Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
الُ (٦) - النِّشَاءِ: ١٧٦/٤
في الأرواح البشرية، وهذا هو السعادة الروحانية. وأخر ذكرها عن القسمين
الأولين تنبيهاً على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية(١).
والهداية في القرآن نوعان: هداية عامة وهداية خاصة.
®) أي
أما الهداية العامة: فهي كما في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
طريقي السعادة والشقاوة، والخير والشر، وهذه تشمل هداية الحواس
الظاهرة والباطنة، وهداية العقل، وهداية الدين.
وأما الهداية الخاصة: فهي مثل: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾
[الفاتحة: ٦/١]. هذه
٦
[الأنعام: ٩٠/٦] ومثل ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
الهداية ليست الدلالة العامة كما سبق، وإنما هي الإعانة والتوفيق للسير في
طريق الخير والنجاة مع الدلالة. ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في
فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل، كان محتاجاً إلى المعونة الخاصة،
فأمرنا الله بطلبها منه في قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
ميراث الكلالة أو ميراث
الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَّةِ إِنِ أَمْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ:
ج
أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَفَّ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ
فَلَهُمَا اُلْتُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنَِّنِّ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
١٧٦
(١) تفسير الرازي: ١٢٠/١١
٤٠٢
لُ (٦) - النِشَكَاءِ: ١٧٦/٤
الإعراب:
﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ محله الرفع على الصفة، أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد.
﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ﴾: إنما قال: ﴿أَثْنَتَيْنِ﴾ ولم يقتصر على قوله: ﴿كَانَتَا﴾
لأنها تفيد التثنية العددية لوجهين:
أحدهما - أنه لو اقتصر على قوله: كانتا ولم يقل اثنتين لاحتمل أن يريد
بهما الصغيرتين أو الكبيرتين، فلما قال: اثنتين أفاد العدد مجرداً عن الصغر
والكبر، فكأنه قال: فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين، فقام ﴿أُثْنَتَيْنِ﴾ مقام
هذين الوصفين.
والثاني - أن يكون محمولاً على المعنى، وتقديره: فإن كان ممن يرث
اثنتان، فبنى الضمير على معنى (مَنْ) وهذا قول الأخفش، والوجه الأول
أوجه.
﴿أَنْ تَضِلُّواْ﴾ تقديره: كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف وأقام المضاف
إليه مقامه وهو مفعول لأجله. وقيل: تقديره: لئلا تضلوا، فحذف (اللام
ولا) من الكلام؛ لأن فيما أبقى دليلاً على ما ألقى. والوجه الأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْكَلَلَةِ﴾: من لا والد له ولا ولد، والآية في ميراث الإخوة والأخوات
من الميت الكلالة ﴿هَلَكَ﴾: مات ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ ألا تضلوا.
سبب النزول:
روى النسائي عن جابر قال: اشتكيت، فدخل علي رسول الله، فقلت: يا
رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلت: بالشطر؟ قال:
أحسن، ثم خرج، ثم دخل علي، قال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله
أنزل وبيَّن ما لأخواتك وهو الثلثان، فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيَّ:
٤٠٣
الُ (٦) - التِشَاءِ: ١٧٦/٤
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾. قال الحافظ ابن حجر: هذه قصة
أخرى لجابر غير التي تقدمت في أول السورة، أي في الآية (١١).
وفي رواية: اشتكيت فدخل علي رسول الله وعندي سبع أخوات.
وأخرج ابن مردويه عن عمر أنه سأل النبي، كيف يُورَث الكلالة؟ فأنزل
الله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْنِيَكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾.
وروى أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: ((دخل
علي رسول الله، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبَّ علي فعقلت، فقلت:
إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الميراث، يريد هذه الآية)).
وروى الشيخان عن البراء: أنها آخر آية نزلت، أي من الفرائض. قال
الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما - في الشتاء وهي التي في أول
سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل
الآية الأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من زيادة البيان ما ليس
في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. والآية
الأولى تسمى آية الشتاء، والآية الثانية تسمى آية الصيف.
المناسبة:
قال الرازي: اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال،
وختم آخرها بذلك، ليكون الآخر مشاكلاً للأول، ووسط السورة مشتمل
على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين(١).
التفسير والبيان:
أجمع العلماء على أن هذه الآية في ميراث الإخوة من الأب والأم
(١) التفسير الكبير: ١٢٠/١١
٤٠٤
لُ (٦) - النِشَاءِ: ١٧٦/٤
(الأشقاء) أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية
السابقة في صدر السورة وهي: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ
وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسَُّ﴾.
روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله
في سورة النساء في الفرائض، فأولها - في الولد والوالد، وثانيها - في الزوج
والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة
والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. والآية التي ختم بها سورة الأنفال
أنزلها في أولي الأرحام(١).
يطلب منك أيها النبي الفتيا فيمن يورث كلالة، كجابر بن عبد الله، ليس له
والد ولا ولد، وله أخوات من العَصَبة، لم يفرض لهم شيء من التركة قبل،
وإنما فرض للإخوة لأم: السدس للواحد، والثلث لاثنين فأكثر.
والكلالة: مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. وهي اسم
يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث: فهو من سوى الوالد
والولد، قال أبو بكر: الكلالة: ما عدا الوالد والولد. وإن وقع على المورث:
فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد.
إن هلك امرؤ غير ذي ولد، وله أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التركة.
وقد أشكل حكم الكلالة على عمر فقال فيما ثبت في الصحيحين: ((ثلاث
وددت أن رسول الله كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد والكلالة
وباب من أبواب الربا)) أي ما أنزل أواخر سورة البقرة من آيات الربا. وأخرج
ابن ماجه في سننه بلفظ: ((الكلالة والربا والخلافة)).
والمراد بالولد هنا: ما يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الكلام في الكلالة: وهو
(١) المرجع السابق: ١٢١/١١
م
٤٠٥
لُعُ (٦) - الْتَشَاءِ: ١٧٦/٤
من ليس له ولد أصلاً، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضاً. واقتصر على
ذكر الولد لظهور الأمر.
والمقصود بالأخت هنا: الأخت الشقيقة أو لأب، أما الأخت لأم فقد
بين الله حكمها في أول السورة بالإجماع كما تقدم.
وتستحق الأخت النصف إن کان للمیت بنت، فإن کان له ابن فلا شيء
لها، أما ظاهر الآية وهو أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد (ذكراً أو
أنثى) فليس مراداً. ويشترط أيضاً لاستحقاقها النصف ألا يكون للميت والد،
وظاهر الآية أنها تستحق النصف إذا لم يكن للميت ولد غير مراد أيضاً؛ لأن
الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع(١).
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّمَا وَلَدٌ﴾ يعني أن الأخ يرث تركة
ج
أخته جميعها بالتعصيب إذا لم يكن للأخت ولد ولا والد يحجبه عن الإرث.
والمقصود بالأخ هنا: الأخ الشقيق أو لأب، أما الأخ لأم فلا يستغرق
الميراث، وإنما فرضه السدس.
فإن كان الوارث أختين فأكثر، والمراد بالأخت: الشقيقة أو لأب، وليس
المراد بها الأخت لأم، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الكلالة. والاثنتان فأكثر
سواء؛ لأن أخوات جابر كن سبعاً.
وإن كان من يرث إخوة ذكوراً وإناثاً، فللذكر مثل حظ الأنثيين. أما
الإخوة لأم فهم شركاء في الثلث.
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أمور دينكم وجميع الأحكام من حلال وحرام كراهة
أن تضلوا، أو عند الكوفيين لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان في قسمة التركات
-
(١) تفسير الرازي: ١٢١/١١
٤٠٦
لِلُ (٦) - الِشَاءِ: ١٧٦/٤
وغيرها، وعلى التأويل الأول حذف المضاف عند البصريين وهو: كراهة ﴿أَن
تَضِلُّواْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ والتأويل الثاني كحديث ابن عمر
الثابت: ((لا يدعونّ أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة))(١) والمعنى: لئلا
يوافق من الله إجابة.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيٌ﴾ أي إن ما شرعه لكم من الأحكام فيه الخير
والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقاً وتعريفه
صدقاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة أربع
حالات :
الأولى - أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة: فلها النصف فرضاً، والباقي
للعصبة إن كانوا، وإلا فيعود الباقي لها بالرد. وكذلك ترث الأخت من أختها
النصف.
الثانية - العكس وهو أن تموت امرأة ويرثها أخ واحد، فله جميع التركة.
وكذلك یرث الأخ جميع تركة أخيه.
الثالثة - أن يكون الوارث للأخ أو الأخت أختان فأكثر، فلهما الثلثان،
وقد أجمع العلماء على أن الأكثر من أختين كالأختين؛ لأن الأكثر من بنتين لا
يزدن عن الثلثين، فبالأولى لا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، كما تقدم.
الرابعة - أن يكون ورثة الأخ أو الأخت عدداً من الإخوة والأخوات،
فللذكر مثل حظ الأنثيين. لكن إن اجتمع إخوة أشقاء وإخوة لأب، قدم
الأشقاء؛ لأن الإخوة لأب يحجبون بالإخوة الأشقاء.
(١) ورواه أيضاً أبو داود عن جابر بن عبد الله.
٤٠٧
الجُ (٦) - التِشَكَّةِ: ١٧٦/٤
أما إذا كان إخوة الميت الكلالة عدداً من الإخوة الذكور فإنهم يرثون جميع
التركة.
وجمهور الصحابة والتابعين غير ابن عباس وداود الظاهري يجعلون
الأخوات عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ. أما ابن عباس وداود فلا
يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، لظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنِ أُمْرُؤُوا هَلَكَ
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ{ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ ولم يورثوا الأخت إلا إذا لم يكن
للميت ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع
وجودها.
٤٠٨
الجُ (٦) السورة (٥) الَائِدَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيَةِ
سُورَةُ المَائِدَة
مدنية وهي مئة وعشرون آية، وهي السورة الخامسة من القرآن الكريم.
تسميتها:
تسمى هذه السورة سورة المائدة؛ لاشتمالها على قصة نزول المائدة من
السماء بعد أن طلبها الحواريون من عيسى عليه السلام، لتدل على صدق
نبوته، وتكون لهم عيداً. وتسمى أيضاً سورة العقود، وسورة الْمُنْقِذة، قال:
((سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقِذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة
العذاب».
تاريخ نزولها:
هي سورة مدنية نزلت بعد الهجرة ولو في مكة بعد الانصراف من الحديبية،
وثبت في الصحيحين عن عمر: ((أن قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع)).
وروي عن النبي ◌َيّر أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: ((يا أيها
. الناس، إن سورة المائدة آخر ما نزل، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها))
وروى أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر قال: ((آخر
سورة نزلت: المائدة والفتح)) وروى أحمد والنسائي والحاكم وصححه،
والبيهقي عن عائشة قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من
حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه)).
٤٠٩
الُ (٦) السورة (٥) القائِدَة
مناسبتها لما قبلها:
هناك أوجه تشابه بينها وبين سورة النساء، لاشتمال كل منهما على عدة
عهود وعقود وأحكام ومناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، ففي سورة
النساء الكلام على عقود الزواج والأمان والحلف والمعاهدة، والوصايا
والودائع والوكالات والإجارات، وابتدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء
بالعقود. ومهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمتها سورة المائدة بنحو
قاطع، وتضمنت السورتان مناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في
عقائدهم ومواقفهم من الرسالة المحمدية.
ما اشتملت عليه:
اشتملت سورة المائدة على أحكام تشريعية وثلاث قصص. أما الأحكام:
فهي بيان أحكام العقود ونكاح الكتابيات والوصية عند الموت، والمطعومات
من ذبائح وصيود، وصيد الإحرام وجزائه، والطهارة من وضوء وغسل
وتيمم، وتحريم الخمر والميسر وجزاء الردة، وحد السرقة وحد الحرابة (قطع
الطريق) وكفارة اليمين، وشريعة الجاهلية بتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة
والحام، وحكم تارك العمل بما أنزل الله، ونحو ذلك في أثناء مناقشة ومجادلة
النصارى واليهود والمشركين والمنافقين.
قال العلماء: فيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها؛ وهي: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ
وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ ﴿ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِبِينَ﴾ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ﴾ ﴿وَالْمُحْصَنَكُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
وتمام الطهور: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾، ﴿ وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿لَا نَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامٍ﴾ و﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا
سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
اٌلْمَوْتُ﴾ الآية.
٤١٠
الُعُ (٦) السورة (٥) المغائِدَة
وذكر القرطبي فريضة تاسعة عشرة وهي قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ﴾: ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة
الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات.
وفي الجملة انفردت سورة المائدة ببيان أصول مهمة في الإسلام هي:
اً - إكمال الدين، وأن دين الله واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء
ومناهجهم.
اً - بيان عموم بعثة النبي وأمره بالتبليغ العام، وانحصار مهمته بالتبليغ
فقط.
٣ - أوجب الله على المؤمنين إصلاح نفوسهم، وأنه لا يضرهم إن
استقاموا ضلال غيرهم، وطريق الإصلاح الوفاء بالعقود، وتحريم الاعتداء
على الآخرين، والتعاون على البر والتقوى وتحريم التعاون على الإثم
والعدوان، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب الشهادة بالعدل، والحكم بالقسط
والمساواة بين المسلمين وغيرهم.
٤ - بيان أحكام المطعومات، وتحريم الخمر والميسر (القمار) والأنصاب
والأزلام.
٥ - تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم
الصدق.
وأما القصص الثلاث الواردة للعبرة والعظة فهي: الأولى - قصة بني
إسرائيل مع موسى عليه السلام إذا قالوا له: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا
هَهُنَا فَعِدُونَ﴾. والثانية - قصة ابني آدم، حيث قتل قابيل هابيل، وهي
أول جريمة في الأرض. والثالثة - قصة المائدة التي كانت معجزة خارقة لعيسى
عليه السلام أمام صحبه الحواريين.
٤١١
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:
أنزلت على رسول الله سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن
تحمله، فنزل عنها.
الوفاء بالعقود ومنع الاعتداء
والتعاون على الخير وتعظيم شعائر الله
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بِهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
عَلَيْكُمْ غَيْرَ يُحِلِ الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
تُحِلُواْ شَعَِّرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ وَلَ اَلْهَدْىَ وَلَا اُلْفَلَِّدَ وَلَآ ءَآَمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنَا وَإِذَا حَثُمْ فَأَصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شََكَانُ قَوْيٍ أَنْ
صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواُ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُواْ
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أُلْعِقَابِ
القراءات:
﴿ شَنَكَانُ﴾ :
وقرأ ابن عامر: (شَنْكَان).
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (إن صدوكم) على أنها شرطية.
الإعراب:
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ ما: إما منصوب على الاستثناء من ﴿يَهِيمَةً﴾؛ أو مرفوع
٤١٢
الُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
على أنه صفة ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ كما تقول: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ما
يتلى، فإذا أقيمت إلا وما بعدها مقام (غَيْرَ﴾ رفعت ما بعد إلا. والوجه الأول
أوجه . ﴿غَيَرَ يُحِلّى﴾ غير: منصوب على الحال إما من الكاف واللام في ﴿لَكُمـ
والعامل فيه: أَحلت وإما من ضمير ﴿أَوْفُواْ﴾ والعامل فيه: ﴿أَوْفُواْ﴾.
جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير الفاعل
﴿ وَأَنْتُمْ ◌ُ
في ﴿ يُحِ﴾. ﴿وَلَا الْقَلَبِدَ﴾: أي ذوات القلائد، وهي جمع قلادة: وهي ما
قُلِّد البعير من لحاء الشجر وغيره ﴿ يَبْنَغُونَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على
الحال من ضمير: آمين أي لا يُحلِّوا من قصد البيت الحرام مبتغين فضلاً من
ربهم. ولا يجوز أن يكون صفة لآمّين لأنه قد نصب البيت، واسم الفاعل إذا
وصف لم يعمل؛ لأنه يخرج بالوصف عن شبه الفعل، والفعل لا يوصف.
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ أن مصدرية في موضع نصب؛ لأنه مفعول لأجله،
وتقديره: لأن، فحذف اللام فاتصل الفعل به. و﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ منصوب
بيجر منكم.
البلاغة:
﴿شَعَِّرَ اللَّهِ﴾: استعارة، استعار الشعيرة وهي العلامة للمتعبدات التي
تعبد الله بها العباد من الحلال والحرام.
﴿وَلَا الْقَلَكِدَ﴾ أي ذوات القلائد، وهي عطف خاص على عام.
﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَا نَعَاوَنُوْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ فيه ما يسمى
بالمقابلة في علم البديع.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْفُواْ﴾ أتموا الشيء وافياً كاملاً لا نقص فيه ﴿يِالْعُقُودِ﴾ أي العهود
٤١٣
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
المؤكدة الموثقة التي بينكم وبين الله والناس، أي ما كانوا يتعاقدون عليه من
الحلف وغيره. فهي تشمل عقود الشرع فيما أحل وحُرِّم وفُرض، وعقود
الناس بعضهم مع بعض في البيع والشراء والزواج وغير ذلك ﴿بَهِيمَةُ
اٌلْأَنْعَمِ﴾ البهيمة: هي مالا عقل لها، وخصها العرف بذوات الأربع من
حيوان البر والبحر.
والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، وما يلحق بها من الجاموس والمعز
والظباء. وأحلت لكم بهيمة الأنعام أكلاً بعد الذبح ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه
في آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ محرمون بالحج أو العمرة.
والحرم: جمع حرام.
﴿ شَعَّبِرَ﴾ جمع شعيرة، أي معالم دينه وخصت بمناسك الحج، وقوله
لَا
تُحِلُواْ شَعَّبِرَ الَّهِ﴾ أي بالصيد في الإحرام ﴿الشَّهْرَ اٌلْحَرَامَ﴾ أي بالقتال فيه
﴿ وَلَا اُلْهَدّىَ﴾ ما يهدى إلى الحرم من الأنعام، بذبحه فيه للفقراء، وهو من
النسك . ﴿اَلْقَلَئِدَ﴾ جمع قلادة وهي ما يعلق في العنق، والقلادة: هي ما كان
يقلد به من شجر الحرم ليأمن، أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها . ﴿ وَلَآَ
ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾: ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام، بأن تقاتلوهم ﴿ يَبْنَغُونَ
فَضْلًا﴾ رزقاً أو ربحاً من ربهم بالتجارة ﴿ وَرِضْوَنَا﴾ منه بقصده، بزعمهم
الفاسد أي يقصدون التوصل إلى رضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته في
الدنيا، وهذا منسوخ بآية براءة، قال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة إلا
قوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اَلْهَدْىَ﴾.
ج
﴿وَإِذَا حَلْتُمْ﴾ من الإحرام ﴿فَأَصْطَادُواْ﴾ أمر إباحة لا أمر إيجاب ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ولا يكسبنكم ﴿شَنَكَانُ﴾ بغض قوم، لأجل أن
صدوكم عن المسجد الحرام، أن تعتدوا عليهم بالقتل وغيره.
﴿اَلْبِ﴾ هو كلمة جامعة للخير، تشمل كل ما أمر به الشرع واطمأن إليه
٤١٤
الجُرعُ (٦) - المعَائِدَة: ١/٥-٢
القلب ﴿وَالنَّقْوَىّ﴾ هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿اَلْإِثْمِ﴾ المعصية
والذنب، وهو كل ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس
﴿وَالْعُدْوَنِ﴾ التعدي في حدود الله ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ﴾ خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿إِنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالفه.
سبب النزول: نزول ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾:
أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة، قال: قدم الحطّم بن هند البكري
المدينة في عير له يحمل طعاماً فباعه، ثم دخل على النبي، فبايعه وأسلم، فلما
ولى خارجاً، نظر إليه، فقال لمن عنده: لقد دخل علي بوجه فاجر، وولى بقفا
غادر، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له يحمل الطعام في
ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي تهيأ للخروج إليه نفر من
المهاجرين والأنصار، ليقتعوه(١) في عيره، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
◌ُحِلُّواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾ الآية، فانتهى القوم، وأخرج عن السدي نحوه.
نزول قوله تعالى:
:
يَجْرِ مَنَّ
﴿وَلا
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله بالحديبية
وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم
أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي:
نصد هؤلاء، كما صدوا أصحابنا، فأنزل الله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
نادى الله المؤمنين بوصف الإيمان ليحثهم على امتثال ما يكلفهم به، فإن
شأن المؤمنين الانقياد لما يكلفون به من ربهم.
(١) ليقتعوه: أي ليقمعوه ويذلوه.
٤١٥
الجُزْءُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
يا من اتصفتم بالإيمان ونبذتم كل ما يدعو إليه الشيطان أوفوا بالعقود أي
العهود التي عقدتموها بينكم وبين الله أو بينكم وبين الناس، وهي التكاليف
التي ألزمكم الله بها والتزمتموها، مما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق
على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض
وأحكام الحلال والحرام. ومن هذه التكاليف: ما يعقده الناس بعضهم مع
بعض من عقود المعاملات. وهذه العقود ستة هي: عهد الله، وعقد الحلف،
وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. قال النبي:
(المسلمون عند شروطهم)) ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة
شرط)) ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(١). فيجب الوفاء بالعقود
والعهود بحسب الشروط المتفق عليها إذا لم تصادم الشرع، فلا يجب الوفاء
بالتعاقد على المحرمات، مثل حلف الجاهلية على الباطل، كحلفهم على التناصر
والميراث، بأن يقول شخص لآخر إذا حالفه: دمي دمك وهدمي هدمك
وترثني وأرثك.
ثم فضَّل الله تعالى عقوده على الناس في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه،
ومهد للنهي عن بعض محرمات الإحرام ببيان نعمه التي تحملنا على الوفاء
بالعقود، ومن أعظم النعم إحلال بهيمة الأنعام أكلاً من طريق الذبح
الشرعي، والأنعام: هي الإبل والبقر والضأن والمعز وأمثالها كالظباء وبقر
الوحش. والبهيمة في الأصل: كل حي لا يميز، فهي تشمل الأنعام وغيرها،
سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا. ثم قيدها بالأنعام، والإضافة للبيان، أي
بهيمة هي الأنعام. فلا تشمل غير الأنعام، سواء أكانت من ذوات الحوافر
كالخيل والبغال والحمير، أم من غيرها كالسباع من أسد ونمر وذئب ونحوها
من كل ماله ناب، أو له مخلب من الطيور كالنسر والعقاب والغراب والصقر.
(١) الحديث الأول رواه الحاكم عن أنس وعائشة، والثاني رواه البزار والطبراني عن ابن عباس.
والثالث رواه أحمد ومسلم عن عائشة.
٤١٦
لالُُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
ولابد من إضمار فعل يناسب الكلام؛ لأن الإحلال لا يتعلق إلا
بالأفعال، وهذا الفعل مأخوذ من الانتفاع، ويكون المراد من قوله: ﴿أُحِلَّتْ
لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾: أحل لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام، وهو يشمل الانتفاع
بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها، وذلك مثل تقدير فعل في قوله تعالى:
أي
﴿ وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
لتنتفعوا بها في الدفء وغيره.
ثم استثنى الله تعالى من الأنعام محرمات عشراً، فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}
أي يستثنى من حل بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية،
حالة كونكم غير محلي الصيد في الإحرام، فيحرم الصيد في أثناء الإحرام بالحج
أو العمرة، وفي الحرم المكي والمدني ولو في غير حالة الإحرام.
والحرم: جمع حرام وهو المحرم بحج أو عمرة. ودلت السنة على تحريم صيد
الحرمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من الأحكام ويعلم أنه حكمة ومصلحة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعََّبِرَ اللَّهِ﴾ أي يا أيها المؤمنون، لا تحلوا
شعائر الله، أي مناسك الحج، وإحلال الشعائر: استباحتها والتهاون بحرمتها
والإخلال بأحكامها، والحيلولة بينها وبين المتنسكين بها، فلا تتعدوا حدود
الله.
ولا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم
ورجب، فلا تقاتلوا المشركين فيها، ولا تبدلوها بغيرها كما كان العرب
يفعلون في الجاهلية من عملية النسيء، أي تأخير حرمة شهر حرام إلى غيره،
ولا تحدثوا في أشهر الحج ما تصدون به الناس عن الحج . ﴿ وَلَا اُلْهَدْىَ﴾ أي
ولا تعترضوا الهدي المهدي للحرم بالغصب أو الأخذ أو المنع من بلوغ محله
حتي لا يصل إلى الكعبة. وسمي الشهر حراماً لتحريم القتال فيه. وقد نسخ هذا
الحكم بآية براءة كما تقدم بيانه وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
٤١٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّهُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩]، والهدي: ما يتقرب به المرء
من النعم ليذبح في الحرم.
﴿وَلَا الْقَلَبِدَ﴾ من الأنعام، لا تنتهكوا أيضاً حرمتها، والمراد بها ذوات
القلائد وهي جمع قلادة: وهي ما قلد به الهدي مما يعلق في عنق البعير أو غيره
من نعل أو عروة مزادة أو جلد أو قشر شجرأو غيره، ليعلم أنه هدي فلا
يتعرض له. وخصت بالبيان مع شمول الهدي لها تشريفاً لها واعتناء وزيادة
توصية بها؛ لأنها أشرف الهدي.
﴿وَلَّ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الَْرَامَ﴾ أي ولا تعترضوا ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد
الحرام، يطلبون من الله الفضل (الرزق والثواب) والرضوان (الرضا، أي أن
يرضى عنهم) أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيماً لهم، واستنكاراً أن
يتعرض لمثلهم؛ لأن من دخل البيت الحرام كان آمناً، وكذا من قصده طالباً
فضل الله وراغباً في رضوانه.
والمقصود من الحفاظ على حرمة الأمور المتقدمة أن يكون الناس في زمان
الحج ومكانه في أمان واطمئنان، فلا يتعرض الحاج للخوف والقلق، حتى
يأمن على نفسه وماله.
﴿وَإِذَا ◌َلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، وأنتم في
غير أرض الحرم، فقد أبجنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من
الصيد، فاصطادوا كما تشاؤون، ولا إثم عليكم في الصيد وأكله. وهذا أمر
بعد الحظر، والصحيح أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان
واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول
٤١٨
الجزرُ (٦) - المائدة: ١/٥-٢
إلى المسجد، وذلك عام الحديبية، على أن تتعدوا حكم الله، فتقتصوا منهم
ظلماً وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد(١).
﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ﴾: وهو كل خير أمر به الشرع أو نهى عنه من
المنكرات، أو اطمأن إليه القلب، ولا تتعاونوا على الإثم وهو الذنب
والمعصية: وهي كل ما منعه الشرع، أو حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه
الناس. ولا تتعاونوا على التعدي على حقوق غيركم. والإثم والعدوان يشمل
كل الجرائم التي يأثم فاعلها، ومجاوزة حدود الله بالاعتداء على القوم. واتقوا
الله بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه . ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن
عصى وخالف. وإظهار اسم الجلالة هنا في موضع الإضمار لإدخال الروعة
والخوف وتربية المهابة في القلوب.
وهذا من جوامع الكلم الشامل لكل خير وشر ومعروف ومنكر مع رقابة
الله في السر والعلن.
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تضمنت أصول الإسلام في المعاملات والعلاقات
الاجتماعية، وفيهما من الفصاحة وكثرة المعاني مع قلة الألفاظ ما لا يخفى
على أحد.
والآية الأولى تضمنت خمسة أحكام:
اً - الأمر بالوفاء بالعقود التي يتعاقد بها الناس، ووجوب الوفاء
(١) وورد تعبير مماثل في آية أخرى هي: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَثَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨/٥] أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، فإن العدل واجب
على كل أحد في كل أحد في كل حال، والعدل: به قامت السماوات والأرض، والعدل
أقرب للتقوى.
٤١٩
الُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
بالتكاليف الإسلامية، فيلزم دفع أثمان المبيعات ومهور النساء ونفقاتهن،
والمحافظة على الوديعة والعارية والعين المرهونة وردها إلى أصحابها سالمة،
وحفظ مال المستأمن ونفسه، وصون حرمة المعاهد وأسرته وماله.
وقوله: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار
المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وأثبت الشافعي وأحمد هذا الخيار
للمتعاقدين ماداما في مجلس العقد، فلهما الإمضاء والفسخ، لما ثبت في
الصحيحين عن ابن عمر قال: ((البيِّعان بالخيار مالم يتفرقا)) وفي لفظ آخر
للبخاري: ((إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا)) وهذا
صريح في إثبات خيار المجلس عقب عقد البيع، مادام المتعاقدان في المجلس،
وليس هذا منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام
الوفاء بالعقود.
أما النذر الواجب الوفاء به فهو نذر الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف
والقيام ونحوها، وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع الأمة.
أَ - تحليل بهيمة الأنعام بالأكل من طريق الذبح الشرعي.
◌َّ - استثناء المحرمات الآتية بعدَ في الآية (٣) ونحوها، وكذا الثابت في
السنة مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن ((كل ذي ناب من السباع، وكل ذي
مخلب من الطير)) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس.
٤ - استثناء حالة الإحرام فيما يصاد. ومثله صيد الحرمين.
٥ - إباحة الصيد لمن ليس بمحرم في غير الحرمين.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدٌ﴾ تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة
لمعهود أحكام العرب، فالله يحكم على وفق مشيئته وحسبما يرى من الحكمة
والمصلحة: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ﴾ يشرِّع مايشاء كما يشاء.
٤٢٠
لُ (٦) - الَائِدَة: ١/٥-٢
ودلت الآية الثانية على تحريم التعرض لمناسك الحج، وتجاوز حدود الله
فيما شرع، فلا يجوز التعدي على معالم دينه.
وتلك المعالم هي شعائر الله أي البدن التي تهدى للحرم، وإشعارها: أن
يُجَزّ شيء من سنامها حتى يسيل منه الدم، فيعلم أنها هدي. وقال عطاء:
شعائر الله: جميع ما أمر الله به ونهى عنه. وقال الحسن البصري: دين الله كله،
كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَِّرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ اُلْقُلُوبِ
١٣٢
[الحج: ٣٢/٢٢] أي دين الله.
وقد أجاز الجمهور الإشعار، ويكون - في رأي الشافعي وأحمد وأبي ثور -
في الجانب الأيمن لما ثبت عن ابن عباس أن النبي أشعر ناقته في صفحة سنامها
الأيمن. وقال مالك: يكون في الجانب الأيسر. وقال مجاهد: من أي الجانبين
شاء.
ومنعه أبو حنيفة، وقال: إنه تعذيب للحيوان أي أنه مكروه كما صرح
الحنفية، والحديث يؤوَّل بأن الإشعار يجري مجرى الوسم الذي يعرف به
الملك. وقال الصاحبان: ليس بمكروه ولا سنة، بل هو مباح.
ومن المعالم: حرمة الشهر الحرام وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سَرْد، وهي
((ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب)) فلا تستحل للقتال ولا للغارة ولا
تبدَّل، فإن استبدالها استحلال، وذلك ماكانوا يفعلونه من النسيء. ثم نسخ
تحريم القتال فيها بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ والمراد بها الأشهر التي حرم الله قتالهم فيها وضربها أجلاً لهم
يسيحون فيها في الأرض، ويفكرون في أمر الإسلام، وليس المراد بها أشهر
الحج أو الأشهر الحرم بالمعنى السابق.
ومن المعالم: الهدي والقلائد، فلا تحلوا النعم التي يتقرب بها إلى الله تعالى
لتذبح في الحرم. وإحلالها: هو التعرض لها وسلبها أو الانتفاع بها في غير