Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
الُ (٨) - الأَنْتَل: ١٦١/٦-١٦٤
جميع الأنبياء والرسل، وهذا مخالف لما كان عليه مشركو العرب وزعماء قريش
الذين يلقبون أنفسهم ((الحنفاء)) مدّعين أنهم على ملة إبراهيم، وهو أيضاً
مخالف لما عليه أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين يدعون أنهم أتباع ملة
إبراهيم وأتباع موسى وعيسى، وذلك بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿مَا
كَانَ إِنَهِمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾ [آل عمران: ٦٧/٣].
TV
لذا فإن دعوة الإسلام هي ملتقى جميع الأنبياء، وهو الدين المقبول عند الله
كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩/٣] وقال: ﴿وَمَن
يَبْتَعْ غَيّرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
[آل
عمران: ٣/ ٨٥].
ثم يأمر الله نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير
اسمه: بأنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسم الله وحده
[الكوثر: ٢/١٠٨]
٢
لا شريك له، مثل قوله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون
لها، فأمره الله بمخالفتهم، وإخلاص القصد والنية والعزم والعمل لله تعالى.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ﴾ أي إن كل أنواع صلاتي وعبادتي ودعائي ونُسُكي أي
عبادتي - وقد كثر استعمال النسك في الذبح وأداء شعائر الحج والعمرة
وغيرهما - وكل ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح
هو الله عز وجل، أي أن كل أعمالي ومقاصدي محصورة في طاعة الله
ورضوانه، فهي آية جامعة لكل الأعمال الصالحة، وعلى المسلم أن يكون
قصده وعمله وكل ما يقدمه من عمل هو وجه الله تعالى، سواء في أثناء حياته،
أو ما يعقبه من عمل صالح بعد مماته، هو الله، وإلى الله، وفي سبيل الله،
ولطاعة الله تعالى.
٤٨٢
الجُرَءُ (٨) - الأَنْفقال: ١٦١/٦-١٦٤
وخصص الصلاة بالذكر، مع كونها داخلة في النسك؛ لكونها روح العبادة
التي قد تتلوث بمفاسد الشرك.
والله واحد لاشريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في ربوبيته، فله العبادة
وحده، والتشريع منه وحده، بذلك أمرني ربي، وأنا أول المسلمين المنقادين إلى
امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وهذا إثبات لتوحيد الألوهية، أعقبه بتوحيد الربوبية، فقال: ﴿قُلْ أَغَيِّرَ اللَّهِ
أَبْغِى رَبَّ﴾ أي أغير الله أطلب رباً سواه، مع أنه هو مالك كل شيء، خلقه
ودبره، وهو مصدر النفع ومنع الضر، فكيف أجعل مخلوقاً آخر رباً لي؟!
وما من عمل يكسبه الإنسان إلا عليه جزاؤه دون غيره، ولا تتحمل نفس
بريئة أبداً ذنب نفس أخرى، فكل إنسان مجزي بعمله: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١/٥٢] ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢].
وبما أن كل إنسان مسؤول عن عمله، صالحاً كان أو سيئاً، فإنه سيجزى
عنه، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌ. والرجوع في نهاية المصير إلى الذين يلقبون
أنفسهم ((الحنفاء)) لله وحده دون غيره، فهو الذي يخبركم باختلافكم في
الأديان، ويجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥/٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
تتقابل في أغلب نواحي الحياة واجهتان متعاكستان: التفرق والاتحاد، ولم
يسلم دين الله من تأثره بهاتين الواجهتين، فلما بيَّن تعالى أن الكفار تفرقوا،
بين أن الله هدى الأنبياء وخاتمهم رسول الله وَّيّ إلى الدين المستقيم، وهو دين
إبراهيم عليهم السلام.
والدين الحق القيم يتطلب تسخير كل الطاقات الدينية الإنسانية لله عز
٤٨٣
الْجُزْءُ (٨) - الأَنْشَا: ١٦١/٦-١٦٤
وجل، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته
وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته، لأنه سبحانه خالق الكون ومدبره
ورب جميع العوالم والكائنات. وكل إنسان عاقل يفرده تعالى بالتقرب بأعماله
وطاعاته إليه، دون غيره؛ لأنه إله يستحق العبادة لذاته، وهو مصدر خير
الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَِّى هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ
﴾ استدل به الشافعي على
صَلَاتِ وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه وَله، وأنزله في كتابه. وفي
حديث علي رضي الله عنه: أن النبي وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت
وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين. إن
صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - إلى قوله: وأنا من المسلمين)).
وروى مسلم أيضاً هذا الحديث عن علي. وجاء فيه بعد قوله: وأنا من
المسلمين:((اللهم أنت الملِك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت
نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت،
واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها ،
لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسَعْديك، والخير كله في يديك، والشر
ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)).
وأخرجه الدار قطني أيضاً وقال في آخره: بلغنا عن النَّصْر بن شُميل، وكان
من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله وَيقول: ((والشر ليس
إليك)): الشر ليس مما يتقرب به إليك.
ولم ير الإمام مالك إيجاب التوجه في الصلاة على الناس، ولا قول:
((سبحانك اللهم وبحمدك)) والواجب عليهم التكبير ثم القراءة، بدليل قوله وله
للأعرابي الذي علَّمه الصلاة: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ)) ولم يقل له:
٤٨٤
الجُرُ (٨) - الأَنْطَا: ١٦١/٦ -١٦٤
سبِّح، كما يقول أبو حنيفة، ولا قل: وجهت وجهي، كما يقول الشافعي.
وقال لأُبي: ((كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟)) قال: قلت: الله أكبر، الحمد
لله رب العالمين. فلم يذكر توجهاً ولا تسبيحاً.
ويلاحظ أنه ليس أحد بأول المسلمين إلا محمداً وَله. فإن قيل: أوَليس
إبراهيم والنبيون قبله؟ أجاب القرطبي بثلاثة أجوبة:
الأول - أنه أول الخلق أجمع معنىّ، كما في حديث أبي هريرة من قوله
وَله: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)) وفي
حديث حُذيفة: ((نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأوَّلون يوم القيامة، المقضي
لهم قبل الخلائق)).
الثاني - أنه أولهم لكونه مقدماً في الخلق عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ قال قتادة: إن النبي ◌ُّم قال فيما
رواه ابن سعد: ((كنت أول الناس في الخلق، وآخرهم في البعث)) فلذلك وقع
ذكره هنا مقدّماً قبل نوح وغيره.
الثالث - أول المسلمين من أهل ملّته، كما قال قتادة وابن العربي
وغيرهما(١).
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىٍَّ﴾ فسبب نزوله أن
الكفار قالوا للنبي وَّ: ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت
عليه، ونحن نتكفّل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية.
وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَهَا﴾ على أنه لا يؤاخذ
بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها.
(١) تفسير القرطبي: ١٥٥/٧
٤٨٥
الُ (٨) - الأَنْتَخَا: ١٦١/٦-١٦٤
واستدل الشافعي بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح.
ورد المالكية على ذلك فقالوا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون
أحكام الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾.
وبيع الفضولي موقوف عند المالكية والحنفية على إجازة المالك، فإن أجازه
جاز، بدليل أن عُروة البارقي قد باع للنبي ◌ّ واشترى وتصرف بغير أمره،
فأجازه النبي و 9. وفي هذا الحديث دلالة على جواز الوكالة المتفق عليها بين
العلماء، وعلى أن الوکیل لو اشتری بالثمن المدفوع له کدینار أو درهم أکثر
من المقدار المسمى، كرطل لحم، فاشترى به أربعة أرطال من تلك الصفة،
فإن الجميع يلزم الموكل إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه تُحْسن، وهو قول .
المالكية والصاحبين من الحنفية. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وحديث
عروة حجة عليه.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على تقرير مبدأ المسؤولية
الشخصية، وهي مفخرة من مفاخر الإسلام الكبرى، وللآية نظائر كثيرة
مثل: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١/٥٢] ﴿كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيَنَّةُ
[المدثر: ٧٤/ ٣٨] ﴿قُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا وَلَا نُسَعَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٣٨١
٢٥
[سبأ: ٢٥/٣٤]. وهذا المبدأ المقرر في هذه الآيات رد على ما كان عليه
العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بجريرة أبيه وابنه وحليفه.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن أبي رِمْثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي
وَل10، فقال له: ((ابنك هذا؟)) قال: إي وربّ الكعبة، قال: ((حقاً)) قال: أشهد
به، قال: فتبسَّم النبي وَ ﴿ ضاحكاً من ثبت (استقرار) شَبَهي في أبي، ومن
خَلِف أبي علي، ثم قال: ((أما إنه لا يَجْني عليك، ولا تجني عليه)) وقرأ رسول
الله وَلَى: ﴿ وَلَا فَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣/٢٩]
٤٨٦
الجُزُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٦٥/٦
فهو مبيَّن في الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥/١٦] أي أن المضل
يتحمل أيضاً إثم أتباعه في الضلالة، فمن كان إماماً في الضلالة ودعا إليها
وتبعه الناس عليها، فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر الْمُضَلّ
شـ
شىء.
الاستخلاف في الأرض
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكِكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
الإعراب:
{وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعول ﴿وَرَفَعَ﴾، بتقدير
حذف حرف الجر، وتقديره: ورفع بعضكم فوق بعض إلى درجات، فلما
حذف حرف الجر اتصل الفعل به، فنصبه.
المفردات اللغوية:
خَيْفَ الْأَرْضِ﴾ أي يخلف بعضكم بعضاً فيها ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ﴾ بالمال والجاه وغير ذلك. ﴿لِّيَبْلُؤَّكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾
أعطاكم، ليظهر المطيع منكم والعاصي. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اٌلْعِقَابِ﴾ لمن عصاه
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ للمؤمنين ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى أن مصير جميع الناس إلى الله للحساب والجزاء،
ختم السورة بخاتمة رائعة هي أنهم يخلف بعضهم بعضاً، لتستمر الحياة،
ويتنافس الناس في الأعمال النافعة.
٤٨٧
الُ (٨) - الْأَنْهُ: ١٦٥/٦
التفسير والبيان:
جعل الله الناس خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضاً فيها، بأن أهلك
من قبلهم من القرون والأمم الخالية، واستخلفهم لعمارة الأرض بعدهم،
وجعلهم أيضاً خلفاء أرضه يملكونها ويتصرفون فيها: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمُ
◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧/٥٧].
ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والشرف والجاه،
والعلم والجهل، والخلق والشكل، والعقل والرزق. وهذا التفاوت ليس
عجزاً وجهلاً وإنما لأجل الابتلاء والاختبار فيما أعطاكم، بأن يعاملكم
معاملة المختبر لكم في ذلك، فيختبر الغني مثلاً في غناه ويسأله عن شكره،
والفقير في فقره، ويسأله عن صبره.
ثم يكون الجزاء على العمل، فقد يكون الإنسان مقصراً فيما كلف به،
أو قائماً به، فيأتي الجزاء تابعاً للأعمال. ونظير الآية كثير في القرآن مثل:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اٌلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ
[محمد: ٣١/٤٧].
وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر
كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في
النساء)).
وأمام الناس بعد هذا الابتلاء إما العقاب وإما الثواب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
اَلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وفيه ترهيب وترغيب، فإن حساب الله وعقابه سريع
فيمن عصاه وخالف رسله، وهو أيضاً شديد العذاب، لا يهمل وإن أمهل.
ووصف العقاب بالسرعة؛ لأن كل ما هو آتٍ قريب، والعقاب إما في
٤٨٨
الُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٦٥/٦
الدنيا بإلحاق الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال، وإما في الآخرة
بعذاب جهنم، وقد يكون الأمران معاً.
وهو تعالى غفور للتائبين رحيم بالمحسنين المؤمنين الذين اتبعوا الرسل فيما
جاؤوا به من تكاليف؛ إذ رحمته سبقت غضبه، ووسعت كل شيء، فجعل
الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعفها أضعافاً كثيرة لمن يشاء، والسيئة بسيئة
مثلها، وقد يغفرها لمن تاب منها، ويسترها في الدنيا فضلاً وكرماً وحلماً.
قال ابن كثير: وكثيراً ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين:
المغفرة والعذاب، كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌّ وَإِنَّ رَبَّكَ
لشدید
﴿﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنّ أَنَا اُلْغَفُورُ
[الرعد: ٦/١٣] وقوله :
العقاب @
[الحجر: ٤٩/١٥ -٥٠] إلى
٥٠
الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه
بالرغبة وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر
النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ثلاثة أحكام:
الأول - الناس خلفاء الأرض، يخلف بعضهم بعضاً، فكل جيل يخلف
من قبله من الأمم الماضية والقرون السالفة.
الثاني - الناس في الدنيا درجات في الخُلُق والرزق، والقوة، والضعف،
والبَسْطة والفضل، والعلم، من أجل الابتلاء أي الاختبار، فيظهر من الناس
ما يكون غايته الثواب والعقاب، ويختبر الموسر بالغنى ويطلب منه الشكر،
ويختبر المعسر بالفقر ويطلب منه الصبر.
(١) تفسير ابن كثير: ٢٠٠/٢
٤٨٩
الُ (٨) - الْأَنْقَظَم: ١٦٥/٦
الثالث - الله تعالى سريع العقاب، شديد العذاب للكفار والعصاة، غفور
رحيم بالطائعين التائبين. وهذا ترهيب وتحذير من ارتكاب الخطيئة، وترغيب
في الطاعة والإنابة والتوبة.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول الله وَلفر قال: ((لو يعلم
المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند
الله من الرحمة، ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مئة رحمة، فوضع واحدة بين
خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون)) وعنه أيضاً قال: سمعت رسول
الله وَلَه يقول: ((لما خَلَقَ الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش، إن
رحمتي تغلب غضبي)».
٤٩٠
الجُزْءُ (٨) السورة (٧) الأَغَرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
سُورَةُ الأَغَرَافْتُ
مکیة وهي مئتان وست آیات.
تسميتها:
سميت بسورة الأعراف لورود اسم الأعراف فيها، وهو سور بين الجنة
والنار، قال ابن جرير الطبري: الأعراف جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض
عند العرب يسمى عرفاً، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه. روى ابن
جرير الطبري عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم
استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم
حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم.
صفة نزولها:
هي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: ﴿ وَسَُلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى
قوله: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
موضوعها:
نزلت هذه السورة لتفصيل قصص الأنبياء وبيان أصول العقيدة، وهي
كسورة الأنعام بل كالبيان لها، لإثبات توحيد الله عز وجل، وتقرير البعث
والجزاء، وإثبات الوحي والرسالة، ولا سيما عموم بعثة النبي ◌َّ.
٤٩١
الُ (٨) السورة (٧) الَّغْرَفِ
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت سورة الأعراف التي هي من أطول السور المكية ما يلي من مبادئ
العقيدة الإسلامية :
اً - القرآن كلام الله: افتتحت السورة بالتنويه بالقرآن العظيم معجزة
الرسول الخالدة، وأنه نعمة من الله، وأنه يجب اتباع تعاليمه.
أَ - أُبوَّة آدم عليه السلام: الناس جميعاً من أب واحد، أمر الله الملائكة
بالسجود له سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة وتقديس، والشيطان عدو
الإنسان.
وقد أعيد التذكير بقصة آدم مع إبليس، وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى
الأرض، بسبب وسوسة الشيطان رمز الشر والباطل وصراعه مع الإنسان
الذي يدعو إلى عبادة الله وإلى الخير والحق، تأكيداً لما ذكر في سورة البقرة.
٣ - إثبات التوحيد: وهو الإقرار بوحدانية الله، وعبادته وحده،
وإخلاص الدين له، والاعتراف بحقه وحده في التشريع والتحليل والتحريم:
﴿أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن زَبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ- أَوْلِيَاءٌ﴾.
٤ - الوحي والرسالة: الوحي ثابت يتضمن هنا إنزال القرآن على قلب
النبي ◌َّ، وجوهره التكليف بالرسالة الإلهية، وبعثة الرسل إلى الناس:
[يَبَنِيّ ◌َادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُضُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِّىٌ﴾.
٥ - تقرير البعث والجزاء في عالم الآخرة: تضمنت السورة الكلام عن
البعث والإعادة يوم القيامة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ والجزاء والحساب
وانقسام الناس بسببه إلى فِرَق ثلاث: فرقة المؤمنين الناجين أهل الجنة، وفرقة
الكافرين الهالكين أهل النار، وأصحاب الأعراف وهو سور بين الجنة والنار.
٩ - أدلة وجود الله: أقام الله تعالى الأدلة الكثيرة على وجوده مثل خلق
٤٩٢
لُ (٨) السورة (٧) الأَغرافِ
السماوات والأرض في ستة أيام، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس
والقمر والنجوم بأمر الله، وإخراج الثمرات من الأرض.
٧ - التهديد بالإهلاك: أهلك الله الأمم الظالمة عبرة لغيرها، وأنذر
الناس بإنزال العذاب المماثل، ورغب بالإيمان والعمل الصالح لإفاضته
الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَّهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦/٧] وكذا
لإرث الأرض والاستخلاف على الآخرين: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ
وَأَصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧].
١٣٨
٨ - قصص الأنبياء: أورد الله تعالى مجموعة من قصص الأنبياء: نوح،
وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، للتذكير بأحوال المكذبين
أنبياءهم، وللعظة والعبرة، ومن أدلها قصة موسى مع الطاغية فرعون،
وعقاب بني إسرائيل بالمسخ قردة وخنازير لما خالفوا أمر الله. وتشبيه عالم
السوء بالكلب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَهُ
فَثَلُهُ، كَمَثَلِ اٌلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَكَّ﴾
[الأعراف: ١٧٦/٧].
و - التنديد بعبادة الأصنام، والتهكم بمن عبد مالا يضر ولا ينفع، ولا
يبصر ولا يسمع، من أحجار وهياكل، وذلك كله لتقرير مبدأ التوحيد الذي
ختمت به السورة کما بدئت به.
٤٩٣
الُ (٨) - الأَغراف: ١/٧-٣
اتباع القرآن الكريم
كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ،
﴿المصّ
أَتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ وَلَا تَنَبِعُواْ مِن دُونِهِ- أَوْلِيَاءُ
٢
وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
القراءات:
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: قرئ:
١- (يتذكّرون) وهي قراءة ابن عامر.
٢- (تَذَكّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (تَذََّّرون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
كِتَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿كِنَكُ﴾ إما خبر ﴿الْمَصّ ﴾﴾ على قول من جعله
مبتدأ، أي أنا الله أَفْصِل، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب،
والثاني أولى.
{لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام متعلقة بأنزل، وتقديره: كتاب أنزل
صَدُركَ
﴿فَلاَ
إليك لتنذر به، وفصل بينهما بقوله:
مِنْ
حَرَجْ
یکن فِی
﴿وَذِكْرَى﴾ إما مرفوع عطفاً على ﴿كِتَبُ﴾، أو خبر مبتدأ تقديره: هذه
ذكرى؛ وإما منصوب عطفاً على موضع ﴿لِنُنذِرَ بِهِ﴾ أي إنذاراً وذكرى، أو
عطفاً على موضع هاء ﴿بِهِ﴾؛ وإما مجرور عطفاً على ﴿لِنُنذِرَ﴾ بمعنى:
للإنذار والذکری.
٤٩٤
الجُرُ (٨) - الأَغَرَافِ: ١/٧-٣
﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب بفعل ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، و﴿مَّا﴾ زائدة،
وتقدير النصب من وجهين: إما لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: تذكرون
تذكراً قليلاً، أو لأنه صفة لظرف زمان محذوف، تقديره: زماناً قليلاً.
البلاغة:
﴿حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي ضيق من تبليغه، ففيه حذف مضاف.
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وصف الربوبية مع الإضافة لضمير المخاطبين فيه إشعار بمزيد
اللطف بهم، وترغيب في امتثال الأوامر.
المفردات اللغوية:
﴾ تقرأ كما تقرأ الحروف الأبجدية، أي ألف، لام، ميم،
﴿المص
صاد، وقد ذكرت في أول سورة البقرة ومثلها آل عمران: أن هذه الحروف
المقطعة يراد من افتتاح السور بها الإشارة إلى أن القرآن الكريم مركب من هذه
الحروف العربية وأمثالها، فهل يستطيع العرب المعروفون بالفصاحة والبلاغة
الإتيان بمثله، وبما أنهم قد عجزوا، فيدل ذلك على أنه كلام الله، فحکمتها
بيان إعجاز القرآن، وتنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه من أحكام.
والغالب أن السور التي بدئت بها وبذكر الكتاب مثل: ((مريم والعنكبوت
والروم وص ون)) هي سور مكية لدعوة المشركين إلى الإسلام وإثبات النبوة
والوحي. وأما السور المدنية التي بدئت بها كالبقرة وآل عمران (الزهراوين)
فالدعوة فيها موجهة إلى أهل الكتاب.
ـَرَبٌ﴾ ضيق ﴿مِنْهُ﴾ من تبليغه، مخافة أن يكذبك الناس ﴿لِنُنذِرَ﴾
متعلق بأنزل أي للإنذار به ﴿وَذِكْرَى﴾ تذكرة نافعة وموعظة حسنة مؤثرة.
﴿فَلِيلًا مَّا﴾ ﴿مَّا﴾ حرف يؤكد معنى القلة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أصله: تتذكرون.
٤٩٥
المُعُ (٨) - الَّغَرَافِ: ١/٧-٣
التفسير والبيان:
بدأ الله تعالى هذه السورة المكية بالحروف الأبجدية المقطعة كغيرها من
السور التي نزلت بمكة لإثبات النبوة والوحي.
هذا القرآن كتاب عظيم الشأن، أنزل إليك يا محمد من عند ربك، بقصد
الهداية والخير، ووصفه بالإنزال للدلالة على عظيم قدره وقدر من أنزل عليه.
فلا يكن في صدرك ضيق من الإنذار به وتبليغه للناس، وتذكير أهل الإيمان به
ذکری تنفعهم وتؤثر فيهم.
ومن المعلوم أن كل نبي ومصلح يلقى عادة إيذاء ومقاومة لدعوته،
وصدوداً وإعراضاً عن رسالته، وما على الداعية إلا الصبر والمثابرة ومتابعة
الطريق: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥/٤٦]. لذا
كان المراد من هذا النهي شد العزيمة والاجتهاد في مقاومة الصعاب، وتحمل
الشدائد، انتظاراً لما عند الله على ذلك من وعد بالخير والفضل.
وبما أن هذا الكتاب ذو مهام خطيرة، فقد خاطب الله تعالى العالم بقوله:
اتبعوا أيها الناس ما أنزل إليكم من ربكم رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره
وراعيه، فهو وحده صاحب الحق في التشريع وفرض العبادات والتحليل
والتحريم؛ لأنه العليم بما هو مصلحة، الخبير بما هو مضرة لكم، فلا يشرع
إلا الخير والسداد.
ولا تتبعوا من دون الله أولياء، كأنفسكم أو الشياطين التي توسوس لكم
بما فيه الضرر والخطر، والضلال والفساد، والشر والسوء، والإيهام بأن
الأصنام شركاء ذات تأثير عند الله، مع أنها أحجار لا تضر ولا تنفع، أي لا
تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن الحق إلى
الضلال، وعن حكم الله إلى حكم الشيطان والأهواء. ولكنكم تتذكرون
قليلاً، وتنسون الواجب عليكم نحو ربكم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَآ
[يوسف: ١٢/ ١٠٣].
١٠٣
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
١
٤٩٦
الُ (٨) - الأَّغَرَافِ: ١/٧-٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - القرآن كلام الله المنزل على نبيه محمد بَّله، والعقل يشهد بأن هذا لا
يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى؛ لأن الرسول وَلتر أمي لا يقرأ ولا
يكتب؛ ولأنه كلام معجز لا يصدر عن بشر؛ ولأن الأحداث ومرور الأزمنة
تثبت تفوقه وصلاحه لكل الأوقات، وهذا لا يمكن أن يتصف به تشريع
وضعي.
أَ - واجب النبي ◌َله وسائر الأنبياء تبليغ الوحي المنزل، وأما النتائج
والآثار وانتصار الدعوات الإلهية فمردها إلى الله تعالى. وقد سرَّى الله عن نبيه
فنهاه عن أن يضيق صدره لعدم الإيمان به، فإنما عليه البلاغ، وليس عليه
سوى الإنذار به، من شيء من إيمانهم أو كفرهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ
نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَرِهِمْ﴾ [الكهف: ٦/١٨] وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخْعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ
﴾ [الشعراء: ٣/٢٦].
مُؤْمِنِينَ
٣ - المقصود بالقرآن إنذار الكافرين والعصاة بسبب إعراضهم عنه،
وتذكير المؤمنين به؛ لأنهم المنتفعون به.
٤ - الأمر العام لجميع الناس باتباع ملة الإسلام والقرآن، وإحلال
حلاله، وتحريم حرامه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه.
واتباع الرسول ◌َ داخل في ذلك؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه وطاعته
بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤/١٦]
فدلت الآية على وجوب اتباع الكتاب والسنة.
٥ - تحريم اتباع أحد من الخلق في الدين، كما فعل أهل الكتاب في
طاعة رهبانهم: ﴿أَتَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٣١/٩].
٤٩٧
الُ (٨) - الأَغراف: ٤/٧-٥
٦ - ترك اتباع الآراء الشخصية أو الاجتهادية مع وجود النص الشرعي.
٧ - المنع من عبادة أحد مع الله، واتخاذ من عدل عن دين الله ولياً، علماً
بأن كل من رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه.
عاقبة تكذيب الرسل في الدنيا
(١) فَمَا كَانَ
﴿وَكَمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ
دَعْوَدُهُمْ إِذْ جَهُم بَأَسُنَا إِلََّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ
القراءات:
﴿ بَأَسُنَا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسنا).
الإعراب:
﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾ (كم) مبتدأ، وجملة: ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ صفة لقرية.
و﴿فَجَآءَهَا بَأَسُنَا﴾ خبر المبتدأ، ومعنى: ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾: قارب إهلاكنا إياها.
حتى لا يكون تكرار مع قوله: ﴿فَجَّءَهَا بَأْسُنَا﴾. ويجوز أن تكون (كم) في
موضع نصب بفعل مقدر دل عليه: (جاءها بأسنا)، لا (أهلكنا) لأن
(أهلكنا) صفة، والصفة لا تعمل في الموصوف.
و﴿بَيَنَّا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال.
﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من أهل القرية.
البلاغة:
﴿فَجَآءَهَا﴾ على حذف مضاف تقديره: فجاء أهلها، لقوله: ﴿أَوْ هُمْ
٤٩٨
الُرعُ (٨) - الْأَغَافِن: ٤/٧-٥
قَآئِلُونَ﴾ ولا حاجة لتقدير المضاف الذي هو الأهل قبل ﴿قَرْيَةٍ﴾ أو قبل
الضمير في ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ لأن القرية تهلك كما يهلك أهلها.
﴿بَيْتًا﴾ و﴿قَائِلُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴾ اسم يفيد التكثير، وهي خبرية ﴿قَرْيَةٍ﴾ مكان اجتماع الناس، أو
الناس أنفسهم ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ أردنا إهلاكها أو قاربنا إهلاكها. ﴿بَأَسُنَا﴾ عذابنا
﴿بَيَنًا﴾ ليلاً، البيات: الإغارة على العدو ليلاً، والإيقاع به على غِرَّة
﴿قَآئِلُونَ﴾ نائمون بالظهيرة، من القيلولة: وهي استراحة نصف النهار، وإن
لم يكن معها نوم، أي مرة جاءها ليلاً، ومرة جاءها نهاراً. ﴿دَعْوَهُمْ﴾ قولهم
ودعاؤهم.
المناسبة:
لما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ، وأمر
القوم بالقبول والاتباع، ذكر في هذه الآية ما يترتب على المخالفة من عقاب
ووعيد، من طريق التذكير بإهلاك الأمم السابقة، لمخالفتهم الرسل وتكذيبهم.
التفسير والبيان:
كثير من القرى وأهلها أهلكناهم بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فجاءهم
العذاب أو الهلاك مرة ليلاً كقوم لوط، ومرة نهاراً كقوم شعيب، أتاهم
العذاب على غِرَّة أو حين القيلولة: وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا
الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ اُلْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأَسُنَا
بَيْتًا وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ اُلْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ
[الأعراف: ٩٧/٧-٩٨] وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ
يَلْعَبُونَ
يَخْسِفَ اللَّهُ بِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿﴿ أَوَ يَأْخُذَهُمْ
٤٩٩
◌ِلُ (٨) - الَِّغرافِن: ٤/٧-٥
فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعُجِزِينَ
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَّخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمُ
13
[النحل: ٤٥/١٦-٤٧].
(٤٧)
فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون
بهذا، أي لم يصدقوا بشيء عند الإهلاك إلا بالإقرار بأنهم كانوا ظالمين.
قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به
الرواية عن رسول الله ولو من قوله: ((ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم)».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الآتي:
اً - إن عصيان أوامر الرسل وتكذيبهم موجب للخزي في الدنيا والعذاب
في الآخرة. وعذاب الدنيا يأتي في وقت الغفلة واللهو، إما ليلاً أو حين
القيلولة نهاراً.
أَ - كل مذنب حين توقيع العقاب الدنيوي علیه يعترف بجرمه، ویندم على
ما فرط منه.
◌َّ - المقصود بالآية الإنذار والتخويف والعبرة بما حل بالأمم السابقة،
فيحملهم الخوف على إصلاح أمورهم، والإقلاع عن معاصيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١/١٣].
٤ - الجزاء أو العقاب الإلهي في الدنيا حق وعدل ومطابق للواقع، ولا
يجيء العذاب إلا بعد العصيان وإعذار الناس من أنفسهم.
٥٠٠
لُُ (٨) - الْأَِّغَافِ: ٦/٧-٩
عاقبة الكفر في الآخرة
والحساب الدقيق على الأعمال
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ
﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
وَاُلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُؤْلَتِكَ هُم
وَمَا كُنَّا غَاسِبِينَ (ج)
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا
٨
اُلْمُفْلِحُونَ
يَظْلِمُونَ
الإعراب:
اللام في ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾ و﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ لام القسم، المراد بها التوكيد.
(وَاُلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اُلْحَقُّ﴾: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ، و﴿يَوْمَيِذٍ﴾ خبره.
والحق: مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه صفة للوزن، أو لأنه بدل من
الضمير المرفوع في الظرف الذي هو خبر للمبتدأ، أو لأنه خبر عن المبتدأ،
و﴿يَوْمَپذٍ﴾: ظرف مُلغى منصوب بالوزن.
البلاغة:
﴿ثَقُلَتْ﴾ و﴿خَفَتْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي الأمم عن إجابتهم الرسل، وعملهم
فيما بلغهم ﴿وَلَنَسْئَلَنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمِ﴾
لنخبرنهم عن علم بما فعلوه ﴿وَمَا كُنَا غَيِينَ﴾ عن إبلاغ الرسل، والأمم
الخالية فيما عملوا.