Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الجُرُ (٩) - الأَغراف :: ٩٦/٧ -١٠٠
قال الرازي: قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ يحتمل التشاغل بأمور الدنيا، فهي
لعب ولهو، ويحتمل خوضهم في كفرهم؛ لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا
(١)
ينفع(١).
ثم كرر الله تعالى الاستفهام الإنكاري لزيادة التوبيخ، بعد قوله: ﴿أَفَأَمِنَ
أَهْلُ اُلْقُرَىّ﴾ وعطف عليه بالفاء، فقال: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي بأسهِ
ونقمته وقدرته عليهم. ومكر الله: جزاؤه وأخذه العبد من حيث لا يشعر، مع
استدراجه. إن كانوا أمنوا مكر الله وعقابه، فلا يأمن مكر الله إلا الذين
خسروا أنفسهم، قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو
مشفق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.
ومجموع معنى الآيتين: أكان سبب أمنهم أن يأتيهم العذاب في وقت
غفلتهم ليلاً أو نهاراً، أو كان سبب أمنهم غفلتهم عن مكر الله بهم، أي
جزاؤه الذي ينزله بهم؟ إن ظنوا ذلك فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم
الخاسرون أنفسهم.
وبعد بيان حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال، أبان تعالى أن
الهدف من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم
وطاعاتهم، فقال: ﴿أَوَّلَمْ يَهْدِ﴾.
أي أولم يتبين للناس، وخصوصاً قريشاً الذين يُخلفون غيرهم في سكنى
الأرض وورائتها مع الديار، بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها: أن شأننا
معهم كشأننا مع من سبقهم، فلو نشاء أصبناهم وعذبناهم بذنوبهم وأعمالهم
السيئة، كما عذبنا أمثالهم من قبل، وفعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، فأهلكنا
الوارثين كما أهلكنا المورثين.
(١) التفسير الكبير للرازي: ١٨٥/١٤

٢٢
لُعُ (٩) - الأَغرافِن: ٩٦/٧-١٠٠
فإن لم نهلكهم بالعذاب نختم على قلوبهم، فهم لا يسمعون الموعظة والتذكير
سماع تدبر، ولا يقبلون ولا يتعظون ولا ينزجرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِى
اَلْآَيَثُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١/١٠] وأما المؤمنون فشأنهم
الاتعاظ والاعتبار بما حدث لمن قبلهم، كما قال تعالى في آيات كثيرة
موضوعها واحد، منها: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى
مَسَكِنِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى
[١٢٨) ﴾ [طه: ٢٠ /١٢٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ترغيباً للمؤمنين وترهيباً للكافرين. أما ترغيب المؤمنين
فهو إفاضته الخيرات والبركات الإلهية من السماء بالمطر والرياح المباركة،
ومن الأرض بالنبات والثمار، والمعادن والكنوز، وكثرة المواشي والأنعام،
وحصول الأمن والسلامة، وإلهام الإنسان رشده وفكره إلى اكتشاف وسائل
الراحة والرخاء.
وأما ترهيب الكافرين فهو إنذارهم بتعذيبهم عذاب استئصال ودمار،
كعذاب الأمم الأخرى وأهل القرى والمدن الذين أرسل إليهم الرسل،
فكذبوهم وآذوهم.
وحذرهم تعالى بألا يغتروا بحلم الله وإمهاله وتأجيله العقاب، فربما يأتي
العقاب في حال الغفلة ليلاً أو نهاراً، ومن اغتر بحلم الله وأمن مكره، أي
جزاءه، فلا يأمن الجزاء إلا الخاسرون.
أولم يتبين لهم أن سنة الله واحدة في تعذيب الكافرين؟ وسنة الله لا تتغير،
إنه يعذب العصاة والمتمردين بسبب ذنوبهم وسيئاتهم، كما عذب الذين من
قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، وإن لم نهلكهم
بالعقاب نطبع على قلوبهم، فهم لا يسمعون الموعظة سماع فهم وتدبر.

٢٣
لُ (٩) - الَّغَرَافِ: ١٠١/٧-١٠٢
واستدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَنَطّبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ على أنه تعالى قد
يمنع العبد عن الإيمان، أي بعد أن علم عدم إيمان ذلك العبد. وقال الجبائي
المعتزلي: المراد من هذا الطبع أنه تعالى يَسِمُ قلوب الكفار بسِمات وعلامات
تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون، وتلك العلامة غير مانعة من
الإيمان.
العبرة من قصص أهل القرى
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم ◌ِالْبَيِّنَتِ فَمَا
كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
اُلْكَفِرِينَ ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ
١٠٢
القراءات:
﴿ رُسُلُهُمَ
وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم).
الإعراب:
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ﴾ تلك: مبتدأ، القرى: بدل أو عطف بيان، والمعنى
أنها صفة، و﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ خبر المبتدأ ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ معنى اللام
تأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافياً لحالهم في التصميم على الكفر.
﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلٌ﴾ الباء سببية ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ الضمير
للناس على الإطلاق، أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد.
﴿وَإِن وَجَدْنَا﴾ إن مخففة من الثقيلة. قال الزمخشري: وإن الشأن والحديث
وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة مارقين. والآية اعتراض.

٢٤
المُعُ (٩) - الأَشْرَافِ :: ١٠١/٧-١٠٢
المفردات اللغوية:
(تِلْكَ اُلْقُرَى﴾ هي قرى الأقوام الخمسة التي وصفت سابقاً، وهم قوم
نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ نذكر لك
شيئاً من أخبارها كيف أهلكت. والخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ أي بعض أخبار أهلها ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ المعجزات
الظاهرات. ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ عند مجيئهم ﴿بِمَا كَذَّبُواْ﴾ كفروا به
﴿مِن قَبْلُ﴾ قبل مجيئهم، بل استمروا على الكفر ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾ أي مثل
ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين
الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا.
﴿لِأَكْثَرِهِم﴾ أكثر الناس ﴿مِّنْ عَهْدٍ﴾ أي وفاء بعهدهم يوم أخذ الميثاق،
أي أن أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى.
والعهد: قد يكون بين طرفين كالمعاهدة، أو من طرف واحد بأن يعهد
لآخر بشيء، أو يُلزم به. والميثاق: العهد المؤكد.
﴿لَفَسِقِينَ﴾ لخارجين عن الطاعة وعن كل عهد، إما فطري أو شرعي،
بنقضه ونكثه والغدر بأحكامه. ﴿ وَمَا وَجَدْنَا﴾ أي ألفينا ﴿وَإِن وَجَدْنَا﴾ علمنا.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى على نبيه أخبار قرى الأقوام الخمسة (قوم نوح وهود
وصالح ولوط وشعيب) وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين،
وإعذاره إليهم ببيان الحق بالأدلة على ألسنة رسلهم، أراد الله تسلية نبيه،
وتثبيته على الصبر على دعوته، وتذكيره بالعبرة من قصص الماضين، وأن ما
يلاقيه من قومه ليس جديداً، وإنما هو طريق قديم سلكه كثير من أقوام
الأنبياء.

٢٥
الُ (٩) - الأَغراف: ١٠١/٧-١٠٢
التفسير والبيان:
تلك القرى: قری الأقوام الخمسة الذين وصفوا بما سبق نقص علیك یا
محمد بعض أخبارها كيف أهلكت، مما فيه العبرة والعظة لقومك، والتسلية
لك والتثبيت على دعوتك. وإنما خص الله أنباء هذه القرى؛ لأنهم اغتروا
بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، وذكرها الله تنبيهاً
لقريش وأمثالهم عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.
ثم إن هذه القرى كانت في بلاد العرب، وكان أهل مكة يتناقلون بعض
أخبارها، وهي جميعاً متشابهة في تكذيب الرسل، وعذاب الاستئصال،
فكانت العبرة منها واحدة، لذا فصلت عن قصة موسى الآتية؛ لأن قومه آمنوا
به، وإنما كذب به فرعون وجماعته فعذِّبوا.
وسبب عقاب تلك الأقوام هو تكذيب الرسل، فبالرغم من أنهم أقاموا
لهم الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به
الرسل بسبب تكذيبهم بالحق من قبل مجيء الرسل وأول ما ورد عليهم، أي في
بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله، ومن قبل مجيء المعجزات، فظلوا على
حالهم، ولم تؤثر فيهم الآيات الدالة على صدق الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا
إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على
التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم
وعنادهم، مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات.
ومثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب
الكافرين الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا أبداً. وبإيجاز: مثل ذلك الطبع
الشديد نطبع على قلوب الكافرين.
وفي الآية تسلية للنبي وَّه وتثبيت له على دعوته، وإخباره بأن هذا العناد
والتمرد من أهل مكة قد سبقهم إليه أمثالهم من الأمم الغابرة، فلا تأس ولا
تحزن على كفرهم.

٢٦
لُ (٩) - الَّغرافي: ١٠١/٧-١٠٢
وما وجدنا لأكثر الأمم الماضية عهداً وفوا به، سواء عهد فطرة الذي
عاهدهم الله وهم في صلب آدم، أو عهد شرع بالإيمان وأداء التكاليف، أو
عهد عرف متعارف عليه بأداء الالتزامات واحترام العقود التي يبرمونها فيما
بينهم. ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. وفي التعبير
بالأكثر إشارة إلى أن بعضهم قد آمن، ونفذ كل عهد مع الله أو مع الناس.
وهذا من دقة القرآن ومصداقيته.
ومخالفة عهد الفطرة السليمة القائم على الإقرار بتوحيد الله وأنه لا إله إلا
هو، وعبادةُ غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، كان كلاهما بتأثير
البيئة، جاء في صحيح مسلم: ((يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء،
فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم))
وفي الصحيحين: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه،
أو يمجسانه)) الحديث.
وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن مخالفة الفطرة
السليمة وعن الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا
﴾ [الأنبياء: ٢٥/٢١] وقال تعالى:
٢٥
نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ
﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اُلَّغُونَ﴾
[النحل: ٣٦/١٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
الكفر عناد وتصميم بالرغم من معرفة الحق والاقتناع بالبرهان. ولقد كان
إيراد قصص القرى التي أهلكها الله، وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود
وشعيب للعبرة والاتعاظ، وما كان أهل تلك القرى ليؤمنوا الآن حقيقة
بسبب تكذيبهم السابق قبل مجيء الرسل، وظلوا إلى آخر أعمارهم مستمرين
على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم
وعنادهم.

٢٧
الُ (٩) - الأَغراف :: ١٠٣/٧-١١٦
والختم والطبع على قلوب الكفار القدامى والمعاصرين للنبي وصل# ومن يأتي
بعدهم إنما هو بسبب كفرهم وإصرارهم على موقفهم.
وهناك حقيقة أخبرت عنها الآية وهي أن أكثر الناس لا أمانة لهم ولا وفاء
لديهم لعهد الله وميثاقه، وعهود الناس ووعودهم، وأن أكثرهم في الواقع
فاسقون مارقون خارجون عن حدود الطاعة المطلوبة منهم نحو ربهم.
قصة موسى عليه السلام مع فرعون والملأ من قومه
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِثَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَّا فَأَنْظُرْ
وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
١٠٣
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
حَقِيقُ عَلَىَّ أَن لَّ أَقُولَ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِيِّنَةٍ مِّن
اُلْعَلَمِينَ
رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىّ إِسْرَّةِ يَلَ ﴾ قَالَ إِن كُنْتَ جِثْتَ بِشَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنْتَ
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
مِنَ الصَّدِقِينَ
◌ُرِيدُ
١٠٩
قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَخِر عَلِيمٌ
بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ
أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٣ قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلٌ فِى الْمَدَآبِنِ
وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا
١١٣
خَشِينَ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (
لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
قَالُواْ
١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
يَمُوسَىّ ◌ِّ أَنْ تُلْقِىَ وَإِقَّ أَن تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١٥)
قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ
سَحَرُوْاْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
القراءات:
حَقِيقُ عَلَىَّ أَنْ﴾ :
وقرأ نافع (حقيق عليَّ).
جِئْتُكُمْ﴾ .. ﴿جِئْتَ﴾:

٢٨
لِلْزُ (٩) - الأَغَرَافِن: ١٠٣/٧-١١٦
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (جيتكم .. جيت).
﴿مَعِى﴾: قرئ:
١- (معيَ) وهي قراءة حفص.
٢- (معيْ) وهي قراءة الباقين.
﴿أَرْجِهِ﴾: قرئ:
١- (أرجهِ) بالاختلاس، وهي قراءة قالون.
٢- (أرجهِ) بترك الهمز، وبكسر الهاء مع صلتها، وهي قراءة ورش،
والكسائي.
٣- (أرجِتْهُ) بإشباع الضم، وهي قراءة ابن كثير.
٤ - (ارجتْهُ) بالاختلاس، وهي قراءة أبي عمرو.
٥- (أرجثْهِ) وهي قراءة ابن ذكوان بالاختلاس.
٦- (أرجهْ) وقرأ الباقون، بترك الهمز وبإسكان الهاء.
﴿سَحِرٍ﴾:
وقرأ حمزة والكسائي (سَخَّار).
﴿إِنَّ لَنَا﴾: قرئ:
١- (إنَّ لنا) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وحفص.
٢- (أئنَّ لنا) وهي قراءة الباقين.
﴿نَعَمْ﴾:

٢٩
لُ (٩) - الأَغرافِنْ: ١٠٣/٧-١١٦
وقرأ الكسائي: (نَعِم).
الإعراب:
﴿حَقِيقُ عَلَىَّ أَن لَّ أَقُولَ﴾ أن في موضع جر بعلى بمعنى الباء، وتقديره:
حقيق بأن لا أقول. وقرئ بتشديد الياء في: على، فيكون: ألا أقول: في
موضع رفع بالابتداء، وما قبله خبره ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ معطوف على
محذوف، سد مسده حرف الإيجاب: نعم، كأنه قال: نعم إن لكم لأجراً،
وإنكم لمن المقربين.
﴿فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾: إذا للمفاجأة: مبتدأ، وثعبان: خبره.
﴿إِقّآ أَنْ تُلْفِىَ وَإِمَّآ أَنْ تَّكُونَ﴾: ﴿أَنْ﴾ فيهما: في موضع نصب بفعل
مقدر، على تقدير: إما أن تفعل الإلقاء، وإما أن نفعل الإلقاء.
البلاغة:
﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ اُلْمُقَرَّبِينَ﴾ فيه تأكيد الجملة بمؤكدين: إن واللام، لإزالة
الشك من نفوس السحرة، ويسمى هذا الخبر إنكارياً.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي من بعد الرسل المذكورين ﴿مُوسَى﴾ هو كليم الله موسى
ابن عِمْران أعظم أنبياء بني إسرائيل ﴿فِرْعَوْنَ﴾ لقب كل ملك لمصر في العهد
القديم، وقيل: كان اسمه منبتاح بن رمسيس، سنة ١٢٢٥ ق. م من الأسرة
١٩، مثل لقب كسرى ملك الفرس، وقيصر لملك الروم ﴿ِتَايَتِنَآ﴾ الآيات
هنا: المعجزات الدالة على صدق النبي مثل العصا واليد . ﴿ وَمَلَإِيْهِ﴾ أشراف
قومه، والمراد هنا قومه ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ كفروا وجحدوا بها ﴿عَقِبَةُ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ بالكفر وتلك العاقبة هي إهلاكهم ﴿حَقِيقُ﴾ جدير أو خليق به
﴿عَلَىَّ أَن لَّ أَقُولَ﴾ أي بأن لا أقول ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ حية عظيمة.

٣٠
الجُرَءُ (٩) - الَّغراف: ١٠٣/٧-١١٦
﴿َنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿بَيْضَآءُ﴾ ذات شعاع ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾ خلاف
ما كانت عليه من الجلد الهامد ﴿لَسَحِر عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر. وفي سورة
الشعراء: كان هذا من قول فرعون نفسه، فكأنهم قالوه معه على سبيل
التشاور. ﴿تَأْمُرُونَ﴾ تشيرون علي ﴿أَرْجِةٍ وَأَخَاهُ﴾ أَخِّرْ أمرهما ولا تفصل في
شأنهما الآن ﴿اُلْمَدَآِنِ﴾ أي مدن المملكة ﴿حَشِرِينَ﴾ جامعين السحرة منها.
﴿سَحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أي ماهر بفنون السحر، يفضل موسى في علم السحر،
فجمعوا . ﴿تُلْقِىَ﴾ عصاك ﴿نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ما معنا.
﴿قَالَ أَلْقُواْ﴾ أمر بالإذن بتقديم إلقائهم توصلاً به إلى إظهار الحق ﴿فَلَمَّاً
أَلْقَوْاْ﴾ حبالهم وعصيهم (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ صرفوها عن حقيقة
إدراكها ﴿وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ خوفوهم حيث تخيلوها حيات تسعى.
المناسبة
هذه هي القصة السادسة من قصص الأنبياء التي ذكرها الله تعالى في هذه
السورة، وفيها من الإيضاح والبيان مالم يذكر في غيرها من القصص؛ لأن
معجزات موسى كانت أقوى من معجزات الأنبياء السابقين، وجهل قوم
فرعون الذين أرسل إليهم كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام، كما أن
موسى أرسل أيضاً لغير قومه، أما الأنبياء السابقون فإنهم أرسلوا لأقوامهم.
أضواء من التاريخ:
ذكر اسم موسى في القرآن أكثر من مئة وثلاثين مرة، وله قصص كثيرة مثيرة
وعجيبة منذ بداية ولادته حينما كان جماعة فرعون يقتلون أولاد بني إسرائيل
ويبقون نساءهم أحياء، فألقته أمه في النيل في صندوق، ثم رده الله إليها
لإرضاعه، فهذه قصته مع أمه وأخته في سورتي القصص وطه، ثم قصة
خروجه من مصر إلى أرض مدين وهو شاب، بسبب قتله مصرياً إغاثة

٣١
لِلُعُ (٩) - الأشراف: ١٠٣/٧-١١٦
لعبراني، وقصته مذكورة في سورة القصص (١٥ - ٢١) وفي سورة طه (الآية
٤٠) ثم سقايته الماشية لابنتي شعيب (القصص ٢٢ - ٢٥) ثم مصاهرته لشعيب
عليه السلام (القصص ٢٦ - ٣٨، وطه ٤١) ثم رعيه ماشية شعيب مهراً لابنته
عشر سنين بالوادي المقدس : طوی.
ثم بعثته عليه السلام بينما ذهب الإتيان أهله بنار للاستدفاء وذلك في سورة
الإسراء (٢ - ٣) وسورة طه (٩ - ٦ و١٧ - ٣٦، و٤٢ - ٤٧) وسورة
القصص (٤٥ - ٤٦ و٢٩ - ٣٥) وسورة الفرقان (٣٥ - ٣٦) وسورة
الشعراء (١٢ - ١٦) وسورة النمل (٧ - ١٢) وسورة السجدة (٢٣ - ٢٥)
وسورة النازعات (١٥ - ١٩).
ثم عودته إلى مصر مع أخيه هارون ودعوته فرعون إلى الإيمان برسالته،
وذلك في سورة الأعراف (١٠٤ - ١٠٥) وسورة الشعراء (١٧، ٢٢).
ثم محاورته فرعون في ربوبية الله وإظهاره الآيات البينات الدالة على صدق
نبوته في سورة طه (٥٥) وسورة الشعراء (٢٤ - ٢٨) وموقف فرعون الطاغية
بتجاهل ألوهية الله وادعائه الألوهية، وأمره ببناء صرح يصعد به إلى السماء
في سورة القصص (٣٨) وسورة غافر (٣٦ - ٣٧) التي قال الله فيها: ﴿وَقَالَ
أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ
٣٦
فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَىَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ
إِلَىَّ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾.
وإظهاره معجزتي العصا واليد أمام فرعون في سورة الأعراف (١٠٦ -
١٢٦) وسورة يونس (٧٥ - ٨٩) وسورة طه (٥٧ - ٧٦) وسورة الشعراء
(٢٩ - ٥٢).
ووصف الله رد فعل فرعون وقومه وتماديهم في الضلال وإصرارهم على
الكفر في سورة الأعراف (١٠٧ - ١٢٩) وغافر (٢٣ - ٢٧) وائتمار آل
فرعون بموسی لقتله ودفاع مؤمن عنه في سورة غافر (٢٨ - ٣٥، و ٣٨ - ٤٦)

٣٢
الُعُ (٩) - الأَغراف :: ١٠٣/٧-١١٦
واستخفاف فرعون بموسى في سورة الزخرف (٥١ - ٥٤) والنازعات (٢٢ -
٢٦).
وكانت آيات العذاب التسع لفرعون وقومه لما كذبوا موسى هي العقاب
الفاصل، وتلك الآيات: الجدب (السنون)، ونقص الأموال، ونقص
الأنفس، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع،
والدم.
أما العصا واليد وفلق البحر وانبجاس الماء لبني إسرائيل فكانت معجزات
لموسى عليه السلام.
أما الآيات التسع فهي مذكورة في سورة الأعراف (١٣٠ - ١٣٥) وسورة
الإسراء (١٠١ - ١٠٢) وسورة طه (٥٩) وسورة النمل (١٣ - ١٤) وسورة
القصص (٣٦ - ٣٧) وسورة الزخرف (٤٦ - ٥٠) وسورة القمر (٤١ - ٤٢)
وسورة النازعات (٢٠ - ٢١).
وإغراق فرعون وملئه في البحر الأحمر مذكور في سورة الأعراف (١٣٦ -
١٣٧) وسورة يونس (٩٠ - ٩٢) وسورة الإسراء (١٠٣ - ١٠٤) وسورة طه
(٧٧ - ٧٩) وسورة الشعراء (٥٢ - ٦٨) وسورة القصص (٣٩ - ٤٠)
وسورة الزخرف (٥٥ - ٥٦) وسورة الدخان (١٧ - ٣١) وسورة الذاريات
(٣٨ - ٤٠).
وأما عقاب فرعون وقومه في الآخرة ففيه عبرة لكل من ادعى الألوهية
وتغطرس واستكبر عن قبول دعوة الأنبياء، وهو مذكور في سورة هود (٩٦ -
٩٩) وسورة القصص (٤١ - ٤٢) وسورة غافر (٤٥ - ٥٢) وسورة الدخان
(٤٣ - ٥٠).
وقد قلَّد بنو إسرائيل في عهد موسى وثنية المصريين، ولم يؤمن بموسى إلا

٣٣
لِلْزُ (٩) - الَِّغَرَافِ: ١٠٣/٧-١١٦
ذرية من قومه على حال رهبة من فرعون أن يفتنهم عن دينهم ويردهم إلى
الوثنية، كما قال تعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن
فِرْعَوْنَ وَهَلَائِهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ﴾ وطلبوا من موسى حينما رأوا عباد الأصنام أن
يتخذ لهم إلهاً كما لهؤلاء القوم آلهة، وكذلك طلبوا الاستبدال بالمن والسلوى
الحبوب والبصل والثوم والبقول، وذلك مذكور في سورة البقرة: ﴿لَن نَّصْبِرَ
عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ (٦١) وفي سورة الأعراف: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ
ج
ءَالِهَةٌ﴾ (١٣٨ - ١٤٠) وضرب الحجر وانفجار العيون الاثنتي عشرة في
سورة الأعراف (١٥٩ - ١٦٠) وإنزال المن والسلوى في سورة طه (٨٠ -
٨٢).
ثم ذهب موسى تاركاً بني إسرائيل لميقات ربه، وكتب له الألواح المتضمنة
الوصايا التي طلب إلى بني إسرائيل العمل بها، وذلك مذكور في سورة
الأعراف: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةٌ﴾ (١٤٢ - ١٤٧).
وفي أثناء غيبة موسى في جبل الطوراتخذ السامري عجلاً إلهاً لبني إسرائيل
يعبدونه، صنعه من ذهب بعد أن جمعه من حلي النساء، وجعله بفعل تأثير
الرياح والرمال أوأثر قدم فرس جبريل ذا خوارأي كصوت الثور، وقال لهم:
هذا إلهكم وإلهُ موسى. ولم يفلح هارون في ردهم عن عبادة العجل: ﴿قَالُواْ لَنْ
تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٤)﴾ [طه: ٩١/٢٠]. وبعد عودة موسى
غضب على أخيه هارون وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه، وكان فيه حدة،
فاعتذر إليه هارون بأنه بذل أقصى جهده. ثم عاتب موسى النبي، موسى
السامري فقال السامري: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِّنْ
أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾ [طه: ٩٦/٢٠] فعاقبه
موسى بالطرد والتشرد وأن يقول في حياته: ﴿لَا مِسَاسٌَّ﴾. وقصة عبادة
العجل مذكورة في سورة البقرة (٥٤، و٩٢ - ٩٣) وسورة الأعراف (١٤٨ -
١٥٤) وسورة طه (٨٤ - ٩٨).

٣٤
الُ (٩) - الأَغراف :: ١٠٣/٧-١١٦
ثم أمر الله على لسان موسى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة وهي
فلسطين أرض الموعد، فتمردوا، فحرمت عليهم، وتاهوا في الأرض أربعين
سنة يعيشون في البرية، من عهد خروجهم من مصر، إلى أن مات موسى،
وعبروا نهر الأردن، وملكوا أريجاء وما حولها غرب الأردن أربعين سنة.
وتلك القصة مذكورة في سورة المائدة (٢٠ -٢٦).
وفي صحراء التيه ذكر الله تعالى في سورتي البقرة والأعراف أنه رفع جبل
الطور فوق بني إسرائيل حتى صار كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع عليهم أو أيقنوا
ذلك، وأمرهم أن يأخذوا ما آتاهم من الأحكام بقوة بأن يفعلوها دون تذمر
أو توقف. وقصة نتق الجبل مذكورة في سورة البقرة (٦٣ - ٦٤) وسورة
الأعراف (١٧١).
وبالرغم من أعجوبة قصة البقرة (البقرة ٦٧ -٧٤) التي ذكرناها في الجزء
الأول، فإن بني إسرائيل لم يتعظوا بها، وبقيت قلوبهم على قساوتها كأنها
الحجارة أو أشد قسوة، ولم تفلح مواعظ موسى فيهم.
ولموسى عليه السلام موقف متشدد مع قارون الثري الطاغية، وقد ذكرت
قصته في سورة القصص (٧٦ - ٨٣) كما ذكر ما آل إليه أمر طغيانه بخسف
الأرض به وبداره، وإبادة أعداء موسى المقدر عددهم مئتين وخمسين.
ويلاحظ أن موسى أوذي من بني إسرائيل وأظهر الله براءته من عيب اتهموه
به وهو الأدْرَة (ورم في الخصية) أو البرص، وذلك في سورة الأحزاب (٦٩)
وسورة الصف (٥).
ولما رأى بنو إسرائيل اقترافهم الإثم الكبير بعبادة العجل، اختار موسى من
القوم سبعين رجلاً يذهبون معه إلى الجبل الذي اعتاد مناجاة الله فيه وهو جبل
الطور، ليقدموا الطاعة لله ويندموا على ما اقترفوا من إثم، ويتوبوا من عبادة
العجل، فلما كلم الله تعالى موسى وهم شهود يسمعون كلام الله، عاد جماعة

٣٥
لُ (٩) - الأَغراف: ١٠٣/٧-١١٦
منهم إلى التمرد والعصيان، ولم يؤمنوا أن الله تعالى هو الذي يكلم موسى وأنه
أعطاه التوراة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظر بعضهم إلى بعض، ثم بعثهم الله
من بعد موتهم، بعد تضرع موسى وتذلله، وطلبه العفو عما صدر من
سفهائهم، والقصة مذكورة في سورتي البقرة (٥٥- ٥٦) والأعراف (١٥٥ -
١٥٧).
ولموسى قصة طريفة مع العبد الصالح الخضر، مذكورة في سورة الكهف
(٦٠ - ٨٢).
وتكرر في القرآن تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمه عليهم مثل آيات سورة
البقرة (٤٧ - ٥٧، و٦٠ - ٦١) وفي سورة الأعراف (١٤١) وسورة إبراهيم
(٦ - ٨).
وقد مات هارون أولاً في جبل (هور)» ودفنه موسى، ثم مات موسی في جبل
(نبو)) ودفن على الكثيب الأحمر.
وبعد وفاة موسى قام بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون من سبط يوسف،
وبعد خروجهم من التيه، أمرهم الله أن يدخلوا مدينة بفلسطين هي بيت
المقدس ((أورشليم)) أو أريحا، وذلك بأن يدخلوا باب المدينة سجَّداً، أي
خاشعين متذللين، وأن يقولوا: ﴿حِظَّةٌ﴾ فخالفوا ودخلوا على هيئة غير التي
أمروا بها، فغضب الله عليهم وأنزل عليهم العذاب، والقصة مذكورة في
سورة البقرة (٥٨ - ٥٩) وسورة الأعراف (١٦١ - ١٦٢).
وأثنى الله على موسى وهارون في سورة مريم (٥١ - ٥٣) وسورة الصافات
(١١٤ - ١٢٢) وسورة غافر (٥٣ - ٥٤).
ما يستفاد من قصة موسى عليه السلام:
شريعة موسى في أصلها الموحى به كشريعة الإسلام في الجملة، وأمته ذات

٣٦
لِزُرُ (٩) - الأَغراف :: ١٠٣/٧-١١٦
تاريخ مليء بالاضطرابات والقلاقل والأحداث العنيفة، وكانت ذات سلطة
أحياناً، وساهمت بشيء من المدنيّة. وكان لقصة موسى مع بني إسرائيل عبر
وعظات هي:
١ - أنقذ الله موسى من القتل وهو طفل رضيع، وألقته أمه في النيل، ثم
ردّه الله إليها لإرضاعه، وتلك عصمة الله ورعايته له ورحمته بأمه.
٢ - تربَّ موسى في قصور فرعون وكان مؤمناً ونبياً من أولي العزم، وموسى
السامري الذي ربَّاه جبريل كافر شقي ابتدع عبادة العجل.
٣ - هجرة موسى أو خروجه من أرض مصر بنصيحة رجل من أقصى
المدينة بالابتعاد عن مصر، كانت خيراً كلها، فإنه صاهر شعيباً عليه السلام،
وأوحى الله إليه بالنبوة، وكانت نصيحة الرجل له من تيسير الله له وفضله
عليه؛ لأنها كانت سبباً في نجاته وبعثته. وهكذا فإن من توكل على الله صانه
وحماه.
٤ - لا أثر لقوة البشر وتآمرهم على الإنسان إذا لازمته العناية الإلهية، فإن
بأس فرعون وملأه لم يلحق ضرراً بموسى. وانظر إلى هذه المحاورة الحادة، إذ
قال له فرعون: ﴿إِ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١/١٧] فأجابه
موسى بعد تلطف كثير وصبر على الجدال بالباطل: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ
هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَآِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا
[الإسراء: ١٠٢/١٧].
٥ - الفرج الإلهي يأتي بعد الشدة، ونصرة الحق تأتي عند اشتداد الأزمة،
فقد دافع رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه عن موسى، وحذر فرعون وآله
بطش الله، غير خائف ولا مبال به وبسلطته، ضارباً الأمثال بالأمم الخالية،
كما جاء في قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ
يَكْتُمُ إِيمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِلْبَيْنَتِ مِن
زَيِّكُمْ﴾ [٢٨ - ٣٥].

٣٧
لُ (٩) - الأَغراف: ١٠٣/٧-١١٦
٦ - إذا فاضت مشاعر الإيمان في النفس، هانت أمامها كل الصعاب، فإن
السحرة آمنوا برب موسى، غير مبالین بفرعون وسطوته.
٧ - الصبر مفتاح الفرج وحميد العاقبة، فإن بني إسرائيل صبروا على أذى
فرعون بتقتيل الأبناء واستحياء النساء ثم أعقبهم الله الحسنى بما صبروا:
﴿وَتَمَتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الأعراف: ٧/
١٣٧].
وتعرضوا لهجوم الرومان بقيادة ((طيطس)) الروماني، فخربوا بيتهم المقدس
وهيكلهم الضخم، بعد سنة ٧١ م فتركوا فلسطين ثم عادوا إليها بعد وفاة
موسى وأسسوا مملكة أريحا، واحتلوا جهات من الحجاز، كتيماء ووادي
القرى وفدك وخيبر ويثرب، وبنوا فيها المصانع والحصون، انتظاراً لظهور
النبي الذي وعدوا به من العرب الإسماعيليين في يثرب، وأملاً في مؤازرتهم
ومناصرتهم، فأقاموا على الطريق بين يثرب وفلسطين.
٨ - حلم موسى على قومه بني إسرائيل، فبالرغم من غضب الله عليهم
بسبب عبادة العجل، وطلب شيوخهم الذين جاؤوا للتوبة رؤية الله تعالى
جهلاً وتعنتاً، فإن موسى تضرع إلى ربه طالباً العفو عن زلات سفهائهم،
وقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَنِّ أَنْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّاْ إِنْ
هِىَ إِلَّا فِئْنَئُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥/٧].
التفسير والبيان:
يذكر الله تعالى أنه بعث بعد الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح
ولوط وشعيب عليهم السلام، موسى، بالآيات أي الحجج والدلائل البينة
والمعجزات الدالة على صدقه ورسالته، إلى فرعون: وهو ملك مصر في زمن
موسى، وملئه أي قومه، فجحدوا وكفروا بها، ظلماً منهم وعناداً، فانظر أيها

٣٨
الُ (٩) - الَّغَرَافَة: ١٠٣/٧-١١٦
الرسول (أي محمد) كيف كان مصير المفسدين في الأرض بالظلم واستعباد
البشر، وهم فرعون وملؤه الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر
يا محمد كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه،
وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله: موسى وقومه
المؤمنين به. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اُلْمُفْسِدِينَ ﴿﴾ [النمل: ١٤/٢٧].
وقال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِئْهِ﴾ ولم يقل: وقومه؛ لأن الذين استعبدهم
فرعون وعاضدوه هم أتباع الحكم والسلطان، وليس سائر الشعب المصري،
وإنما كان الشعب تبعاً للحكام، فلو آمن فرعون لتبعه الشعب كله.
وقوله: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ فيه تشويق واجتذاب
الأنظار إلى ما سيذكره تعالى من المصير المشؤوم لفرعون وملئه، ونجاة موسى
وبني إسرائيل.
ثم بدأ الله تعالى بعد هذا التشويق ببيان فصول القصة، وأول فصل منها :
إخباره تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وتغلبه عليه بالحجة والمنطق، وإظهاره
الآيات البيّنات في مجلس فرعون وقومه قبط مصر.
وقال موسى: يافرعون أي ياملك مصر، إني رسول من رب العالمين، أي
مالك كل شيء وخالقه ومدبره، وجدير بي(١) ألا أقول على الله إلا الحق، فإن
الرسول لا يكذب على الله الذي بيده ملكوت كل شيء، لذا فإني لا أخبر عن
الله إلا بما هو حق وصدق؛ لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه.
وهاتان الجملتان تتضمنان عقيدة التوحيد: وهي أن للعوالم كلها إنسها
وجنّها رباً واحد، وعقيدة النبوة والرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ.
(١) الباء وعلى يتعاقبان، فعلى في قوله تعالى: ((حقيق على)) بمعنى الباء، يقال: رميت بالقوس
وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة.

٣٩
لالُ (٩) - الأَغراف: ١٠٣/٧-١١٦
ومن المؤيدات قوله: قد جئتكم ببرهان وحجة قاطعة من الله أعطانيها
دليلاً وشاهداً على صدقي فيما أخبرتكم عنه.
وقوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أن جميع الناس مربوبون لله ومخلوقون به،
وأن فرعون ليس رباً ولا إلهاً، وإلى أن البينة ليست من صنع موسى.
ثم رتب على إثباته نبوته بالبينة الواضحة طلب موسى من فرعون إطلاق
سراح بني إسرائيل من أسره واستعباده وقهره، وتركهم حتى يذهبوا معه
راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، ليتفرغوا إلى عبادة
ربهم وربه؛ فإنهم من سلالة نبي كريم: إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم خليل الرحمن.
وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط، تغلب فرعون
على نسل بني إسرائيل واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان
بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر، واليوم الذي دخله موسى أربع مئة
عام.
قال فرعون مجيباً موسى: إن كنت مؤيداً بآية من عند ربك، فأظهرها
لنراها، إن كنت صادقاً فيما ادعيت.
فأجابه موسى على الفور إلى ما طلبه بالفعل لا بالقول: فألقى عصاه من
يمينه على الأرض أمام فرعون فإذا هي ثعبان (ذكر الحيات) مبين، أي ظاهر
واضح حقيقي يتحرك ويسير من مكان إلى مكان.
وأخرج يده من جيب قميصه بعدما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تتلألأ من
غير برص ولا مرض، كالشمس المضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى
جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ﴾ [النمل: ١٢/٢٧].
وهذا هو الفصل الثاني من القصة.

٤٠
لِلُ (٩) - الَّغرافي: ١٠٣/٧-١١٦
ولا داعي للاسترسال في أوصاف الثعبان والعصا واليد، بأكثر مما دلت
عليه الآيات القرآنية؛ إذ ليس لها سند يوثق به، وإنما هي من الروايات
الإسرائيلية التي دسها بعض الدخلاء غير المتورعين ولا المدققين، مثل كعب
الأحبار الإسرائيلي، ووهب بن مُنَّبِّه الفارسي الأصل.
ومن المعلوم أن إثارة الفتن السياسية في صدر الإسلام يعود أمرها إلى جماعة
السبئيين (أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي) وجماعات الفرس الذين دخلوا في
الإسلام لهدمه من الداخل، وقد قتل عمر على يد أبي لؤلؤة الفارسي المرسل
من جماعة سرية في فارس، وقتل عثمان بدسائس عبد الله بن سبأ.
ثم جاء الفصل الثالث من القصة ومضمونه مقالة ملأ فرعون: قال السادة
من قوم فرعون الموافقون له وأهل مشورته: ﴿إِنَّ هَذَا نَسَخِر عَلِيمٌ﴾ أي
خبير بفنون السحر وأنواعه، وله خطره إذ قد يستميل الناس بسحره، فيكون
ذلك سبباً لغلبته علينا، ونزع ملكنا، وإخراجنا من أرضنا بسحره، وذلك كله
مصرح به في آية أخرى خاطبوا بها موسى وأخاه هارون: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا
عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا اُلْكِبْرِيَهُ فِى الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ
[يونس: ٧٨/١٠] وهو في الواقع صدى لما قاله فرعون وحكاه الله عنه
بقوله: ﴿قَالَ لِلْمَلِإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ
﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ
[الشعراء: ٣٤/٢٦-٣٥].
٣٥
بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
ثم وقع ما خافوا منه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦/٢٨].
وتابع الملأ كلامهم وإبداء رأيهم: قال الملأ لفرعون بعد أن استشارهم
بقوله السابق: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أخّر الفصل في أمره وأمر أخيه، وأرسل
في الأقاليم ومدائن ملكك فئة من جندك حاشرين، أي جامعين لك السحرة
من سائر البلاد. وإنما قال: في المدائن لأن السحر ينشط في المدن الجامعة
المأهولة بكثرة الناس.