الهوى، ومخادعة العقل، ومخالفة العلم، ولم يحلّ الله النَّظر إلا على صورة لا ميل للنّفس إليها، ولا حظّ للهوى فيها. وإنما النظر يكون في المخلوقات والجمادات، أما المخلوقات فكثيرة، ينظر في السماوات كيف بنيت وزُيِّنَت من غير شقوق، ورُفعت بغير عمد، وفي الأرض كيف وُضعت فراشاً، ووطئت مهاداً، وفي أصناف المخلوقات والحيوانات في البرّ والبحر، وفي البحار التي هي أعظم المخلوقات عبرة. وأما الجمادات فينظر في أصنافها واختلاف أنواعها وأجناسها. هل الذَّفكِّر أفضل أم الصَّلاة؟ يرى الصُّوفيَّة: أنَّ الفكر أفضل، فإنها تثمر المعرفة، وهي أفضل المقامات الشَّرعيَّة. (١) تفسير القرطبي: ٣٣١/٧-٣٣٣. ١٩٩ الْجُ (٩) - الأَغراف: ١٨١/٧ - ١٨٦ ويرى الفقهاء: أنَّ الصَّلاة والذِّكْر أفضل، لما رُوي في ذلك من الحثِّ والدُّعاء إليها، والتَّرغيب فيها. وتوسّط ابن العربي، فرأى أن التَّفكّر أفضل للعالم المفكِّر القوي النَّظر، القادر على الاستدلال، وأما غيره فالأعمال أقوى لنفسه، وأثبت لشأنه(١). ودلَّ قوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾ على أن الهدى والضَّلال من الله، بمعنى أن الله هو الخالق لأفعال العباد، سواء في حال الخير أو في حال الشَّر، وأنه جعل القرآن أعظم أسباب الهداية للمثَّقين، لا للجاحدين المعاندين. وفي ذلك ردّ على القدريّة الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، والمعاصي لا يريدها الله. وهي ردّ أيضاً على المعتزلة أيضاً الذين يقولون: إنَّ العبد خالق لأفعاله، ولكنهم نزَّهوا الله عن العجز، فقالوا: إن هذا بقدرة أودعه الله إياها وخلقها. ولا إجبار من الله على الضَّلال، وإنما نسب الضَّلال إلى الله في الآية من قبيل النّسبة إلى النّظام الذي وضعه والسُّنّة التي قضى بها في خلق الإنسان، وربط أعماله بأسباب تترتَّب عليها مسبباتها، فإذا اختار العبد الضَّلالة، فلن يجد غير الله هادياً له، ولا يهديه أحد سوى الله. ومن سنَّته تعالى أنه يترك هؤلاء الضَّالِّين يتردّدون حَيْرة في متاهات ضلالهم، ولا يجدون سبيلاً للخروج مما هم فيه. فكما أن من اختار أصل الهداية يزيده الله هدىً ويوفّقه لمتابعة طريق الهدى، ويمكّنه من الوصول إلى هدفه، كذلك من اختار طريق الضَّلالة، يتركه الله في ضلاله، ويزيده ضلالاً، ويحجب عنه النُّور الذي يؤدِّي به إلى الخير، ويلقي على قلبه حجاباً كثيفاً يمنع نفاذ الخير إليه، فلا يهتدي إلى الحقّ (١) ) [المطففين: والخير أبداً، كما قال: ﴿كَلَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ١٤/٨٣]. (١) أحكام القرآن: ٨٠٧/٢. ٢٠٠ الجُزْعُ (٩) - الأَغراف: ١٨٧/٧ علم الساعة عند الله يَسْثَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَنَّهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا ◌ِندَ رَبِّ لَا يُحِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةُ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨١ الإعراب: ﴿ يَسْثَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَنِهَا﴾: الكاف في الفعل في موضع نصب؛ لأنه المفعول الأوَّل. و﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: في موضع المفعول الثاني. و﴿ أَيََّنَ مُرْسَنَّهَا﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مُنْسَهًا﴾ مبتدأ، و﴿ أَيََّنَ﴾ خبره، وهو ظرف مبني بمعنى متى؛ لأنه تضمَّن معنى حرف الاستفهام، وبني على حركة لالتقاء الساكنين، وكان الفتح أولى؛ لأنه أخفّ الحركات، وموضع الجملة من المبتدأ والخبر: نصب؛ لأنه يتعلق بمدلول السؤال، والتَّقدير: قائلين أيَّان مرساها. ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَعْنَةٌ﴾ ﴿بَغْنَةٌ﴾ : منصوب على المصدر في موضع الحال. البلاغة: كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهًا﴾ تشبيه مرسل مجمل، لذكر أداة التشبيه وهي الكاف، وحذف وجه الشبه. المفردات اللغوية: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي أهل مكَّة. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ القيامة، وهو الوقت الذي ينتهي فيه العالم ويموت أهل الأرض جميعاً عند النفخة الأولى للصُّور. وهذا اصطلاح شرعي، ويستعمل عادة بأل، فإذا ذكر بدون (أل) في القرآن فمعناه الساعة الزَّمانية، وهو لغة: جزء قليل غير معيَّن من الزَّمن. وعند الفلكيين: جزء من أربعة وعشرين جزءاً متساوية من اليوم.