Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ لُحُ (٦) - المَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧ وعفا عن الجاني، فالتصدق كفارة له، يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ﴾ . وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله وَلو قال: ((من تصدق بشيء من جسده أُعطي بقدر ما تصدق)) وهو حديث حسن. ومن أعرض عما أنزل الله من القصاص القائم على العدل والمساواة بين الأشخاص، فهو من الظالمين الجائرين الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويتعدون حدود الله، ويضعون الشيء في غير موضعه. وهنا تساؤل: أي فائدة في ذكر الظلم بعد الكفر، والكفر أعظم من الظلم، والظلم أخف منه؟ والجواب: أن الكفر تقصير في حق الخالق سبحانه، والظلم تقصير في حق النفس(١). ثم بين تعالى أن التوراة شريعة أنبياء بني إسرائيل، فقال: وأتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فهو آخر نبي لليهود، مصدقاً للتوراة التي تقدمته قولاً وعملاً أي مقراً بأنه كتاب من عند الله وأنه كان حقاً واجب العمل به، يعمل بها فيما لم يغاير الإنجيل، قال عيسى عليه السلام: ((ماجئت لأنقض الناموس (شريعة التوراة) ولكن لأكمل أو لأتمم)) أي لأزيد عليها بعض الأحكام والمواعظ. لذا قال تعالى آمراً النصارى: ﴿وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهٍ﴾ وقال هنا: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ﴾ أي وأعطيناه الإنجيل فيه الهداية للأحكام العملية والضياء لأصول العقيدة، كالتوحيد ونبذ الشرك والوثنية، والإنجيل كالقرآن مصدق للتوراة، والله جعل الإنجيل هادياً وواعظاً المتقين، لأنهم الذين ينتفعون به. (١) تفسير الرازي: ٨/١٢ ٥٦٢ الجُ (٦) - المائِدَة: ٤٤/٥-٤٧ ويلاحظ أن تكرار جملة ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ﴾ المعنيين مختلفين، الأول: أن المسيح يصدق التوراة، والثاني: أن الإنجيل يصدق التوراة. وأما تكرار كلمة ﴿هُدَى﴾ فالمراد بها أولاً: بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور: بيان التوحيد والنبوة والمعاد، وأما المقصود بها ثانياً: فهو أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد محمد*، فهو سبب لاهتداء الناس إلى رسالة الإسلام؛ لاشتماله على البشارة بمجيء محمد رَ ◌ّله النبي الأخير ((البَارْقِلِيطُ)) الأعظم. وأما كون الإنجيل مختصاً بعظة المتقين فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصِها بالمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله تعالى عن القرآن ﴿هُدِّى لِّلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/٢](١). وبعد بيان خصائص الإنجيل أمر تعالى بالعمل به فقال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اُلْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اَللّهُ فِيهِ﴾ أي وقلنا: ليعمل النصارى بالأحكام التي أنزلها الله فيه، كما قال تعالى في أهل التوراة: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾. والمقصود من الأمر بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن: هو زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره، مثلما فعل اليهود بإخفاء أحكام التوراة. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أي المتمردون الخارجون عن حكم الله وشرعه. وأوصاف ﴿اَلْكَفِرُونَ﴾، ﴿الَّلِمُونَ﴾، ﴿اَلْفَسِقُونَ﴾ هل هي واحدة أو متعددة؟ جعل بعضهم هذه الثلاثة صفات الموصوف واحد، وخصصها ابن عباس في أهل الكتاب (اليهود والنصارى). والأولى أن يقال: من جحد حكم الله وأنكره فهو الكافر، ومن لم يحكم به وهو مقر تارك فهو الظالم الفاسق. (١) المرجع السابق: ٩/١٢ ٥٦٣ الزُعُ (٦) - المعَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مايأتي : ١ - التوراة الأصلية فيها هدى ونور الذين هادوا يحكم بها النبيون (أنبياء بني إسرائيل) والربانيون والأحبار، والربانيون: العلماء الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم. والأحبار: العلماء المتقنون الذين يحكمون الشيء فهماً ودراية، ويبينونه للناس بياناً حسناً. ٢ - الإنجيل الأصلي فيه هدى ونور ومصدق للتوراة وهدى وموعظة للمتقين. ٣ - القصد من الإشادة بالتوراة والإنجيل هو زجر اليهود والنصارى عن التحريف والتبديل، والتحذير من التفريط بالأحكام المقررة فيهما، وبيان التقائهما مع القرآن في الأصول والأحكام الأساسية، مما يوجب الإيمان بالقرآن وبالنبي محمد رَّ وبرسالته التي ختمت بها الرسالات السماوية. ٤ - تشريع القصاص كما هو ثابت في شريعة موسى ثابت مقرر في شريعة محمد وَيه، قال أبو حنيفة والشافعية: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل، فُعل به ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَاُلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال المالكية: إن قصد به المثلة فُعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته، قُتِل بالسيف. ٥ - احتج الجمهور غير الشافعية بآية: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدِّى وَنُورٌ﴾ على أن شرع من قبلنا شرع لازم لنا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ والمراد بيان أصول الشرع وفروعه، ولو كان كتاب التوراة منسوخاً غير معتبرالحكم بالكلية، لما كان فيه هدی ونور. ٥٦٤ اللُُّ (٦) - المائدة: ٤٤/٥-٤٧ ٦ - استدل الخوارج بقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ على قولهم: كل من عصى الله فهو كافر، فقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله. ورد جمهور أهل السنة بأن هذه الآية إنما تتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له. ٧ - في قوله: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ ترغيب في العفو والصفح والتسامح؛ لما فيه من كظم الغيظ، والحفاظ على النفس الإنسانية قدر الإمكان، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً كما أخبر النبي ◌َّ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. ٨ - من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. واختار ابن جرير الطبري أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حکم الله المنزل في الكتاب(١). (١) تفسير الطبري: ١٦٦/٦ ? ٥٦٥ لُرُ (٦) - القَائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ الحكم بشريعة القرآن ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءََ مِنَ اُلْحَقِّ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئَكُمْ بِمَا كُمْ فِيهِ تَخَْلِفُونَ ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ ٤٩ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٥٠ القراءات: ﴿وَآَنِ اُعْكُم﴾: قرئ: ١- بكسر النون، على أصل التقاء الساكنين، وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- بضم النون، اتباعاً لحركة الكاف، وهي قراءة الباقين. ﴿ يَبْغُونَ﴾ : وقرأ ابن عامر (تبغون). الإعراب: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا﴾ منصوبان على الحال من ﴿ اَلْكِتَبِ﴾. ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ﴾ وتقديره: أنزلنا إليك بالحق وبأن احكم بينهم. ٥٦٦ : ٤٨/٥-٥٠ الجُرُ (٦) - المثائِدَة ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ في موضع نصب على البدل من الهاء والميم في ﴿ وَأَحْذَرُهُمْ﴾ وتقديره: واحذر أن يفتنوك، وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ عطف على قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهَا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ﴾. وإنما كسر ﴿وَإِنَّ﴾ لدخول اللام في الخبر، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ فكسر ﴿إِنَّ﴾ في هذه المواضع لدخول اللام في الخبر؛ لأنها في تقدير التقديم، فعلقت الفعل عن العمل. البلاغة: ﴿فَاسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِّ﴾ أي بادروا فعل الخيرات، وفيه استعارة حيث شبههم بالمتسابقين على ظهور الخيل؛ لأن كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ﴾ استفهام إنكاري. المفردات اللغوية: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ رقيباً وحافظاً لما تقدمه من سائر الكتب وشاهداً عليها وشاهداً لها بالصحة والثبات ﴿مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ بمعنى الكتب ﴿فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ﴾ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿عَمَّا جَاءََ﴾ حائداً عما جاءك ﴿مِنكُمْ﴾ أيها الأمم ﴿شِرْعَةً﴾ شريعة وهي ماشرعه الله لعباده من الدين ونظامه وأحكامه ﴿ وَمِنْهَاجَأَ﴾ طريقاً واضحاً مستمراً يسير عليه الناس في الدين، قيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه ﴿ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾: ولكن أراد ليختبركم فيما ألزمكم به من الشرائع المختلفة بحسب كل عصر، ليرى هل تعملون بها مذعنين ٥٦٧ الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة، أم تتبعون الشُّبَه وتفرّطون في العمل؟! ﴿فَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ بادروا وسارعوا إليها ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، ويجزي كلاً منكم بعمله. ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ لئلا يضلوك عنه أو يميلوا بك من الحق إلى الباطل ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ﴿فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ﴾ أي يعاقبهم في الدنيا بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع بعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها. وهذا الإبهام لتعظيم التولي عن حکم الله وإسرافهم في ارتكابه. ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر ﴿يَبْغُونَ﴾ يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا . ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللام للبيان، أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه. سبب النزول: نزول الآية ﴿ وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُم﴾: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صُورِيًا، وشَاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فجاؤوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك، فأبى ذلك، وأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَشَّبِعُ أَهْوَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٥٦٨ : ٤٨/٥ -٥٠ الجُ (٦) - القَائِدَة ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ فيه كما قال الزمخشري وجهان: أحدهما - أن بني قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وروي أن رسول الله وَّيل قال لهم: القتلى سواء، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت. والثاني - أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا تصدر عن كتاب، ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى. وعن الحسن: هو عام في كل من يبغي غير حكم الله. والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعضٌ ولده على بعض، فقرأ هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، والإنجيل الذي أنزله على عيسى كلمته، وذكر مافيهما من هدى ونور، وأمر باتباعهما حيث كانا سائغي الاتباع، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، وأبان منزلته من الكتب المتقدمة قبله، وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر بحسب الأحوال والأزمان. التفسير والبيان: وأنزلنا إليك أيها النبي القرآن الكريم الذي أكملنا به الدين، مشتملاً على الحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ مصدقاً ومؤيداً للكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد بَعليه، وأن تلك ٥٦٩ لُ (٦) - الثائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ الكتب من عند الله، وأن موسى وعيسى رسولان من عند الله، لم يفتريا على الله كذباً، وإنما أنتم وآباؤكم حرفتم ونسيتم كثيراً مما أوتيتم. والقرآن جاء أيضاً مهيمناً، أي حاكماً على ماقبله من الكتب، وشاهداً عليها بما نزل فيها، وشاهداً لها بالصحة والثبات في أصلها، ومبيناً حقيقة أمرها، وما طرأ عليها من نسيان وتحريف وتبديل. قال ابن عباس وابن جريج وآخرون: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: القرآن أمين مؤتمن على ما تقدمه من الكتب، فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر: إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا(١). وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته، فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم، بين أهل الكتاب وبين الناس قاطبة، احكم بما أنزل الله إليك فيه من الأحكام، دون ما أنزله إليهم؛ إذ شريعتك ناسخة لشريعتهم. احكم بما في هذا الكتاب العظيم وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخ في شرعك، ولا تتبع أهواءهم أي آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولا تنصرف ولا تمل ولا تعدل عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء، وما أحدثوا من تحريف وتبديل لحكم الرجم والقصاص في القتلى والبشارة بمحمد دَله. وغيرها. ثم استأنف الله تعالى الكلام، فقال: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ ﴾ أي لكل أمة من الأمم جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها، ومنهاجاً وطريقاً واضحاً فرضنا عليهم سلوكه، حسبما تقتضي أحوال المجتمعات وطبائع البشر واستعداداتهم وتطور الأزمان، وإن كانت تلك الشرائع متفقة في أصول الدين وهي توحيد الله وعبادته وحده، وفي أصول الأخلاق والفضائل. (١) تفسير الطبري: ٦/ ١٧٢ ٥٧٠ : ٤٨/٥ -٥٠ الجُعُ (٦) - القَائِدَة قال الألوسي عن آية: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾: استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب من معاصريه سر على الانقياد لحكمه عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من الحق، ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره مما في كتابهم، وإنما الذي كلفوا العمل به: من مضى قبل النسخ. والخطاب - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة، الموجودين والماضين بطريق التغليب. فلكل أمة من الأمم الباقية والخالية وضعنا شرعة ومنهاجاً خاصين بتلك الأمة، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها؛ والأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام، شرعتهم: ما في التوراة؛ والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث أحمد عليهما السلام، شرعتهم: ما في الإنجيل؛ وجميع أمم أهل الأرض من مبعث محمد وَلّه إلى يومَ القيامة، شرعتهم الوحيدة المقبولة عند الله: ما في القرآن، ليس إلا، فآمنوا به واعملوا بما فيه (١)؛ لأن محمداً خاتم النبيين، وهو رسول إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع وأوفاها، وقرآنه هو الكتاب الوحيد الباقي للبشرية دون تغيير ولا تبديل، وثابت ثبوتاً قطعياً يقينياً لا شك ولا ريب فيه. والشرعة أو الشريعة عرفاً: هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ اللاحق منها السابق. والدين: هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء. ثم خاطب الله تعالى جميع الأمم، وأخبر عن قدرته الفائقة أنه لو شاء لجعل الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة؛ إذ لا تصلح شريعة واحدة لكل الأزمان والشعوب، بسبب تفاوتهم في الرقي والنضج العقلي، فلما تقاربت البشرية شرع لها شريعة واحدة، وأن الهدف من تشريعه شرائع مختلفة: هو اختبار عباده فيما شرع لهم، لينظر الطائع فيئيبه، والعاصي بما فعله أو عزم عليه فيعاقبه. (١) تفسير الألوسي: ١٥٣/٦ ٥٧١ الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ ثم ندب الله تعالى الناس إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِ﴾ أي ابتدروها وتسابقوا نحو الطاعات، وتنافسوا في طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله، وصدقوا تصديقاً يقينياً بكتابه القرآن الذي هو آخر کتاب أنزله، وذلك کله خیرکم وصلاحکم، ولإحراز الفضل والرضا الإلهي، فإلى الله معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة، فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلادليل ولا برهان. ثم أكد الله تعالى ما تقدم من الأمر بالحكم بما أنزل الله، فقال: ﴿ وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي ألزمناك الحكم بالمنزل عليك، ولا تتبع أهواء المعاندين، واحذر أعداءك اليهود أن يضلوك عن الحق، ويدلِّسوه عليك فيما يخبرونك من أمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة. ومعنى: ﴿عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكُ﴾: عن كل ما أنزل الله إليك، والبعض يستعمل بمعنى الكل. وقال ابن العربي: والصحيح أن ﴿بَعْضٍ﴾ على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم. فإن أعرضوا عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله، فلا تبال بهم، واعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى، بسبب مالهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ويريد الله أن يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة ببعض ذنوبهم، وهو التولي والإعراض عن حكم الله وشرعه، وعما تحكم به، وقد تحقق ذلك العذاب بسبب غدر اليهود، فأجلى النبي ◌َّه بني النضير عن المدينة، وقتل بني قريظة. أما بقية ذنوبهم الكثيرة فيعاقبون عليها بعذاب أليم في الدار الآخرة، وإن كثيراً من الناس لفاسقون، أي متمردون في الكفر، مخالفون للحق وحائدون ٥٧٢ الْجُرُ (٦) - الثائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ عنه، وخارجون عن حدود الشرع والدين والعقل. وفي هذا مواساة وتسلية للنبي وَّ على عدم قبولهم الحق الذي جاء به. ثم ندد الله تعالى باليهود الذين يريدون التمييز بين القتلى بحسب نوع القبيلة، ويريدون تحكيم أهواء الجاهلية، مع أنهم أهل كتاب، فوجه هذا الاستفهام الإنكاري لهم ولأمثالهم بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، وهو الحق والعدل والصواب، ثم يطلبون حكم الجاهلية القائم على الجور والظلم والهوى، فهذا توبيخ وتعجب من حالهم، وإنكار على كل من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، إلى ماسواه من الآراء والأهواء، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات التي يضعونها بآرائهم المعوجة وأهوائهم الطائشة. هذا الخطاب في الآية وهذا الاستفهام والتعجب والإنكار إنما هو موجه لقوم يوقنون بحقيقة الدين، ويذعنون لشرع الله، ويدركون أنه لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه. وفسره القرطبي فقال: لا أحد أحسن من الله حكماً (نصب على البيان والتمییز) عند قوم يوقنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مايأتي : اً - هناك جسور التقاء واضحة بين القرآن وما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل؛ لأن هذه الكتب وصفت كلها بأنها هدى ونور، ونواحي الالتقاء هي في أصول الاعتقاد كتوحيد الإله وربوبيته وإثبات النبوة والمعاد، وفي أصول الأحكام التشريعية كعبادة الله تعالى والصوم والصلاة والزكاة، وأصول الأخلاق والفضائل كالأمانة والصدق وتحريم الزنى والسرقة وجرائم العرض، وذلك كله في التوراة والإنجيل الأصليين المنزلين على موسى وعيسى. ٥٧٣ لُعُ (٦) - للفائِدَة: ٤٨/٥-٥٠ إلا أن القرآن وإن جاء مصدقاً ومؤيداً لتلك الكتب في أصول الشرع والدين المذكورة، إلا أنه حاكم عليها ومهيمن على ماجاء فيها، فلا يعمل بحكم فيهما عارض القرآن. ٢ - إذا ترافع أهل الذمة إلينا وجب الحكم بينهم بشريعة الإسلام، لا بشرع سابق، الآية: ﴿فَأَحْكِكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ قيل: هذا نسخ للتخيير السابق في قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهذا رأي الجمهور. وقال الشافعية: لا تعارض بين الآيتين، ولا حاجة للنسخ؛ لأن الآية الأولى في المعاهدين، والثانية في الذميين. ٣ - النبي ◌َّ وكل مسلم منهي ومحرم عليه أن يترك الحكم بما بيَّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. ٤ - الله قادر على توحيد الشعوب والأمم والجماعات وجعلهم على ملة واحدة، وعقيدة واحدة، وشريعة واحدة، فكانوا على الحق. ولكن الحكمة الإلهية اقتضت جعل الشرائع مختلفة للاختبار. ٥ - المبادرة إلى الطاعات والتنافس في فعل الخيرات سمة الأتقياء الصالحين، ودل قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِ﴾ على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها، إلا في الصلاة في أول الوقت، فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل علیه. وفيه دليل أيضاً على أن الصوم في السفر أولى من الفطر. أَ - في قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ دليل على جواز النسيان على النبي وَله؛ لأنه قال: ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. ٥٧٤ الُعُ (٦) - المائدة: ٤٨/٥-٥٠ لاً - إن إباء حكم النبي ◌َّر والإعراض عنه سبب للمصائب في الدنيا؛ لأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَاعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي يعذبهم بالجلاء والقتل وفرض الجزية. وإنما قال ﴿بِبَعْضِ﴾ لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. ٨ - كان العرب في الجاهلية يجعلون حكم الشریف خلاف حكم الوضيع، وكان اليهود يفعلون مثلهم، فيقيمون الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، لذا أنكر الله عليهم بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. ومن أفعال الجاهلية تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة أو العطية، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وهو قول الحنابلة والظاهرية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لبشير في حديث النعمان الآتي تخريجه: ((ألك ولد سوى هذا؟)) قال: نعم، فقال: ((أكلهم وهبتَ له مثل هذا؟)) فقال: لا ، قال: ((فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور)) وفي رواية: ((وإني لا أشهد إلا على حق)) قالوا: وما كان جَوْراً وغير حق فهو باطل لا يجوز، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: ((أشهد على هذا غيري)) ليس إذناً في الشهادة، وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد سماه جوراً وامتنع من الشهادة فيه. وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي وله. أما القول بأن الأصل حرية الإنسان في التصرف في ماله مطلقاً فلا يعارض الحديث، لذا قال وسير فيما رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). وأجاز ذلك مالك وأصحاب الرأي والشافعي والثوري والليث؛ لفعل أبي بكر الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه النسائي عن النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد جاء بابنه النعمان ٥٧٥ لكُعُ (٦) - العائدة: ٥١/٥-٥٣ فقال: يارسول الله، إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله وَله: ((أكل بنيك نحلت؟)) قال: لا، قال: ((فأرجعه)) وفي رواية: «فأشهِدْ على هذا غيري)». ـة - لا أحد أعدل من الله، ولا أحسن حكماً من حكم الله تعالى. موالاة اليهود والنصارى وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَِّ أَوْلِيَةٌ بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم يَتَوَلَُّ قِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اْلَّّلِينَ (@) ◌َّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِأُلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوَأْ OF مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَفْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ ٥٣ خَسِرِينَ القراءات: ﴿ وَيَقُولُ﴾: قرئ: ١- (يقول) بغير واو، وهي قراءة ابن عامر، وابن كثير، ونافع. ٢- بالواو، وهي قراءة الباقين. ٣- بنصب اللام، وهي قراءة أبي عمرو. ٤- برفعها، وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿ يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾ أي: في إغوائهم وإفسادهم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ٥٧٦ الُ (٦) - الَائِدَة: ٥١/٥-٥٣ ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر عسى. و﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ عطف عليه. ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ مرفوع على الاستئناف. ومن نصبه إما عطف على المعنى، كأنه قدَّر تقديم ﴿أَن﴾ بعد ﴿فَسَى﴾ وعطف عليه، وتصير الجملة: ((عسى أن يأتي الله بالفتح)) وهي في معنى المذكور في الآية؛ أو أنه معطوف على ﴿بِلْفَتْجِ﴾ وهو مصدر في تقدير ((أن يفتح)) ولما عطف على اسم، افتقر إلى تقدير (أن)؛ أو معطوف على ﴿ فَيُصِحُواْ﴾ وهو وجه بعید لكنه جائز. ﴿ فَعَسَى اَللَّهُ﴾: عسى من الله واجب؛ لأن ذلك من الكريم بمنزلة الوعد، لتعلق النفس به. المفردات اللغوية: ﴿أَوْلِيَّةٌ﴾ نصراء وحلفاء توالونهم وتوادونهم ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ﴾ لاتحادهم في الكفر ﴿ فَإِنَُّ مِنْهُمْ﴾ من جملتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَّلِينَ﴾ بموالاتهم الكفار ﴿فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي إن إيمانهم ضعيف معتل غير صحيح، بسبب الشك والنفاق ﴿يُسَرِعُونَ﴾ في موالاتهم ﴿يَقُولُونَ﴾ معتذرين عنها ﴿دَابِرَةٌ﴾ يدور بها الدهر علينا من مصيبة، كجدب أو هزيمة وغلبة ﴿بِالْفَتْجِ﴾ بالنصر لنبيه بإظهار دينه وفتح البلاد وغير ذلك ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ يفتضح المنافقين ﴿ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الشك وموالاة الكفار نادمين. (خَبِطَتْ﴾ بطلت أعمالهم الصالحة ﴿فَأَصْبَحُواْ﴾ صاروا ﴿خَسِرِينَ﴾ الدنيا بالفضيحة، والآخرة بالعقاب الأليم. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله وَ ظله، وتبرأ ٥٧٧ لِلُُ (٦) - المَائِدَة: ٥١/٥-٥٣ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف من الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فحالفهم إلى رسول الله وَله، وتبرأ من حلف الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت القصة في المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةٌ﴾ الآية. وفي رواية أخرى عن عطية بن سعد قال: ((جاء عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله وَ﴿ فقال: يارسول الله، إن لي موالي من اليهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولّ الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من موالاة مواليَّ، فقال رسول الله وَلول لعبد الله بن أبي: ((يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفستَ به من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه)) قال: إذن أقبل، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾. وذكر في السيرة: أن النبي ◌َلو لما قدم المدينة كان الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه أحداً ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. وقسم حاربوه وعادوه. 1 وقسم وقفوا محايدين، لم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا مايؤول إليه أمره وأمر أعدائه، وكانوا في الحقيقة والباطن معادين له وهم (المنافقون). وقد عامل كل فريق بما أمره الله به، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمان، وكانوا طوائف ثلاثاً حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربه بنو قينقاع بعد بدر، ونقض بنو النضير العهد بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي وَّر، وقد حارب كل فئة ونصره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حرباً عليه كاليهود. ٥٧٨ الُرُ (٦) - المائدة: ٥١/٥-٥٣ التفسير والبيان: مضمون الآيات أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يواليهم. أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا توالوا اليهود والنصارى أعداء الإسلام، أي لا تتخذوهم أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، ولا تسروا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنوا إلى صداقتهم ومحبتهم أو مودتهم، إذ لن يخلصوا لكم، وبعضهم أولياء بعض، أي إن اليهود بعضهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، وقد نقض اليهود عهودهم، والكل متفق على معاداتكم وبغضکم. ثم توعد من يواليهم فقال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾ أي ومن ينصرهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم أي من جملتهم وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين. وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم. وهذا يومئ إلى أن العلاقات والمحالفات بين المسلمين وغيرهم لمصالح دنيوية غير منهي عنها في الآية. وسبب هذا الوعيد: أن من يوالي هؤلاء في شؤون الدين وقضاياه ومقتضيات الدعوة ونشاطها، فينصرهم أو يستنصرهم بهم، فهو ظالم لنفسه بوضعه الولاية في غير موضعها، والله لا يهديه إلى خير أو حق بسبب موالاة الكفر. وواقع الأمر أن المنافقين الذين في قلوبهم شك وريب ونفاق يسارعون فيهم، أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، وهم عبد الله ابن أبي وجماعته المنافقون. ٥٧٩ الجُُ (٦) - الثائِدَة: ٥١/٥-٥٣ وسبب موالاة هؤلاء المنافقين لأعداء الإسلام: أنهم يتأولون في مودتهم أنهم يخشون انتصار الكافرين على المسلمين، فتكون لهم أيادٍ عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. وهذا شأن المنافقين المستضعفين في كل زمان ومكان، يتخذون صداقات ومودات عند زعماء الكفر لتأييدهم ودعمهم أثناء الأزمات، وقد أثبت الواقع تخليهم عنهم وقت المحنة الشديدة وبيع صداقتهم بثمن بخس، وقد رأينا في عصرنا كيف تتخلى أمريکة مثلاً عن رئيس دولة ما عاش كل عهده حليفاً لها، ومنفذاً لمآربها، وسائراً في مخططاتها، فهي التي تستخدمه وتستهلكه، ثم تتخلى عنه وقت المحنة والأزمة، فخاب كل من استعان بغير الله وبغیر أهل دينه. لذا رد الله على مزاعم وتأويلات هؤلاء: بأنه لعل الله يأتي بالفتح والنصر والفصل بين المؤمنين والكافرين كما حدث في فتح مكة وغيره، أو يأتي بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل في شأن هؤلاء الكافرين، كإلقاء الرعب في قلوب يهود بني النضير، ونحو ذلك من وقائع إدالة المؤمنين أي نصرهم على الكافرين، فيصبح المنافقون الذين والوا اليهود والنصارى نادمين على ماكان منهم، مما لم يفدهم شيئاً، وإنما كان ذلك عين السوء والمفسدة، فإنهم فضحوا أمام المؤمنين بعد أن كانوا مستورين. قال المفسرون: ﴿فَعَسَى﴾: من الله واجب؛ لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له(١). وبه يتبين أن المقصود بالفتح: تحقيق الفتوح في مكة وغيرها من بلاد العرب وإجلاء اليهود من الحجاز وخيبر وغيرها. وأما الأمر من عند الله فهو تدبير شيء خفي للأعداء، كإجلاء اليهود من موطنهم، أو قهرهم مثل قهر بني قريظة، أو إلقاء الرعب في قلوبهم كما حدث لبني النضير، أو إخضاع اليهود والنصارى لأحكام الإسلام وسلطة الدولة الإسلامية بفرض الجزية عليهم. (١) تفسير الرازي: ١٦/١٢ ٥٨٠ الجُرُ (٦) - المثائِدَة: ٥١/٥-٥٣ وحينئذ تتبدد تأويلات المنافقين، ويظهر كذبهم وافتراؤهم، لذا قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي يقول بعض المؤمنين لبعض أو لليهود تعجباً واستهجاناً وشماتة: أهؤلاء الذين أقسموا بالله: إنهم معكم وإنهم مناصروكم على أعدائكم اليهود، ثم انكشفوا على حقيقتهم، وتبينت عداوتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَفُونَ (٥) أي إنهم جماعة خائفون يظهرون الإسلام تَفِيَّة أو مناورة أو سياسة، لا حقيقة. وأردف المؤمنون القول: هؤلاء المنافقون بطلت أعمالهم التي يؤدونها نفاقاً من صلاة وصيام وحج وجهاد، فخسروا بذلك الدنيا والأجر والثواب في الآخرة. والمفسرون اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي: أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه، وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوِيَّةٌ﴾ الآيات. وقال عكرمة فيما رواه ابن جرير: نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله وق لي إلى بني قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، كما قال ابن جرير، وكما ذكر في سبب النزول. فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: اً - قطع الموالاة والمودة شرعاً بين المؤمنين وبين الكافرين في أمور الدين وقضاياه الكبرى الأساسية. ولا مانع من وجود علاقات لمصالح دنيوية