Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
◌ِلُُّ (٨) - الأَنْفُل: ١٣٣/٦-١٣٥
نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. و﴿ تُوعَدُونَ﴾ صلة، والعائد إليه محذوف، تقديره: إن
الذي توعدونه لآت، مثل قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾
[الفرقان: ٤١/٢٥] أي بعثه.
﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ ﴿مَن﴾ إما استفهامية مبتدأ، وما بعدها
خبره، والجملة في موضع نصب بتعلمون، وإما أن تكون بمعنى (الذي))
خبراً، فتكون في موضع نصب بتعلمون.
البلاغة:
﴿إِنَ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ﴾ عبر بالفعل المضارع المفيد للاستقبال، للدلالة
على الاستمرار المتجدد. والجملة مؤكدة بمؤكدين: إن، واللام، للرد على
منکري البعث.
المفردات اللغوية:
﴿ يُذْهِبْكُمْ﴾ يهلككم يا أهل مكة ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ أي ينشئ الخلف وهو
الذرية والنسل ﴿كَمَآ أَنْشَأَكُم مِّن ذُرِيَّةٍ قَوْمٍ ◌َآخَرِينَ﴾ أذهبهم ولكنه
أبقاكم رحمة لكم، وقوله ﴿مِّن ذُرِّيَّةِ﴾ أي من نسل قوم ﴿وَمَآ أَنْتُم
بِمُعْجِزِينَ﴾ فائتين عذابنا، فالله قادر غير عاجز على إدراككم.
﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ حالتكم ﴿عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ العاقبة المحمودة أو عاقبة الخير في
الدار الآخرة، إذ لا اعتداد بعاقبة الشر؛ لأن الله جعل الدنيا مزرعة الآخرة.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ﴾ يسعد ﴿اُلَّالِمُونَ﴾ الكافرون.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعصية، وذكر أن لكل
قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بيَّن أنه غير محتاج إلى طاعة المطيعين، ولا

٤٠٢
الجُرُ (٨) - الأَنْقال: ١٣٣/٦-١٣٥
ينتقص بمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ولكنه أيضاً
ذو رحمة عامة كاملة، ثم بيَّن أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق، أو في
خلق جديد بديل عنهم، ثم فوض الأمر إلى خلقه على سبيل التهديد.
التفسير والبيان:
وربك يا محمد هو الغني عن جميع خلقه وعن عبادتهم من جميع الوجوه،
وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك ذو الرحمة الشاملة بهم، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥/٢٢] وقال في بيان
يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
غناه :
[فاطر: ١٥/٣٥].
١٥
وجملة ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ تفيد الحصر، بمعنى أنه لا غني إلا
هو، ولا رحمة إلا منه؛ لأنه واجب الوجود لذاته، وغيره ممكن لذاته،
والممكن محتاج، فثبت أنه لا غني إلا هو، وكل ماسوى الله منه، فثبت أنه لا
رحمة إلا من الحق، فكل ما عداه محتاج إليه في وجوده وبقائه، ومحتاج إلى
الأسباب التي هي قوام وجوده وحياته.
إن يشأ يذهبكم أيها الكافرون المعاندون كأهل مكة، كما أهلك من عاند
الرسل كعاد وثمود، ويأت بخلق جديد غيركم أفضل منكم وأطوع، فهو قادر
على أن يستخلف من بعدكم مايشاء من الأقوام، كما قدر على إنشائكم من
ذرية قوم آخرين، أي أنه قادر على الإهلاك والإنشاء معاً، وقد حقق ذلك،
فأهلك زعماء الشرك المعاندين، واستخلف من بعدهم قوماً آخرين وهم
المهاجرون والأنصار وأتباعهم الذين كانوا مظهر رحمة الله للبشر في سلمهم
وحربهم، حتى قال غوستاف لوبون: ((ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم
من العرب)).
وبعد أن وجه لهم هذا الإنذار بالإهلاك في الدنيا، أتبعه إنذاراً آخر في

٤٠٣
الزرعُ (٨) - الأَنْتُ: ١٣٣/٦-١٣٥
الآخرة، فقال: ﴿إِنََّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ﴾ أي أخبرهم يا محمد أن الذي
توعدون به من الجزاء الأخروي كائن لا محالة، وما أنتم بمعجزين، أي لا
تعجزون بهرب ولا امتناع مما يريد، فهو القادر على إعادتكم، وإن صرتم
تراباً رفاتاً وعظاماً، وهو القاهر فوق عباده. روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ أنه قال: ((يابني آدم إن كنتم تعقلون،
فعُدّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنَّ ما توعدون لآت، وما أنتم
بمعجزین)).
ثم أردف الله تعالى ذلك بتهديد آخر شديد ووعيد أكيد فقال: ﴿قُلْ يَقَوْمِ
أَعْمَلُواْ﴾ أي أخبرهم يا محمد بقولك: استمروا على طريقتكم وحالتكم التي
أنتم عليها إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي،
وَأَنتَظِرُوْا
كقوله تعالى: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ
[هود: ١٢١/١١- ١٢٢].
إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (®َا﴾
قال الزمخشري في قوله: ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: يحتمل وجهين: اعملوا
على تمكنكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم، وإمكانكم؛ أو اعملوا على
جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، إني عامل على مكانتي التي أنا عليها،
والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى
مصابرتكم(١).
فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، أنحن أم أنتم؟ وعاقبة الدار:
العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا - كما قال الزمخشري - طريق من الإنذار، لطيف المسلك، فيه
إنصاف في المقال، وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر
(١) الكشاف: ٥٢٩/١

٤٠٤
الجُزُ (٨) - الْأَنْقال: ١٣٣/٦-١٣٥
محق، والمنذَر مبطل. وهو على طريقة قوله: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١]
وقوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلِ سُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤/٣٤].
وهو دليل على أن أحوال الأمم مرتبة بحسب أعمالها، وأن عاقبة كل عمل
نتيجة حتمية له، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
إنه لا يفلح الظالمون أي لا يسعد ولا ينجح الظالمون أنفسهم بالكفر بنعم
الله، واتخاذ الشركاء له في ألوهيته، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
لَتُلِكَنَّ الَّلِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣/١٤-١٤].
ومما نحمد الله عليه أن أنجز الله موعده لرسوله، فمگَّنه في البلاد، ونصره
على مشركي العرب، ودانت له الجزيرة العربية واليمن والبحرين في حياته، ثم
فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه، وانتشر الإسلام في
المشارق والمغارب، وتعاقبت دول الإسلام قوية عزيزة منيعة عدة قرون من
الزمان، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
٢١
﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ
﴿ يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
اُلُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
[ية﴾ [غافر: ٥١/٤٠-٥٢].
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على صفات عظيمة لله عز وجل وهي الغنى المطلق عن خلقه
وعن أعمالهم، والرحمة الشاملة لعباده، ولا سيما أولياؤه وأهل طاعته،
والقدرة الكاملة على الإماتة والاستئصال بالعذاب، والإحياء والإنشاء
استخلاف خلق آخر أمثل وأطوع.
وقال المعتزلة: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلاً منزهاً عن
فعل القبيح، وعلى كونه رحيماً محسناً بعباده.

٤٠٥
الُ (٨) - الْأَنْتطا: ١٣٦/٦ -١٤٠
ودلت الآيات أيضاً على أن وعد الله محقق منجز، وأن الإيعاد بعذاب
الآخر كائن حتماً لا محالة، والجزاء أمر لازم لأهل الخير والشر.
وتضمنت الآيات إنذارين: إنذاراً في الدنيا لتصحيح الأعمال بالتهديد
بعذاب الاستئصال، وإنذاراً في الآخرة للرهبة من الحساب وعذاب النار.
ولا شك بأن المصير مختلف بين أهل الطاعة وأهل المعصية، فالعاقبة
الحسنة المحمودة لمن آمن بالإسلام وأطاع الله، والمصير المشؤوم لمن كفر بالله.
وعصاه ورفض أوامره وتحدی رسله.
شريعة الجاهلية
في الزروع والثمار والأنعام وقتل الأولاد
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ
◌ِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَيْنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآَبِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ
وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمَّ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمِّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ
يَفْتَرُونَ لَـ
◌ِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَهُ حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنَْهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءً عَلَيَّةٍ
سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ اْأَنْعَمِ
خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُنْ قَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ
شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (3َ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ
أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا
كَانُواْ مُهْتَدِينَ

٤٠٦
الْجُزْءُ (٨) - الأَنْقُل: ١٣٦/٦ - ١٤٠
القراءات:
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾:
وقرأ الكسائي (بزُعْمهم).
﴿وَإِن يَكُنْ قَيْنَةً﴾: قرئ:
١- (وإن تكن مَيْتَةٌ) وهي قراءة ابن عامر.
٢- (وإن يكن مَيْنَةٌ) وهي قراءة ابن كثير، على أن ((كان)) تامة.
٣- (وإن يكن مَيْتَةً) وهي قراءة الباقين.
﴿قَتَلُواْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وابن عامر (قَتَّلوا).
الإعراب:
﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ في موضع رفع؛ لأنه فاعل ﴿سَآءَ﴾.
﴿زَّنَ﴾ فعل مبني للمعلوم، وفاعله: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ و﴿قَتْلَ﴾ مفعول
به وهو مصدر أضيف إلى المفعول. وقرئ (زُيِّنَ) بالبناء للمجهول، و(قتلُ)
بالضم نائب الفاعل، و﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ فاعل مرفوع بفعل مقدر دل عليه (زُيِّنَ)
كأنه قيل: لما قيل: زين لهم قتل أولادهم: من زينه؟ فقيل: زينه لهم
شركاؤهم. وقرأ ابن عامر بنصب: (أَوْلادَهُمْ)، وجر: (شُرَكائِهِمْ) بالفصل
بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ولا يضر كما قال السيوطي، وهو وجه
سائغ لغة، بدليل أنها قراءة متواترة.
﴿مَن نَّشَآءُ﴾ ﴿مَن﴾ فاعل مرفوع لفعل: يَطعم.
﴿مَا فِي بُطُونِ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول، بمعنى الذي، مبتدأ مرفوع،

٤٠٧
الجُرُ (٨) - الأَنْتطل: ١٣٦/٦ -١٤٠
و﴿فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ﴾ صلته. و﴿خَالِصَةٌ﴾ خبر المبتدأ، وأنث
خالصة، حملاً على معنى ﴿مَا﴾ لأن المراد بما في بطون هذه الأنعام: الأجنة،
وذكَّر: ﴿وَمُحَزَّمٌ﴾ حملاً على لفظ ﴿مَا﴾ ويجوز أن يكون ﴿خَالِصَةٌ﴾ بدلاً
مرفوعاً من ﴿مَا﴾ بدل بعض من كل، و﴿لَّذُكُورِنَا﴾ الخبر. ومن قرأ
(خالِصَةً) بالنصب كان منصوباً على الحال من الضمير المرفوع في قوله ﴿فِى
بُطُونِ﴾. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَا﴾: ﴿لِّذُكُورِنَا﴾.
﴿وَإِن يَكُنْ قَيْنَةً﴾ اسم ﴿يَكُنْ﴾ ضمير مضمر فيها، و﴿قَّيْنَةً﴾
خبرها. و﴿يَكُنْ﴾ محمول على لفظ ﴿مَا﴾ وتقديره: وإن يكن ما في بطون هذه
الأنعام ميتة. ومن رفع (ميتةٌ) فلأن تأنيث الميتة ليس بحقيقي. ومن قرأ: (تَكُنْ)
بالتاء، جعل كان تامة بمعنى: حدث ووقع، ورفع (ميتةٌ) لأنه فاعل، كقوله
تعالى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ) [النساء: ٤٠/٤] في قراءة الرفع. ﴿سَيَجْزِيهِمْ
وَصْفَهُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض أي بوصفهم. ﴿سَفَهَا﴾ إما منصوب على
المصدر، وإما على أنه مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أُفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ﴾ إظهار لفظ الجلالة الثاني، لبيان كمال
عتوهم وضلالهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَعَلُواْ﴾ أي كفار مكة ﴿ذَرَأَ﴾ خلق وأبدع ﴿اُلْحَرْثِ﴾ الزرع،
جعلوا لله نصيباً يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ولشركائهم نصيباً يصرفونه
إلى سدنتها ﴿فَقَالُواْ هَذَا لِلَِّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيِنَا﴾ أي الأوثان التي
يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها
التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا،

٤٠٨
الُ (٨) - الْأَنْفُل: ١٣٦/٦ -١٤٠
كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي لجهته
وهي سدنة الآلهة وخدمها. (سَآءَ﴾ بئس ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾ حكمهم هذا.
﴿قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ﴾ بالوأد ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ من الجن ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ يهلكوهم
بالإغواء ﴿وَلِيَلْبِسُواْ﴾ يخلطوا ﴿حِجْرٌ﴾ أي حرام ممنوع، والحجر: أصله
المنع، ومنه سمي العقل حِجْراً لمنعه صاحبه ﴿إِلَّا مَن نَّشَآءُ﴾ من خَدَمة الأوثان
وغيرهم ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي لا حجة لهم فيه ﴿وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ فلا
تركب، كالسوائب والحوامي ﴿ وَأَنْعَهُ لَّ يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ عند ذبحها
بل يذكرون اسم أصنامهم، ونسبوا ذلك إلى الله ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ
اُلْأَنْعَمِ﴾ المحرمة وهي السوائب والبحائر ﴿خَالِصَةٌ﴾ حلال ﴿أَزْوَجِنَا﴾
النساء ﴿وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم جزاء وصفهم ذلك بالتحليل والتحريم ﴿إِنَّهُ
حَكِيمٌ ﴾ في صنعه ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه (سَفَهَا﴾ جهلاً.
المناسبة:
بعد أن ندد الله تعالى بفساد عقائد المشركين، ومنها إنكار القيامة والبعث
والجزاء، ذكر هنا أنواعاً وصوراً من جهالاتهم وأحكامهم المفتراة في تحليل
وتحريم بعض الزروع والثمار والأنعام، ووأد البنات.
التفسير والبيان:
هذه ألوان من شرائع الجاهلية العربية قبل الإسلام التي ابتدعها المشركون،
واخترعوها بأهوائهم وآرائهم الفاسدة، وتأثراً بوساوس الشيطان.
النوع الأول:
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ﴾ أي وجعلوا لله نصيباً مما خلق من الزرع والثمار
والأنعام، وخصصوا له جزءاً وقسماً من الغلة والثمرة والنتاج، وجعلوا
نصيباً آخر لشركاء لله المزعومين من الأوثان والأصنام.

٤٠٩
الجُ (٨) - الأَنْقُل: ١٣٦/٦ -١٤٠
وقالوا في النصيب الأول: ﴿هَذَا لِلَّهِ﴾، نتقرب به إليه، وفي النصيب
الثاني: ﴿وَهَذَا لِشُرَّكَيْنَا﴾ أي لمعبوداتنا نتقرب به إليها.
وجعل الأوثان شركاءهم؛ لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونه
عليها، وأطاعوها طاعة إذعان وخضوع في التحليل والتحريم مما هو من
خصائص الله تعالى. وقوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بتقولهم الذي لا بينة لهم عليه
ولا هدى من الله، فيزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، والقربة يجب أن تكون
خالصة له وحده، وبإذنه؛ لأنه دين، والدين الله ومن الله وحده.
ونصيب الله كانوا يجعلونه للضيوف وإكرام الصبيان والتصدق على
المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وخدمها ومصالحها.
وما عينوه لشركائهم لا يصرف منه شيء إلى الوجوه التي جعلوها لله، بل
يجعلونه للسدنة وخدمة الأصنام والأوثان وذبح القرابين.
وما جعلوه لله فقد يصرف للتقرب به إلى الأوثان.
﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس الحكم الذي يحكمون أو يَقْسمون
ويصنعون، بإيثارهم المخلوق العاجز على الخالق القادر على كل شيء، فهي
قسمة جائرة؛ لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وحينما قسموا
جاروا فلم يصرفوا له حقوقه، أو جعلوا له الصنف الأضعف، كما قال
[النحل: ٥٧/١٦]
٥٧
تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورُ مُبِينُ
١٥
١٥/٤] وقال عز وجل: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىِ ﴿َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ
(٣)﴾ [النجم: ٢١/٥٣-٢٢].
ضِیری
إنهم بهذا الصنع القبيح اعتدوا على حق الله في التشريع، وأشركوا به غيره
وعبدوا معه إلهاً آخر، وفضلوه ورجحوه عليه بجعل مالله لشركائهم، ولم
يستندوا في حكمهم على سند صحيح من عقل أو هداية من شرع إلهي.

٤١٠
لُ (٨) - الأَنْقُل: ١٣٦/٦ - ١٤٠
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ((إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثاً،
أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً، وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو
ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصَوْه، وإن سقط منه شيء فيما
سمي للصَّمَد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن،
فسقى شيئاً، جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث
والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير، ولم
يردوه إلى ماجعلوه الله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي
للوثن، تركوه للوثن.
وكانوا يحرّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي، فيجعلونه
للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله تعالى)).
النوع الثاني:
﴿وَكَذَالِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ نَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي ومثل ذلك التزيين
بقسمة الحرث والأنعام بين الله والأوثان، زيَّن لكثير من المشركين شركاؤهم
(سدنة الآلهة وخَدَمها) أن يقتلوا أولادهم، وقال مجاهد: شركاؤهم:
شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة (الفقر) وقال السدي:
أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا
عليهم دينهم، أي فيخلطوا عليهم دينهم.
وسبب هذا التزيين: أن الشياطين خوَّفوهم الفقر في الحال أو في المستقبل،
كما وصف تعالى ونهى عن فعله فقال: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ نَحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِنَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١/١٧].
وخوَّفوهم العار، فقتلوا البنات خوف العار والفقر والزواج من غير
كفء، وقد شنع الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ ﴾ بِأَتِ ذَنْبٍ
: [التكوير: ٨/٨١-٩].
قُئِلَتْ جَ

٤١١
الُ (٨) - الْأَنْزُ: ١٣٦/٦-١٤٠
وأوهموهم أن قتل الأولاد يقربهم إلى الله، كما فعل عبد المطلب حين نذر
قتل ابنه عبد الله، وأشار إليه النبي وَّل بقوله: ((أنا ابن الذبيحين)).
وذكر تعالى علة تزيين المنكرات فقال: ﴿لِيُّرُدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ
دِينَهُمْ﴾ أي زيَّن هؤلاء الشياطين لهم هذه المنكرات، ومنها قتل أولادهم،
ليردوا المشركين ويهلكوهم بالإغواء، ويفسدوا عليهم فطرتهم، وليخلطوا
عليهم أمر دينهم الذي يدّعونه وهو دين إسماعيل وملة إبراهيم.
ولو شاء الله مافعلوا هذا أبداً، وكل هذا واقع بمشيئة الله تعالى وإرادته
واختياره لذلك بمقتضى الحكمة التامة، قال أهل السنة: إنه يدل على أن كل
ما فعله المشركون، فهو بمشيئة الله تعالى.
وقالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء، أي إن مشيئة الله تعالى أن
يتركهم واختيارهم، فيأخذوا بما يرونه دون جبر ولا قهر، علماً بأن الله قادر
على أن يجعلهم مؤمنين، بأن يخلقهم مطبوعين على الاستعداد للإيمان
كالملائكة، أو يخلق فيهم بواعث الإيمان ودواعيه، فينقادوا لدعوة الإيمان عند
ظهورها، وبمجرد مجيء الرسول الذي يقنعهم بضرورة الإيمان، والإقرار
بوجود الله ووحدانيته.
فاتركهم أيها الرسول وما يدينون، وما عليك إلا التبليغ.
النوع الثالث:
﴿ وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهٌ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ أي إنهم لشركهم وجاهليتهم
المشوَّهة قسموا أنعامهم وزروعهم ثلاثة أقسام:
اً - أنعام وأقوات ممنوعة الانتفاع على أحد، ومخصصة لمعبوداتهم
وأوثانهم، ويقولون: هي حِجْر أي محتجرة للآلهة لا تعطى لغيرهم،
ويقولون: لا يطعمها إلا من نشاء أي لا يأكل منها إلا خدم الأوثان،

٤١٢
الجُرْجُ (٨) - الأَنْقَا: ١٣٦/٦-١٤٠
والرجال دون النساء. وذلك قول صادر عن زعمهم الخالي من الحجة
والبرهان.
أَ - أنعام حُرِّمت ظهورها، فلا تُركَب ولا يُحمل عليها، وهي البحائر
والسوائب والحوامي، التي تقدم ذكرها وتفسيرها في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ
اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾ [١٠٣].
٣ - أنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء
الأصنام، ولا ينتفعون بها حتى في الحج.
وقد قسموا تلك القسمة مفترين على الله، كاذبين عليه، فهو لم يشرعه لهم،
وما كان لهم أن يحللوا أو يحرموا شيئاً لم يأذن الله به، كما قال تعالى: ﴿قُلْ
أَرَءَ يْثُم ◌َّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِينَ
[يونس: ٥٩/١٠].
(٥٩)
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
والله سيجزيهم الجزاء الذي يستحقونه بما كانوا يفترون. وهذا وعيد وتهديد
لهم.
ثم ذكر الله تعالى نوعاً آخر من التحليل والتحريم بزعمهم وسُخْفهم فقال:
﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ﴾ أي إن أجنة وألبان هذه البحائر (أي
المشقوقة الآذان) والسوائب المسيَّة للآلهة فلا يتعرض لها أحد: هو حلال
خاص برجالنا، ومحرم على إناثنا، فلبنها للذكور ومحرم على الإناث، وإذا
ولدت ذكراً جعلوه خالصاً للذكور لا تأكل منه الإناث، وإذا ولدت أنثى
تركت للنتاج فلم تذبح، وإذا كان المولود ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث.
سيجزيهم جزاء وصفهم أي قولهم الكذب في ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَا
تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (19)﴾ [النحل: ١١٦/١٦].

٤١٣
لُرعُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٣٦/٦- ١٤٠
ثم ندد الله بوأد البنات وتحريم ما أحل الله فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ
أَوْلَدَهُمْ﴾ أي خسر الذين قتلوا أولادهم، فوأدوا البنات خسراناً مبيناً،
وحرموا مارزقهم الله من الطيبات.
إنهم قتلوا أولادهم سفهاً أي خفة مذمومة، وحماقة مفضوحة، خوفاً من
ضرر موهوم وهو الفقر، وجهلاً بما ينفع ويضر ويحسن ويقبح، ولاشك أن
الجهل أعظم المنكرات والقبائح، وحرموا الطيبات افتراء وكذباً على الله،
ولقد ضلوا ضلالاً مبيناً لعدم توصلهم إلى مصالح الدنيا والدين، ولم يكونوا
مهتدين إلى شيء من الحق والصواب، وفائدة قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ﴾ لبيان أنه لم يحصل منهم اهتداء قط.
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: ((إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب،
فاقرأ ما فوق الثلاثين والمئة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ
أَوْلَئِدَهُمْ سَفَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية: هذا صنع
أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تلك شرائع العرب في جاهليتهم الجهلاء، مصدرها وَهْمٌ وسُخْف،
وقصور عقل، وهوى فاسد، رُوي أن رجلاً قال لعمرو بن العاص: إنكم
على كمال عقولكم، ووفور أحلامكم، عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك
عقول کادها باریها.
هذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلهم أمر أذهبه
الإسلام، وأبطله الله ببعثة الرسول وَلي، فبئس الحكم حكمهم.
قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما لله، ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا
ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله.

٤١٤
لالُ (٨) - الأَنْقُل: ١٣٦/٦- ١٤٠
إنهم لم يعدلوا في قسمتهم الزروع والثمار والأنعام، فما جعلوه لله بزعمهم
صرفوه لأوثانهم، وما جعلوه لأوثانهم قدموه لها.
وقد ارتكبوا ظلماً عظيماً بوأد البنات: وهو دفن البنت حية مخافة السِّبَاء
والحاجة، ولعدم ما حُرِمْن من النصرة، أي أنهم لا يستطيعون الغزو والقتال.
وشركاؤهم وهم الذين كانوا يخدمون الأوثان، أو الغُواة من الناس أو
الشياطين هم الذين زينوا لهم قتل أولادهم ليهلكوهم، وليخلطوا عليهم
دينهم الذي ارتضى لهم، أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا
علی دین إسماعيل.
وقد صنفوا أموالهم وأقواتهم ثلاثة أصناف، صنف لمعبوداتهم وأوثانهم،
وصنف حُرّمت ظهورها، وصنف لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح،
افتراء وكذباً على الله بما لم يشرعه، وسيلقون جزاء افترائهم.
وخصصوا ألبان الأنعام وذكورها لذكورهم الرجال، وحرموها على
الإناث، وجعلوا الميتة شركة بين الذكور والإناث، وتركوا الأنثى للنتاج،
سيجزيهم الله وصفهم، أي كذبهم وافتراءهم، أي يعذبهم على ذلك.
وكان أشد أنواع عاداتهم وأحكامهم ظلماً وجرماً قتلهم الأولاد أي
البنات وتحريم ما أحل الله، بدليل أنه كرر الله توبيخهم عليه في هذه الآيات،
وحكم عليهم بسبعة أمور(١):
اً - الخسران: لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد.
أَ - السفاهة: وهي الخفة المذمومة؛ لأن قتل الولد لخوف الفقر، والفقر
وإن كان ضرراً، إلا أن القتل أعظم منه ضرراً، والفقر موهوم والقتل ضرر
حتمي.
(١) تفسير الرازي: ٢٠٩/١٣

٤١٥
الُ (٨) - الْأَنْقُل: ١٣٦/٦ -١٤٠
٣ - الجهل وعدم العلم: لأن هذه السفاهة تولدت من عدم العلم، ولا
شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح.
٤ - تحريم ما أحل الله لهم، وهو من أعظم أنواع الحماقة؛ لأنه يمنع نفسه
تلك المنافع والطيبات.
٥ - الافتراء على الله: ومن المعلوم أن الجرأة على الله والافتراء عليه أعظم
الذنوب والكبائر.
أَ - الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا.
لاً - إنهم ما كانوا مهتدين، وهو وصف لازم دائم لهم.
رُوي أن رجلاً من أصحاب النبي ◌َ ◌ّ كان لا يزال مغتماً بين يدي رسول
الله وَخَّ، فقال له: ((مالك تكون محزوناً؟)) فقال: يارسول الله، إني أذنبت ذنباً
في الجاهلية، فأخاف ألا يغفره الله لي، وإن أسلمت! فقال له: ((أخبرني عن
ذنبك)) فقال: يارسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فوُلدت لي
بنت، فتشفَّعت إلى امرأتي أن أتركها، فتركتها حتى كبرتْ وأدركتْ، وصارت
من أجمل النساء، فخطبوها؛ فدخلتني الحمِيّة ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو
أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا
وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسُرَّت بذلك وزينتها بالثياب والحلي،
وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت في البئر،
ففطِنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول:
أَيْشِ تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرتُ في البئر فدخلت علي الحميّة، ثم
التزمتني وجعلت تقول: يا أبتِ لا تضيع أمانة أمّي؛ فجعلتُ مرة أنظر في
البئر، ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان، فأخذتها وألقيتها في
البئر منكوسةً، وهي تنادي في البئر: يا أبتِ، قتلتني.

٤١٦
الجُزءُ (٨) - الأَنْقُل: ١٤١/٦-١٤٤
فمكثت هناك حتى انقطع صوتُها فرجعتُ، فبكى رسول الله وَله وأصحابه
وقال: ((لو أُمرتُ أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك(١)).
الأدلة الواضحة على قدرة الله تعالى
وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَتٍ مَعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالزُّمَانَ مُتَشَِهَا وَغَيْرَ مَّتَشَِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِيِة
إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشٌَ كُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ
ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنُّ قُلْ ءَالَذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأُنََّيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَفَرِ
الْأُنْفَيَيْنِّ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
أَثْنَيْنُ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِّ أَمْ
كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَضَلِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ
كَذِّبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
١٤٤٦
القراءات:
﴿أُكُلُهُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير (أُكْلُه).
﴿مِن ثَمَرِهِةِ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي: (من ثُره).
﴿حَصَادِهِ﴾: قرئ:
(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٩٧

٤١٧
الجُ (٨) - الْأَنْزُ: ١٤١/٦-١٤٤
١ - (حَصَادِه) وهي قراءة أبي عمرو، وابن عامر، وعاصم.
٢- (حِصَاده) وهي قراءة الباقين.
(خُطُوَتِ﴾ : قرئ:
١- (خُطْوات) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وحمزة.
٢- (خُطُوات) وهي قراءة الباقين.
﴿اَلْضَّأَنِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (الضان).
﴿اَلْمَعْرِ﴾: قرئ:
١- (المَعَز) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (المَعْزِ) وهي قراءة الباقين.
﴿ شُهَدَآءَ إِذْ﴾ :
بتسهيل الهمزة الثانية قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
الإعراب:
﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ معطوف بالنصب على ﴿جَنَّتٍ﴾، وَجَنَتٍ﴾:
منصوب بأنشأ ﴿مُخْلَلِفًا﴾ حال مقدرة، أي سيكون كذلك؛ لأنها في أول ما
تخرج لا أكُل فيها، وإنما توصف باختلاف الأكل وقت إطعامها.
﴿حَمُولَةٌ وَفَرْشَا﴾ منصوب بالعطف على ﴿جَنَّتٍ﴾، وتقديره: وأنشأ
من الأنعام حمولة وفرشاً.

٤١٨
لُ (٨) - الْأَنْفَظُل: ١٤١/٦ -١٤٤
﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ منصوب من خمسة أوجه: إما بفعل مقدر، أي وأنشأ
ثمانية أزواج، وإما بفعل تقديره: كلوا لحم ثمانية، أو بدل من قوله: ﴿حَمُولَةً
وَفَرْشَا﴾ أو بدل من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، أو بدل
من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي حرموا ثمانية أزواج.
﴿مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ﴾ بدل من ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ أي اثنتين من الضأن،
واثنتين من المعِز، واثنتين من الإبل، واثنتين من البقر.
﴿َالذَّكَرَيْنِ حَرَّمٌ﴾ منصوب بحرم، و﴿الْأُنَيَيْنِ﴾ معطوف على
ءَالذَّكَرَيْنِ﴾. و﴿أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾: معطوف على ﴿الْأَنَّيَيْنِ﴾.
البلاغة:
حَمُولَةً وَفَرْشَآ﴾ بينهما طباق؛ لأن الأولى كبار، والثانية صغار
خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾ استعارة للتحذير من طاعة الشيطان.
المفردات اللغوية:
﴿أَنشَأَ﴾ خلق وأوجد بالتدريج ﴿جَنَّتِ﴾ بساتين مزدانة بالأشجار
وسميت جنات؛ لأنها تجن الأرض، أي تسترها ﴿مَّعْرُوشَتٍ﴾ مرفوعات على
العرائش والدعائم لتمتد عليها الأغصان كالكروم، يقال: سقف البيت:
عرشه ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتِ ﴾ متروكات على وجه الأرض لم تعرش أو مستغنية
بسوقها وأغصانها عن التعريش ﴿مُخْلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي يختلف ثمره وحبه في
الهيئة والطعم مُتَشَبِهَا﴾ في النظر ﴿وَغَيْرَ مُتَشَبِّةٍ﴾ في الطعم ﴿وَءَاتُواْ
حَقَّهُ﴾ زكاته يوم حصاده أي قطافه من العشر أو نصفه ﴿وَلَا تُشْرِفُواْ﴾
بإعطاء كله، فلا يبقى لعيالكم شيء ﴿اَلْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين ما حد لهم.
حَمُولَةً: هي الكبار التي تطيق الحمل والعمل، وتصلح لهما، كالإبل
والبقر الكبار وغيرها {وَفَرْشَآ هي الصغار التي لا تصلح للحمل والعمل،

٤١٩
الُرُ (٨) - الأَنْخطا: ١٤١/٦-١٤٤
كصغار الإبل وغيرها ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ أي طرائقه من التحريم
والتحليل، ومعنى الخطوة: المسافة بين القدمين ﴿عَدُوٌ مُّبِينٌ﴾ أي بيِّن العداوة.
﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ أصناف ﴿مِّنَ الضَّأْنِ﴾ ﴿اُلْضَّأْنِ﴾ الغنم ذوات
الصوف، و﴿اٌلْمَعْرِ﴾ ذوات الأشعار ﴿اثْنَيْنِّ﴾ زوجين اثنين: ذكر وأنثى
﴿َالذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ﴾ قل يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى،
ونسب ذلك إلى الله: الذكرين حرم الله عليكم أم حرم الأنثيين منهما.
والاستفهام للإنكار.﴿أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَّيَيْنِّ﴾ هي الأجنة.
﴿ نَبِّئُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أخبروني عن كيفية تحريم ذلك، إن كنتم
صادقين فيه، فمن أين جاء التحريم؟ فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور
حرام، وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام، وإن كان مما اشتملت
عليه الأرحام فهي تشتمل على الصنفين: الذكر والأنثى، فمن أين جاء
التخصیص؟
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾ حضوراً ﴿إِذْ وَضَئِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ التحريم،
ج
فاعتمدتم ذلك، لا، بل أنتم كاذبون فيه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤١):
﴿ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية
قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة، ثم تسارفوا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا
تُتْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وروي عنه أنه قال: كانوا يعطون يوم
الحصاد شيئاً سوى الزكاة، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فقال الله: ﴿ وَلَا تُشْرِفُواْ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِنَ﴾.
وأخرج الطبري أيضاً عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن

٤٢٠
الْجُرُ (٨) - الأَنْتُ: ١٤١/٦-١٤٤
شماس: جذ نخلاً فقال: لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى،
وليست له ثمرة، فقال الله: ﴿وَلَا تُشَرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(١).
المناسبة:
عرف مما سبق أن مدار القرآن الكريم على إثبات أصول الدين وهي
التوحيد والنبوة، والبعث (المعاد) والقضاء والقدر. وقد أثبتها تعالى، وندد
بمن أنكر شيئاً منها، ولما أتم المطلوب منها، عاد إلى المقصود الأصلي وهو
إقامة الدلائل على تقرير توحيد الله، بإثبات الألوهية والربوبية له، وإفراده
بالعبادة وحق التشريع، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا خالق عداه، ولا
مشرِّع في عبادة وتحليل وتحريم غيره، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّاتٍ
تَّعْرُوشَةٍ﴾.
وفي ثنايا إبراز مظاهر القدرة الإلهية امتنَّ الله على المشركين وغيرهم بما
يشَره لهم من الرزق، وندد بما افتروه على الله من الكذب من الشرك وعدم
الإيمان بالقضاء والقدر.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار، والأنعام التى
تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسموها، فجعلوا منها حراماً
وحلالاً، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ﴾.
أي إن الله هو الذي أوجد البساتين والكروم المشجرة، سواء منها المعروش
أي الذي يحمل على العرش: وهو عيدان تصنع كهيئة السقف ويوضع الكرم
عليها، وغير المعروش: وهو الملقى على وجه الأرض، أو المستغني باستوائه
على سوقه عن التعريش كبقية أشجار الفاكهة، حتى بعض كروم العنب
(١) تفسير الطبري: ٤٥/٨