Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
الُرعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
الأول - أنه محمول على المعنى، والمعنى: إن يكن الخصمان غنيين أو
فقیرین فالله أولى بهما.
الثاني - أنه لما كان المعنى: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير، رد الضمير
إليهما.
الثالث - إنما رد الضمير إليهما؛ لأنه لم يقصد غنياً بعينه ولا فقيراً بعينه.
الرابع - أن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، والواو الإيجاب الجمع بين الشيئين أو
الأشياء، فلهذا قال: أولى بهما. وأو بمعنى الواو في مذهب الأخفش
والكوفيين.
﴿أَنْ تَعْدِلُواْ﴾ أن: في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر،
وتقديره: لئلا تعدلوا، أو تكون في موضع نصب على تقدير: كراهة أن
تعدلوا، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦/٤] أي لئلا
تضلوا.
﴿وَإِن تَلْوُرأْ﴾ بواوين: أصله تَلْويُوا على وزن تفعلوا، من لويْت، فنقلت
الضمة من الياء إلى ماقبلها، فبقيت الياء ساكنة، وواو الجمع ساكنة، فحذفت
الياء لالتقاء الساكنين، فبقي: تلووا ووزنه تفعوا.
البلاغة:
﴿قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ مبالغة أي مبالغين في إقامة العدل.
(غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ طباق.
﴿ءَامَنُوَاْ ءَامِنُواْ﴾ جناس ناقص لتغير الشكل.
﴿ضَلَّ ضَلَلًا﴾ جناس مغاير.
٣٢٢
لُحُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
المفردات اللغوية:
﴿قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ﴾ صيغة مبالغة أي قائمين بالعدل على أتم وجه ﴿شُهَدَآءَ
لِلّهِ﴾ أي شاهدين بالحق لوجه الله وحده ﴿وَلَوْ عَلَىَّ أَنفُسِكُمْ﴾ ولو كانت
الشهادة على أنفسكم، فاشهدوا بالحق عليها، بأن تقروا به ولا تكتموه ﴿فَاَللَّهُ
أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم وأعلم بمصالحهما ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ أَلْهَوَىَ﴾ في شهادتكم بأن
تحابوا الغني لرضاه، أو الفقير رحمة به . ﴿أَن تَعْدِلُواْ﴾ أن لا تعدلوا أي تميلوا
عن الحق ﴿وَإِن تَلْوُرأْ﴾ تحرفوا ألسنتكم بالشهادة. وفي قراءة بحذف الواو
الأولى تخفيفاً ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن أدائها أي لا تؤدوها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فیجازیکم به.
سبب النزول:
نزول الآية (١٣٥):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال:
لما نزلت هذه الآية في النبي ◌َّ اختصم إليه رجلان: غني وفقير، وكان وَله
مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني
والفقير.
المناسبة:
هذا أمر عام بالقسط بين الناس، جاء عقب الأمر بالقسط في اليتامى
والنساء في آية الاستفتاء؛ لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل، وحفظ النظام
ودوام الملك لا يتم إلا به، فالعدل أساس الملك الدائم.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يقوموا بالعدل، فلا تأخذهم في الله لومة
٣٢٣
الُرُ (٥) - النِشَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
لائم، وأن يتعاونوا ويتعاضدوا فيه. ياأيها المؤمنون كونوا مبالغين بإقامة
العدل، والعدل عام شامل الحكم بين الناس من الحكام، والعمل في أي
مجال، وفي الأسرة، فيسوي الحاكم أو الوالي أو الموظف بين الناس في
الأحكام والمجالس وقضاء الحوائج، كما يسوي كل صاحب عمل بين عماله،
وكما يسوي الرجل بين زوجاته وأولاده في المعاملة والهبة.
وكونوا شاهدين بالحق لله، بأن تتحروا الحق الذي يرضي الله، وتؤدوا
الشهادة ابتغاء وجه الله، لتكون الشهادة صحيحة عادلة حقاً من غير مراعاة
أحد ولا محاباة.
اشهدوا بالحق المجرد ولو كانت الشهادة على أنفسكم، وعاد ضررها
عليكم، بأن تقروا بالحق ولا تكتمونه، ومن أقر على نفسه بحق فقد شهد
عليها؛ لأن الشهادة إظهار الحق. واشهدوا بالحق أيضاً ولو كانت الشهادة
على الوالدين والأقارب وعاد ضررها عليهم؛ لأن بر الوالدين وصلة
الأقارب لاتكون بالشهادة لغير الله، بل البر والصلة والطاعة في الحق
والمعروف.
ولا تراعوا غنياً لغناه، أو ترحموا فقيراً لفقره، بل اتركوا الأمر لله، فالله
يتولى أمرهما، وأولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما.
ولا تتبعوا الهوى لئلا تعدلوا عن الحق إلى الباطل، إذ في الهوى الزلل، أو
فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم
وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٥٪
٨].
وإن تلووا ألسنتكم أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف
وتعمد الكذب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾ [آل
٣٢٤
لُُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
عمران: ٧٨/٣] أو تعرضوا عن أداء الشهادة، والإعراض: هو كتمان الشهادة
قلے
وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣/٢] وقال
النبي فيما رواه مسلم عن زيد بن خالد الجهني وَّر: ((ألا أخبركم بخير
الشهداء: هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
وإن تلووا أو تعرضوا فالله خبير بأعمالكم، وسيجازيكم بذلك. وعبر
بالخبير ولم يعبر بالعليم؛ لأن الخبرة العلم بدقائق الأمور وخفاياها، والشهادة
يكثر فيها الغش والاحتيال واللف والدوران. فليحذر المخالفون.
ثم أمر الله بالإيمان به وبرسوله وبالكتب التي أنزلها، فإن كان هذا خطاباً
للمؤمنين فمعناه اثبتوا على ذلك وداوموا واستمروا عليه، كما يقول المؤمن في
ج)) [الفاتحة: ٦/١] أي بصرنا فيه
كل صلاة: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ
الّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ
يَأ
وزدنا هدى وثبتنا عليه، وكما قال الله تعالى:
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ،﴾ [الحديد: ٢٨/٥٧]. وهذا رأي ابن كثير والقرطبي(١). وقوله:
{وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن، ﴿وَأَلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنْ
قَبْلٌ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة.
وإن كان الخطاب لمؤمني أهل الكتاب فيراد به الأمر بالإيمان بالنبي محمد
وبالقرآن، كالأنبياء السابقين والكتب المنزلة قبل القرآن. فقد روي أن هذا
خطاب لمؤمني اليهود. قال ابن عباس وكذا الكلبي: ((إن هذه الآية نزلت في
عبد الله بن سلام، وأسد وأُسَيْد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام ابن
أخت عبد الله بن سلام، ويامين بن يامين، إذ أتوا رسول الله وَل﴿ وقالوا:
نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من
(١) تفسير ابن كثير: ٥٦٦/١، تفسير القرطبي: ٤١٥/٥
٣٢٥
لِلُعُ (٥) - النَشَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
الكتب والرسل، فقال رسول الله وَله: بل آمنوا بالله ورسوله وكتابه القرآن
وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: لا نفعل، فنزلت، قال: فآمنوا كلهم)) (١).
وقال في القرآن: ﴿نَزَّلَ﴾ لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع بحسب
ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل
جملة واحدة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾.
ثم توعد الله من كفر بعد الأمر بالإيمان فذكر:
ومن يكفر بالله أو بملائكته أو ببعض كتبه أو رسله، أو اليوم الآخر، فقد
ضل أي خرج عن طريق الهدى والحق، وبعد عن المطلوب كل البعد.
ومن فرَّق بين كتب الله ورسله، فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود
والنصارى فلا يعتد بإيمانه ولا يعترف به؛ لأن الكفر بكتاب أو برسول كفر
بالكل، ولو آمن إيماناً صحيحاً بنبيه وكتابه لما كفر بمحمد المبشر به عندهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أصول الحكم أو القضاء بين الناس على أساس من .
العدل، وأداء الشهادة بالحق، وأصول التدين والإيمان الصحيح بالتصديق
بجميع أنبياء الله ورسله الكرام، دون تفرقة بين أحد من رسل الله.
أما الآية الأولى فهي آمرة أمراً صريحاً قاطعاً بشيئين:
الأول - المبالغة في إقامة العدل والتعاون فيه دون تهيب ولا انحراف ولا
تردد في القضاء به؛ إذ بالعدل قامت السماوات والأرض. ولقد كان السلف
الصالح مضرب المثل في التزام شريعة العدل في كل الأقضية حتى مع الأعداء،
(١) الكشاف: ٤٣٠/١، أسباب النزول للواحدي: ص ١٠٦
٣٢٦
الْجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
ولو كان المسلمون هم المقضي عليهم، ولهم في ذلك روائع الأمثال والقصص،
منها: أن عبد الله بن رواحة، لما بعثه النبي ◌َّلل يخرص على أهل خيبر ثمارهم
وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند
أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما
يحملني حبي إياه، وبغضي لكم، على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت
السماوات والأرض.
الثاني - أداء الشهادة بالحق ولو على النفس أو الوالدين أو الأقربين؛ لأن
الحق يعلو ولا يعلى عليه، ولأنه أحق أن يتبع، ولأن الاستعلاء على مصالح
النفس ومراعاة حظوظها هو أمارة الإيمان الصحيح بالله، ولأن بر الوالدين
وصلة الأرحام والأقارب إنما يكونان ضمن دائرة الحق والمعروف، ولا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق.
فالشهادة ينبغي أن تكون خالصة لله أي لذات الله ولوجهه ولمرضاته
وثوابه، فيقر الإنسان بالحق لأهله، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه، وبهذا
أدب الله عز وجل المؤمنين، كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ولو
على أنفسهم.
ولا حاجة لمراعاة غني أو فقير، فالله وحده يتولى أمورهما، وهو أولى بكل
واحد منهما.
واتباع الهوى مُرْدٍ أي مهلك، قال الله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا
تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦/٣٨] فاتباع الهوى يحمل على
الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، قال الشعبي: أخذ الله عز وجل
على الحكّام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا
يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
وإن التحريف في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين، وعدم قول الحق فيها،
٣٢٧
لِلُعُ (٥) - النَّاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
والإعراض عن أداء الحق فيها، والظلم في القضاء، كل ذلك مدعاة إلى الجزاء
والعقاب الشديد، كما وضح من التهديد المذكور في ختام الآية: ﴿وَإِن تَلْوُرأ
أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي فمجازيكم بذلك. ولفظ الآية
يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. وفي الحديث: ((لَيُّ
الواجد يُحِلُّ عِرْضه وعقوبته)(١) واللي: المطل، والواجد: الغني المليء،
وعرضه: شکایته، وعقوبته: حبسه.
وذكر الفقهاء بعض الأمور المتعلقة بالشهادة للوالدين أو على الوالدين
فقالوا: لاخلاف في أن شهادة الولد على الوالدين (الأب والأم) ماضية
ومقبولة، ولا يمنع ذلك من برّهما، بل من برّهما أن يشهد عليهما، ويخلصهما
من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦٦/
٦].
وأما الشهادة للوالدين أو شهادتهما للأولاد ففيها خلاف: قال الزهري:
كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في
ذلك قول الله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ فلم يكن أحد يُتَّهم
في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور
حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتَّهم، وصار ذلك لا يجوز في
الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة، وهو مذهب الحسن والنخعي
والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة وأصحابه.
وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً، وهو مروي عن
عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، وبه قال إسحاق
والمزني. وأجاز الشافعي شهادة الزوجين بعضهما لبعض؛ لأنهما أجنبيان،
(١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن الشريد بن سويد.
٣٢٨
الجُرُ (٥) - الِشَكَّاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
وإنما بينهما عقد الزوجية، وهو مُعَرَّض للزوال، والأصل قبول الشهادة إلا
حيث خص، فبقي ما عدا المخصوص على الأصل. وأجيب بأن الزوجية
توجب الحنَان والمواصلة والألفة والمحبة، وتتواصل منافع الأملاك بين
الزوجين، فالتهمة قوية ظاهرة. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده ((أن رسول الله وَل ردّ شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على
أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم)) قال الخطابي: ذو
الغِمْر: هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته عليه
للتهمة. والقانع: هو المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم؛ مثل
الأجير أو الوكيل ونحوه. ومعنى رد الشهادة: التهمة في جر المنفعة إلى نفسه،
وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعاً، فشهادته مردودة.
والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه؛ لأنه يجرّ به النفع، لما
جبل عليه من حبه والميل إليه. وممن ترد شهادته عند مالك: البدوي على
القَرَوِيّ، لما روى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله وَلّ
يقول: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)).
وأما الآية الثانية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ﴾ فالظاهر أنها نزلت في جميع
المؤمنين، والمعنى: ياأيها الذين صدَّقوا أقيموا على تصديقكم واثبتوا عليه،
وصدقوا بالقرآن وبكل كتاب أنزل على النبيين.
وقيل: إنه خطاب للمنافقين؛ والمعنى على هذا: ياأيها الذين آمنوا في
الظاهر أخلصوا لله.
وقيل: المراد المشركون؛ والمعنى: ياأيها الذين آمنوا باللات والعُزَّى
والطاغوت آمنوا بالله، أي صدِّقوا بالله وبكتبه.
وقيل: نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمداً وَ القر من الأنبياء عليهم السلام.
٣٢٩
لُزُ (٥) - التِّشَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
صفات المنافقين وجزاؤهم ومواقفهم من المؤمنين
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَاً لَّمْ يَكُنِ
١٣٨
بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (َ
اُلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَّأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَةً إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن
إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا ®
كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوَأْ
أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَنْ
يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
(١٤١
القراءات:
﴿ وَقَدْ نَزَّلَ﴾: قرئ:
١- (نَزَّل) وهي قراءة عاصم.
٢- (نُزِّل) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ بدل أو نعت المنافقين.
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: إنما قال: جميعاً بالتذكير، ولم يقل جمعاء بالتأنيث
لأن العزة في معنى العز. و﴿جَمِيعًا﴾ حال منصوب، والتقدير: فإن العزة لله
تعالى كائنة في حال اجتماعهما . ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ بدل من الذي قبله.
﴿أَنْ إِذَا سَمِعْنٌ﴾ أن: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه، وهي مع
الفعل في تأويل المصدر مفعول: نزل، على من قرأها بالفتح، وفي موضع نائب
فاعل على قراءة من قرأ نُزِّل بضم النون والتشديد.
٣٣٠
الُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ أي أمثالهم، وقد يأتي مثل أيضاً للاثنين والجماعة، كما
يأتي للواحد، قال الله تعالى: ﴿أَثُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾
البلاغة:
﴿ءَامَنُواْ﴾ و﴿كَفَرُواْ﴾ طباق.
جَامِعُ﴾ ﴿ جَمیعًا﴾ جناس اشتقاق.
﴿بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ﴾ أسلوب تهكمي، لاستعمال لفظ البشارة مكان الإنذار
تهکماً.
أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ استفهام إنكاري، قصد منه التقريع والتوبيخ.
المفردات اللغوية:
﴿بَشْرِ﴾ يا محمد أي أنذر، واستعمل البشارة مكان الإنذار تهكماً ﴿عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ مؤلماً هو عذاب النار ﴿أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ أولياء جمع ولي: وهو
الناصر والمعين، واتخذوهم أولياء لما يتوهمون فيهم من القوة.
[أَيَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، أي لا يجدونها عندهم. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ في
الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ﴾ القرآن
﴿وَيَتِ اُللَّهِ﴾ القرآن ﴿فَلَا نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ أي مع الكافرين والمستهزئين.
﴿حَتَّى يَخُوضُواْ﴾ يتحدثوا بحديث آخر.
يَتَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ينتظرون بكم الدوائر، أي ينتظرون وقوع أمر بكم.
﴿فَتْحٌ﴾ ظفر وغنيمة ﴿أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدين والجهاد، فأعطونا من
الغنيمة ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ﴾ نصيب من الظفر عليكم ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾
نغلبكم ونتمكن من أخذكم وقتلكم، فأبقينا عليكم، والمراد: ألم نغلبكم
ونتمكن من قتلكم، فأبقينا عليكم . ﴿وَنَمْنَعَّكُمْ﴾ وألم نمنعكم من المؤمنين أن
يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم، فلنا عليكم المنّة.
٣٣١
لُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ وبينهم ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ بأن يدخلكم الجنة،
ويدخلهم النار.﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ طريقاً
بالاستئصال في الدنيا، قال ابن كثير: وذلك بأن يسلطوا عليهم استيلاءَ
استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس،
فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة (١)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١/٤٠].
المناسبة:
لما أمر الله في الآية السابقة بالإيمان بالله والرسول والكتب المنزلة، ناسب
أن يذكر صنفين خارجين عن الإيمان: الصنف الأول - وهم الذين آمنوا في
الظاهر نفاقاً ثم عادوا إلى الكفر وماتوا على ضلالهم، فلا توبة لهم بعد الموت
ولا يغفر الله لهم. والصنف الثاني - وهم جماعة المنافقين الذين بقوا متظاهرين
بالإسلام وتعاطفوا مع الكفار، وهؤلاء لهم عذاب مؤلم في نار جهنم.
التفسير والبيان:
إن هؤلاء الذين أعلنوا إيمانهم، ثم عادوا إلى الكفر، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم
تغالوا وتمادوا في الكفر، ثم ماتوا على كفرهم، فلا مغفرة لهم، ولن يهتدوا إلى
الخير. أي إن الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار
عليه، وفقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان، ولم يحاولوا الثبات على الهداية،
لن يظفروا أبداً بمغفرة الله ورحمته وإحسانه ورضوانه، ولن يهتدوا بعد هذا
التردد إلى الجنة وما فيها من خير وفلاح وسعادة، إذ لم تحدث منهم توبة في
حال الحياة، وظلوا على كفرهم وطغيانهم ومعاداتهم للإسلام حتى الموت.
(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٧
٣٣٢
اِلُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
بشر أي أنذر يا محمد المنافقين من هؤلاء وغيرهم الذين كانوا يميلون مع
الكفرة ويوالونهم بالعذاب المؤلم الذي لا يعرف قدره في نار جهنم.
ومن صفاتهم أنهم كانوا يتخذون الكافرين أولياء وأنصاراً وأعواناً،
ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها، ظناً منهم أن الغلبة ستكون للكافرين،
ولم يدروا أن العاقبة للمتقين؛ لأن الله معهم.
ثم أنكر الله عليهم وو بخهم فذكر أنهم إن كانوا بذلك يطلبون العزة أي
القوة والمنعة عند هؤلاء، فقد أخطؤوا؛ لأن العزة لله في الدنيا والآخرة، وهو
يؤتيها من يشاء، والمراد أن العزة تكون في النهاية لأولياء الله الذين كتب لهم
العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[المنافقون: ٨/٦٣] قال ابن عباس: ﴿أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمْ﴾ يريد بني قينقاع، فإن
ابن أُبيّ كان يواليهم.
ثم نهى الله المؤمنين جميعاً سواء كانوا صادقي الإيمان أو متظاهرين به وهم
المنافقون عن الجلوس في مجالس الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله، فلا
تسمعوا لهؤلاء ولا تقعدوا معهم حتى يتكلموا في حديث آخر، فإنكم إن قعدتم
معهم، كنتم شركاء لهم في الكفر؛ لرضاكم بكلامهم. وهذا مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾
[الأنعام: ٦٨/٦] وسبب النهي أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في
مجالسهم، فيستهزئون به، فنُهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين
فيه. وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا
معهم، كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين
في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذن مثل الأحبار في
الكفر.
وفي هذا إيماء إلى أن الساكت عن المنكر شريك في الإثم.
٣٣٣
الُ (٥) - الشَّاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
ثم أوضح الله تعالى عاقبة الجميع، فقرر أن الله تعالى جامع المنافقين
والكافرين جميعاً في جهنم، يعني القاعدين والمقعود معهم، فإنهم كما اجتمعوا
على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا، سيجتمعون في العقاب يوم القيامة؛ لأن
من رضي بالشيء حكمه حكم المرتكب له تماماً.
ثم بَيَّن الله تعالى بعض أحوال المنافقين: وهي أنهم ينتظرون ما يحدث
للمؤمنين من خير أو شر.
فإن كان للمؤمنين نصر من الله وفتح أو غنيمة، قالوا زاعمين: إنا كنا
معكم مؤيدين ومظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة، وشاركونا في القسمة
المستحقة لنا.
وإن كان للكافرين نصيب من الظفر، كما حصل يوم أحد، قالوا لهم: ألم
نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم، وكنا عوناً لكم على
المؤمنين نمنعهم عنكم بأن ثبَّطناهم عنكم، وألقينا في قلوبهم الرعب والخوف،
فأحجموا عن قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيباً لنا مما
أصبتم.
والسبب في تسمية ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً: هو تعظيم
شأن المسلمين، وتخسيس حظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح
لهم أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا
حظ دني، ولمظة من الدنيا يصيبونها، كما قال الزمخشري(١).
ثم حسم الله الموقف بين المؤمنين والمنافقين فقال: فالله يحكم بينكم أيها
المؤمنون الصادقون والمنافقون الكاذبون، يوم القيامة، فيجازي كلاً على
عمله، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المنافقين النار.
(١) الكشاف: ٤٣١/١
٣٣٤
لُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
ثم قطع الله تعالى أي أمل يتعلق به الواهمون المنافقون فقال: ولن يمكّن الله
الكافرين من استئصال شأفة المؤمنين بالكلية ما داموا متمسكين بشرع الله
ودينه، وإن حصل لهم ظفر أحياناً فهو نصر موقوت؛ لأن العاقبة للمتقين في
الدنيا والآخرة: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧/٣٠]، ﴿إِن
نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧/٤٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إذا آمن الكافر غفر له كفره السابق، فإذا رجع فكفر، لم يغفر له الكفر
الأول، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال أناس
لرسول الله وَله: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أمَّا من
أحسن منكم في الإسلام، فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية
والإسلام)) وفي رواية: ((ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)) والإساءة
هنا بمعنى الكفر؛ إذ لا يصح أن يراد هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا
يهدم الإسلام ما سبق قبله، إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلى حين موته،
وذلك باطل بالإجماع(١).
٢ - في هذه الآية ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ رد على أهل القدر؛ فإن الله تعالى
بَيَّن أنه لا يهدي الكافرين طريقَ خير، ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله
تعالى، ويُحرَم الهدى بإرادة الله تعالى أيضاً.
(١) دليل الإجماع قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:
٣٨/٨] والحديث الذي رواه مسلم عن عمرو بن العاص بلفظ ((أما علمت أن الإسلام يهدم
ما كان قبله)».
٣٣٥
لُ (٥) - الَشَاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
٣ - تضمنت الآية أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ حكم المرتدين،
وأن الردة تحبط الأعمال.
٤ - العذاب الأليم مستحق للمنافقين لا محالة بإخبار الله تعالى، وخبر الله
لا يتغير.
٥ - قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ فيه دليل على أن من
عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق؛ لأنه لا يتولى الكفار.
وتضمنت الآية المنع من موالاة الكفار، وأن يتخذوا أعواناً على الأعمال
المتعلقة بالدين. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً من المشركين
◌َحِقِ بالنبيِ نَّ يقاتل معه، فقال له: ((ارجع فإنا لا نستعين بمشرك))(١).
٦ - العزة أي الغلبة والقوة الحقيقية التامة لله عز وجل.
٧ - يحرم الجلوس في مجالس الكفرة الذين يستهزئون بآيات الله (القرآن)
والخطاب في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ﴾ عام لجميع من أظهر
الإيمان من يُحِقّ ومنافق؛ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب
الله. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن.
ودل قوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهٍِ﴾ - أي
غير الكفر - ﴿ إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ﴾ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا
ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهمٍ فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في مجلس معصية، ولم
ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا
بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم،
حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
(١) رواه أحمد وأبو داود عن عائشة بلفظ: ((إنا لا نستعين بمشرك)).
٣٣٦
لِزُ (٥) - الشَّاءِ: ١٣٧/٤-١٤١
وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.
٨ - موقف المنافقين موقف ضعيف يستدعي العجب والسخرية والطرد من
الجانبين: فإنهم كانوا يطمعون في غنائم المسلمين متذرعين بأنهم مظاهرون لهم
ومؤيدون جهادهم. وكذلك كانوا يطمعون في غنائم الكفار متذرعين بأنهم
دافعوا عنهم وخذلوا عنهم المسلمين، حتى هابهم المسلمون.
والآية: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في
الغزوات مع المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟ وتدل على أنهم
كانوا لا يعطونهم الغنيمة، ولذا طالبوها وقالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟
ويحتمل أن يريدوا بقولهم: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ الامتنان على المسلمين، أي
كنا نعلمكم بأخبارهم، وكنا أنصاراً لكم(١).
٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ذكر ابن
العربي وتابعه القرطبي (٢) في تأويله خمسة أوجه:
منها: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً منه إلا أن
تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة، فيكون
تسليط العدوّ من قبلكم. قال ابن العربي: وهذا نفيس جداً.
ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة. ومنها: أن هذا يوم القيامة وقد رجحه
الطبري، وضعفه ابن العربي لعدم فائدة الخبر فيه.
ومنها - الذي رجحته وهو أن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً
يمحو به دولةَ المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بَيْضتهم، كما جاء في
(١) تفسير القرطبي: ٤١٩/٥
(٢) المرجع السابق، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٠٩/١ وما بعدها.
٣٣٧
لِلُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
صحيح مسلم عن ثوبان عن النبيِ وَّه قال (( ... ودعوتُ ربي ألا يُسلِّط عليهم
عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم)) أي ساحتهم.
قال الجصاص في قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾:
ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج؛ لأن عقد النكاح
يثبت عليها للزوج سبيلاً في إمساكها في بيته، وتأديبها، ومنعها من الخروج،
وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ
عَلَى النِّسَاءِ﴾ فاقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ﴾ وقوع الفرقة بردة الزوج،
وزوال سبيله عليها؛ لأنه ما دام النكاح باقياً، فحقوقه ثابتة، وسبيله باق
عليها(١).
مواقف أخرى للمنافقين وعقابهم
والنهي عن موالاة الكافرين
﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ
مُذَبِّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى
كُسَالَى يُوَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
لَا نَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَّ أَتْرِدُونَ أَن تَّجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ
سُلْطَانًا مُّبِينًا ﴿ إِنَّ اٌلْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ
١٤٥٦
مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٢) مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ
بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
القراءات:
﴿فِيِ الذَّرْكِ﴾: قرئ:
(١) أحكام القرآن: ٢٩٠/١
٣٣٨
الُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
١- في (الدَّرْك) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (في الدَّرَك)، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
كُسَالَى﴾ جمع كسلان، وهو حال منصوب من واو ﴿قَامُواْ﴾ وكذلك
قوله: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ﴾.
﴿ ◌ُّذَبْذَبِينَ﴾ منصوب من وجهين: أحدهما - أن يكون منصوباً على الذم
بفعل مقدر، تقديره: أذم مذبذبين. والثاني - أن يكون منصوباً على الحال من
واو ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
﴿مَّا يَفْعَلُ﴾ ما: فيها وجهان: أحدهما - أن تكون استفهامية في موضع
نصب بـ ﴿يَفْعَلُ﴾ وتقديره: أيّ شيء يفعل بعذابكم؟ والثاني - أن تكون
((ما)) نفياً، فلا يكون لها موضع من الإعراب. قال ابن الأنباري: والوجه
الأول أوجه الوجهين، وحذف الياء من ﴿يُؤْتِ﴾ في المصحف تخفيفاً.
البلاغة:
في ﴿يُخَدِعُونَ﴾ و﴿خَدِعُهُمْ﴾ وفي ﴿شَكَرْتُمْ﴾ و﴿شَاكِرًا﴾ جناس
اشتقاق. وقوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا
يعذبكم ما دمتم شكرتم نعم الله وآمنتم به.
المفردات اللغوية:
﴿ يُخَدِعُونَ اللَّهَ﴾ بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر، فيدفعون عنهم
أحكامه الدنيوية. من الخداع: وهو إيهام غيرك خلاف حقيقة الشيء. ﴿وَهُوَ
خَدِعُهُمْ﴾ مجازيهم على خداعهم، فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما
أبطنوه، ويعاقبون في الآخرة . ﴿كُسَالَى﴾ جمع كسلان وهو المتثاقل المتباطئ.
٣٣٩
اِلُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
(يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ بصلاتهم، أي يقصدون بعملهم الظهور للناس ليحمدوهم
عليه، وهم في داخلهم غير مقتنعين بما يعملون . ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ﴾ أي ولا
يصلون. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي رياء . ﴿مُّذَبِذَبِينَ﴾ مترددين. ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بين الكفر
والإيمان. ﴿لَآَ إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾ لا منسوبين إلى الكفار. ﴿وَلََّ إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ولا إلى
المؤمنين. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى الهدى.
(سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ حجة قوية ظاهرة أو برهاناً بيِّناً على نفاقكم. ﴿الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ﴾ الدرك: المكان، والأسفل من النار: هو قعرها.﴿وَلَنَ تَجِدَ لَهُمْ
نَصِيرًا﴾ مانعاً من العذاب. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ من النفاق. ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾
عملهم . ﴿وَأُعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ﴾ ووثقوا بالله. ﴿وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ من الرياء.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الآخرة وهو الجنة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لأعمال المؤمنين
بالإثابة عليها . ﴿عَلِيمًا﴾ بخلقه.
المناسبة:
الآيات مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم.
التفسير والبيان:
إن المنافقين لجهلهم، وسذاجتهم، وقلة علمهم وعقلهم ومرضهم النفسي،
وسوء تقديرهم يلجؤون إلى الخداع، فيفعلون ما يفعل المخادع من إظهار
الإيمان وإبطان الكفر، كما تقدم في أول سورة البقرة: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ الآية [٩] ولا شك بأن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر،
ولكنهم يظنون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة
ظاهراً، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم یروج عنده،
كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة
والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَتُهُمُ اللَّهُ
جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨/٥٨].
.
٣٤٠
الُ (٥) - النِّشَّاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة
للفظ الأول، مثل ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠/٨]. أو وهو فاعل بهم
ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم تطبق عليهم أحكام الشريعة في
الظاهر، معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من
النار في الآخرة، ولم يُخْلِهم في الدنيا العاجلة من فضيحة وإحلال بأس ونقمة
ورعب دائم. وقد يخذلهم في الآخرة أمام الناس، فيعطون على الصراط نوراً،
كما يعطى المؤمنون، ثم يطفأ نورهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن نُّوْرِكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَيِشْسَ
الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥/٥٧].
وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس: ((من سَّع سَمع الله به،
ومن رايا رايا الله به)) قال ابن عباس: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم نوراً يوم
القيامة يمشون به مع المسلمين، فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم، وبقوا
في ظلمة، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ.
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧/٢].
﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ أي متباطئين متثاقلين؛ إذ لا إيمان
يدفعهم إليها، ولا نية لهم فيها، ولا يعقلون معناها. هذه صفة ظواهرهم.
ثم ذكر الله تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ بها، أي
لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يريدون أن يراهم الناس تقية لهم
ومصانعة، ويقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولهذا يتخلفون كثيراً عن
الصلاة التي لا يُرون فيها غالباً كصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما ثبت في
الصحيحين أن رسول الله وَالله قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة
العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً .. )) الحديث.
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي في صلاتهم لا يخشون، ولا يدرون ما