Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ الُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣ الأوّل - قال أبو حنيفة: العمد: ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد(١). الثاني - قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثلُه. الثالث - قال الشافعي: ما كان عمداً في الضرب، خطأ في القتل، أي ما كان ضرباً لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل. وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعاً، وأما العمد: فما كان عمداً فيهما جميعاً. ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل؛ لأن نّة القاتل لا اطلاع لنا عليها، فأقيمت الآلة مقام النّة. وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ. واختلفوا في الدِّية المغلظة على القتل شبه العمد: فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه، فيما يقول فيه بشبه العمد، وهو قتل الوالد ولده: هي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة(٢). وقال أبو حنيفة: هي مربّعة: ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جِذاع، وربع بنات مخاض. ودية شبه العمد عند الحنفية والشافعية والحنابلة على العاقلة (القرابة من جهة الأب). ولا تحمل العاقلة دية العمد، وإنها في مال الجاني. (١) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٢٢٨/١ وما بعدها. (٢) الحقّة: إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة، والجذعة: إذا دخلت في السنة الخامسة. والخلفة: الحامل. وابنة المخاض: ما كان لسنة، وابنة اللبون: ما كان لسنتين. ٢٢٢ لُعُ (٥) - التَّةِ: ٩٤/٤ وهل تجب الكفارة في القتل العمد؟ أجمعوا على وجوب الكفارة على القاتل خطأ، واختلفوا في وجوبها على قاتل العمد، فلم يوجبها الجمهور؛ لأنه لا قياس في الكفارات، واقتصر النّص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبراً للذنب غير المقصود(١). وأوجبها الشافعي في العمد وفي شبه العمد وفي الخطأ؛ لأن الذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج إليها لتكفير الخطيئة. وإذا اشترك جماعة في القتل الخطأ، وجبت الكفارة على كل واحد منهم باتِّفاق المذاهب الأربعة. الحرص على السلام والتَّثبُّت في الأحكام ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرٌ كَذَلِكَ كُنْتُم ◌ِن قَبْلُ فَمَرَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ ج إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ٩٤٦ القراءات: ﴿مُؤْمِنًا﴾: وقرأ ورش السوسي، وحمزة وقفاً: (مومناً). الإعراب: ﴿تَبْتَغُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿نَقُولُواْ﴾ أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. (١) الجصاص، المرجع السابق: ٢٤٥/١ ٢٢٣ الُُ (٥) - النَِّتَّاءِ: ٩٤/٤ البلاغة: ﴿إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استعارتان: استعار الضرب للسعي في جهاد الأعداء، واستعار السبيل لدين الله. المفردات اللغوية: ﴿ضَرَبِّتُمْ﴾ في الأرض: سافرتم للتجارة، وفي سبيل الله: سافرتم للجهاد ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لجهاد الأعداء. ﴿فَتَبَيِّنُواْ﴾ وفي قراءة: فتثَبَّتوا، والمراد تحققوا من الأمر ولا تتسرعوا في الحكم . ﴿السَّلَمَ﴾ أي التّحية، أو الاستسلام والانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام. ﴿عَرَضَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي متاعها الفاني من الغنيمة. ﴿مَغَانِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي أرزاق ونعم كثيرة تغنيكم عن قتل شخص لماله. ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد النطق بالشهادة. ﴿فَمَرِيَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة. ﴿فَتَبَيِّنُواْ﴾ أن تقتلوا مؤمناً، وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به. سبب النزول: اً - روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم بنفر من أصحاب النَّبِي وََّ، وهو يسوق غنماً له، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيِ وََّ، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَيْتُمْ﴾ الآية. أَ - وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال: بعث رسول الله وَالد سريّة فيها المقداد، فلما أتوا القوم، وجدهم قد تفرّقوا، وبقي رجل له مال ٢٢٤ لُ (٥) - الِشَكّاءِ: ٩٤/٤ كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النَّي وَلِّ: (كيف لك بلا إله إلا الله غداً؟)» وأنزل الله هذه الآية. ◌َّ - وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله وَلل في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومُحُلّم بن جَثَّامة، فمرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلّم علينا، فحمل عليه مُحلِّم، فقتله، فلما قدمنا على النَّبِي وََّ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه. ٤ - وروى الثعلبي عن ابن عباس أن اسم المقتول مِرداس بن نَهيك الغطفاني من أهل فَدَك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السّريّة غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلما رجعوا نزلت الآية. ولا مانع من تعدد أسباب النزول، سواء بعد إعلان صاحب الغنم التحية الإسلامية (كما في رقم ١، ٣) أو اتِّقاءً للسلاح في الحرب، وكان القاتل المقداد (رقم ٢) أو مُحُلِّم (رقم ٣) أو أسامة (رقم ٤)، وكان النَّبِي ◌َّ يقرأ الآية على أصحاب كل واقعة. قال القرطبي: الذي عليه الأكثر وهو في سِيَر ابن إسحاق ومصنّف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر: أن القاتل ◌ُحلِّم بن جَثَّامة، والمقتول عامر بن الأضبط. المناسبة: هذا بيان نوع من أنواع القتل الخطأ الذي كان يحصل في الماضي بسبب قيام ٢٢٥ لِلُ (٥) - النَّاءِ: ٩٤/٤ حالة الحرب أو الحرب نفسها مع المشركين، وفيه تسرّع بالحكم بعدم الإسلام على الرجل، بعد أن بيَّن الله تعالى في الآية السابقة حكم نوعي القتل: الخطأ والعمد. وذكر القرطبي أن هذه الآية متصلة بذكر القتل والجهاد في الآيات السابقة. التفسير والبيان: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله إذا سرتم لجهاد الأعداء، ورأيتم من تشكّون أهو مسلم أم كافر، مسالم أم محارب، فتمهّلوا في الحكم عليه، وتبيَّنوا حقيقة أمره، أهو مؤمن لتحيته لكم بالسّلام أو نطقه بالشهادتين، ولا تعجلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه مسلم: إنك لست مؤمناً، فأنتم مأمورون بالعمل بالظاهر، والله أعلم بأمره. تبتغون بذلك الحصول على متاع الحياة الدُّنيا ومغامها الفانية الزائلة، فعند الله أرزاق كثيرة ونِعَم وأفضال لا تحصى، وعنده خزائن السماوات والأرض، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم، ولا يصح منكم ولا يليق بكم أن تفعلوا هذا الفعل، وتتسرّعوا في الحكم على ما في قلوب الناس، وتتهموهم بالمصانعة والتَّقيّة، والخوف من السيف. على أنكم نسيتم حالكم، فكنتم هكذا من قبل، آمنتم سرّاً، وكنتم تخفون إيمانكم من المشركين، ثم أظهرتم الإسلام علناً، وهذا حال من قتلتموه، كان يسُّ إيمانه ويخفيه من قومه، وكما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ تُسْتَضْعَفُونَ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦/٨]، فمنَّ الله عليكم أي فصرتم آمنين مطمئنين وفي عداد المؤمنين، ومنَّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان، وبإعزاز دينه وتقوية شوكة الإسلام، وبقبول توبة المتسرع في القتل، فحلف أسامة لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل. قال الزمخشري في تفسير ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾: أول ما دخلتم في الإسلام، سمعت ٢٢٦ الُهُ (٥) - النَّاءِ: ٩٤/٤ من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم، من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم الألسنتكم (١). ثم أكّد الله تعالى وجوب التَّبيُّن، فأمر أن يكونوا على بيِّنة من الأمر الذي يقدمون عليه بأدلّة ظاهرة وقرائن كافية، وألا يأخذوا بالظن السريع، وإنما عليهم التدبُّر، حتى يظهر الأمر، فإن الحكم بالإيمان يكفي فيه مجرد ظاهر الحال، أما القتل فلا بدّ فيه من غلبة الظّنّ الراجح على البقاء على حال الكفر، وعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في الكفّ عن القتل والقتال. إن الله تعالى خبير بأعمالكم، مطّلع على أحوالكم، ونيَّتكم ومقاصدكم، وسيجازيكم عليها، وهذا تهديد ووعيد وتحذير من تكرار التّورُّط في مثل هذا الخطأ، فلا تتهافتوا في القتل، وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية محصور في ضرورة التَّثُبُّت في الأحكام وعدم التَّسرُّع في أمر القتل، لخطورته، وأنه يكتفى في الحكم على الشخص بالإسلام بالنّطق بالشهادتين في الظاهر، دون حاجة للكشف عما في القلب واستبطان الحقيقة والواقع، فذلك ليس من شأن البشر، وإنما أمر القلوب متروك لعلام الغيوب، وهذا مناسب للرّواية التالية: المشهور في سبب نزول هذه الآية ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ◌َّةٍ في سَرِيَّة، فصبَّحنا الْخُرَقات(٢) من جُهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للَّبِي بَيّ، (١) الكشاف: ٤١٨/١ (٢) الحرقات: موضع ببلاد جهينة. ٢٢٧ لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٤/٤ فقال رسول الله وَله: ((أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟)) قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: ((أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟!)). وروي عن أسامة أنه قال: إن رسول الله ﴿ ﴿ استغفر لي بعدُ ثلاث مرات، وقال: ((أعتق رقبة)) ولم يحكم بقصاص ولا دية (١) .. أما الفقهاء فقالوا: إذا قتله في هذه الحالة قُتِل به، وإنما لم يُقتل أسامة؛ لأنه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوِّذاً وخوفاً من السلاح، وإن العاصم قولها مطمئناً، فأخبر النَّبي ◌َّ أنه عاصم كيفما قالها، فقال عليه الصّلاة والسّلام في الحديث المتواتر: ((أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))، ولذلك قال لأسامة: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!)) أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبقَ إلا أن يبين عنه لسانه. والمراد من الحديث: ((أُمرت أن أُقاتل الناس)) هم مشركو العرب دون اليهود والنصارى فإنهم يقولون: لا إله إلا الله، فلا بدّ فيهم من إعلان الاعتراف بنبوّة النَّبي ◌َّ . وفي هذا من الفقه حكم عظيم: وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر، لا على القطع واطلاع السرائر(٢). وإذا فشر قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ بالتّحية، فلا مانع أيضاً؛ لأن سلامه بتحيّة الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والتّرك. فإن قال: سلام عليكم، فلا ينبغي أن يقتل أيضاً حتى يعلم ما وراء هذا؛ لأنه موضع إشكال. ولا يكفي في رأي مالك أن يقول: أنا مسلم أو أنا مؤمن، أو أن يصلِي، حتى يتكلم (١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٤٨/١ (٢) تفسير القرطبي: ٣٢٤/٥، ٣٣٨-٣٣٩ ٢٢٨ لُ (٥) - النَشَاءِ: ٩٥/٤-٩٦ بالكلمة العاصمة التي علَّق النَّبِي وَّ الحكم بها عليه في قوله: ((أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))(١). أي إن الكلمة الفاصلة بعد التحية بالسَّلام أو برؤيته يصلي هو أن يقول: لا إله إلا الله. وهذا في شأن إنهاء الحرب ومنع القتل والقتال، فيكتفى بالحكم بالظاهر، وليس في قضية أن الإيمان هو الإقرار فقط، كما حاول بعضهم الاستدلال بالآية، وإنما حقيقة الإيمان: التّصديق بالقلب، بدليل أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول: ((لا إله إلا الله)) وليسوا بمؤمنين. وفي الآية نصّ صريح على أن هدف المؤمنين من الجهاد كما شرع الله هو إعلاء كلمة الله تعالى، لا من أجل التّوصل إلى المغانم الحربية أو العروض الدُّنيوية أو المكاسب المادية، فإن الله وعد بالرِّزق والمغانم الكثيرة من طرق أخرى حلال دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا. التفاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً ٩٥ ٩٦٦ وَرَحْمَةُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا القراءات: ﴿غَيْرٌ﴾: قرئ: ١- برفع الراء، على الصفة، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة. (١) المرجع السابق: ٣٣٩/٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٤٨١/١ وما بعدها. لُعُ (٥) - النَّةِ: ٩٥/٤-٩٦ ٢٢٩ ٢- بنصبها، على الاستثناء، وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ غير: بدل مرفوع من ﴿اٌلْفَعِدُونَ﴾ أو وصف لهم؛ لأنهم غير معينين، فجاز أن يوصفوا بغير. وقرئ بالجر على أنه بدل من ﴿اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ أو وصف لهم، وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال من ﴿اُلْفَعِدِينَ﴾. ﴿وَكُلَّا وَعَدَ﴾ كلاً: منصوب بوعد، وكذلك الحسنى: منصوب به؛ لأن ﴿وَعَدَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، تقول وعدت زيداً خيراً وشراً، وقال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحج: ٧٢/٢٢]. ﴿أَجْرًا﴾ إما منصوب بفضَّل، أو منصوب على المصدر. ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ منصوب على البدل من ﴿أَجْرًا﴾ وتقديره: أجر درجات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ﴾ مصدران منصوبان بفعلين مقدرين، والتقدير: وغفر لهم مغفرةً، ورحمهم رحمةً. البلاغة: إطناب في قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ اُلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ المفردات اللغوية: ﴿الضَّرَرِ﴾ المرض والعلة التي تمنع صاحبها من الجهاد كالعمى والعرج والزمانة ونحوها. ﴿دَرَجَةٌ﴾ فضيلة، لاستوائهما في النية، وزيادة المجاهدين بمباشرة القتال. ﴿اَلْمُسْنَى﴾ الجنة. : ٢٣٠ الجُزُ (٥) - النَِّّاءِ: ٩٥/٤ -٩٦ ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة للمجاهدين على القاعدين ﴿غَفُورًا﴾ لأوليائه ﴿رَّحِيمًا﴾ بأهل طاعته. سبب النزول: روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ◌َّلي: ادع فلاناً فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله)) وخلف النبي وَل ابن أم مكتوم فقال: يارسول الله: أنا ضرير فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِى اُلْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ﴾. وروى الترمذي نحوه من حديث ابن عباس وفيه: قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان. هذا بيان سبب إضافة ﴿غَيِّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. وقال السيوطي: قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾ نزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار، وكان نزولها في غزوة بدر. المناسبة: هذه الآية تبين فضيلة الجهاد وتمييز المجاهدين عن القاعدين، بعد أن عاتب الله المؤمنين على ماصدر منهم من القتل الخطأ لمن نطق بالشهادة. التفسير والبيان: لا يتساوى القاعدون من المؤمنين عن الجهاد، كقعود جماعة عن بدر، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم التي يبذلونها في سبيل مرضاة الله بمنع عدوان الطغاة، وإقرار الحق والدفاع عنه، كجهاد الخارجين إلى بدر في مبدأ الإسلام بعد الهجرة. لكن استثنى سبحانه وتعالى من التكليف بفريضة الجهاد أصحاب الأعذار ٢٣١ المُ (٥) - الْشَكَاءِ: ٩٥/٤-٩٦ وهم أولو الضرر أي المرض ونحوه من العمى والعرج، فأصبح ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فلا لوم ولا عتاب لهم لتوافر نياتهم الطيبة بالجهاد عند القدرة، روى البخاري وأحمد وأبو داود أن رسول الله معلول قال عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك: ((إن بالمدينة أقواماً ماسرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يارسول الله: وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة، حبسهم العذر)). ثم أخبر الله تعالى عن فضيلة المجاهدين على غير أولي الضرر القاعدين عن الجهاد: وهي أن الله رفع المجاهدين درجة لا يعرف قدرها: في الدنيا بالظفر والنصر والسمعة الحسنة والغنيمة، وفي الآخرة بمنزلة عالية في الجنة، وأجر عظيم أو جزيل. ووعد الله كلاً ممن جاهد وقعد عن الجهاد لعذر أو عجز مع تمني الجهاد: الحسنى وهي الجنة والجزاء الجزيل، لكمال إيمان الفريقين وإخلاص نيته وعمله. قال ابن كثير: وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض كفاية (١). ثم أخبر سبحانه عما فضل به المجاهدين بإطلاق على القاعدين من غير أولي الضرر من الدرجات، وهو الأجر العظيم. وذلك الأجر العظيم هو الدرجات العالية أي المنازل الرفيعة في غرف الجنان العاليات، التي يصعب في تقدير الناس في الدنيا حصرها وعدها، كما قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ - (١) تفسير ابن كثير: ٥٤١/١ ٢٣٢ لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٥/٤-٩٦ [الإسراء: ٢١/١٧] والتفاضل في الدرجات مبني على مدى قوة تَفْضِيلًا الإيمان، وإيثار رضا الله على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَله قال: ((إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض)) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((من رمى بسهم فله أجره درجة)) فقال رجل: يارسول الله، وما الدرجة؟ فقال: ((أما إنها ليست بعتبة أمك، مابين الدرجتين مئة عام)) (١). والأجر أيضاً مغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات وهي ما يخصهم به الرحمن زيادة على المغفرة من فضله وإحسانه، إحساناً منه وتكريماً، وكان شأن الله وصفته الدائمة الملازمة له المغفرة لمن يستحقها، والرحمة لمن يستوجبها عقلاً، ولكنها متروكة للفضل الإلهي. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على مايأتي: اً - لا تساوي بداهة وطبعاً وشرعاً بين القاعدين عن الجهاد من غير أولي الضرر (أصحاب الأعذار من زمانة وعرج وعمى ونحوها) وبين المجاهدين الذين يبذلون أنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل مرضاة الله. ومعنى الآية: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء مع المجاهدين. قال العلماء: أهل الضرر: هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم العاهة حتى منعتهم الجهاد. وقد دل الحديث المتقدم: ((إن بالمدينة رجالاً)) على أن صاحب (١) تفسير ابن كثير: ٥٤١/١ ٢٣٣ لُ (٥) - الْشَاءِ: ٩٥/٤-٩٦ العذر يعطى أجر الغازي. فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساوياً، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. قال القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: ((إن بالمدينة رجالاً))(١). اً - تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجراً من أهل التطوع؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملِّكين بالعطاء، ويُصرّفون في الشدائد، وتروّعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف (الغزو في الصيف) الكبار ونحوها. ٣ - احتج بعضهم أيضاً بهذه الآية على أن الغنى أفضل من الفقر؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وعلى كل للعلماء آراء ثلاثة في هذه المسألة: فذهب قوم إلى تفضيل الغنى؛ لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. وهذا أولى لقولهم: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها أي مخالطتها والانخراط في شهواتها. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين: بأن يخرج عن حدّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. ◌َ - ﴿فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ ثم قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ فقال قوم: التفضيل بالدرجة، ثم بالدرجات إنما هو مبالغة (١) تفيسر القرطبي: ٣٤٢/٥ ٢٣٤ الجُزُحُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٧/٤-١٠٠ وبيان وتأكيد. وقيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين أصحاب الأعذار بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات. وقيل: إن معنى درجة: علوّ، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ، فهذا معنى درجة أي في الدنيا، ودرجات يعني في الجنة، والدرجات: منازل بعضها أعلى من بعض. هجرة المستضعفين ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِيّ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اُلْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَهُمْ جَهٌَّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمّ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٢٦) ٩٨ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا وَمَن يُّهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَّةٌ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ١٠٠) رَّحِيمًا القراءات: ﴿مَأْوَنُهُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم). الإعراب: ﴿ ظَالِمِىّ﴾ حال منصوب من الهاء والميم في ﴿تَوَفَّهُمُ﴾ وأصله: ظالمين أنفسهم، فحذفت النون للإضافة. ٢٣٥ الجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٧/٤-١٠٠ ﴿فِيمَ كُمْ﴾ فيم: جار ومجرور في موضع نصب خبر كنتم. و((ما)) هنا: استفهامية، ولهذا حذفت الألف منها لدخول حرف الجر عليها؛ لأن ((ما)) إذا دخل عليها حرف الجر حذفت ألفها تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وليُفرق بينها وبين ((ما)) التي بمعنى الذي، ليميز بين الخبر والاستفهام. ولم يحذفوا الألف من ((ما)) في الخبر إلا في موضع واحد وهو: ادع بم شئت، أي بالذي شئت. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مستثنى منصوب من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ﴾ وهو استثناء من مُوجب، فلهذا وجب فيه النصب. البلاغة: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ و﴿أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾: استفهام يراد به التوبيخ والتقريع. ويوجد جناس مغاير في ﴿يَعْفُوَ﴾ ﴿عَفُوًّا﴾ وفي ﴿يُهَاجِرْ﴾ ﴿مُهَاجِرًا﴾. ﴿تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ فيه إطلاق الجمع على الواحد؛ لأن المراد به ملك الموت، وذلك بقصد تفخيم شأنه. المفردات اللغوية: ﴿تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ أي قبضت أرواحهم حين الموت ﴿ظَالِيِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة ﴿قَالُواْ﴾ لهم موبخين: ﴿فِيمَ كُمْ﴾ أي في أي شيءٍ كنتم في أمر دينكم؟ ﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزين عن إقامة الدين ﴿مَأْوَهُمْ جَهَنٌَّ﴾ مسكنهم ﴿حِيلَةً﴾ لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة ﴿ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى أرض الهجرة ﴿مُرَغَمَا﴾ مُهاجراً أي مكاناً للهجرة ومأوى يجد فيه الخير، فيرغم بذلك أنوف من أذلوه ﴿وَقَعَ﴾ ثبت ووجب. سبب النزول: نزول الآية (٩٧): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ﴾: روى البخاري عن ابن عباس أن أناساً من المسلمين ٢٣٦ الُرُ (٥) - النِّشَّةِ: ٩٧/٤ -١٠٠ كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله وَلقول، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل المدينة قد أسلموا، وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين، فأَكْرِهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ الآية، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا، فلحق بهم المشركون، ففتنوهم فرجعوا فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠/٢٩] فكتب إليهم المسلمون بذلك، فتحزنوا، فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ [النحل: ١١٠/١٦] الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. سبب نزول الآية (١٠٠): ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله: احملوني، فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله وَلّر، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبيِ وَّ، فنزل الوحي: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا﴾ الآية. ويقال: كان جُنْدَب بن ضَمْرة من بني ليث من المستضعفين بمكة، وكان مريضاً، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة، قال: أخرجوني، فهيئ له فراش، ثم وضع عليه، وخرج به، فمات في الطريق بالتنعيم(١)، فأنزل الله فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا﴾ الآية(٢). (١) التنعيم: موضع قرب مكة في الحل، يعرف بمسجد عائشة، منه يحرم المعتمر بالعمرة. (٢) تفسير القرطبي: ٣٤٩/٥ ٢٣٧ الُ (٥) - النِّشَاءِ: ٩٧/٤-١٠٠ المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة تفضيل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير عذر، ذكر هنا حال قوم لم يهاجروا في سبيل الله، الاستضعاف الكفار لهم، مع أنهم ليسوا ضعفاء في الحق والواقع، فلا عذر لهم في ترك واجب الهجرة من مكة إلى المدينة حينما كان واجباً في صدر الإسلام، بسبب شدة أذى الكفار للمسلمين، وإلجائهم إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة مع النبي ◌َّر، فهاجر بعض المسلمين، وقعد بعضهم في مكة حباً لوطنه، وكان بعضهم مستضعفاً عجز عن الهجرة لمرض أو كبر أو جهل بالطريق، وبعضهم هاجر ومات في الطريق. التفسير والبيان: إن الذين تتوفاهم الملائكة حين انتهاء آجالهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم بترك الهجرة، ورضاهم الإقامة في دار الشرك، تقول لهم (أي للمتوفين) الملائكة توبيخاً لهم وتقريعاً: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ أي إنهم لم يكونوا في شيء منه، لقدرتهم على الهجرة ولم يها جروا. وهؤلاء كانوا ناساً من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فقالوا معتذرين عما وبخوا به بغير العذر الحقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، وهذه حجة واهية لم تقبلها الملائكة، فردوا عليهم المعذرة قائلين: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ المراد أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله ◌َر، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. ٢٣٨ الُعُ (٥) - الشَّاءِ: ٩٧/٤ -١٠٠ وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة شعائر دينه، أو علم أنه في غير بلده يكون أقوم بحق الله وأدوم على العبادة، حقت عليه المهاجرة. فإن كان يستطيع إقامة شعائر دينه كالمقيمين في عصرنا في أوربة وأمريكة، فلا تجب الهجرة عليهم، وإنما تسن، ويكره مقامهم في دار الكفر. عن النبي ◌َّ: ((من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً من الأرض، استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام. اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سبباً في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعکوفي عند بيتك بجوارك في دار كرامتك، ياواسع المغفرة))(١). فإن أولئك المقصرين عن القيام بالهجرة مسكنهم جهنم، لتركهم ماكان مفروضاً عليهم؛ لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الإسلام. وقُبُحت جهنم مصيراً لهم؛ لأن كل ما فيها يسوءهم. ثم استثنى الله تعالى من أهل الوعيد: المستضعفين حقيقة الذين لا يجدون لديهم قدرة على الخروج لفقرهم أو عجزهم أو هرمهم مثل عياش بن أبي ربيعة، وسلَمة بن هشام(٢)، ومن النساء أم الفضل والدة ابن عباس، ومن الولدان (وهم المراهقون الذين قاربوا البلوغ) ابن عباس المذكور وغيره. فهؤلاء لا يجدون قدرة على الهجرة إما للعجز كمرض أو زمانة، وإما (١) الكشاف: ٤١٩/١ (٢) ذكر ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله وَل و رفع يده بعدما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: ((اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً، من أيدي الكفار)). ٢٣٩ لُرُ (٥) - الْشَكّاءِ: ٩٧/٤-١٠٠ للفقر، ولا يهتدون طريقاً للجهل بمسالك الأرض، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلاً. والحقيقة أن الولدان لا يكونون إلا عاجزين عن الهجرة. فهؤلاء يرجى أن يعفو الله عنهم، ولا يؤاخذهم بترك الهجرة والإقامة في دار الشرك. وفي هذا إيماء إلى أن ترك الهجرة ذنب كبير. وكان شأن الله تعالى العفو عن الذنوب، والمغفرة بستر العيوب في الآخرة. وتساءل الزمخشري: لم قيل: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ بكلمة الإطماع؟ ثم أجاب قائلاً: للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى إن المضطر البيِّن الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره؟(١). ثم رغب الله تعالى في الهجرة تنشيطاً للمستضعفين فذكر: أن من يهاجر في سبيل الله، أي بقصد مرضاته وإقامة دينه كما يجب، يجد في أرض الله الواسعة مُرَاغَماً كثيراً أي مُهَاجراً (مكاناً للهجرة) وطريقاً يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب. ويجد مأوى فيه الخير والسعة، عدا النجاة من الذل والاضطهاد. فالمراغم الكثير: يعني المتزحزح عما يكره. والسعة: الرزق. وفي هذا وعد من الله للمهاجرين بتسهيل سبل العيش لهم وإرغام أعدائهم والنصر عليهم، وهو كله للترغيب في الهجرة. ثم وعد الله تعالى من يخرج من منزله بنية الهجرة تاركاً الوطن والأهل والمال، ثم يموت في أثناء الطريق قبل الوصول إلى المدينة، وعده بالأجر العظيم (١) الكشاف: ٤٢٠/١ ٢٤٠ لُعُ (٥) - النِّشَكَّةِ: ٩٧/٤ -١٠٠ والثواب عند الله على الهجرة أي وجب ثوابه عليه ووقع، وعلم الله كیف یثیبه. وكان شأن الله الغفران دائماً لهؤلاء المهاجرين، وإسباغ الرحمة الشاملة لهم بعطفه وإحسانه وفضله. ويؤكد هذا المعنى الحديث المشهور في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ماهاجر إليه)). وما أعظم الفرق بين هذا الوعد الصريح الأكيد من الله، وبين الوعد بالمغفرة لتاركي الهجرة لضعف أو عجز بأنه محل رجاء وطمع عند الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: المراد بهذه الآية في الأصح كما ذكر القرطبي: جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي وَّر الإيمان به، فلما هاجر النبي ◌ُّ أقاموا مع قومهم، وفُتِن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر، خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وبخ الله تعالى هؤلاء المتقاعسين عن الهجرة، وأرشدهم إلى أنهم كانوا متمكنين قادرين على الهجرة والابتعاد عمن كان يستضعفهم، وأنه لم يقبل عذرهم بكونهم مستضعفين حقيقة. وفي هذه الآية دليل على هِجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. أما المستضعفون حقيقة من زمنى الرجال وضعَفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام الذين دعا لهم الرسول و 8* بالنجاة، فهؤلاء يرجى لهم من الله العفو والمغفرة. ومن مات في أثناء الطريق إلى المدينة، فأجره حق ثابت عند الله، لصدق عزيمته، وإخلاص نیته.