Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
لُُ (٨) - الأَغراف: ٧٣/٧-٧٩
فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامِ﴾ [هود: ٦٥/١١]، ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ
وَقَالَ يَنَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُونَ النَّصِحِينَ
[الأعراف: ٧٩/٧]، ثم نزل عليهم العذاب عذاب الرّجفة (الواقعة
الشديدة من صوت الرّعد، المصحوبة بقطعة من نار تحرق ما أتت عليه) أو
(٧٨)
عذاب الصيحة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ
[الأعراف: ٧٨/٧]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
صَيْحَةٌ وَجِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيِ الْمُخْتَظِرِ (٣)﴾ [القمر: ٣٠/٥٤-٣١]، وعبّر تعالى عنها
أيضاً بالصاعقة، وتارةً بالطاغية. وكل ذلك صحيح؛ لأن الصاعقة تكون
مصحوبة بصوت شديد، وقد تصحب برجفة أشبه بالزلزال، وقد تكون في
مكان ويطغى تأثيرها إلى مكان آخر.
ونجى الله صالحاً والذين آمنوا معه من العذاب، فذهبوا إلى الرّملة بنواحي
فلسطين؛ لأنها بلاد خصبة. وكان عددهم كما ذكر الألوسي مئة وعشرين،
وأما الهالكون فكانوا أهل خمسة آلاف بيت: ﴿أَلَا إِنَّ ثَهُودَا كَفَرُواْ رَبَّهُمّ
أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ﴾ [هود: ١١/ ٦٨].
وذكر اسم صالح في القرآن تسع مرّات، في سورة الأعراف في الآيات:
(٧٣، ٧٥، ٧٧)، وفي سورة هود في الآيات: (٦١، ٦٢، ٦٦، ٨٩)، وفي
سورة الشعراء في الآية (١٤٢) وفي سورة النمل في الآية (٤٥). وصالح كما
ذکر البغوي: هو صالح بن عبيد بن أسف بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود.
التفسير والبيان:
ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً، ليس أخاً في الدين، وإنما من
القبيلة أو من جنسهم البشري لا من الملائكة.
فقال صالح ثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لاشريك له، فما لكم من إله
تعبدونه غيره، وهكذا جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له،

٦٤٢
الجزءُ (٨) - الأَغَافِنَ: ٧٣/٧-٧٩
كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
[الأنبياء: ٢٥/٢١] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ
إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ
رَّسُولًا أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦].
قد جاءتکم حجة وبرهان على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا
صالحاً أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها
بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاتبة. فأخذ عليهم
العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى سؤالهم ليؤمنن به وليتبعنّه، فلما أعطوه
على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله
عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك
جنينها بين جنبيها، كما سألوا، والله على كل شيء قدير.
فآمن عندئذ رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية
أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب صاحب
أوثانهم، ورباب بن صعر بن جلهس.
وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها
يوماً، وتدعه لهم يوماً، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبون، فيملؤون ما
شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم(١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِّْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ
قِسْمَةُ بََّهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَْضَرٌ ﴿َ﴾ [القمر: ٢٨/٥٤] وقال أيضاً: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لََّا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥/٢٦] قال ابن عباس: كانوا
يستعيضون عن الماء يوم شربها بلبنها.
قال لهم: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اُللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ أي أنها دليل قاطع على صدق
نبوتي، وأضاف الناقة إلى الله للتشريف والتكريم وتعظيم شأنها؛ لأنها جاءت
من عنده مكونة من غير أم ولا أب، بل من صخرة عظيمة.
(١) تفسير الكشاف: ٥٥٥/١ - ٥٥٦، تفسير ابن كثير: ٢٢٨/٢

٦٤٣
لُ (٨) - الأَغراف: ٧٣/٧-٧٩
ثم أمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله ما شاءت، وألا يتعرضوا لها بسوء
في نفسها ولا في أكلها، فإنكم إن فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم.
ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم وبوجوب شكرها وعبادته تعالى فقال:
﴿ وَأَذْكُرُواْ﴾ أي تذكروا نعم الله وأفضاله وإحسانه عليكم، إذ جعلكم خلفاء
العاد في الحضارة والعمران وقوة البأس، وأورثكم أرضهم وديارهم،
وأسكنكم منازلهم، تتخذون من سهولها قصوراً عالية، بما ألهمكم من حِذْق
الصناعة والاستفادة من التراب بصنع اللَّيِن والآجر ومن سهولة الأرض،
وتنحتون من الجبال أحجاراً تبنون بها بيوتاً محصنة، يسكنونها في الشتاء
لقوتها، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون في السهول بقية
الفصول للزراعة.
فتذكروا هذه النعم الكثيرة العظيمة، واشكروا الله عليها بتوحيده وإفراده
بالعبادة، وإياكم أن تفسدوا في الأرض، بأي نوع من أنواع الفساد.
فقال الملأ أي الأشراف والسادة والزعماء للفقراء المستضعفين الذين هم
أسرع الناس عادة إلى إجابة دعوة الرسل، وهم المؤمنون منهم: أتعلمون أن
صالحاً رسول من عند الله؟ وهو سؤال يراد به التهكم والسخرية والاستهزاء
بهم. فأجابهم هؤلاء: نحن نعلم يقيناً أنه رسول من عند ربه بلا ريب ولا
شك، وإنا بما أرسل به صالح من الحق والهدى مؤمنون مصدّقون ومقرون بأنه
من عند الله. سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله أمراً معلوماً لا شك
فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون. وقوله:
﴿لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من الذين استضعفوا، كما بينا؛ لأن المستضعفين هم
المؤمنون، وهو بدل البعض من الكل، وهو الراجح.
فأجاب الكفرة الذين استكبروا عن الإيمان برسالة صالح: إنا بالذي
صدقتم وآمنتم به من نبوة صالح جاحدون منكرون.

٦٤٤
الجُزُ (٨) - الأَغراف: ٧٣/٧-٧٩
وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به صالح كافرون؛ لأن ذلك يتضمن شهادتهم
على أنفسهم بإثبات رسالته، ثم بإنكارها وجحودها عناداً. وقال الزمخشري:
وضعوا: ﴿ءَامَنتُم بِهِ﴾ موضع: أرسل به ردّاً لما جعله المؤمنون معلوماً
وجعلوه مسلَّماً.
ولما اشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتل الناقة،
ليستأثروا بالماء كل يوم، فاتفقوا على قتلها، وعقروا الناقة أي نحروها،
ونسب الفعل إليهم جميعاً مع أن قاتلها واحد، كما جاء في سورة القمر ﴿فَادَوْأ
[٢٩] لرضاهم جميعاً بفعله، وكما قال تعالى:
٢٩٦
صَاِجَهُمْ فَعَاطَى فَعَقَّرَ
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴿ وَلَا يَخَافُ
عُقْبَهَا (9ْ﴾ [الشمس: ١٤/٩١-١٥] وجاء في صحيح البخاري مرفوعاً:
((فانتُدب لها رجل ذو عزة ومَنَعة في قومه كأبي زمعة)».
وعتوا عن أمر ربهم أي تمردوا عن اتباع رسالة صالح وأعرضوا عن امتثال
أمر ربهم، وأمر ربهم: ما أمر به على لسان صالح عليه السلام، من قوله:
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلُ فِيّ أَرْضِ اللَّهِ﴾ أو شأن ربهم وهو دينه. وقالوا: يا صالح،
ائتنا بما وعدتنا به من العذاب والانتقام، إن كنت رسولاً، وتدعي الصدق
فيما تبلغ به عن الله، وهذه سمة الحمقى والسفهاء والأغرار.
روى الإمام أحمد والحاكم عن جابر قال: لما مرّ رسول الله وَّه بالحِجْر
قال: ((لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعني الناقة - ترد
من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها. وكانت
تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها، فأخذتهم صيحة،
أخمدهم الله بها من تحت أديم السماء، إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله،
فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما
أصاب قومه)).

٦٤٥
لُ (٨) - الْأَيْرَافِ: ٧٣/٧-٧٩
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وفي سورة
فصلت: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ اٌلْعَذَابِ الْمُونِ﴾ وفي سورة الذاريات: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ
الضَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ والمراد بالجميع واحد: وهو الصيحة الشديدة التي
زلزلت لها الأرض واضطربوا لها. وسببها اصطكاك الأجرام السماوية.
فأصبحوا في دارهم أي في بلادهم أو في مساكنهم جثثاً هامدة موتى لا
يتحركون.
فتولى عنهم صالح عليه السلام، والظاهر أنه كان مشاهداً لما جرى عليهم،
وأنه تولى عنهم بعد ما أبصرهم جائمين، تولّي مغتم متحسر على ما فاته من
إيمانهم، حزناً عليهم.
وقال: يا قوم، لقد بذلت فيكم منتهى وسعي وجهدي في إبلاغكم
النصيحة لكم، ولكنكم لا تحبون الناصحين، فوجبت عليكم كلمة العذاب.
وهذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه،
وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق.
روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت.
وروي أنه خرج في مئة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فالتفت فرأى
الدخان ساطعاً، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفاً وخمس مئة دار، وروي
غير ذلك.
ونداء صالح عليه السلام لقومه بعد الموت كنداء النبي وَلآل بعض قتلى قريش
بيدر، بعد دفنهم في القُليب (البئر غير المطوية أو غير المبنية): ((يا أبا جهل بن
هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم
أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد
ربکم حقاً؟!)).

٦٤٦
لُرُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٧٣/٧-٧٩
قال راوي الحديث أبو طلحة الأنصاري - فيما أخرجه البخاري وغيره -
قال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جَيَّقوا؟ - أي أجساد لا
أرواح لها أو فيها وقد أنتنوا - فقال رسول الله وقوله: ((والذي نفسي بيده، ما
أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون ».
فقه الحياة أو الأحكام:
ثمود(١) مثل عاد من القبائل العربية العاربة، بعث الله إليهم صالحاً نبياً،
فهم قوم صالح عليه السلام، وكان صالح من أوسطهم نَسَباً، وأفضلهم
حَسَباً، فدعاهم إلى الله تعالى حتى شاب، فلم يتبعه إلا قليل مستضعفون.
وقال المستكبرون: نحن كافرون بما جاء به صالح.
قال الرازي: وهذه الآية من أعظم ما يحتج به في بيان أن الفقر خير من
الغنى، وذلك لأن الاستكبار إنما يتولد من كثرة المال والجاه، والاستضعاف
إنما يحصل من قلتهما، فبين تعالى أن كثرة المال والجاه حملهم على التمرد،
والإباء، والإنكار، والكفر. وقلة المال والجاه حملهم على الإيمان، والتصديق
والانقياد، وذلك يدل على أن الفقر خير من الغنى(٢).
واستدل بقوله تعالى: ﴿تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي تبنون القصور
بكل موضع، وقوله: ﴿وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ اتخذوا البيوت في الجبال
لطول أعمارهم؛ فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم، استدل
بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢/٧] وقالِ وَّ
(١) ثمود: لم ينصرف لأنه جعل اسماً للقبيلة كما ذكر سابقاً، وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه اسم
أعجمي، قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه مشتق من الثّمد: وهو الماء القليل.
(٢) تفسير الرازي: ١٦٥/١٤

٦٤٧
اِلُ (٨) - الأَغَرَافِن: ٧٣/٧-٧٩
فيما رواه ابن أبي الدنيا عن علي بن زيد بن جدعان مرسلاً: ((إن الله تعالى
يجب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه)). ومن آثار النعمة: البناء
الحسن، والثياب الحسنة.
وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله وَاللّه فيما
رواه الطبراني والخطيب عن جابر وهو ضعيف: ((إذا أراد الله بعبد شراً،
خضر له في الطين واللَّبِن حتى يبنى)) وفي خبر آخر أنه وَل * قال فيما رواه
الطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود: ((من بنى فوق ما يكفيه، كُلِّف يوم القيامة
أن يحمله على عنقه)) وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي
وَله: ((وما أنفق المؤمن من نفقة، فإنَّ خَلَفَها على الله عز وجل، إلا ما كان في
بنيان أو معصية».
ودل قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوَاْءَالَآءَ اللَّهِ﴾ على أن الكفار منعم عليهم.
وفي قوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾
دلالة على أن السادة والزعماء هم الذين تكبروا عن الإيمان، شأنهم في ذلك
أمثالهم مع كل نبي ومصلح يتمردون ويستعلون عليه. وفيه دلالة أيضاً على أن
المستضعفين هم الذين آمنوا برسالة صالح عليه السلام، وهو الشأن الغالب
أيضاً مع كل نبي، يبادر الضعفاء والفقراء إلى الإصغاء لكلمة الحق والهدى
والإيمان، فيكونون أهل الجنة، وأولئك المتكبرون هم أهل النار والعذاب في
الدنیا.
وأما قول صالح: ﴿وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ}
فيحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم، ويحتمل أنه قاله بعد موتهم، كقوله وَلر لقتلى
بدر: ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟)) فقيل: أتكلم هؤلاء الجيف؟ فقال:
((ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب)). قال القرطبي:
والأول أظهر، يدل عليه: ﴿ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ أي لم تقبلوا نصحي.

٦٤٨
لُ (٨) - الْأََّرَافِن: ٧٣/٧-٧٩
وذكرابن كثير وغيره: أن صالحاً قال لهم ذلك بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاء للتعقيب: يدل على أن الرجفة
أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام، لكن ليس الأمر كذلك؛ لأنه تعالى قال
في آية أخرى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ
مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥/١١].
ولا تناقض بين تعبير الرجفة هنا، والطاغية والصيحة والصاعقة، كما
ذكرنا في آيات أخرى؛ لأن الرجفة هي الزلزلة في الأرض، وهي حركة
خارجة عن المعتاد، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها. والطاغية: اسم لكل
ما تجاوز حده، والهاء للمبالغة. وأما الصيحة: فالغالب أن الزلزلة لا تنفك
عن الصيحة العظيمة الهائلة. وأما الصاعقة: فالغالب أنها الزلزلة، وكذلك
١٤
فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ
١٣
الزجرة، قال تعالى: ﴿فَإنَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ لـ
[النازعات: ١٣/٧٩-١٤].
وفي هذه القصة معجزات هي: أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة من
الصخرة، وشاهدوا أن الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد
اليومين، كان شرباً لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني، ثم إن القوم لما
نحروها، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن نحروها،
فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب، اقتضاهم العدول عن
إصرارهم على الكفر والتوبة منه. روي أنهم احمروا في اليوم الأول، ثم اصفروا
في اليوم الثاني، ثم اسودوا في اليوم الثالث.
وأما الناقة فكانت تسرح في الأودية، ترد من فج (طريق) وتصدر (تعود)
من غيره، ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقاً
هائلاً، ومنظراً رائعاً، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها.

٦٤٩
لُزُعُ (٨) - الأَغْراف: ٨٠/٧-٨٤
قصة لوط عليه السلام
﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُوُنَ اُلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ
اُلْعَلَمِينَ
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
٨٠
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن
مُسْرِفُونَ
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴿ فَأَنَجَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّا فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
الْغَيِينَ
٨٤٦
القراءات:
﴿إِنَّكُمْ لَأْتُونَ﴾
قرأ :
١- (إنكم لتاتون) وهي قراءة ورش.
٢- (إنكم لتأتون) وهي قراءة قالون، وحفص.
٣- (أئنكم لتاتون) وهي قراءة السوسي.
٤- (أئنكم لتأتون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ وَلُوطًا﴾ منصوب بتقدير فعل، تقديره: واذكروا لوطاً، أو أرسلنا لوطاً.
﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل مما سبق. قال النحويون: إنما صرف لوط ونوح لخفته، فإنه
مركب من ثلاثة أحرف، وهو ساكن الوسط.
﴿أئنكم﴾ الهمزة الأولى همزة الاستفهام، والثانية همزة: ((إن)).

٦٥٠
لُ (٨) - الأَغَرَافِ: ٨٠/٧-٨٤
{شَهْوَةً﴾ منصوب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة، ويجوز أن يكون
مصدراً في موضع الحال.
البلاغة:
﴿ أَتَأَتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ.
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ هذا تعريض بما يوهم الذم، قال ابن عباس:
عابوهم بما يُمدح به.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلُوطًا﴾ لوط: هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل
عليهما السلام، ولد في ((أور الكلدانيين)) في الطرف الشرقي من جنوب
العراق، وكانت تسمى أرض بابل. هاجر بعد موت والده مع عمه إبراهيم إلى
ما بين النهرين إلى جزيرة قورا، حيث توجد مملكة آشور، ثم ذهب معه إلى
أرض الشام، حيث أسكنه إبراهيم شرقي الأردن، وعاش في المكان المسمى
بعمق السديم قرب البحر الميت (أو بحر لوط) وهي قرى خمس، سكن لوط في
إحداها المسماة بسدُوم، ثم بعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى،
يدعوهم إلى الله عز وجل، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر وما
يرتكبونه من الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو
إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، حتى
صنع ذلك أهل سدوم. ﴿لَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ يقال: أتى المرأة: غشيها.
﴿مُّسْرِفُونَ﴾ متجاوزون الحلال إلى الحرام. ﴿أَخْرِجُوهُم﴾ أي لوطاً وأتباعه.
﴿يَطَهَّرُونَ﴾ من أدبار الرجال. ﴿اُلْغَبِرِينَ﴾ الباقين في العذاب.
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة: قصة لوط مع قومه: أهل سدوم، ذكرت بعد قصة

٦٥١
الجُرُ (٨) - الأَغراف: ٧ / ٨٠-٨٤
نوح، وهود، وصالح عليهم السلام، لبيان ما حلّ بهم من العذاب والنكال
حينما أعرضوا عن نصح الأنبياء، وعتوا عن أوامر الله.
أضواء من التاريخ:
لوط: هو لوط بن هاران - أخي إبراهيم بن تارح، آمن بإبراهيم واهتدى
بهديه، كما قال تعالى: ﴿فَامَنَ لَكُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾
[العنكبوت: ٢٦/٢٩] وتبع إبراهيم في رحلاته، فكان معه فيما بين النهرين، ثم
بمصر، ثم ببلاد الشام، حيث سكن في سدوم في شرقي الأردن.
وذكرت قصة لوط في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضاً.
وكان أهل سدوم يعملون الخبائث دون حياء ولا عفة، وأمام الناس،
ويقطعون الطريق على التجار، ويأخذون بضائعهم، كما قال تعالى على لسان
لوط: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ
اَلْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/٢٩].
وقد وعظهم لوط عليه السلام ونصحهم ونهاهم وخوفهم بأس الله تعالى،
فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالموعظة هددوه تارة بالرجم وتارة
بالإخراج، إلى أن جاء لوطاً الملائكةُ، بعد أن مرّوا بإبراهيم وأخبروه أنهم
ذاهبون للانتقام من قوم لوط، وهم أهل سدوم وعامورة، فخاف أن يمس
لوط بأذى، فأخبروه بأنه ناج هو ومن آمن معه، وأخبروه بأن العذاب بالقوم
أمر حتم: ﴿وَإِتَرَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَُّ قَدْ جَ أَمْرُ رَبِّكَّ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ
مَنْ دُودٍ أَ﴾ [هود: ٧٦/١١].
جاء هؤلاء الملائكة إلى لوط بهيئة غلمان مُرْد حسان الوجوه، فجاء جماعة
من سدوم إلى لوط، طالبين ضيوفه، ليفعلوا فيهم الفاحشة، فحاول لوط
جاهداً في ردهم، وبالغ في ذلك حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بطريق

٦٥٢
لُ (٨) - الَّغراف :: ٨٠/٧-٨٤
العرض غير المؤكد وبالزواج المشروع، اعتماداً على استحيائهم منه، ليحمي
ضيوفه. فلم يرضوا. ثم قال لوط للملائكة الذين لم يعلم أنهم ملائكة: ﴿لَوَ أَنَّ
لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠/١١] أي لجاهدتهم بكم
وعاقبتهم بما يستحقون، وحينئذ أعلموه بحقيقة أمرهم، وأنهم جاؤوا للتنكيل
بأولئك القوم.
ولما حاول أهل القرية أخذ هؤلاء المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط،
طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان الاقتحام. ثم أخرج
الملائكة لوطاً وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم ألا يلتفت منهم أحد، وأن
يحضروا حيث يؤمرون، فصدعوا بالأمر إلا امرأته فإنها التفتت إلى القرية لترى
ما يحل بها، وكانت متعلقة بهم، وكانت كافرة، فحل بها من العذاب ما حل
بهم، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، وكانوا ألفاً أو
أكثر(١).
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
مِّنَ الَّْلِ وَلَا بِلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ
مَوْعِدَهُمُ الضُّبْحُ أَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا
﴾ [هود: ٨١/١١-٨٢].
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ
التفسير والبيان:
واذكر لوطاً حين قال لقومه موبخاً لهم: أتفعلون الفعلة الفاحشة التي ما
فعلها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي مبتدعة منكم، وعليكم وزر كل من
يفعلها. وهذا يدل على أنها أمر مناقض للفطرة. وقوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ الباء
للتعدية. وقوله ﴿مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة
معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
(١) قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار: ١١٣، ط الرابعة.
:

٦٥٣
لُ (٨) - الأَغرافِن: ٨٠/٧-٨٤
إنكم تأتون الرجال في أدبارهم وتَدَعُون الزواج بالنساء في أقبالهن، أي
إنكم عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن، إلى إتيان الرجال، وهذا
شذوذ وإسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في
الآية الأخرى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِيَ إِن كُمْ فَعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١/١٥]. فأرشدهم إلى
جنس النساء، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ بيان لقوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾
وفي هذا تقريع لهم وتوبيخ شديد، وقوله: ﴿مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ إشارة إلى
أنهم تجاوزوا النساء، وهن محل قضاء الشهوة عند ذوي الفطر السليمة.
. ﴿بَلَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي إنكم لا تأتون الفاحشة ثم تندمون على
فعلها، بل إنكم قوم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم
أسرفوا في حال قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد، ونحوه قوله
تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦/٢٦] أي في جمعكم إلى الشرك هذه
الفاحشة.
ووصفهم بصفة أخرى في سورة النمل: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:
٥٥/٢٧]. وفي هذا دليل على إسرافهم في اللذات، وتجاوزهم حدود العقل
والفطرة، وجهالتهم عواقب الأمور؛ إذ أنهم لا يقدرون ضرر ذلك على
الصحة، وما يحدثه من مرض ثبت في العصر الحديث أنه مميت.
وما كان جوابهم عن هذا الإنكار والنصح شيئاً مقنعاً، أو رجوعاً عن
الخطأ والضلال وإنكار الفاحشة وتعظيم أمرها، وإنما هموا بإخراج لوط ونفيه
ومن معه من المؤمنين من قريتهم تضجراً منهم وبما يسمعون من وعظهم
ونصحهم وقولهم، فهم لم يجيبوه بما يناسب كلامه، ولكنهم جاؤوا بشيء آخر
لا يتعلق بكلامه ونصيحته بالأمر بإخراجه. وقوله: ﴿أَخْرِجُوهُم﴾ أي لوطاً
وأتباعه.

٦٥٤
لُعُ (٨) - الْأَغْرَافِ: ٨٠/٧-٨٤
وقالوا لبعضهم: إن هؤلاء أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتكم في
فعلكم وعن الفواحش وعن أدبار الرجال والنساء. وهذا صادر منهم على
سبيل السخرية بهم والتهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول
الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظوهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من
هذا المتزهد. فقوله: ﴿يَنَطَهَّرُونَ﴾ أي الإتيان في هذا المأتى.
وكانت نتيجة الأمر أن الله تعالى أنجى لوطاً وأهل بيته الذين آمنوا معه، إلا
امرأته، فإنها لم تؤمن، فكانت من جماعة الهالكين الباقين مع قومها في العذاب؛
لأنها كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه
بإشارات بينها وبينهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
٣٥
◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (®َ﴾ [الذاريات: ٣٥/٥١-٣٦] أي لم يكن
آمن به أحد من قومه سوى أهل بيته فقط.
وأمطر عليهم مطراً كثيراً عجيباً أمره وهو الحجارة التي رموا بها، وقد
فسرتها آية أخرى: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ، ◌ُسَوَّمَةً عِندَ
[هود: ٨٢/١١-٨٣] وآية: ﴿فَجَعَلْنَا
(٨٣)
رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الظَِّمِنَ بِبَعِيدٍ
﴾ [الحجر: ٧٤/١٥] ومعنى
٧٤
عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ
قوله: مسومة أي معلمة ببياض في حمرة، والسِّجيل: طين طبخ بالنار
کالفخّار.
وربما تكون تلك الحجارة محمولة بإعصار من الريح العاتية، أو من
النيازك وهي الحجارة المنفصلة من بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها.
فانظر يا محمد وكل معتبر بهذا القصص للانزجار، كيف كان عاقبة المجترئ
على معاصي الله عز وجل، ويكذب رسله، لتعلم عقاب الأمة على ذنوبها في
الدنيا قبل الآخرة.

٦٥٥
الُ (٨) - الأَغراف :: ٨٠/٧-٨٤
فقه الحياة أو الأحكام:
إن تحريم اللواط لأسباب كثيرة:
اً - الضرر بالمفعول به، فإنه يحدث مرضاً ثبت أنه مميت وهو المسمى
((الإيدز)) أي فقد المناعة؛ لأنه تعالى أودع في الرحم جاذبية شديدة لامتصاص
المني، وليس في عضو المفعول به قوة جاذبية للمني، فيتسمم الدم ويحدث الضرر.
أَ - إفساد خلق اللائط وإسرافه في الشهوة، إذ لا يقدر آنياً المخاطر.
٣ - إلحاق العار والعيب بكل من الفاعل والمفعول به، واستحكام العداوة
بینھما.
٤ - إفساد النساء بالإعراض عنهن إلى الرجال.
٥ - إقلال النسل، لما في الفاحشة من رغبة عن الزواج، والرغبة عن
الزوجات في غير محل الإنجاب. أما الإتيان في محل الحرث فيحقق الإنجاب،
شاء الرجل أم أبى.
لهذا كان عذاب القوم هو الاستئصال في الدنيا، ثم إن عذاب الآخرة
أعظم وأدوم من ذلك.
أما مذاهب العلماء المسلمين في عقاب اللواط فهي ما يأتي:
١- قال أبو حنيفة: يعزر اللوطي فقط، سواء كان محصناً أو غيره؛ إذ ليس
في اللواط اختلاط أنساب، ولا يترتب عليه غالباً حدوث منازعات تؤدي إلى
قتل اللائط، وليس هو زنی.
٢- وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): إن اللواط يوجب الحد؛
لأن الله سبحانه غلّظ عقوبة فاعله في كتابه المجيد، فيجب فيه حد الزنى،
لوجود معنی الزنى فيه.

٦٥٦
الُ (٨) - الْأَشْراف: ٨٠/٧-٨٤
وحد اللائط عند المالكية، والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: هو
الرجم بكل حال، سواء أُحصن (تزوج) أو لم يُحصن، أي سواء أكان ثيباً أم
بكراً؛ لقوله وَلير - فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم -: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) وفي لفظ:
((فارجموا الأعلى والأسفل)).
وحد اللائط عند الشافعية هو حد الزنى، فإن كان اللائط محصناً (متزوجاً)
وجب عليه الرجم، وإن كان غير محصن، وجب عليه الجلد والتغريب، لما
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي وَّ قال: ((إذا جاء الرجلُ
الرجلَ فهما زانيان، وإذا أتت المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان)) ولأنه حد يجب
بالوطء، فاختلف فيه البكر (غير المتزوج) والثّيِّب (المتزوج) قياساً على حد
الزنى، بجامع أن كلاً منهما إيلاج محرم في فرج محرم(١).
أما إتيان البهيمة: فاتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن واطئ البهيمة يعزره
الحاكم بما يردعه؛ لأن الطبع السليم يأبى هذا الوطء، فلم يحتج إلى زاجر
بحد، بل يعزر. وفي سنن النسائي وأبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما :
((ليس على الذي يأتي بهيمة حد))(٢).
وأما حديث أبي داود والدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله
وَالحجر: ((من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه)) فلم يثبت، بدليل قول
ابن عباس: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها بعد ذلك العمل(٣).
(١) كتابي موسوعة الفقه الإسلامي ((الفقه الإسلامي وأدلته)): ٦٦/٦
(٢) المرجع والمكان السابق.
(٣) قال ابن العربي في أحكام القرآن: ٧٧٧/٢: هذا الحديث متروك بالإجماع، فلا يلتفت إليه.

٦٥٧
المُعُ (٨) - الأَغراف: ٨٥/٧-٨٧
قصة شعيب عليه السلام
﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا
نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَاً
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ
تُوعِدُونَ وَتَصُدُونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْكُرُوَا
وَإِنِ
(٨٦)
إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ
حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
القراءات:
ـجوز
غيره » :
وقرأ الكسائي: (غيرِهِ).
﴿صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قنبل: (سراط).
الإعراب:
﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ على حذف مضاف أي بعد إصلاح أهلها.
﴿ تُوعِدُونَ﴾ محل الجملة وما عطف عليها النصب على الحال، أي ولا
تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله وباغيها عوجاً. وضمير ﴿مَنْ ءَامَنَ
بِهِ،﴾ يرجع إلى كل صراط، وتقديره: توعدون من آمن به وتصدون عنه،

٦٥٨
الُعُ (٨) - الأَغراف: ٨٥/٧-٨٧
فوضع الظاهر الذي هو ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ موضع الضمير: زيادة في تقبيح
أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون عنه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين قبيلة عربية كانت تسكن
أرض معان في شرقي الأردن، من طريق الحجاز، وهم من سلالة مدين بن
إبراهيم، وكانوا يكفرون بالله، وعبدوا الملائكة من دونه، وكانوا يبخسون
الناس في الكيل والوزن. وكما تطلق مدين على القبيلة، تطلق - كما ذكر ابن
كثير - على المدينة المعروفة قرب معان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣/٢٨] وهم
أصحاب الأیکة، کما ذکر ابن کثیر.
﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي ليس أخاً في الدين، وإنما هو من قبيلتهم أو من
جنسهم البشري، لا من جنس الملائكة، فهي أخوة في النسب لا في الدین،
وشعيب: هو ابن ميكيل بن يشجر، واسمه بالسريانية ((يثرون)) بعثه الله إلى أهل
مدین.
بَيِّنَةٌ﴾ حجة ظاهرة أو معجزة. ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ على صدقي.
﴿فَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ﴾ أتموه. ﴿ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم
حقهم. ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ شامل لإفساد نظام المجتمع بالظلم
وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق، بارتكاب الفواحش، وإفساد
العمران بالجهل وعدم النظام. ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ إصلاح الأرض: هو
إصلاح أهلها وما فيها بغرس العقيدة الصحيحة، والأعمال الصالحة،
وإعمارها بما يرقي الحالة المعيشية.
(بِكُلِّ صِرَطٍ﴾ طريق. ﴿تُوعِدُونَ﴾ تخوفون الناس بأخذ ثيابهم
وأموالهم أو أخذ المكس منهم . ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تصرفون عن دين

٦٥٩
الُ (٨) - الأَغرافِ: ٨٥/٧-٨٧
الله من آمن به بتوعدكم إياه بالقتل . ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تطلبون الطريق
معوجة. ﴿فَكَتََّكُمْ﴾ أي بارك في نسلكم. ﴿عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي من كان
قبلكم بتكذيب رسلهم، كان آخر أمرهم الهلاك.
أضواء من التاريخ:
هذه هي القصة الخامسة من قصص الأنبياء بعد نوح وهود وثمود ولوط
عليهم السلام، وهي قصة شعيب عليه السلام مع قومه شعب مدين.
أما شعيب فهو ابن ميكيل بن يشجر، وهو من أنبياء العرب، وذكر في
القرآن إحدى عشرة مرة: في سورة الأعراف في الآيات ٨٥، ٨٨، ٩٠،
٩٢ مرتين في الآية، وفي سورة هود في الآيات ٨٤، ٨٧، ٩١، ٩٤، وفي
سورة الشعراء في الآية ١٧٧ ، وفي سورة العنكبوت في الآية ٣٦. وكانت بعثته
قبل زمن موسى عليه السلام؛ لأن الله تعالى قال بعد ذكر قصص هؤلاء
الأنبياء الخمسة:
﴿ُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ﴾.
[الأعراف: ١٠٣/٧].
وأما مدين أو مديان؛ فهم من سلالة مدين بن إبراهيم عليه السلام، كانوا
يسكنون مدينة مدين قرب معان جنوب شرقي الأردن على طريق الحجاز.
وكانوا يعبدون غير الله تعالى، ويبخسون المكيال والميزان، فنهاهم شعيب عن
كل ذلك، وحذرهم بأس الله، بما أوتي من قوة البيان والبراعة في إيراد الحجة
عليهم، حتى إنه يسمى ((خطيب الأنبياء)) وهم أصحاب الأيكة في رأي ابن
كثير.
وكانوا يقعدون على الطرق يصدون الناس عن دين الله، قال ابن عباس:
كانوا يجلسون في الطريق، فيقولون لمن أتى إليهم: إن شعيباً كذاب، فلا
يفتنَّكم عن دينكم. ويقولون أيضاً: ﴿لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾
[الأعراف: ٧ / ٩٠].

٦٦٠
لُرُ (٨) - الأَغْرَافِن: ٨٥/٧-٨٧
وقد حاولوا إبطال دعوته، وإلحاق الأذى به، واحتقار شأنه، وتهديده:
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَنَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ (٤) [هود: ٩١/١١]. بل عابوا عليه صلاته التي
تأمره بنهيهم عن عبادة غير الله، والعدل في الكيل والميزان: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَقْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتَؤُّأْ
[هود: ١١ /٨٧].
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
ولما أفحمهم بدعائهم إلى الإيمان بالله وحسن المعاملة، هدده الملأ (السادة)
من قومه بإخراجه ومن معه من المؤمنين من القرية إذا لم يعتنقوا دين قومهم،
فعاتبهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨/٧].
ولما أصروا على كفرهم، واشتطوا في مجادلة شعيب وإيذائه بالقول والفعل،
أهلكهم الله بالرجفة وهي الزلزال مثل قبيلة ثمود، فبادوا جميعاً: ﴿فَكَذَّبُوهُ
[العنكبوت: ٣٧/٢٩].
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
وبعد أن نجى الله شعيباً والذين آمنوا معه، أرسله إلى أصحاب الأيكة:
وهي غيضة من الأشجار قرب مدين، وكانوا على منهج أهل مدين، فلما
نهاهم عما هم عليه اتهموه بالكذب والسحر، ولم يصدقوا بنبوته؛ لأنه بشر
وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَظُنُكَ
١٨٥
مثلهم: ﴿قَالُوَاْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ
[الشعراء: ٢٦ /١٨٥-١٨٦].
لَمِنَ الْكَذِبِينَ
ثم طلبوا من شعيب أن يسقط عليهم كِسَفاً من السماء، أي قطعة منها، إن
كان من الصادقين، وأمعنوا في الإعراض عن الحق، فأخذهم عذاب يوم
الظُّلَّة: بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت مياههم، ثم ساق إليهم
غمامة، فاجتمعوا للاستظلال بها من وهج الشمس، فأمطرت عليهم ناراً
فاحترقوا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ اُلُلَّةِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[الشعراء: ١٨٩/٢٦].
(٨٩)