Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
لُعُ (٥) - الشَّاءِ: ٨٣/٤
أو نطيع طاعة، أو أمرك طاعة، ثم يظهرون بسرعة نقيض ما يقولون. وهذا
موقف يأباه صغار الناس وجهالهم وسفهاؤهم، فقولهم ذلك أمام النبي ليس
بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، والعبرة بالنتائج، فثبت أن
الطاعة بالاعتقاد مع وجودها فعلاً.
ولم يحصد هؤلاء المنافقون من موقفهم هذا أي شيء، وإنما هو على العكس
كان سبب افتضاح شأنهم في الدنيا أمام الناس، وسبب دمارهم وإهلاكهم في
الآخرة؛ لأن الله تعالى يثبته في صحائف أعمالهم، ليجازيهم عليه.
لذا لا داعي للاهتمام بشأنهم، وقد أمر النبي ◌َّر بالإعراض عنهم،
وتفويض أمره إلى الله تعالى والتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، فهو
نعم المولى ونعم الوكيل.
٤ - وجوب تدبر القرآن لمعرفة معانيه، هذا أمر مفروض على كل مسلم،
ولا تكفيه التلاوة من غير تأمل ونظر في معانيه وأهدافه. وفيه دليل على الأمر
بالنظر والاستدلال، وإبطال التقليد في العقائد وأصول الدين. كما أن فيه
دليلاً على إثبات القياس.
٥ - ليس المراد من قوله ﴿اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ اختلاف ألفاظ القراءات
وألفاظ الأمثال والدلالات، ومقادير السور والآيات، وإنما أراد اختلاف
التناقض والتفاوت في المستوى البلاغي والنظم المعجز، وفي المعاني والأفكار،
وفي الأخبار والمغيبات، وفي أصول تنظيم الحياة.
إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى اُلرَّسُولِ
وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
٨٣٦
وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا
١٨٢
الزُعُ (٥) - النَشَاءِ: ٨٣/٤
الإعراب:
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ في هذا الاستثناء ستة أوجه ذكرها ابن الأنباري: ٢٦٢/١
وهي :
اً - أن يكون استثناء من قوله تعالى: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ﴾.
أَ - أن يكون استثناء من واو ﴿يَسْتَنْبِطُوْنَهُ﴾.
◌َّ - أن يكون استثناء من واو ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أي أذاعوا بالخبر.
٤ - أن يكون استثناء من هاء ﴿بِهِ﴾.
٥ - أن يكون استثناء من الهاء والميم في ﴿جَاءَهُمْ﴾.
أَ - أن يكون استثناء من الكاف والميم في ﴿عَلَيْكُمْ
وقيل: إلا قليلاً: منصوب؛ لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إلا اتباعاً
قليلاً، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الزمخشري: إلا قليلاً
منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ﴾ عن سرايا النبيِ نَّهُ بما حصل لهم ﴿مِّنَ اُلْأَمْنِ﴾
النصر. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ بالهزيمة. ﴿أَذَاعُواْ بِهِّ﴾ أفشوه وأشاعوه بين الناس.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي أرجعوا الخبر.
﴿أُوْلِ الْأَمْرِ﴾ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة، أي لو سكتوا عنه حتى
يخبروا به . ﴿لَعَلِمَهُ﴾ لعرفوا: هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا؟
﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ استنبط الماء: استخرجه من البئر، والمراد هنا: ما يستخرجه
١٨٣
الُعُ (٥) - النَّةِ: ٨٣/٤
الرجل العالم بفضل عقله وعلمه من الأفكار والأحكام وحلول القضايا. وهم
المذيعون منهم من الرسول وأولي الأمر. ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام.
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بالقرآن. ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ﴾ فيما يأمركم به من
الفواحش.
سبب النزول:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي وَلّ نساءه، دخلتُ
المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله قالټ نساءه،
فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه
الآية: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا
استنبطت ذلك الأمر.
قال ابن جرير الطبري: إن هذه الآية نزلت في الطائفة التي كانت تبيِّت غير
ما يقول لها الرسول أو تقول له. اهـ
وذكر السيوطي: نزلت الآية في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين
كانوا يفعلون ذلك، فتضعف قلوب المؤمنين، ويتأذى النبي وَل﴾.
والظاهر لدي ما يقوله السيوطي؛ فإن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات
إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيىء، وإما أن تكون من ضعاف
الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن. وربما كان موقف عمر أحد أسباب
النزول.
قال الزمخشري: هم ناس من ضعَفَة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة
بالأحوال، ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله
١٨٤
الُهُ (٥) - النَِّكَاءِ: ٨٣/٤
وَ له من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم
مفسدة(١).
المناسبة:
مناسبة الآية واضحة بالنسبة إلى ما قبلها، فإنه تعالى أمر بتدبر القرآن ووعيه
والتثبت من فهمه، وذلك مدعاة للتعلم بضرورة التثبت في كل شؤون الحياة،
كنقل الأخبار وغيرها.
التفسير والبيان:
هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها
وينشرها، وقد لا تكون صحيحة. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن
النبي وَّ قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)). وفي الصحيح: ((من
حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)) وفي الصحيحين عن
المغيرة بن شعبة: أن رسول الله مَ له((نهى عن قيل وقال)) أي الذي يكثر من
الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين. وفي سنن أبي
داود: ((بئس مطية الرجل: زعموا)).
معنى الآية: قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب)
من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة
لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر
منكر يضر بالمصلحة العامة.
لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة إلى قائد المسلمين وهو الرسول
وَله، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في
(١) الكشاف: ٤١٢/١
١٨٥
الجُ (٥) - الشَّاءِ: ٨٣/٤
الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من
استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم
وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومکایدها.
أما التحدث بكل ما نسمع، ونقل الأخبار من غير تثبت، ففيه ضرر
واضح بالدولة، لذا فإن كل الدول المعاصرة تفرض رقابة على الأخبار في
الصحف والإذاعة وغيرها، حتى لا تشوه المواقف وتستغل عقول الناس،
سواء في السلم أو في الحرب.
ثم امتن الله تعالى على صادقي الإيمان فعصمهم من الانزلاق في تلك
التيارات، فذكر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم
لطاعة الله والرسول، وأرشدكم إلى الرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح وهو
الرسول وأولو الأمر من الأمة، لاتبعتم وساوس الشيطان، أو لبقيتم على
الكفر - كما قال الزمخشري - إلا قليلاً منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً. وهي نظير
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:
٢١/٢٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
وجّهت الآية النصائح والإرشادات التالية:
اً - وجوب التثبت من الأخبار قبل روايتها وحكايتها، وضرورة الرقابة
العامة على الأخبار المعلنة، حفاظاً على أسرار الأمة ووحدتها، والعمل على
إبقائها قوية متماسكة متعاضدة، لا تتأثر بالدعايات الكاذبة والإشاعات
المغرضة.
أَ - أهل العلم والخبرة والقادة هم أولى الناس بالتحدث عن القضايا أو
الشؤون العامة، وهم أيضاً أهل الاجتهاد في الدين.
١٨٦
الُ (٥) - الَشَاءِ: ٨٤/٤
٣ - الانزلاق في وساوس الشيطان كثير شائع لولا فضل الله ورحمته.
٤ - قال الجصاص الرازي: في الآية دلالة على وجوب القول بالقياس
واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول واله
في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته والمؤ.
وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه،
فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في
النص، قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه.
فقد حوت هذه الآية معاني منها: أن في أحكام الحوادث ما ليس
بمنصوص عليه، بل مدلول عليه. ومنها: أن على العلماء استنباطه، والتوصل
إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص. ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء
في أحكام الحوادث. ومنها أن النبي ◌َّ قد كان مكلفاً باستنباط الأحكام
والاستدلال عليها بدلائلها؛ لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر.
ثم قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ﴾ ولم يخص أولي الأمر بذلك دون
الرسول، وفي ذلك دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم
بالاستدلال(١).
التحريض على الجهاد
﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ الَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن
٨٤
يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاَللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا
(١) أحكام القرآن: ٢١٥/٢
١٨٧
المُ (٥) - النِّشَّةِ: ٨٤/٤
القراءات:
بَأسَ ... بَأسَاً ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (باس ... باساً).
المفردات اللغوية:
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ لا تهتم بتخلفهم عنك، وقاتل ولو وحدك، فإنك
موعود بالنصر.﴿وَحَرِّضِ﴾ حثهم على القتال ورغبهم فيه. ﴿بَأَسَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ أي شدتهم وقوتهم. ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ تعذيباً ومعاقبة بما فيه عبرة
ونكال لغيرهم.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة تثبيطهم (شغلهم) عن القتال وإظهارهم
الطاعة وإضمارهم خلافها، قال: ﴿فَقَائِلٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمداً له بأن يباشر القتال بنفسه، وأما من
نکل عنه فلیترکه.
فقاتل يا محمد في سبيل الله إن أفردوك وتركوك وحدك إن أردت الظفر على
الأعداء، لا تكلف غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو
ناصرك، لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك وحولك الألوف.
أما غيرك الذين يقولون: لمَ كتبت علينا القتال، ويبيتون غير ما يعلنون
أمامك من الطاعة، فاتركهم وشأنهم، والله مجازيهم على أعمالهم.
وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب، لا التعنيف بهم،
١٨٨
لُ (٥) - الْشَكّاءِ: ٨٤/٤
عسى الله - هنا بمعنى الخبر والوعد ووعد الله لا يخلف - أن يرد عنك بأس
أي شدة وقوة الذين كفروا وهم قريش، والله أشد بأساً - قوة - من قريش،
وأشد تنكيلاً: تعذيباً ومعاقبة وهو قادر عليهم في الدنيا والآخرة لكفرهم
وجرأتهم على الحق.
وقد تحقق هذا الوعد الإلهي، فكفّ بأس الكافرين، وذلك أن أبا سفيان
بعد موقعة أحد كان قد طلب اللقاء في بدر في العام المقبل، فأجابه النبي ◌َّ
إلى مطلبه، فحينما حل موعد بدر الصغرى في السنة الثالثة لغزوة أحد، صمم
النبي وَّل على الخروج، وقال: ((والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي))
فخرج ومعه سبعون فقط، وتحقق لهم النصر؛ لأن أبا سفيان بدا له وقال: هذا
عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب،
فرجع من الطريق، وصرفه الله عن النبي ڭ.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك،
فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى
لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو
وحدك؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله وَله بالجهاد
وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة.
وهي تدل على أنه وسلم أمر بقتال المشركين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وإن
كان وحده، كما أنها تدل على اتصاف النبي وَله بشجاعة لا نظير لها، وقد
ثبت وحده في أحد وحُنين وكان الأبطال يتقون به، قال علي كرم الله وجهه :
(كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدَق اتقينا برسول الله وَله، فما يكون أحد
أقرب إلى العدو منه)).
واشتملت الآية على حض المؤمنين على الجهاد والقتال، ودلت على وعد
١٨٩
المُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
من الله بنصر النبي ◌َّ، وتحقق هذا الوعد، كما أوضحت، ولا يلزم وجوده
على الاستمرار والدوام، فمتى وجد ولو لحظة مثلاً، فقد صدق الوعد، فكف
الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ماكانوا عاهدوه من الحرب
والقتال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اُلْفِتَالَ﴾. وكذلك انتصر المؤمنون على المشركين
في الحديبية أيضاً عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون،
فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح،
وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾.
وألقى الله الرعب في قلوب الأحزاب يوم الخندق، وانصرفوا من غير قتل
ولا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم. وقبل كثير من
اليهود والنصارى الانضمام لدار الإسلام ودفع الجزية، وترك بعضهم ديارهم
دون قتال، فكفَّ الله بأسهم عن المؤمنين.
الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد
﴿مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةً يَكُنْ
لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا (٨٥) وَإِذَا حُبِيِثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴿٨ اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ
لَيَجْمَعَتَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيَةُ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
AV
القراءات:
﴿أَصْدَقُ﴾:
قرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد صوت الزاي.
١٩٠
لُعُ (٥) - النَشَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
الإعراب:
{لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وقوله ﴿لَآَ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ قسم، وكل لام بعدها نون مشددة
فهي لام القسم.
المفردات اللغوية:
﴿مَّن يَشْفَعْ﴾ يتوسط في أمر لقضائه، بأن ينضم إلى آخر ناصراً له في طلبه
﴿ نَصِيبٌ﴾ حظ من الأجر ﴿كِفْلُ﴾ نصيب مكفول من الوزر ﴿مُقِينًا﴾ حافظاً
ومقتدراً، فيجازي كل أحد بما عمل.
﴿بِنَحِيَّةِ﴾ مصدر حيَّه بأن قال له: حيَّاك الله أو سلام عليكم، والتحية في
الأصل: الدعاء بالحياة، ثم صار اسماً لكل دعاء بالخير في الصباح أو المساء،
وجعل الشرع تحية المسلمين: ((السلام عليكم)) إشارة إلى أن شعار الإسلام:
السلام والأمان والمحبة ﴿حَسِيبًا﴾ محاسباً على العمل، فیجازي علیه، وقد يراد
به المكافئ ﴿لَا رَيْبَ فِيهُ﴾ لا شك فيه ﴿وَمَنْ أَصْدَفُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي لا
أحد أصدق قولاً من الله.
المناسبة:
لما أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، بين هنا أنهم حين أطاعوك
أصابهم خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيباً تؤجر عليه، لما بذلت في
ترغيبهم بالجهاد من جهود. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس
بعضهم لبعض.
التفسير والبيان:
من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب منه بانتصار الحق على
الباطل وما يتبعه من شرف وغنيمة في الدنيا، وبما يحظى به من الثواب في
الآخرة.
١٩١
الزُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
ومن يسعى في سيئة يكون عليه وزر مما ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في
الصحيح عن النبي ◌َّير: ((اشفعوا - أي في الخير - تؤجروا؛ ويقضي الله على
لسان نبيه ماشاء))(١).
فالشفاعة نوعان: حسنة وسيئة، أما الشفاعة الحسنة: فهي التي روعي بها
حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم
تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في
حق من الحقوق. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى
الشفاعة إلى الله. وعن النبي ◌َلقر: ((من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب،
استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك))(٢) فذلك النصيب. والدعوة على
المسلم بضد ذلك.
والشفاعة السيئة: ما كانت بخلاف ذلك. والشائع الآن الوساطات
والشفاعات السيئة المصحوبة بالمادة والرشاوى، لتضييع الحقوق، والاستيلاء .
على مال الغير. عن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية،
فغضب وردها، وقال: لو علمت مافي قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا
أتكلم فيما بقي منها(٣).
﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ أي حفيظاً شهيداً، وقيل: مقتدراً، أو
محاسباً، فهو تعالى مطلع عالم بأغراض الشفعاء، مجازٍ كل واحد بحسب
مقصده، وقادر على جزائه بما يستحق؛ لأن الجزاء في سنته مرتبط بالعمل.
(١) رواه الشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي موسى.
(٢) رواه مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء، بلفظ: ((من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل
به: آمين، ولك بمثله».
(٣) الكشاف: ٤١٣/١
١٩٢
الجُرُ (٥) - النِّشَكَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
ثم علَّم الله الناس التحية وآدابها، وهي كالشفاعة الحسنة من أسباب
التواصل والتقارب بين الناس، وعدت من التحية. وأصل التحية: الدعاء
بالحياة، والتحيات لله: أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله
تعالى، والصحيح أن التحية ههنا: السلام، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ
بِمَا لَمْ يُحَبِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨/٥٨].
فإذا سلم عليكم المسلم فالواجب الرد عليه بأفضل مما سلم، أو الرد عليه
بمثل ماسلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال الشخص: السلام
عليكم، أجاب المسلَّم عليه إما بقوله: وعليكم السلام، أو وعليكم السلام
ورحمة الله، وإذا زاد: ((وبركاته)) كان أفضل، وفي كل كلمة عشر حسنات.
والأولى أن يكون الرد ببشاشة وسرور وحسن استقبال.
روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبيِ وَلّه، فقال
السلام عليك يارسول الله، فقال: ((وعليك السلام ورحمة الله)) ثم جاء آخر
فقال: السلام عليك يارسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله وَلقول: ((وعليك
السلام ورحمة الله وبركاته)) ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يارسول الله
ورحمة الله وبركاته، فقال له: ((وعليك)) فقال له الرجل: يانبي الله، بأبي أنت
وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت
علي، فقال: ((إنك لم تدع لنا شيئاً)) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ فرددناها عليك)).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية
وغيرها، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم. روى
أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى: ((والذي نفسي بيده لا
تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا
فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم)).
١٩٣
لُحُ (٥) - النِّشَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
ثم بَيَّن الله تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة،
فقرر أن المرجع والمصير إلى الله الواحد الأحد، وأن البعث والجزاء في الدار
الآخرة ثابت. وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات التوحيد
وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هو
وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى
يَوْمِ اُلْقِيَمَةِ لَا رَيِّبَ فِيهٍ﴾(١) أي إنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت
وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. وقد
نزلت في الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ معناه: لا أحد أصدق منه عز وجل
في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ إذ كلامه
تعالى عن علم محيط بسائر الكائنات، كما قال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَفْسَى﴾
[طه: ٢٠ / ٥٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات آداباً وأحكاماً مهمة هي:
اً - إباحة الشفاعة الحسنة، أي الموصلة إلى الحق، غير المقترنة بالرشوة،
وتحريم الشفاعة السيئة، أي التي فيها التعاون على الباطل أو الإثم والعدوان،
أو المسقطة لحد من حدود الله، أو المضيعة لحق من الحقوق، أو المصحوبة
بالرشوة.
(١) سميت القيامة قيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُ
أُوْلَكَ أَنَّهُمْ قَبْعُوتُونٌ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [المطففين: ٤/٨٣-٦].
وقيل: لأن الناس يقومون من قبورهم إليها: ﴿يَوْمَ يَخِرُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاءًا﴾ [المعارج: ٧٠٪
٤٣].
١٩٤
الجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤ /٨٥-٨٧
والحسنة فيما استحسنه الشرع ورضيه أي في البر والطاعة، والسيئة فيما
كرهه الشرع أو حرمه أي في المعاصي.
٣ - الترغيب في التحية والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وعن
النخعي: ((السلام سنة، والرد فريضة)) وكلما كان الرد أفضل كان الثواب
أكثر، فالسلام وحده من المسلّم والمجيب له من الأجر عشر حسنات، وضم
الرحمة إليه: له عشرون حسنة، وضم: ((وبركاته)) له ثلاثون حسنة كما روى
النسائي عن عمران بن حصين. وعن ابن عباس: ((الرد واجب، وما من رجل
يمر على قوم مسلمين، فيسلم عليهم ولا يردون عليه، إلا نزع عنهم روح
القدس، وردت عليه الملائكة)) وروى ابن جرير عن ابن عباس أيضاً عن النبي
وَالر قال: ((من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسياً، فإن الله
يقول: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦/٤].
ومن قال لخصمه: السلام عليكم، فقد أمنه على نفسه.
والسنة أن يسلم القادم، والراكب - لعلو مرتبته - على الماشي، والماشي
على القاعد لوقاره وسكونه، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير مراعاة
الشرف الجمع وأكثريتهم. ولا يسلم الرجل على المرأة الأجنبية، ويسلم على
زوجته. جاء في الصحيحين أنه ((يسلم الراكب على الماشي، والماشي على
القاعد، والقليل على الكثير)). وروي ((أن النبي وََّ مرَّ بصبيان فسلم عليهم))
وروى الترمذي: ((أنه مر بنسوة فأومأ بيده بالتسليم)) وفي الصحيحين: ((إن
أفضل الإسلام وخيره: إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن
لم تعرف)) وروى الحاكم من قوله وميّلقول: ((أفشوا السلام تسلموا)) وأجاز المالكية
التسليم على النساء إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة
شيطان أو خائنة عين، ومنعه الحنفية إذا لم يكن منهن ذوات محرم، وقالوا: لما
سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد
١٩٥
الُ (٥) - النِّشَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
السلام، فلا يسلم عليهن. والصحيح مذهب المالكية لما ثبت في البخاري من
تسليم الصحابة في المدينة على عجوز.
وذكر السيوطي: أنه ثبت في السنة أنه لا يجب الرد على الكافر والمبتدع
والفاسق وعلى قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل، بل يكره في غير
الأخير، ويقال للكافر: وعليك. ثبت عن النبي وَّل أنه قال: ((إذا سلم أهل
الكتاب فقولوا: وعليكم)) (١) أي وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام
عليكم. وروي: ((لا تبتدئ اليهودي بالسلام، وإن بدأ فقل: وعليك)) وهذا
مذهب الجمهور.
ولا يرد السلام في الخطبة، وقراءة القرآن جهراً، ورواية الحديث، وعند
مذاكرة العلم، والأذان والإقامة. ولا يسلّم على المصلي، فإن سلّم عليه فهو
بالخيار: إن شاء ردّ بالإشارة بإصبعه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة
ثم یرد.
وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغِّي، والقاعد
لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره.
وذكر الطحاوي: أن المستحب رد السلام على طهارة، وعن النبي وَّ ((أنه
تيمم لرد السلام)).
وعن أبي حنيفة: لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير.
وأجاز الحسن البصري أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة
الله، فإنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلّم عليه: وعليك السلام
ورحمة الله، فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
(١) رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس.
١٩٦
الُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٥/٤-٨٧
وقد رخص بعض العلماء في أن يُبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك
حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. والخلاصة: يجوز بدء السلام
ورده على غير المسلمين عند بعض الأئمة.
والسنة في السلام والجواب الجهر، ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف
عند الشافعي. وعند المالكية: تكفي إذا كان على بُعْد.
٣٣ - الله على كل شيء مقيت (شهيد أو مقتدر) وحسيب (أي رقيب وحفيظ
ومحاسب على الأعمال) ولا أحد أصدق من الله حديثاً في خبره ووعده
ووعیده و حدیثه.
٤ - إثبات التوحيد وتفرد الله بالألوهية والربوبية لجميع المخلوقات،
وإثبات البعث والجزاء في الدار الآخرة.
٥ - القرآن كلام الله؛ لأنه وحي منه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اُللَّهِ حَدِيثًا﴾ أما
كلام غير الله وغير النبي فمحتمل للصدق والكذب عمداً أو سهواً أو جهلاً.
٠
١٩٧
لِلُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٨/٤-٩١
أوصاف المنافقين ومراوغتهم ومحاولتهم
تكفير المسلمين وكيفية معاملتهم
فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوْ أَتْرِيدُونَ أَنْ
﴿َ وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ
تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِّ فَإِن
تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٍّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيرًا
٨٩
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِثَقُّ أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ
يُقَائِلُوكُمْ أَوْ يُقَدِلُواْ قَوْمَهُمّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوكُمْ فَإِنِ أَعْتَزَلُوكُمْ
سَتَجِدُونَ
فَلَمَّ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
ءَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوَكُمْ وَيَأْمَنُواْ فَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُواْ إِلَى اُلْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا فَإِن
لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ
٩١
تَقِفْتُمُوهُمَّ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا مُبِينًا
الإعراب:
(فِئَتَيْنِ﴾ منصوب على الحال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ أي مالكم في
المنافقين مختلفين؟
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ استثناء من الهاء والميم في ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ﴾ وهو استثناء
موجب.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ جملة فعلية: إما في موضع جر، صفة لمجرور وهو
﴿إِلَى قَوْمٍ﴾ وإما في موضع نصب؛ لأنها صفة لقوم مقدر تقديره: أو جاءوكم
قوماً حصرت صدورهم. والفعل الماضي إذا وقع صفة لمحذوف جاز أن يقع
حالاً بالإجماع.
١٩٨
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٨/٤-٩١
﴿لَوْ﴾ واللام في ((لقاتلوكم)): تأكيد لجواب
اللام جواب
لَسَلَطَهَمْ
﴿لَوْ﴾ في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ لأنها حُوذيت بها، وإلا فالمعنى: فسلطهم عليكم
فقاتلوكم، فزيدت للمحاذاة والازدواج: وهي اللام التي تأتي في إثر جواب
((لو)) ثم تقترن بها لام أخرى، يقصد بها التأكيد.
البلاغة:
﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُكَفِقِينَ﴾ وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ﴾: استفهام بمعنى
الإنكار.
﴿أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اَللَّهُ﴾: فيه طباق.
﴿تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾: جناس مغاير.
المفردات اللغوية:
{فِئَتَيْنِ﴾ فرقتين أو جماعتين ﴿أَرْكَسَهُم﴾ ردهم إلى الكفر والقتال. والمراد
هنا تحولهم إلى الغدر والقتال، بعد أن أظهروا الولاء للمسلمين . ﴿أَنْ تَهْدُواْ
مَنْ أَضَلَ اللَّهُ﴾ أي تعدوهم من جملة المهتدين. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى الهدى.
﴿وَدُواْ﴾ تمنوا ﴿وَلِيًا﴾ نصيراً ومعيناً ﴿يَصِلُونَ﴾ يتصلون بهم أو يلجؤون
إليهم ﴿مِّتَقُّ﴾ عهد، كما عاهد النبي ◌َّ هلال بن عويمر الأسلمي
﴿حَصِرَتْ﴾ ضاقت عن قتالكم وقتال قومهم ﴿السَّلَمَ﴾ الصلح أو السلام
والاستسلام، أي انقادوا ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً بالأخذ والقتل.
[سَتَجِدُونَ ءَآخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بإظهار الإيمان عندكم ﴿ وَيَأْمَنُواْ
قَوْمَهُمْ﴾ بالكفر إذا رجعوا إليهم، وهم أسد وغطفان ﴿اٌلْفِتْنَةِ﴾ الشرك
﴿ أَزْكِسُواْ فِيهَا﴾ وقعوا أشد وقوع ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بترك قتالكم
﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر ﴿تَقِفْتُمُوهُمُّ﴾ وجدتموهم ﴿سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ برهاناً بيناً أو
حجة واضحة على قتلهم وسبيهم لغدرهم.
١٩٩
الُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٨/٤-٩١
سبب النزول:
نزول الآية (٨٨):
﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الَُْفِقِينَ﴾: روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت أن
رسول الله وَ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب
رسول الله ◌َّ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل
الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
وروى ابن جرير عن ابن عباس أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة،
وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأنهم
وتشاجروا، فنزلت الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ بن عبادة قال:
خطب رسول الله وَلّ الناس، فقال: من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من
يؤذيني؟ فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا
من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا ابن معاذ: طاعة
رسول الله وَّة، ولقد عرفت ماهو منك؛ فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا
ابن عبادة منافق وتحب المنافقين؛ فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا يا أيها
الناس، فإن فينا رسول الله وَالر، وهو يأمرنا فننفذ أمره، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ
فِى الْتَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية.
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن قوماً من العرب أتوا رسول الله
وَل* بالمدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة وحماها، فأركسوا خرجوا من
المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: مالكم رجعتم؟ قالوا:
أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة؟ فقال
بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمَُفِقِينَ
فِئَتَكِنِ﴾ الآية، لكن في إسناده تدليساً وانقطاعاً، أي لا يصح الاعتماد على
هذه الرواية.
٢٠٠
لُ (٥) - النِشَّاءِ: ٨٨/٤-٩١
سبب نزول الآية (٩٠):
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن البصري أن
شراقة بن مالك المذْلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي وَّر على أهل بدر وأحد،
وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي
بني مُدْلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، إنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد
أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا، ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم
يحسن تغلیب قومك علیهم، فأخذ رسول الله پڼ بید خالد، فقال: اذهب معه،
فافعل مايريد، فصالحهم خالد على ألّا يعينوا على رسول الله، وإن أسلمت قریش
أسلموا معهم، وأنزل الله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّتَقُّ﴾ فكان
من وصل إليهم كان معهم على عهدهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ في
هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدالجي وفي بني جذيمة بن عامر بن
عبد مناف. وأخرج أيضاً عن مجاهد أنها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي
وكان بينه وبين المسلمين عهد، وقصده ناس من قومه، فكره أن يقاتل
المسلمین، وکره أن يقاتل قومه.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في بيان أحوال المنافقين ومواقفهم المخزية، وهي إنكار
على المؤمنين في اختلافهم في شأن المنافقين على رأيين، وتقسيمهم فئتين، مع
أن كفرهم واضح، فيجب القطع بكفرهم وقتالهم. وقد كانت الآيات
السابقة: ٦٠ - ٦٣، و٦٤ - ٦٨، و٧٢ - ٧٣، والآيات اللاحقة ١٤٢ - ١٤٣
كلها في مناقشة أعمال المنافقين والتنديد بها وإنكارها.
التفسير والبيان:
يخاطب الله المؤمنين مستنكراً عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين، مع