Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ لِلُ (٩) - الأَغراف: ١٣٨/٧-١٤١ وهذه طريقة السذّج والجهلة، وقد حدث في عهد النبي ◌َّ مثل ذلك، روى أحمد والنسائي عن أبي واقد الليثي قال: ((خرجنا مع رسول الله وَله قِبَل حُنين، فمررنا بسِدْرة، فقلت: يا رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط(١)، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال: الله أكبر، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ، إنكم تركبون سنن من قبلکم)». وتتمة ردّ موسى: إن هؤلاء يعني عبدة تلك التماثيل مُدَمَّر مكشَر ما هم فيه، وزائل ما كانوا يعملون من عبادتها فيما سلف، فكل ما عملوه مضمحل الأثر، لا ينتفعون به، بل يعاقبون عليه، وإن كان في زعمهم تقرباً إلى الله، كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا [الفرقان: ٢٣/٢٥]. وفي عبارة القرآن: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِّرٌ﴾ إشارة إلى أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وهذا بشارة بزوال عهد الوثنية من تلك الأرض. ثم قال لهم موسى: أغير الله خالق السماوات والأرض المنعم عليكم بهذه النعم أطلب لكم معبوداً؟ وهو الذي فضلكم على العالمين، أي عالمي زمانهم بالتوحيد وهداية الدين وتجديد ملة إبراهيم عليه السلام. ثم ذكَّرهم موسى عليه السلام نعم الله العظمى عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العِزَّة والسيادة وخلافة الملك والسلطان، والاشتفاء أو الانتقام من عدوهم والنظر إليه وقت هلاكه وغرقه ودماره، بعد أن كان يسومكم سوء العذاب، بتقتيل (١) كان للكفار سِذْرة أي شجرة السدر، يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. ٨٢ الجُزءُ (٩) - الأَغْرَافِن: ١٣٨/٧-١٤١ أبنائكم، وترك نسائكم أحياء، وتسخيركم للخدمة. وفي ذلكم المذكور من الإنجاء من فرعون وعمله، والإنعام عليكم بهذه النعم بلاء عظيم، أي أن النعمة أو المحنة اختبار مهم جداً، فأنتم أجدر الناس بعبادة ربكم الذي منحكم نعمة الحياة والإنقاذ والعزة، وأولى من غيركم بشكر تلك النعم الجليلة، وهل هناك عجب أشد من هذا العجب أن تطلبوا جعل آلهة مزيفة عاجزة خسيسة ضعيفة واسطة بينكم وبين الله الذي فضلكم عليها وعلى من يعبدونها. والمراد بقوله: ﴿وَإِذْ أَنَجَيْنَكُمْ﴾ أي اذكروا ذلك الوقت، والقصد ذكر ما حصل فيه، حتی یشکروا الله علیه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى: ﴿وَجَوَزْنَا﴾ على جهالة بني إسرائيل بحقيقة التوحيد الذي جاء موسى عليه السلام من أجل إرشادهم إليه، فقد طلبوا منه أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا تماماً مشابه لفعل عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿مَا نَعَبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩]. قال قتادة: كان أولئك القوم من ◌َّخْم، وكانوا نزولاً بالرِّقّة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيلَ بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامري عجلاً. ونظيره قول جهال الأعراب في عصر النبي وَ الر، وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ((ذات أنواط)) (١) يعظمونها في كل سنة يوماً: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذاتُ أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام - كما تقدم -: ((الله أكبرٍ، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿أَجْعَل أَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَاِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبُنَّ سَنَن من قبلكم حَذْو (١) ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه. ٨٣ اِلُ (٩) - الأَغراف: ١٣٨/٧-١٤١ القُذَّةَ(١) بالقُذَّة، حتى إنهم لو دخلوا جُحْر ضبّ لدخلتموه)) وكان هذا في خرجه إلی حُنَّيْن. وإن طلب إله آخر هو في غاية الجهل؛ لأن المعبود المستحق للعبادة والتعظيم هو القادر على خلق الأجساد والحياة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى، فلا تليق العبادة إلا به. ودلت آية: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِّرٌ﴾ على أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وأن عهد الوثنية من الأرض سينتهي، المناقضته العقل والفطرة. وقد ندد موسى عليه السلام بطلب بني إسرائيل من نواح أربع: أولها - أنه حكم عليهم بالجهل، فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وثانيها - أنه قال: ﴿إِنَّ هَكَؤُلَاءِ مُتَبِّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ أي سبب للخسران والهلاك. وثالثها - أنه قال: ﴿ وَنَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي هذا العمل الشاق لا یفیدهم نفعاً في الدنيا والدين. ورابعها - التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي أن الإله ليس شيئاً يطلب ويلتمس ويتخذ، بل الإله هو الله الذي يكون قادراً على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم، وهو المراد من قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي على عالمي زمانهم. (١) القُذَّة: ريش السهم، قال ابن الأثير: يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. ٨٤ الزُعُ (٩) - الأَغَافِن: ١٤٢/٧ -١٤٥ ومن المعروف أن بني إسرائيل يجحدون نعم الإله عليهم، فالله أنعم عليهم بتفضيلهم على عالمي زمانهم، وهي نعمة عظيمة، فكيف يليق بهم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى؟! وأنعم عليهم بالعزة بعد الذلة، وبالسلطان والحكم والخلافة في الأرض بعد العبودية والاستعمار والتبعة، وبالنجاة من ظلم فرعون الذي كان يقتل أبناءهم ويبقي نساءهم أحياء. والخطاب وإن كان ليهود عصر النبي ◌َّر، فهو تذكير لهم بإنجاء أسلافهم. مناجاة موسى لربه أو مكالمة موسى ربه وطلبه رؤية الله وإنزال التوراة عليه وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَيْثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ. أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَطَِّعْ سَكِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُمْ قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيَّكَّ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَقُطُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَطِيّ فَلَمَّا تَّجَلَّى رَبُُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْثُ إِلَيْكَ وَأَنَأْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ يَمُوسَىّ إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى بِسَلَتِي وَبِكَمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ (٣) الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْعِظَةً وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ ١٤٥ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ القراءات: ﴿ وَوَعَدْنَا﴾ : وقرأ أبو عمرو (ووعدنا). ٨٥ الُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧-١٤٥ ﴿أَرِّ﴾ : وقرأ ابن كثير، والسوسي (أرْني). ﴿ وَلَكِنِ آَنْظُرْ﴾: قرئ: ١- (ولكنِ انظُر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- (ولكنُ انظُر) وهي قراءة الباقين. ـ): دَ وقرأ حمزة والكسائي وخلف (دگّاء). ﴿ وَأَنَأْ أَوَّلُ﴾ : قرأ نافع بإثبات ألف (أنا) وصلاً. وقرأ الباقون بحذف الألف وصلاً. ولا خلاف في إثباتها وقفاً. ﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (إنيَ اصطفيتك). بِسَلَتِىِ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير (برسالتي). الإعراب: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ﴾ أي تمام ثلاثين ليلة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو في موضع المفعول الثاني لواعدنا. ولا يجوز أن يكون (ثَلَثِينَ﴾ منصوباً على الظرف؛ لأن الوعد لم يكن في الثلاثين. ٨٦ لِلُ (٩) - الأَغَافِ :: ١٤٢/٧ -١٤٥ و ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾: حال، كأنه قال: فتم ميقات ربه معدوداً أربعين ج ليلة، و﴿لَيْلَةٌ﴾: تمییز. و﴿هَرُونَ﴾ مجرور على البدل من (أخيه) أو على عطف البيان. (جَعَلَمُ دَكًا﴾ إما منصوب على المصدر من: دككت الأرض دكّاً، إذا جعلتها مستوية. وإما أن يكون منصوباً على المفعول، وفيه حذف مضاف؛ لأن الفعل الذي قبله ليس من لفظه وهو (جعل) وتقديره: فجعله ذا دَدٌّ، أي ذا استواء. ﴿لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ بدل من الجار والمجرور قبله وهو ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾. البلاغة: ﴿سَأُوْرِيَكُنْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ فيه التفات من الغيبة أي (سأريهم) إلى الخطاب، للمبالغة في الحض على انتهاج طريق الصالحين. المفردات اللغوية: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ﴾ أي وعدناه بأن نكلمه عند انتهائها، وبعد أن يصومها، وهي ذو القعدة، فصامها، فلما تمت أنكر خُلوف - رائحة - فمه، فاستاك، فأمره الله بعشرة أخرى، ليكلمه، بسبب إزالة خلوف فمه ﴿ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة . ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ=﴾ وقت وعده بكلامه إياه، والميقات: ما قدر فيه عمل من الأعمال، كمواقيت الصلاة والصوم والحج. أما الوقت: فهو وقت للشيء قدر فيه عمل أو لم يقدر . ﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ﴾ عند ذهابه للجبل للمناجاة ﴿اَخْلُفْنِ﴾ كن خليفتي ﴿ وَأَصْلِحْ﴾ أمرهم ﴿ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بموافقتهم على المعاصي. ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ أي للوقت الذي وعدناه للكلام فيه ﴿وَكَلَّمَهُ ٨٧ لِلُعُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧-١٤٥ رَبُّهُ﴾ بلا واسطة كلاماً سمعه من كل جهة ﴿لَنْ تَرَنِ﴾ لن تقدر على رؤيتي، والتعبير به دون (لن أُرى) يفيد إمكان رؤيته تعالى. ﴿فَإِنِ أُسْتَقَرَّ﴾ ثبت ﴿فَسَوْفَ تَرَنِيَّ﴾ أي تثبت لرؤيتي، وإلا فلا طاقة لك ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ انكشف وظهر نوره، قدر نصف أنملة الخنصر، كما في حديث صححه الحاكم ﴿دَكًا﴾ مدكوكاً مستوياً بالأرض ﴿صَعِفًا﴾ مصعوقاً مغشياً عليه لهول ما رأى ﴿أَفَاقَ﴾ عاد إليه رشده وعقله وفهمه ﴿سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهاً لك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من سؤال ما لم أؤمر به ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماني. أَصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ أهل زمانك ﴿وَبِكَمِى﴾ أي تكليمي إياك ﴿فَخُذُّ مَآ ءَاتَيْتُكَ﴾ من الفضل ﴿وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ لأنعمي ﴿ الْأَلْوَاحِ﴾ أي ألواح التوراة، وكانت سبعة أو عشرة، وهي من سدر الجنة، أو زبرجد أو زمرّد ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدين ﴿ وَتَفْصِيلًا﴾ تبييناً ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي بجد وعزيمة واجتهاد ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ فرعون وأتباعه، وهي مصر، لتعتبروا بها. المناسبة: بعد أن عدد الله تعالى طائفة من النعم على بني إسرائيل، كإنجائهم من عبودية فرعون، وجعلهم أمة مستقلة، ذكر هنا كيفية نزول التوراة على موسى، التي هي دستور حياتهم، وتبيان شريعتهم والأحكام التي أمر ربهم بها. وسبب الآيات: هو ماروي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك الله عدوهم، أتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فهذه الآيات في بيان كيفية نزول التوراة (١). (١) تفسير الرازي: ٢٢٦/١٤ ٨٨ الجُ (٩) - الأَثغرافي: ١٤٢/٧ -١٤٥ وموضوع الآيات: تحديد موعد لموسى لمكالمة ربه، واستخلاف هارون على بني إسرائيل في غياب موسى، وطلب موسى رؤية الله عز وجل، وإنزال التوراة المتضمنة أصول الشريعة. التفسير والبيان: امتن الله على بني إسرائيل بما ظفروا به من الهداية، بتكليمه موسى عليه السلام، وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم. والمعنى: وعد الله تعالى موسى مكالمته، في تمام ثلاثين ليلة، وأمره بصومها، فصامها، وهي شهر ذي القعدة، فلما تمت أنكر موسى رائحة فمه، فاستاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل صيام عشرة أيام أخرى من ذي الحجة، وأن يلقى الله صائماً، فأصبح موعد اللقاء في تمام أربعين ليلة، ذكرت في سورة البقرة مجملة، وفصلت هنا. وإنما قال: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين؛ لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام(١). روي عن أبي العالية أنه قال في بيان زمان الموعد: يعني ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة، فمكث على الطور ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح، فقرَّبه الرب نجياً، وكلمه وسمع صريف القلم. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام، وفيه أكمل الله الدين لمحمد وَاليه، كما قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: ٣/٥] (٢). (١) تفسير الرازي: ٢٢٦/١٤، أحكام القرآن للجصاص: ٣٤/٣ (٢) تفسير ابن كثير: ٢٤٣/٢ ٨٩ المُزُجُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧-١٤٥ وقال موسى حين أراد الذهاب إلى الطور لميقات ربه لأخيه هارون الأكبر منه سناً: كن خليفتي في القوم مدة غيابي، وأصلح أمر دينهم، ولا تتبع سبيل أهل الفساد والضلال، وهو يشمل مشاركتهم في أعمالهم الفاسدة. وهذا تنبيه وتذكير وتأكيد، وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله. هَرُونَ ٢٩ وكان هارون وزيراً لموسى بسؤاله ربه: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِىِ وَأَشْرِكُهُ فِىِّ أَمْرِى أُشْدُدْ بِهِ= أَزْرِى (9) أَخِی . [طه: ٢٩/٢٠-٣٢]. وكانت ٣٢ الرياسة في بني إسرائيل لموسى عليه السلام. ولما جاء موسى لميقات الله تعالى المحدد له للكلام مع ربه وإعطائه الشريعة، وكلمه ربه بلا واسطة كلاماً سمعه من كل جهة وسمعه السبعون المختارون للميقات، رغب في الجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية، فقال: أرني ذاتك المقدسة، وقوِّني على النظر إليك، فقال الله له: لن تراني الآن ولا في المستقبل في الدنيا؛ إذ ليس لبشر القدرة على النظر إلي في الدنيا، لقوله و 8 فيما رواه مسلم: ((حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه - أنواره - ما انتهى إليه بصره من خلقه)). ثم أبان له أنه لا يطيق الرؤية فقال مستدركاً: ولكن انظر إلى الجبل، فإن ثبت مكانه عند التجلي الأعظم عليه، فسوف تراني. وإذا كان الجبل في قوته وثباته لم يستطع أن يثبت، فكيف أنت ياموسى؟ فلما تجلى ربه للجبل، وما تجلى منه إلا قدر الخنصر، جعله تراباً مدكوكاً، وخرَّ - سقط - موسى مغشياً عليه. فلما أفاق من إغماءته وغشيانه أو صعقته، قال: سبحانك، أي تنزيهاً وتعظيماً وإجلالاً أن يراك أحد في الدنيا إلا مات. إني تبت إليك من طلب الرؤية أي أن أسألك الرؤية، وأنا أول المؤمنين في ٩٠ الُ (٩) - الأَغرافِن: ١٤٢/٧-١٤٥ زماني من بني إسرائيل بعظمتك وجلالك، وفي رواية عن ابن عباس: وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. ثم طيب الله خاطره وأبان له مكانته، فقال له: ياموسى إني اخترتك على ناس زمانك وآثرتك عليهم بتكليمي إياك وبإعطائك رسالاتي المتنوعة، فخذ ما أعطيتك من الشريعة وهي التوراة، وكن من جماعة الشاكرين نعمي، المظهرین لإحساني إليك وفضلي عليك. ﴿ قَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الموعظة: تشمل كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة من المعصية، والتفصيل: بيان أقسام الأحكام، أي وأعطيناه ألواحاً كتبنا له فيها أنواع الهداية والمواعظ المؤثرة، والأحكام المفصلة المبينة الحلال والحرام وأصول العقيدة والآداب، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة، وهي أول ما أوتيه من التشريع. ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي فقلنا له: خذها عطفاً على ﴿وَكَتَبْنَا﴾ أي فخذها بقوة وجد وعزيمة، أي وعزم على الطاعة ونية صادقة، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ. ومعنى ﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ أي بحسنها وكلها حسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، فليأخذوا بما فيه الحسن والصواب، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥/٣٩]. ﴿سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ أي سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، وكيف يصير إلى الهلاك والدمار. قيل: أراد بها مصر، أي سأريكم ديار القِبْط ومساكن فرعون خالية منهم. وقال قتادة: سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها؛ يعني الشام وأهل الشام، أي منازل عاد وثمود ٩١ الُزُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧ -١٤٥ والشعوب التي أهلكها الله بسبب الفسق، وتمرون عليها في أسفاركم. قال ابن كثير: وهذا هو الأولى؛ لأن هذا کان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه. وإذا كان المراد مصر فإن الله تعالى لما أغرق فرعون، أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى الساحل، ففعل؛ فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم هلاك الفاسقين. وهذا رأي أكثر المفسرين. قال ابن جرير الطبري: وإنما قال: ﴿سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غداً إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. أي أن في آية ﴿سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ اُلْفَسِقِينَ﴾ وجهين: إما التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وإما الاعتبار بمن أهلكهم الله، وهم إما فرعون وجنوده، وإما منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى مايأتي: اً - تعظيماً لشأن الميقات أو الموعد بتكليم الله أمر الله موسى أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي في رأي، أو أنه أزال خلوف فمه بنهاية صوم الثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة في رأي الكثيرين، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. فهذا هو فائدة تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة. أَ - إنه تعالى كلم موسى عليه السلام، وكلام الله تعالى في قول أكثر أهل السنة والجماعة صفة أزلية قديمة، مغايرة الحروف والأصوات، فليس كلام الله حرفاً ولا صوتاً، وقد سمع موسى عليه السلام تلك الصفة الحقيقية الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت، وإلا كان كلامه محدثاً. ٩٢ الزُعُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧-١٤٥ ٣ - قد سمع السبعون المختارون للميقات أيضاً كلام الله تعالى؛ لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام، ثم إن حادثة التكليم معجزة لموسى، فلابد من اطلاع غيره عليها. ٤ - أنزل الله تعالى على موسى في هذه المكالمة الألواح وفيها التوراة المشتملة على أصول العقيدة والأخلاق والآداب والشريعة والأحكام المفصلة المبينة الحلال والحرام، عن مقاتل: كتب في الألواح: ((إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئاً، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا باسمي كاذبين، فإن من حلف باسمي كاذباً، فلا أزكيه، ولا تقتلوا، ولا تزنوا، ولا تعقّوا الوالدين)». ٥ - يجب تلقي الشريعة بحزم وجد وعزم على الطاعة وتنفيذ ما ورد فيها من الصلاح والإصلاح ومنع الفساد والإفساد، وتكوين الأمة تكويناً جديداً. والأخذ بأحسن مافي التوراة وكل مافيها حسن وهو الأخذ بالفرائض والنوافل، دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب(١). ٩ - اعتز شعب إسرائيل حين أقام شريعته، فلما غلب عليه الغرور، وظن أنه شعب الله المختار، وظلم وفسق، سلط الله عليه البابليين، فأزالوا ملكه، ثم تاب فعاد إليه بعض ملكه، ثم ظلم وأفسد، فسلط عليه النصارى، فهزموه وشتتوه. وكذلك المسلمون لما عصوا كتاب ربهم وأهملوه، سلط الله عليهم الأعداء من كل جانب، فأفسدوا أفكارهم وعقيدتهم وأخلاقهم، وأوقعوا الشقاق والنزاع بينهم. (١) أحكام القرآن للجصاص: ٣٥/٣ ٩٣ الُعُ (٩) - الأَغراف: ١٤٢/٧ -١٤٥ والخلاصة: أن الأمة تكون عزيزة الجانب مرهوبة مادامت متمسكة بدينها، فإذا أهملته انهارت وضاعت ولا يَغْتَرَّنَّ أحد بدول أوربا وأمريكا وروسيا واليهود، فإن ذلك لأجل محدود، ولحكمة يعلمها الله تعالى. ٧ - الآراء في رؤية الله عز وجل: استدل المعتزلة بهذه الآية: ﴿لَنْ تَرَنِىِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣/٦] على نفي رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، وما كان طلب موسى عليه السلام الرؤية إلا تبكيت السفهاء الذين طلبوا الرؤية، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله بامتناع ذلك. وأثبت أهل السنة إمكان رؤية الله في الآخرة، بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِدٍ نَاضِرَةً ﴾ [القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣] وبالأحاديث الصحيحة ﴿فَ إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ المتواترة عن رسول الله وَله، ومنها: ما أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن جرير أن رسول الله و 18 قال: ((إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته .. )) ومنها ما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) وهي المعبر عنها بقولهم: إنها رؤية بلا كيف. أما الآية هنا: ﴿لَنْ تَرَكِنِ﴾ فتدل على أنه تعالى جائز الرؤية؛ لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أُری؛ ولأنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز وهو استقرار الجبل، وما علق على جائز الوجود فهو جائز؛ ولأن موسى عليه السلام سأل الرؤية، ولا يسأل إلا الجائز، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها، علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى. ثم إن التجلي في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَڪَّا﴾ هو إما ظهور بالرؤية أو الدلالة، وبما أن الرؤية غير مقدورة للإنسان، فكان ٩٤ لُ (٩) - الأَغرافنا: ١٤٦/٧ -١٤٧ المراد ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل، أي أن المقصود تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى، بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه. وفي نهاية الحادثة تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية، وكأنه قال له: إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يَضِقْ صدرك بسبب منع الرؤية. وهذا أيضاً يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى(١). عقوبة التكبر والكفر بصرف المتكبرين عن فهم أدلة العظمة الإلهية ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الزُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأْ سَكِيلَ اٌلْفِىّ يَتَّخِذُوُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ ١٤٦ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْأَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ القراءات: ﴿ءَايَتِىَ﴾ : وقرأ ابن عامر، وحمزة (آياتيْ). ﴿ الرُّشْدِ﴾: (١) تفسير الرازي: ٢٢٩/١٤ - ٢٣٥، أحكام القرآن للجصاص: ٣٤/٣ - ٣٥ ٩٥ لُ (٩) - الأَغراف: ١٤٦/٧ -١٤٧ وقرأ حمزة، والكسائي (الرَّشَد). الإعراب: ﴿بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أن يكون حالاً، بمعنى يتكبرون غير محقين؛ لأن التكبر بالحق لله وحده، وأن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما لیس بحق. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: في محل الرفع مبتدأ، على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو في محل النصب، على معنى: صرفهم الله ذلك الصرف بسببه. ﴿وَلِقَاءِ الْأَخِرَةِ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، أو من إضافة المصدر إلى الظرف، بمعنى ولقاء ما وعد الله في الآخرة. المفردات اللغوية: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ﴾ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، ومنعهم فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، فلا يفكرون فيها، ويتكبرون عن طاعتي. وآياتي: دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها ﴿ يَتَكَبَّرُونَ﴾ أي يتكبرون عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق. والتكبر: غمط الحق بعدم الخضوع له، مع احتقار الناس غالباً. ﴿وَإِن يَرَوَأ سَبِيلَ﴾ طريق ﴿اُلْرُّشْدِ﴾ الهدى الذي جاء من عند الله، والصلاح والاستقامة، وضده الغي والسفه، والرُّشد والرَّشَد في اللغة: أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة. ﴿اَلْفِّ﴾ الضلال ﴿ذَلِكَ﴾ الصرف ﴿كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾ أي الآيات المنزلة من عندنا المشتملة على الهدى وتزكية النفوس. فالآيات هنا غير الآيات الأولى التي هي الدلائل والبينات. ٩٦ لُعُ (٩) - الْأَغَرَافِ: ١٤٦/٧-١٤٧ ﴿وَلِقَاءِ الْأَخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَلُهُمْ﴾ ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة، فلا ثواب لهم لانعدام شرط القبول وهو الإيمان. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ما يجزون إلا جزاء عملهم من التكذيب والمعاصي. المناسبة: هذه الآيات تتحدث عن طبائع المتكبرين القدامى والمعاصرين، فبعد أن بَيَّن الله تعالى ما لحق بفرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه، ذکر أن امتناع قريش عن الإيمان إنما هو بسبب التكبر أيضاً، وهذا يدل على أن منشأ الإعراض عن الإيمان والإصرار على الكفر هو التكبر، والكبر يصرف الإنسان عادة عن النظر في الحق ويؤدي إلى التكذيب به، ويجعل المتكبر غافلاً عن آيات الله الدالة عليه. التفسير والبيان: سأمنع قلوب المتكبرين عن طاعتي والمتكبرين على الناس بغير حق من فهم الدلائل الدالة على عظمتي وشريعتي، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥/٦١]. والمراد بآياتي هنا: الأدلة والبينات. وهذا خطاب شامل كل أمة وفرد، مثل فرعون وقومه الذين منعهم الله من فهم آيات موسى، وقد يفهمون بعض الآيات ويجحدونها غروراً وتعالياً وتكبراً مثلٍ قوم فرعون الذين قال الله فيهم: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ [النمل: ١٤/٢٧] ومثل كفار قريش الذين حجبهم الكبر عن النظر في الآيات مع یقینهم بصدق محمد. هؤلاء المتكبرون من صفاتهم أولاً - أنهم لا يؤمنون بأي آية تدل على الحق ٩٧ الُ (٩) - الأَغراف: ١٤٦/٧-١٤٧ وتثبته؛ إذ لا تفيد الآيات إلا من كان مستعداً للفهم وقبول الحق، كما قال ﴿ وَلَوْ جَاءَ تْهُمْ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ( كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس: ٩٦/١٠ -٩٧]. وثانياً - أنهم يبتعدون عن طريق الهدى والرشاد، وهي الطريق الممهدة المؤدية إلى النجاة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يسلكها ويسلك غيرها، وهذا عن تعمد وعناد، وقد يكون بعضهم عن جهل، وحكم الفريقين واحد. وثالثاً - أنهم إذا ظهر لهم سبيل الغي والضلال والفساد، بادروا إليه مسرعين، بما تزينه لهم أهواؤهم ونفوسهم الأمارة بالسوء، وهذا سلوك شر مما سبقه. ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بعلة ثابتة وهي تكذيبهم بآيات الله المنزلة على رسله، وغفلتهم عن النظر بما فيها، وإعراضهم عن العمل بها. ومجمل حال هؤلاء المتكبرين أن الله لم يخلقهم مطبوعين على الكفر والضلال، ولم يجبرهم عليه، بل حدث ذلك باختيارهم؛ إذ أنهم كذبوا بالآيات، وانغمسوا بأهوائهم وشهواتهم في بؤر الضلال والانحراف، وحجبوا أفهامهم عن إدراك الحق والهدى وسلوك سبيل السعادة والنجاة، فِهم كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَاَ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَاٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاَ أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَلِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ([®َا﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧]. ثم أوضح الله تعالى مآل ما قد يعملونه من أعمال خيرة في الدنيا: وهو إحباطها وإبطالها وتلاشي آثارها، وعدم ترتيب الثواب عليها، فقال: والذين كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا، ولم يؤمنوا بها، ولم يصدقوا بالآخرة والبعث وما فيه من جزاء على الأعمال ثواباً على الخير وعقاباً على الشر، واستمروا على وضعهم هذا إلى الممات، بطلت أعمالهم، وذهبت سدى، لفقد شرط ٩٨ الزُُّ (٩) - الأَغراف: ١٤٦/٧ -١٤٧ القبول وهو الإيمان، ولأن من سنته تعالى جعل الجزاء في الآخرة بحسب أعمالهم التي أسلفوها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وكما تدين تدان. فقه الحياة أو الأحكام: هذه أحوال المتكبرين عن طاعة الله وعلى الناس، الظانين أنهم أفضل الخلق، وهو ظن باطل، لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾ فلا يتبعون نبياً، ولا يصغون إليه لتكبرهم. يصرفهم الله تعالى عن التفكير في آيات الله الدالة على عظمته وشريعته وأحكامه، بالطبع على قلوبهم، وإلقاء الغفلة على نفوسهم، وشغلهم بأهوائهم وشهواتهم، وهم في ترکهم تدبر الحق کالغافلين عنه. إنهم يمعنون في معاداة الأنبياء، ويكذبون بالآيات المنزلة على الرسل، وينكرون وجود الآخرة، ولا يصدقون بكل آية، ويتركون طريق الرشاد، ويتبعون سبيل الغي والضلال، أي يتخذون الكفر ديناً. واحتج أهل السنة بآية ﴿سَأَصْرِفُ﴾ على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه. وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ذلك، فليس المراد منها صرفهم عن الإيمان بآيات الله ولا خلق الكفر فيهم؛ لأن قوله: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ يتناول المستقبل، والكفر حدث منهم في الماضي، مما يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله، وإنما المراد العقوبة على التكبر والكفر. ولأنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقول مع ذلك: جَ﴾؟ ﴿وَمَا مَنَعَ (9﴾؟ ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٩٩ الُ (٩) - الأَغراف :: ١٤٨/٧ -١٤٩ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ﴾؟ [الانشقاق ٢٠/٨٤، المدثر ٤٩/٧٤، الإسراء ١٧/ ٩٤](١). ودل قوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ على أن الجزاء من جنس العمل، فمن آمن وعمل الصالحات فله الجنة، ومن كفر وعمل السیئات فله النار. قصة اتخاذ السامري العجل ﴿ وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًاً اَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ ﴿ وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُواْ قَالُواْ لَيْن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ١٤٩٦) القراءات: حُلِيْهِمْ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي (حِليُهم). ﴿يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (ترحمنا ربنا وتغفر لنا). الإعراب: ﴿مِنْ حُلِيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بفعل ﴿وَأَّخَذَ﴾ والحلي: جمع حَلي، (١) تفسير الرازي: ٢/١٥ - ٣ ١٠٠ الجُ (٩) - الأَغراف :: ١٤٨/٧-١٤٩ وأصله حُلُوي على فُعُول، نحو فَلْس وفلوس، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكن، فقلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة. ومفعول (اتخذ) الثاني محذوف أي إلهاً. البلاغة: ﴿ وَلَا سُقِطَ فِىَ أَيْدِيِهِمْ﴾ كناية عن شدة الندم؛ لأن النادم يعض على يده عادة ألماً وحزناً. قال في (تاج العروس): هذا نظم لم يُسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب. وذكرت اليد؛ لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر فيها بالعضّ أو بالضرب بها على اليد الأخرى، كما قال سبحانه في النادم: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيَهَا﴾ [الكهف: ٤٢/١٨]. المفردات اللغوية: ﴿ وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي بعد ذهابه إلى جبل الطور للمناجاة ﴿مِنْ ◌ُلِيِّهِمْ﴾ حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم لعرس فبقي عندهم، والحلي: ما يتخذ للحلية من ذهب أو فضة ﴿عِجْلًا﴾ صنع لهم السامري عجلاً من الحلي بعد إذابته، والعجل: ولد البقرة كالْمُهْرٍ لولد الفرس، والحُوَار لولد الناقة ﴿جَسَدًا﴾ جسماً ﴿لَّهُ خُوَارُ﴾ صوت يسمع، بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه. والخوار: صوت البقر كالرُّغاء لصوت الإبل ﴿أَخَذُوهُ﴾ إلهاً ﴿وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ باتخاذه. ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ﴾ ندموا على عبادته ﴿وَرَأَوَا﴾ علموا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُواْ﴾ بها بعد رجوع موسى. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة مناجاة موسی لربه وإنزال التوراة علیه، ذکر هنا ما حدث أثناء المناجاة من اتخاذ قومه على يد السامري عجلاً مصوغاً من الحلي