Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
الُ (٨) - الأَنْتَطُ: ١٤٨/٦ - ١٥٠
بمشيئة الله، فهو راض به . ﴿كَذَلِكَ﴾ كما كذب هؤلاء ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ﴾ رسلهم. ﴿بَأْسَنَا﴾ عذابنا ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ بأن الله
راض بذلك .﴿فَتُخْرِجُوُ لَنَا﴾ أي لا علم عندكم .﴿إِن﴾ ما.﴿تَنَّبِعُونَ﴾ في
ذلك .﴿ تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون، وأصل معنى الخرص: الحزر والتخمين.
﴿اَلُْجَّةُ﴾ الدليل المبين الحق . ﴿اُلْبَلِغَةُ﴾ التامة.
﴿هَلُّمَ﴾ أحضروا ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يتخذون له عدلاً مساوياً، والمراد:
یشرکون.
المناسبة:
لما حكى الله تعالى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير
حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من أنواع الكفر
أو الشرك، فيقولون: لو شاء الله منا ألا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم
يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، فإذا أراد الله ذلك منا، امتنع منا تركه، فكنا
معذورین فیه.
وهذا حكاية عن لسان حالهم أو عما سيقولونه؛ لأن الله محيط علمه بكل
شيء سيقولونه، فهو من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها.
التفسير والبيان:
هذه شبهة تشبّث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع
على ما هم فيه من الشرك، والتحريم لما حرموه، فأخبر بما سوف يقولونه.
إنهم يقولون: إن شركهم، وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله من الحرث
والأنعام، هو بمشيئة الله وإرادته، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك،
کمذهب الجبرية بعينه.

٤٤٢
الُ (٨) - الْأَنْظُ: ١٤٨/٦ -١٥٠
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن
دُونِهِ، مِن شَىءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ
اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥/١٦] وقوله عز وجل: ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا
عَبَدْنَهُمَّ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠/٤٣].
فردَّ الله عليهم شبهتهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ اُلَّذِينَ﴾ أي مثل ذلك
التكذيب الذي صدر من مشركي العرب وأهل مكة للنبي وَّ فيما جاء به من
إثبات الوحدانية والربوبية الله تعالى، وقصر التشريع والتحليل والتحريم عليه،
وإبطال الشرك، كذب الذين من قبلهم رسلهم تكذيباً غير مبني على أساس من
العلم والعقل.
وذلك لأنهم كذبوا ما جاءت به الرسل، ولم ينظروا فيها، وإنما أعرضوا
عنها، ولأن قولهم لو كان صحيحاً لما عاقبهم الله تعالى على كفرهم؛ لأن الله
عادل، فلو كانت أعمالهم المكفّرة صادرة عنهم بإجبار أو إكراه وقهر، لما
استحقوا العقاب عليها، ولما كرر تعالى قوله في القرآن مثلاً: أخذناهم
بذنوبهم، وأهلكناهم بظلمهم وكفرهم.
وهو معنى قوله: ﴿حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّأُ﴾ أي حتى أنزلنا عليهم العذاب
بتكذيبهم، مما يدل على أن كفرهم وتحليلهم وتحريمهم كان باختيارهم
وإرادتهم، وإن كان الله تعالى قادراً على تغيير موقفهم، بأن يلهمهم الإيمان،
ويحول بينهم وبين الكفر، وأن ذلك الموقف هو أيضاً بإرادة الله؛ لأنه لا يقع
شيء في الكون بدون مشيئة الله وإرادته.
ثم أمر الله تعالى رسوله أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا فقال: ﴿قُلْ هَلْ
عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصح الاحتجاج
به فيما قلتم، فتخرجوه لنا أي تظهرونه وتبينونه لنا لنفهمه؟ وهذا الاستفهام
تهكم وإظهار بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة، وتوبيخ لهم على ما
يزعمون.

٤٤٣
الجُ (٨) - الْأَنْفَظُ: ١٤٨/٦ - ١٥٠
وحقيقة حالهم هي ما قال تعالى: ﴿إِن تَشَِّعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ أي لا حجة
ولا برهان على ما تقولون، وما تتبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد،
وما أنتم إلا تكذبون على الله فيما ادعيتموه.
ثم أثبت الله تعالى لذاته الإتيان بالدليل الساطع المبين للدين الحق فقال:
﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد
إفلاسهم وعجزهم عن الإتيان بدليل مقنع: لله تعالى الحجة التامة الكاملة على
ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل، وتقرير أصول الاعتقاد، وتشريع
الأحكام الصائبة، وإلغاء ما تذهبون إليه بالآيات الكثيرة والمعجزات التي أيد
بها الرسل.
ولو شاء تعالى أن يهديكم وغيركم وجميع الناس بغير التعليم والإرشاد
والنظر والاستدلال، لفعل، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، فلا يكون
لكم دور في الاختيار، والإرادة، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل،
ويكون موقف مخالفيكم أيضاً بمشيئة الله، فلا يصح أن تعادوهم، وعليكم أن
توافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ [الأنعام: ٦/
٣٥] وقوله عز وجل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنْتَ
١٩٩)﴾ [يونس: ٩٩/١٠].
تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
ثم أمر الله رسوله بمطالبة المشركين بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما
يدعونه من تحريم الله هذه المحرمات، فقال: ﴿قُلُّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾ أي أحضروا
شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم
تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه.
فإن شهدوا على سبيل الفرض، فلا تصدقهم، ولا تسلم لهم، ولا تقبل لهم
شهادة؛ إذ لو سلم لهم، فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحداً منهم؛

٤٤٤
الجُرُ (٨) - الْأَنْقُل: ١٤٨/٦ - ١٥٠
لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذباً وزوراً، فهم شهود زور كاذبون. ولا تتبع
أهواء الذين كذبوا بآيات الله الدالة على وحدانيته وربوبيته ومنها حقه في
التشريع والتحليل والتحريم، ولا تتبع هؤلاء الجاهلين المتبعين لأهوائهم الذين
لا يوقنون بمجيء الآخرة، حتى يحملهم الإيمان على سماع الدليل إذا ذكر لهم،
وهم يشركون بربهم، ويجعلون له عديلاً يشاركه في جلب الخير ودفع الضر،
والحساب والجزاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - إن اعتذار الكافرين عن كفرهم بما يشبه قول الجبرية: لو شاء الله منا
ألا نشرك لم نشرك اعتذار مرفوض لم يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعطاهم
عقولاً كاملة، وأفهاماً وافية، وأقدرهم على الخير والشر، وأزال الموانع
بالكلية عنهم، فإن شاؤوا عملوا الخيرات، وإن شاؤوا عملوا المعاصي
والمنكرات.
وقد أعانهم الله على حسن الاختيار بإنزاله الكتب، وإرساله الرسل
والأنبياء، وإرشاده إلى التوحيد لله بالنظر في المخلوقات، وتأييده الرسل
بالمعجزات، وتلك هي الحجة البالغة على أن الله واحد لا شريك له.
فأما علم الله تعالى وإرادته وكلامه فغَيْب لا يطلع عليه الإنسان إلا من
ارتضى من رسول.
ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أُمر به
لأمكنه، ولا مانع يمنعه، فهو مستطيع الإيمان، قادر على نبذ الكفر.
ولو كان الإنسان مجبراً على الكفر والمعصية كالريشة في مهب الرياح كما
يزعم الجبرية، لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة.

٤٤٥
الُعُ (٨) - الأَنْقُل: ١٥١/٦-١٥٣
وقد تبين بهذا بطلان شبهات الكافرين، ودحض حججهم أمام الحجج
الإلهية القاطعة. فإن شهد بعضهم لبعض على صحة ما يقولون، فلا تصدق
شهادتهم إلا من كتاب إلهي أو على لسان نبي، وليس معهم شيء من ذلك،
وما هم إلا شهود كاذبون مبطلون فيما يخبرون.
والمطلوب الإتيان بشهود الحق لا شهود الزور والباطل، فإن قيل: كيف
أمر الله نبيه باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرماً،
ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ أجيب: أمره باستحضارهم، وهم شهداء
بالباطل، ليلزمهم الحجة، ويظهر زيف شهادتهم، فيحق الحق، ويبطل
.الباطل.
المحرَّمات العشر أو الوصايا العشر
قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَتَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌّ
وَلَا تَقِّرَبُواْ أَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَرٌ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى
وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اُلْيَنِيِ
١٥١
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمٍ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ
إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِّ لَا نُكَلِّفُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (َ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ
وَلَا تَنَبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
١٥٣١
القراءات:
﴿نَذَكَّرُونَ﴾: قرئ:

٤٤٦
الُ (٨) - الْأَنْقُل: ١٥١/٦-١٥٣
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (تَذَّكَّرون) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى﴾: قرئ:
١- (وإنَّ هذا صراطي) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (وأن هذا صراطيَ) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (وأن هذا سراطي) وهي قراءة قنبل.
٤- (وأن هذا صراطِيْ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ ﴿مَا﴾ اسم
موصول بمعنى الذي، مفعول ﴿أَثْلُ﴾، و﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾: صلته،
والعائد محذوف، وتقديره: حرَّمه ربكم، فحذف الهاء العائدة للتخفيف.
ويكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ بدلاً منصوباً من الهاء أو من ﴿مَا﴾. و(لا)
زائدة، وتقديره: حرّم أن تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾ خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: هو ألا تشركوا. ويجوز أن تكون ((أن)) بمعنى أي، و ((لا))
نهي، وتقديره: أي لا تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية في موضع
نصب بحرَّم، وتقديره: أي شيء حرم ربكم؟ ويجوز الوقوف على قوله:
﴿رَبُّكُمْ﴾. ثم تبتدئ وتقرأ: عليكم ألا تشركوا، أي عليكم ترك الإشراك،
فيكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾ في موضع نصب على الإغراء بعليكم.
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ وَأَنَّ﴾ في موضع نصب على تقدير حذف
حرف الجر، وتقديره: ولأن هذا صراطي. ويجوز قراءة (أنْ) مخففة من الثقيلة.
ويجوز قراءة (إن) بالكسر، على الابتداء، و﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حال مؤكدة من
د

٤٤٧
الُ (٨) - الأَنْغام: ١٥١/٦-١٥٣
صِرَطِى﴾؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيماً.
البلاغة:
﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ فيه استعارة السبل للبدع والضلالات.
﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ التنكير لإفادة العموم.
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الإضافة للتشريف والتعظيم.
﴿ظَهَرَ﴾ و﴿بَطَنٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
{تَعَالَوْاْ﴾ أقبلوا. ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ وأقص. (أن) مفسرة. ﴿إِمْلَقٍّ﴾ أي فقر.
﴿ اَلْفَوَاحِشَ﴾ الكبائر، أي ما عظم جُرمه وذنبه كالزنى. ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ﴾ أي علانيتها وسرها. ﴿يِالْحَقِّ﴾ كالقوَد (القصاص) وحدّ الردة،
ورجم المحصن. ﴿نَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون. ﴿إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي ما فيه
صلاحه . ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ بأن يحتلم أو يكبر، و﴿ أَشُدَّهُ﴾: كمال رجولته
ومعرفته . ﴿ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل وترك البخس. ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتها في ذلك،
فإن أخطأ في الكيل والوزن، والله يعلم نيته، فلا مؤاخذة عليه، كما ورد في
الحديث . ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾ أي إذا قلتم في حكم أو غيره فاعدلوا في
القول. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة.
(تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. ﴿السُّبُلَ﴾ الطرق المخالفة له. ﴿فَغَرَّقَ﴾ تميل. ﴿عَنْ
سَبِلِئٍ﴾ دينه.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى المحرَّمات من المطعومات، ردّاً على المشركين الذين
حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، أردفه ببيان أصول المحرمات المعنوية
(الأدبية) والمادية قولاً وفعلاً.

٤٤٨
لُ (٨) - الْأَنْتَقُل: ١٥١/٦-١٥٣
قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله وَليّة التي عليها
خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْ أَثْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله:
{تَنَّقُونَ﴾. وقال ابن عباس: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم
قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات. وروى الحاكم
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وَليقول: ((أيكم يبايعني على ثلاث؟))
ثم تلا رسول الله وَله: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى
فرغ من الآيات، ثم قال: ((فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً
فأدركه الله به في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أخَّر إلى الآخرة، فأمره إلى الله إن
شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه)) ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
التفسير والبيان:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله،
وقتلوا أولادهم، وحرموا وحللوا لأنفسهم بأهوائهم ووسوسة الشياطين
لهم: هلموا وأقبلوا أقرأ وأقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم حقاً وفعلاً،
ووحياً وأمراً من عنده، لا تخرصاً وظناً، فلله وحده حق التشريع والتحريم،
وأنا رسوله المبلغ عنه ما أنزل، وهي الوصايا العشر: خمس بصيغة النهي،
وخمس بصيغة الأمر.
وخص التحريم بالذكر، مع أن الوصايا أعم؛ لأن بيان المحرمات يستلزم
حلّ ما عداها. وقد بدأها بالشرك بالله؛ لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إثماً.
وتلك الوصايا هي ما يأتي:
أ - نبذ الشرك بالله:
﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾: في الكلام محذوف وتقديره: وأوصاكم(١) ألا
(١) دلّ على هذا التقدير قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ

٤٤٩
المُرعُ (٨) - الأَنْقَطَا: ١٥١/٦-١٥٣
تشركوا به شيئاً من الأشياء، وإن عظم خَلْقاً كالشمس والقمر والكواكب، أو
قدراً ومكانة كالملائكة والنبيين والصالحين، فكل ذلك مخلوق لله وعبيد له:
﴾ [مريم: ٩٣/١٩].
﴿إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا
فيجب عليكم أن تخصوه وحده بالعبادة والتعظيم، وتتركوا ماشرعتم من
العبادة بالأهواء.
٢ - الإحسان إلى الوالدين:
﴿ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ أي أحسنوا إلى الوالدين إحساناً كاملاً صادراً من
القلب.
وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين حظر الشرك وطاعته وبرّ الوالدين؛ لأن الله
تعالى مصدر الخلق والرزق، والأبوان واسطة، يقومان بعبء التربية ودفع
الأذى والضرر عن الولد، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ
وَيَأْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧] وقال عز وجل: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ
وَلِوَ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا
تُطِعُهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٤/٣١ -١٥] لذا كان عقوق
الوالدين من الكبائر، وبرّهما والإحسان إليهما من أفضل الأعمال، روى
البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((سألت رسول الله
وَّه، أيُّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برّ
الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). وروى الحافظ ابن
مردويه عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي
رسول الله عسر: ((أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل))(١).
والإحسان إلى الوالدين: معاملتهما معاملة كريمة نابعة من العطف والمحبة،
(١) قال ابن كثير: ولكن في إسناديهما ضعف.

٤٥٠
لُعُ (٨) - الأَنْقال: ١٥١/٦-١٥٣
لا من الخوف والرهبة. وكما يفعل الولد مع والديه يفعل أولاده معه ولو بعد
حين، روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر عن النبي وَّل قال: ((بروا آباءكم
تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم».
٣ - تحريم وأد البنات:
﴿وَلَا تَقْذُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقِّ﴾: لما أوصى تعالى ببر الوالدين
والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فذكر: ومما
أوصاكم به ربكم ألا تقتلوا أولادكم خشية فقر يحل بكم، فإن الله يرزقكم
وإياهم، أي يرزقهم تبعاً لكم، فلا تخافوا الفقر الحاضر، ولا تخشوا
الفقر المتوقع، فإن الله تعالى تكفل برزق العباد، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا
نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقِّ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا
(٣)) [الإسراء: ٣١/١٧]. والفرق بين التعبيرين: أن تعبير سورة الأنعام يراد
به: لا تقتلوهم من فقركم الحاصل، فبدأ برزق الآباء؛ لأنه الأهم بسبب
وجود الفقرالحاصل، وأما تعبير سورة الإسراء فيراد: لا تقتلوهم خوفاً من
الفقر في الآجل المستقبل، فبدأ برزق الأولاد للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من
فقركم بسبب رزقهم، فهو على الله. وفي هذا إيماء إلى ضرورة الحفاظ على النوع
الإنساني، بتحريم إيذاء الأصول (الآباء) والفروع (الأبناء) ورعاية كل
منهما، ثم تحريم قتل النفس الإنسانية مطلقاً المنصوص عليه في الوصية
الخامسة.
٤ - تحريم اقتراف الفواحش:
﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾: أي إياكم من الاقتراب من الفواحش وهي كل
ما عظم جُرمه وإثمه وقبحه من الأقوال والأفعال، كالزنى وقذف المحصنات
الغافلات المؤمنات، سواء في الظاهر المعلن أو الباطن السري، وكان العرب
في الجاهلية لا يرون بأساً في الزنى سراً، ويعدون الزنى علانية قبيحاً، فحرم

٤٥١
الُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٥١/٦-١٥٣
الله النوعين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ
وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (®َ﴾ [الأعراف: ٣٣/٧]. وورد في الصحيحين عن ابن
مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا أحد أغير من الله، من
أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) وقال سعد بن عبادة فيما
رواه الشيخان: لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مُصْفَح (١)،
فبلغ ذلك رسول الله وَالر فقال: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من
سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)).
وقيل: الظاهر: ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن: ما تعلق بأعمال
القلوب كالكبر والحسد. روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن عِكْرمة:
قال: ما ظهر منها: ظلم الناس، وما بطن منها: الزنى والسرقة، أي لأن
الناس يأتونهما في الخفاء.
ة - منع قتل النفس بغير الحق:
﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ خصص النهي عن القتل
تأكيداً واهتماماً به، بالرغم من أنه داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها
وما بطن، أي حرم الله عليكم قتل النفس التي حرم الاعتداء عليها بالإسلام،
أو بالعهد بين المسلمين وغيرهم كأهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بعهد
وأمان.
روى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي وَلّ قال:
((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم
(١) المصفَح: الممال، جاء في الحديث: ((قلب المؤمن مصفح على الحق)) أي ممال عليه.

٤٥٢
الجُرُ (٨) - الأَنْتُ: ١٥١/٦-١٥٣
وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)). وروى الترمذي وابن ماجه
عن أبي هريرة عن النبي وَ لي قال: («من قتل معاهَداً له ذمة الله وذمة رسوله،
فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين
خريفاً)). وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي وتَيِّ
مرفوعاً: ((من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة
أربعين عاماً)).
وأما القتل بحق فله ثلاث حالات ورد بيانها في حديث الصحيحين عن ابن
مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا
بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق
للجماعة)) وفي لفظ: ((كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير
حق)).
وما ذلك التحريم للقتل إلا لأنه جريمة كبرى في حق الإنسانية، واعتداء
على صنع الخالق، الذي أوجد وأتقن كل شيء خلقه.
ذلكم المحرم مما ذكر وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه، أي
ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.
والوصية: أن يعهد إلى إنسان بعمل خير أو ترك شر.
وتذييل الآية بهذه الخاتمة يدلّ على أن ما هم عليه من الشرك وتحريم بعض
الأنعام مما لا تعقل له فائدة.
٦ - المحافظة على مال اليتيم:
﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تأخذوا شيئاً من مال
الأيتام الذين تتولون الإشراف عليهم، إلا بما فيه مصلحة ونفع لهم، في حفظ
المال وتنميته، وحمايته من المخاطر، والإنفاق منه بحسب الحاجة، وذلك كقوله
سے

٤٥٣
الُعُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٥١/٦-١٥٣
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
﴾ [النساء: ١٠/٤].
٢١٠
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
والنهي عن القرب عن الشيء أبلغ من النهي عن الشيء نفسه؛ لأن الأول
يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي
مِظنّة التأويل، كأن يأكل شيئاً من ماله أثناء أداء عمل له فيه ربح. وقد نهى الله
تعالى عن الأكل من مال اليتيم إلا لضرورة أو حاجة، فقال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا
إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفُّ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦/٤].
وتُسلَّم الأموال إلى اليتامى حين بلوغهم سن الرشد، لذا قال تعالى: ﴿حَّ
يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي لا تقربوا مال اليتيم حتى يبلغ مبلغ الرجال في الحنكة والقوة
واكتمال الملكات والمدارك العقلية، وذلك كما قال الشعبي ومالك وجماعة من
السلف: حتى يحتلم، والاحتلام يكون عادة بين الخامسة عشرة والثامنة
عشرة: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشَدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَمَ﴾ [النساء: ٦/٤]. والمراد من
الآية: حفظ مال اليتيم وعدم تبذيره أو إضاعته حتى البلوغ.
٧ و٨ - إيفاء الكيل والميزان بالقسط:
﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي أتموا الكيل إذا كلتم للناس، ولا
تزيدوا فيه إذا اكتلتم لأنفسكم، وأتموا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تشترون
أو لغيركم فيما تبيعون، فلا يكون فيه زيادة ولا نقص، وإنما تمام بالعدل، من
الَّذِينَ إِذَا أُكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ
غير تطفيف، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
[المطففين: ١/٨٣-٣](١) أي
) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
يَسْتَوْفُونَ
(١) التطفيف: البخس في الكيل والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن
قضاهم، كما هو مفسر في الآيات.

٤٥٤
لُ (٨) - الأَنْتُ: ١٥١/٦-١٥٣
أن إيفاء الحق يكون في الحالتين: البيع والشراء. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ يوجب
تحري العدل حال البيع والشراء بقدر المستطاع، لذا قال:
﴿لَا تُكِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف الله نفساً إلا ما يسعها فعله،
بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج أي بقدر الطاقة والجهد، فإذا أخطأ الشخص
بدون قصد فلا مؤاخذة، روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال
رسول الله وَّ في الآية: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَاً﴾: ((من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله يعلم صحة نيته
بالوفاء فيهما، لم يؤاخذ، وذلك تأويل: وسعها)) وهو حديث مرسل غريب.
وعاقبة تطفيف الكيل والميزان وخيمة جداً ومنذرة بعقاب أليم، كما حكى
الله تعالى عن قوم شعيب عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
٨٥
[هود: ٨٥/١١].
٩ - العدل في القول أو الحكم:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىٌ﴾ أي فاعدلوا في القول في الشهادة
أو الحكم، ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة منكم؛ إذ بالعدل تصلح شؤون
الأمم والأفراد، وهو أساس الملك، وركن العمران، وقاعدة الحكم، كما
قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِنْ﴾ [النساء: ١٣٥/٤] وهذا عدل بالقول، كالعدل
المطلوب سابقاً في الفعل كالكيل والوزن.
٦١ - الوفاء بالعهد:
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ أي وأوفوا بعهد الله، وذلك بإنجازه وتنفيذه، وإطاعة
الله فيما أمر ونهى، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله. وهو يشمل: ما عهده

٤٥٥
الجُ (٨) - الأَنْقال: ١٥١/٦-١٥٣
الله إلى الناس على ألسنة الرسل، وما آتاهم الله من العقل والفطرة السليمة
: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَلَبَنِىّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ
كما قال تعالى:
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
:[يس: ٦٠/٣٦]، وما عاهده الناس عليه، كما قال
تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١/١٦]، وما تعاهد عليه
الناس مع بعضهم بعضاً، كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَالْمُوفُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧/٢].
﴿ذَالِكُمْ وَضَنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي وصاكم الله بهذا رجاء
أن تتعظوا وتنتهوا عما كنتم فيه قبل هذا، وليذكر بعضكم بعضاً في
التعليم والتواصي الذي أمر الله به: ﴿وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ٣/١٠٣].
ثم ختم الله تعالى هذه الوصايا ببيان أن هذا هو منهج الحق وطريق
الاستقامة، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى﴾ أي ولأن هذا هو الطريق المستقيم،
فاتبعوه ولا تتبعوا الطرق المختلفة ذات المذاهب والأهواء والبدع
والضلالات، فيؤدي بكم إلى التفرق والاختلاف، والانحراف عن دين الله
الحق، ومنهجه الأمثل. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبْلَ﴾: أمر
الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما
هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله.
وأوضح النبي ◌َّ الصراط المستقيم، روى الإمام أحمد، والنسائي وأبو الشيخ
ابن حيان والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله وَلل خطاً
بيده، ثم قال: ((هذا سبيل الله مستقيماً)) وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: ((هذه
السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه)) ثم قرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ﴾.
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن النَّواس بن سَمْعان عن رسول الله وَله

٤٥٦
الجُرُ (٨) - الأَنْقُ: ١٥١/٦-١٥٣
قال: ((ضرب الله مَثَلاً: صراطاً مستقيماً، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما
أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا
أيها الناس، هلم ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً ولا تفرقوا، وداع يدعو من
فوق الصراط، فإذا أراد إنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك،
لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجْه. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود
الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب
الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم)).
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات أمر من الله تعالى لنبيه وَيقر بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع
تلاوة ما حرم الله، ويجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا الناس ويبينوا
لهم ما حرَّم الله عليهم مما أحلّ، قال الله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧/٣].
وقد تضمنت الوصايا العشر: خمساً منها بصيغة النهي، وخمساً بصيغة
الأمر، ولما وردت الأوامر مع النواهي، وتقدّمهن جميعاً فعل التحريم،
واشتركن في الدخول تحت حكمه، عُلم أن التحريم راجع إلى أضدادها: وهي
عدم الإقرار بوجود الله وتوحيده، والإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل
والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله ... إلخ.
قال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة (الأنعام)
أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملّة. وقد قيل: إنها العشر
كلمات المنزلة على موسى.

٤٥٧
الجُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٥١/٦-١٥٣
أما الشرك بالله: فهو وكر الخرافات والأباطيل، ومبعث الأهواء
والشهوات، وهو مصادم لمقتضيات العقل السليم والفكر الصحيح.
وأما الإحسان إلى الوالدين: فواجب تقتضيه الفطرة؛ لأنهما كانا سبب
وجود الإنسان، وقد ربياه وأحسنا إليه صغيراً وكبيراً، ومحبتهما جزاء
ومكافأة لهما، وعقوقهما مفسد تكوين الأولاد، ومساعد على الغلظة
والشذوذ في كل مسالك الحياة.
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله؛ لأن أعظم
أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين؛ لأن المؤثر
الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه، وفي الظاهر هو الأبوان، ونعم
الوالدين على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع
والهلاك في وقت الصغر.
وقتل الأولاد: مسبّة وعار، وقسوة وغلظة، وانحدار في مستوى الإنسانية،
ولون من ألوان الهمجية، ومصادمة لإرادة الله تعالى.
وقد استدل الظاهرية بآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ على منع العزل؛ لأن
وأد الأولاد يرفع الموجود والنَّسْل؛ والعَزْل بإلقاء الماء خارج المحل منع أصل
النسل، فتشابها؛ إلا أن قتل النفس أعظم وزراً وأقبح فعلاً.
لكن جمهور العلماء أباحوه؛ لقوله بَ له: ((لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو
القدَر))(١) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا.
واشترط مالك والشافعي كون العزل عن الحرة بإذنها، فلا يجوز بغير
إذنها؛ لأن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد.
(١) الحديث صحيح (راجع سبل السلام ١٠٣٦/٣) ط دار الجيل - بيروت.
٦

٤٥٨
الْجُزْءُ (٨) - الأَنْقُل: ١٥١/٦-١٥٣
وتحريم الفواحش ذاتها وتحريم وسائلها وأسبابها: ضرورة صحية وإنسانية
واجتماعية، فما من فاحشة أو حرام أو منكر إلا وهو ضار ضرراً محضاً
بصحة الإنسان، ومهدد لوجوده، ومفسد للمجتمع في جميع أحواله ونظامه
وتطلعاته. والنهي عن اقتراف الفواحش في الآية نهي عام عن جميع أنواع
الفواحش وهي المعاصي.
وقتل النفس مؤمنة كانت أو معاهدة بغير مسوغ شرعي أو إلا بالحق الذي
يوجب قتلها: جريمة كبرى، واعتداء شنيع على صنع الخالق. والعاصم من
القتل: الإسلام، والسلام أو الأمان، والعهد. والمسوغ الشرعي أو القتل
بالحق مثل منع الزكاة وترك الصلاة، والدفاع عن النفس، والمحاربة (قطع
الطريق)، والقصاص، والردة، وزنى المحصن. وأجاز بعضهم القتل بسبب
اللواط عملاً بما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)).
وأكل مال اليتامى: ظلم واعتداء على حقوق الضعفاء، واستغلال
لحاجتهم وصغرهم. لكن يجوز الأخذ من مال اليتيم بالتي هي أحسن، أي بما
فيه صلاحه وتنميته، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، بالاتجار فيه ونحوه من
وسائل التنمية.
ويدفع المال إلى اليتيم ببلوغ سن الرشد وهو توافر الخبرة المالية، وذهب أبو
حنيفة إلى أن أقصى مدة لمنع المال عن اليتيم هي خمس وعشرون سنة. وقد فُتّر
بلوغ الأشد أي القوة وهي قوة البدن والمعرفة بآية أخرى في سورة النساء
وهي: ﴿وَبْلُواْ الْيَ حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَهٌُ﴾ [٦] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو
إيناس الرشد.
وإيفاء الكيل والميزان بالقسط أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع
والشراء: فيه حفاظ على الحقوق المالية.

٤٥٩
الجُرُ (٨) - الأَنْقُل: ١٥١/٦-١٥٣
والقول بالعدل في الأحكام والشهادات ولو على النفس والأقارب: فيه
إنصاف للحق، وإظهار له، ومن المعلوم أن الإسلام هو دين الحق والعدل.
والوفاء بعهد الله، أي بجميع ما عهده الله إلى عباده، ويشمل جميع ما انعقد
بين إنسانين: أمر يوجبه شكر المنعم الخالق، وتقتضيه المدنية، وتقره الأعراف
السليمة؛ لأنه فيما يمس الوعود والعقود بين الناس يوفر الخير والعطاء
للجماعة كلها، ويحقق معنى النظام واحترام الوقت. وأضيف العهد إلى الله من
حيث أمر بحفظه والوفاء به.
والسبب في جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ وخاتمة الآية
الثانية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: هو كما أوضح الرازي أن المحرَّمات
الخمسة المذكورة في الآية الأولى (وهي الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل
الأولاد، وقربان الزنى، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) أمور ظاهرة
جلية القبح، فنهاهم الله عنها، لعلهم يعقلون قبحها، فيتركوها. وأما
التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الثانية (وهي حفظ مال اليتيم، وإيفاء
الكيل والميزان، والعدل في القول في الأحكام والشهادات، والوفاء بالعهد)
فهي أمور خفية غامضة، وكانوا يفعلونها ويفتخرون بالاتصاف بها، فأمر الله
تعالى بها لعلهم يذكرون إن نسوها، وليجتهدوا ويفكروا فيها ليقفوا على
موضع الاعتدال.
وقال أبو حيان: كرر الوصية على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم
هو الجامع للتكاليف، وقد أمر الله سبحانه باتباعه، ونهى عن اتباع غيره من
الطرق، ختم الآية الثالثة بالتقوى التي هي اتقاء النار؛ إذ من اتبع صراطه نجا
النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية(١).
(١) البحر المحيط: ٤ /٢٥٤

٤٦٠
الجمعُ (٨) - الآنقم: ٦/ ١٥٤-١٥٧
قال ابن عطية: ومن حيث كانت المحرّمات الأُوَل لا يقع فيها عاقل قد نظر
بعقله، جاءت العبارة: ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ والمحرَّمات الأُخَر شهوات، وقد يقع
فيها من العقلاء من لم يتذكر، فجاءت العبارة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكْرُونَ﴾. وركوب
الجادة تتضمن فعل الفضائل، ،وتلك درجة التقوى، فجاءت العبارة:
﴿ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾.
وأما آية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا﴾ فأرشدت إلى أن كل ما بَّنه الرسول
وَ﴾ من دين الإسلام هو المنهج القويم، والصراط المستقيم. وأرشدت أيضاً إلى
وجوب الاتحاد بين المؤمنين والتلاقي بينهم على ما أمر الله به، والتحذير من
الاختلاف والفرقة، واتباع غير سبيل الله، وأن الله أهلك الأمم السابقة
بالمراء والخصومات، ودلت الآية أيضاً على أن كل ما كان حقاً فهو واحد.
السبب في إنزال التوراة والقرآن
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَنَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
وَهَذَا كِنَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ
١٥٤
وَهُدَى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿ أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا
وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّأَ
أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَاءَ كُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَبِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوْءَ اُلْعَذَابِ
١٥٧
بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
القراءات:
(يَصْدِفُونَ﴾
بإشمام الصاد زاياً، قرأ حمزة، والكسائي.