Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
لُحُ (٥) - الْشَكَّاءِ: ٦٠/٤-٦٣
وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾
يدل على كيفية معاملتهم بثلاثة أحوال: الإعراض عنهم، والنصح والتذكير
بالخير لترق قلوبهم، والقول البليغ المؤثر في النفس بالترغيب تارة وبتخويفهم
بالقتل إن ظهر منهم النفاق تارة أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي:
اً - من ردّ شيئاً من أوامر الله أو أوامر الرسول فهو كافر خارج على
الإسلام، لذا حكم الصحابة بردّة مانعي الزكاة. وكذا كل من اتهم رسول الله
وَالله في الحكم فهو كافر. ودلت القصة في سبب النزول على تحاكم اليهودي مع
المسلم عند حاكم الإسلام.
٢ - الواجب على المسلمين تنفيذ الحكم المنصوص عليه في القرآن أو السنة
النبوية الثابتة، ورد كل ما يعارضهما من فتاوى وأقضية وأحكام، وأما مالا
حكم فيه بالوحي، فيعمل برأي المجتهدين المستنبط من قواعد الشريعة العامة،
المتفق مع المصلحة العامة.
٣ - من أعرض عن حكم الله عمداً أو حكم رسوله، كان منافقاً لا صلة
له بالإسلام، وكان نزول الآيات تأييداً لفعل عمر الذي نزل جبريل في شأنه،
فقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمِّي الفاروق.
٤ - سيندم المنافقون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يقبل عذرهم.
ة - لا يحسد المنافقون على موقفهم المخزي؛ إذ إنهم مفضوح أمرهم من قبل
الله الذي لا تخفى عليه خافية، لذا قال الله تعالى مكذباً لهم: ﴿أُوْلَئِكَ
اُلَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ قال الزجّاج: معناه: قد علم الله أنهم
منافقون. والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون.

١٤٢
الزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٤/٤-٦٥
٩ - وسائل إمكان إصلاح المنافقين ثلاث :
أ - الإعراض عنهم وعن عقابهم وعن قبول اعتذارهم وعن تلقيهم
بالبشاشة والتكريم.
ب - الوعظ والتخويف والنصح والإرشاد إلى الخير على نحو يبعثهم على
التأمل فيما يوعظون به، وتلين قلوبهم لسماعه.
ج - الزجر بأبلغ الزجر بالقول المؤثر البليغ في السر والعلن عن طريق
التوعد بالقتل والاستئصال إن استمروا في نفاقهم، وإخبارهم بأن ما
يضمرونه من نفاق غير خاف على من يعلم السر وأخفى، وأنهم كالكفار، بل
أشد منهم كفراً، وعقابهم في الدرك الأسفل من النار.
فرضية طاعة الرسول وعلاقة
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِّ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ
أَنْفُسَهُمْ جَآءُوَكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا
رَّحِيمًا ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
٦٥
الإعراب:
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تقديره: فلا يؤمنون، وربك لا يؤمنون، فأخبر
أولاً وكرره بالقسم ثانياً، فاستغنى بذكر الفعل في الثاني عن ذكره في الأول.
البلاغة:
﴿وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه التفات عن الخطاب: ((واستغفرت لهم)) إلى
الغيبة: ﴿وَأُسْتَغْفَرَ﴾ تعظيماً لشأن الرسول واستغفاره وتفخيماً لهما وتنبيهاً

١٤٣
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٤/٤-٦٥
على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وهناك جناس مغاير في
﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ استعارة؛ لأنه استعار ما تشابك من الشجر وهو
أمر محسوس إلى التنازع أو الاختلاف القائم بينهم وهو معنى معقول.
المفردات اللغوية:
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمره، لا ليعصى، وإذن الله: إعلامه بالوحي . ﴿إِذ
ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ﴾ بتحاكمهم إلى الطاغوت وغير ذلك من ألوان الظلم
جَاءُ وَكَ﴾ تائبين ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ﴾ أي طلبوا مغفرته وندموا على مافعلوا
﴿وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي دعا الله أن يغفر لهم، فيه التفات عن الخطاب
تفخيماً لشأنه ﴿تَوَّابًا﴾ عليهم ﴿رَّحِيمًا﴾ بهم. ﴿يُحَكْمُوكَ﴾ يجعلوك حكماً
ويفوضوا الأمر إليك ﴿شَجَرَ﴾ اختلط الأمر فيه واختلف ﴿حَرَجًا﴾ ضِيقاً
أو شكاً ﴿قَضَيْتَ﴾ حكمت به ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ ينقادوا ويذعنوا من غير
معارضة.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٥):
﴿فَلَ وَرَبِّكَ﴾: أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير، قال: خاصم
الزبير رجلاً من الأنصار في شِراج الحرَّة (١)، فقال النبي ◌َّر: اسق يازبير، ثم
أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يارسول الله أن(٢) كان ابن عمتك!
فتلون وجهه، ثم قال: اسق یازبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (ما
رفع حول المزرعة كالجدار) ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعب للزبير حقه،
وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.
(١) الشراج: مسايل الماء. والحرة: أرض ذات حجارة سود.
(٢) أي لأن. أو بمد الهمزة على جهة الإنكار ((آن)).

١٤٤
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٤/٤-٦٥
قال الزبير: ما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ﴾ الآية،
قالت: أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء،
فقضى النبي ◌َّر أن يسقي الأعلى ثم الأسفل.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تنديداً بموقف المنافقين الذين أعرضوا عن التحاكم
إلى الرسول وآثروا عليه التحاكم إلى الطاغوت، وهنا أراد الله تعالى تقرير مبدأ
عام وهو فرضية طاعة الرسول بل وكل رسول مرسل.
التفسير والبيان:
وما أرسلنا من رسول إلا وقد فرضنا طاعته على من أرسله إليهم، وتلك
الطاعة مفروضة بأمر الله وإذنه، وعليهم أن يتبعوه؛ لأنه مؤدٍ عن الله، فطاعته
طاعة الله، ومعصيته معصية الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص
الرسول فقد عصى الله.
والمراد بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بسبب إذن الله في طاعته، ويجوز أن
يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته، قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني،
والمراد لا يطيعه إلا من وفقته لذلك، كقوله: ﴿وَلَقَدُ صَدَفَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ:
إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٢/٣] أي عن أمره وقدره ومشيئته
وتسلیطه إیاکم علیھم.
ثم يرشد الله تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا
إلى رسول الله وَّر، فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إن
فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾
أي لعلموه تواباً، أي لتاب عليهم.

١٤٥
الُُُ (٥) - الشَّةِ: ٦٤/٤-٦٥
وفي هذا إيماء إلى أن من يبادر إلى التوبة الصحيحة تقبل توبته بشروطها
المقررة شرعاً، بأن تكون عقب الذنب مباشرة، والعزم على اجتناب الذنب،
وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك. أما مجرد الاستغفار
باللسان دون شعور صادق من القلب بألم المعصية فلا يفيد.
وقد سمى الله سبحانه ترك طاعة الرسول ظلماً للأنفس، أي إفساداً لها.
ثم أكد الله تعالى وجوب طاعة الرسول بِقَسَم عظيم نفى فيه الإيمان عمن لم
يقبل قبولاً تاماً مع الرضا القلبي حكم النبي ◌َلّ.
فأقسم تعالى بربوبيته لرسوله بأن الذين رغبوا عن التحاكم إليك من
المنافقين لا يؤمنون إيماناً حقاً إلا بتوافر ثلاث صفات:
اً - أن يحكِّموا الرسول في قضايا المنازعات التي يختلفون فيها، فلا يؤمن
أحد حتى يحكّم الرسول بَله في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي
يجب الانقياد له باطناً وظاهراً.
أَ - ألا يجدوا حرجاً أي ضِيقاً وشكاً فيما يحكم به: بأن تذعن نفوسهم
لقضائه وحكمه، مع الرضا التام، والقبول المطلق، وعدم الامتعاض.
◌ّ - الانقياد التام والتسليم الكلي للحكم في الظاهر والباطن، من غير
ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. ويدخل هذا في مرحلة التنفيذ، فقد يرى
الشخص أن الحكم حق، لكنه يتهرب من تنفيذه. ورد في الحديث الصحيح:
((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على مايأتي:
اً - وجوب الطاعة التامة لأوامر الرسول ونواهيه وأقضيته وأحكامه.

١٤٦
لُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٤/٤-٦٥
لاَ - الاستغفار من الذنب والتوبة الصادقة مع شرائطها طريق محو الذنوب
وتكفير الخطايا.
◌َّ - استغفار الرسول لبعض المذنبين شفاعة مستجابة من الله تعالى.
٤ - الرضوخ التام لأقضية الرسول واعتقاد عدالتها وأحقيتها مع
الانصياع للحكم القضائي في التنفيذ شرط جوهري لصحة إيمان المؤمنين.
وأمارة ذلك: تحكيمه في الخلافات، وعدم التبرم بحكمه، والانقياد التام
لقضائه.
هَ - عصمة النبي وَل عن الخطأ في الأحكام القضائية كعصمته في تبليغ
الوحي الإلهي، فهو لا يحكم إلا بالحق بحسب الظاهر له، لا بحسب الواقع،
والله يتولى السرائر.
أَ - المراد بهذه الآية كما قال مجاهد وغيره: من تقدم ذكره في الآية السابقة
ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم نزلت. قال الطبري: قوله: ﴿فَلاَ﴾
ردٌّ على من تقدم ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل
إليك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وأما على رأي من قال: نزلت في الزبير مع الأنصاري في خصومة في سقي
بستان، فلا يوصف الأنصاري بالوصف المقرر آنفاً وهو: كل من اتهم رسولَ
الله وَّ في الحكم فهو كافر، لأن الأنصاري زلَّ زلَّة، فأعرض عنه النبي ◌َّ،
وأقال عَثْرَته، لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فَلْتة، وليست لأحد بعد النبي
(وَل*، وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده، فهو عاص آثم(١).
ويلاحظ أن النبي ◌َّ قضى للزبير بالحق؛ لأن الأعلى يسقي قبل الأسفل،
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٤٥٦/١

١٤٧
الُعُ (٥) - النِشَاءِ: ٦٦/٤-٦٨
ولكنه قال له أولاً: ((اسق يازبير)) لقربه من الماء ((ثم أرسل الماء إلى جارك))
ومعناه: تساهل في حقك، ولا تستوفه، وعجِّل في إرسال الماء إلى جارك،
فحضَّه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا، لم يرض بذلك
وغضب؛ لأنه كان يريد ألا يُسَك الماء أصلاً، فنطق بالكلمة الجائرة المهلكة
الفاقرة فقال: ((آن كان ابن عمتك؟)) بمد همزة ((أن)) المفتوحة على جهة
الإنكار، أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك؟ فعند ذلك تلوّن وجه النبي وَّل
غضباً عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له (١).
وصفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل: أن يُدخل صاحب الأعلى جميع الماء
في بستانه، ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط (البستان) إلى الكعبين
(الجذور) من القائم فيه، أغلق مدخل الماء، وصرف مازاد من الماء على مقدار
الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك، حتى يبلغ السيل إلى أقصى الحوائط.
ويؤيده ماروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أن رسول الله وَلأنه قال
في سيل مَهْزور ومُذَيْنب(٢): ((يمسك حتى الكعبين، ثم يُرْسِل الأعلى على
الأسفل))(٣).
حب الوطن والتزام أوامر الله والرسول
﴿وَلَوْ أَنَّا كُنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ أُقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ أُخْرُجُواْ مِنْ دِيَِكُم مَّا فَعَلُوهُ
إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَشْبِيتًا
٦٦
٠٠٠
وَإِذَا لََّتَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
٦٨
(١) تفسير القرطبي: ٢٦٧/٥
(٢) مهزور ومذينب: واديان بالمدينة، يسيلان بماء المطر خاصة.
(٣) قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبي وَ ل* من وجه من الوجوه.

١٤٨
الُرُ (٥) - النِّشَاءِ: ٦٦/٤-٦٨
القراءات:
﴿أَنِ﴾: قرئ:
١- بكسر النون، وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، وعاصم.
٢- بضمها، وهي قراءة باقي السبعة.
﴿أَوِ﴾: قرئ:
١- بضمها، وهي قراءة أبي عمرو، مع كسر نون (أن اقتلوا).
٢- بكسرها، وهي قراءة حمزة، وعاصم، مع كسر نون (أن اقتلوا).
٣- بضمها، وهي قراءة باقي السبعة، مع ضم نون (أن اقتلوا).
﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾:
وقرأ ابن عامر: (إلا قليلاً).
(صِرَاطَاً﴾ :
وقرأ قنبل: (سراطاً).
الإعراب:
﴿أَنِ أُقْتُلُواْ﴾ أن مفسرة ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ قليل: مرفوع على
البدل من الواو في ﴿فَعَلُوهُ﴾ وتقديره: مافعله إلا قليل منهم. وقرئ بالنصب
على الأصل في الاستثناء، والأصل في الاستثناء: النصب.
﴿وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا﴾ منصوب؛ لأنه مفعول ثان لهديناهم، يقال: هديته
الطريق هداية، وهديت في الدين هُدَىّ. وفُعَلٌ في المصادر قليل.
المفردات اللغوية:
كَثَبْنَا﴾ فرضنا عليهم ﴿اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِّكُمْ﴾ كما
كتبنا على بني إسرائيل ﴿مَّا فَعَلُوُهُ﴾ أي المكتوب عليهم ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من

١٤٩
الُ (٥) - الَشَاءِ: ٦٦/٤-٦٨
الأوامر والنواهي المقرونة بذكر حِكَمها ﴿تَشْبِيتًا﴾ تقوية وجعله ثابتاً راسخاً
﴿ وَإِذَا﴾ لو ثبتوا ﴿مِّن لَّدُنَّآ﴾ من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجنة.
سبب النزول:
نزول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾: تفاخر ثابت بن قيس بن شماس
ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا
أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم
لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ
تَشِبِيتًا﴾.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر
بينهم، ذكر هنا تقصير كثير من الناس في ذلك؛ لضعف إيمانهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بالامتناع عما هم عليه من
المناهي، لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة ميَّالة إلى مخالفة الأمر. وهذا من علمه
تعالى بما لم يكن أو كيف يكون ماكان.
ولو أن الله تعالى فرض على الناس أن يقتلوا أنفسهم، كما أمر بني إسرائيل
بذلك ليتوبوا من عبادة العجل، فكان قتل النفس (الانتحار) طريق التوبة، أو
لو فرضنا عليهم أن يخرجوا من أوطانهم، ويهاجروا في سبيل الله إلى بلاد
أخرى، ما فعل المأمور به من قتل النفس وهجر الوطن إلا نفر قليل منهم.
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الأوامر والنواهي المقترنة بأسبابها وعللها
أو حِكَمها، وبالوعد والوعيد، لكان ذلك خيراً لهم وأحسن، وأشد تثبيتاً لهم
في الدين وأرسخ.

١٥٠
للزُ (٥) - الشكّاءِ: ٦٦/٤-٦٨
ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به، لمنحناهم من عندنا
أجراً عظيماً وهو الجنة التي وصفها النبي وَّ بقوله فيما رواه البزار والطبراني
في الأوسط عن أبي سعيد الخدري: ((في الجنة مالا عين رأت، ولا أذن
سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ولهديناهم إلى الطريق المستقيم في الدنيا
والآخرة وهو العمل المؤدي إلى السعادة الدنيوية والأخروية معاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتطلب إطاعة الأوامر الإلهية إيماناً راسخاً كالجبال الراسيات، والطاعة:
حمل النفس على فعل ماتكره، لا على ماتحب، ولا يفعل ذلك إلا فئة قليلة من
الناس، ولو فعلوا المأمور به وتركوا ماينهون عنه لكان لهم خيراً في الدنيا
والآخرة، ودليلاً على الثبات على الحق، وسبباً لاستحقاق الثواب العظيم في
الآخرة؛ لأن الجنة حُفَّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، كما ثبت في
الحديث.
وحينما نزلت هذه الآية أبدى نفر من المسلمين استعداده لتنفيذ الأمر
الإلهي. قال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَّهِمْ﴾ الآية،
قال رجل: لو أُمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله
وَّة، فقال: ((إن من أمتي رجالاً الإيمانُ أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي))
قال ابن وهب: قال مالك: القائل ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وذكر
النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر أبو الليث السمرقندي: أن
القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله
أمَرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا؛ فقال النبي وَطّ: ((الإيمان
أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي)).
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَّهِمْ﴾ قال
رسول الله وَالر: (لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم)) أي ابن مسعود.

١٥١
الزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٩/٤-٧٠
وقال شريح بن عبيد: لما تلا رسول الله وَخلال هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا
عَلَيَّهِمْ﴾ أشار رسول الله بَلَه بيده هذه إلى عبد الله بن رواحة، فقال: ((لو أن
الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل)) يعني ابن رواحة.
وفي قوله: ﴿أَوِ أُخْرُجُواْ مِن دِيَِكُمْ﴾ إيماء إلى حب الوطن وتعلق الناس به،
وجعله قرين قتل النفس، وصعوبة الهجرة من الأوطان.
جزاء طاعة الله والرسول
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
ذَلِكَ الْفَضْلُ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (9)
٧٠
مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
القراءات:
﴿ النَّبِِّنَ﴾ :
وقرأ نافع: (النبيئين).
الإعراب:
﴿ رَفِیقًا﴾ منصوب بأحد وجهين:
أحدهما - أن يكون منصوباً على التمييز، ويراد به ههنا الجمع، فوحّد كما
وُحِّد في نحو: عشرون رجلاً، وقد يقام الواحد المنكور مقام جنسه.
٠
والثاني - أنه منصوب على الحال.
المفردات اللغوية:
﴿ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ جمع صدِّيق: وهو الصادق في قوله واعتقاده، كأبي بكر

١٥٢
لِلُزُعُ (٥) - النِّسْتَّاءِ: ٦٩/٤ -٧٠
الصديق وغيره من أفاضل الصحابة: أصحاب الأنبياء، لمبالغتهم في الصدق
والتصديق، قال تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِىِ الْكِنَبِ إِذْرِسََّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا
٥
[مريم: ٥٦/١٩].
﴿ وَالشُّهَدَاءِ﴾ جمع شهيد: وهو الذي يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان،
ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان. والشهداء: القتلى في سبيل الله.
﴿ وَالصَّالِحِينَ﴾ جمع صالح: وهو من صلحت نفسه، وغلبت حسناته سيئاته.
﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ رفقاء في الجنة، بأن يتمتع فيها برؤيتهم
وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى
غيرها. جعلني الله ووالدي وأحبائي وقرّائي معهم.
سبب النزول:
أخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن عائشة قالت: جاء رجل
إلى النبي ◌ََّ، فقال: يارسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب
إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك،
وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني
إذا دخلت الجنة، خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي وَلّ شيئاً، حتى نزل عليه
جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. قال الكلبي: نزلت في
ثوبان مولى رسول الله صل18 وكان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات
يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، خوف عدم رؤيته ◌َلآل
بعد الموت، فذكر ذلك لرسول الله وَله، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب محمد وَله: يارسول
الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قُدِّمت لرفعت فوقنا، ولم نرك، فأنزل
الله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.

١٥٣
الجُرُ (٥) - الشَّاءِ: ٦٩/٤-٧٠
وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن عكرمة قال: أتى فتى النبي ◌َّ فقال: يانبي
الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، فإنك في الجنة في
الدرجات العلا، فأنزل الله هذه الآية، فقال له رسول الله وَ ل ير: أنت معي في
الجنة إن شاء الله.
المناسبة:
توَّج الله تعالى الآيات السابقة الآمرة بطاعة الله والرسول ببيان جزاء
الطاعة، الذي هو الأمل الأسمى الذي تطمح إليه النفوس.
التفسير والبيان:
من عمل بما أمره الله به ورسوله، وترك مانهاه الله عنه ورسوله، فإن الله
عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً لأصحاب الدرجات العليا وهم
صفوة الله من عباده، وهم أربع مراتب:
الأنبياء، ثم الصدِّيقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون
الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، واللفظ يعم كل صالح وشهيد، فالمطيع
يكون مع هؤلاء في دار واحدة ونعيم واحد، يستمتعون برؤيتهم والحضور
معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع
في الدنيا والاقتداء، وکل واحد فیھا راض بحاله.
ثم أثنى الله تعالى عليهم فقال: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي إن الأصناف
الأربعة يكونون رفقاء له من شدة محبتهم إياه وسرورهم برؤيته. ورفيقاً بمعنى
المرافق والمراد به الجمع وهو رفقاء، فكأن المعنى: وحسن كل واحد منهم
رفيقاً، مثل: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥/٢٢] أي تخرج كل واحد منكم
طفلاً.
ويؤيد الآية: مارواه الطبراني مرفوعاً: ((من أحب قوماً، حشره الله معهم))

١٥٤
لُُ (٥) - التَّاءِ: ٦٩/٤ -٧٠
وما أخرجه الشيخان عن أنس: ((المرء مع من أحب)) والمحبة تقتضي الطاعة،
كما قال الله تعالى: ﴿قُلِّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:
٣١/٣].
هذا الجزاء لمن يطيع الله والرسول هو الفضل الإلهي العظيم، والله أعلم
بمن يستحقه، فهو أعلم بمن اتقى، وكفى به سبحانه عليماً بالأتقياء
المطيعين، وبالعصاة المنحرفين، وبالمنافقين المرائين.
والآية إخبار من الله تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم، بل نالوها بفضل
الله تعالی وکرمه.
فليحذر المنافقون المصير المشؤوم إن لم يصلحوا حالهم، وليهنأ المؤمنون
الطائعون الصادقون بفضل الله ونعمته، وليفرحوا بما أثابهم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
لما ذكر الله تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وُعظوا به وأنابوا إليه،
لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله.
صِرَاطَ
وهذه الآية تفسير لقوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦/١-٧] وهي المراد في قوله عليه السلام عند
موته: ((اللهم الرفيق الأعلى)). وفي البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول
الله وَلو يقول: ((ما من نبي يمرض إلا خيِّر بين الدنيا والآخرة)) كان في شكواه
الذي مرض فيه أخذته ثُجَّةً(١) شديدة، فسمعته يقول: ((مع الذين أنعم الله
عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين)) فعلمت أنه خيِّر.
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك
(١) البُخَّة: هي غلظ الصوت وخشونته من داء أو كثرة صياح.

١٥٥
الزُعُ (٥) - التِّشَّاءِ: ٧١/٤-٧٦
أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم
ثّى بالصديقين، ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر
الصديق رضي الله عنه صدّيقاً، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام
رسولاً، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق، وأنه ثاني رسول الله وَالر، لم يجز أن
يتقدم بعده أحد(١).
قواعد القتال في الإسلام
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا ﴿ وَإِنَّ
مِنَكُمْ لَمَنْ لَيْبَطِئَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَ أَكُنْ مَعَهُمْ
وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ.
شَهِيدًا الَّ
فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ
مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ اُلْحَيَوَةَ الذُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبُ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (1)
وَمَا لَكُمْ لَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِّجَالِ وَاَلْنِسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
الَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَُّنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (١٥) الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اٌلَّغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَآءَ
٧٦
الشَّيْطَانِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا
القراءات:
تگُ﴾: قرئ:
١- بالتاء، وهي قراءة ابن كثير، وحفص.
٢- بالياء، وهي قراءة الباقين.
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٣/٥

١٥٦
الزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٧١/٤-٧٦
مسـ
الإعراب:
﴿ثُبَاتٍ﴾ حال من واو ﴿أُنِفِرُواْ﴾ الأولى. (جَمِيعًا﴾ حال من واو
﴿أَنِفِرُواْ﴾ الثانية، وكل واحد من الفعلين هو العامل في الحال الذي يليه.
﴿لَمَنْ لَيُبَطَنَّ﴾ اللام في ﴿لَمَن﴾ لام الابتداء التي تدخل مع ((إن)) وهي هنا
داخلة على اسم ((إن)). واللام في ﴿لَّيْبَطِّئَنَّ﴾: هي اللام الواقعة في جواب
القسم، وهو هنا محذوف وتقديره: لمن والله ليبطئن. ولام القسم في صلة
((من)).
يَلَيْتَنِ﴾ المنادى محذوف وتقديره: يا هذا ليتني، مثل: ((ألا يا اسجدوا
لله)) أي يا هؤلاء اسجدوا. وحذف المنادى كثير في كلامهم . ﴿ فَأَفُوزَ﴾ منصوب
بأن مضمرة بعد التمني، وتقديره: فأن أفوز. وقرئ بالرفع على تقدير: فأنا
أفوز. ﴿كَأَنْ﴾ مخففة واسمها محذوف، أي كأنه. ﴿مَوَدَّةٌ﴾ اسم يكن، وبينكم
وبينه: خبرها المقدم على اسمها. ولا يجوز أن تكون التامة؛ لأن الكلام لا يتم
معناه بدون ((بينكم وبينه)) فهو الخبر، وتتم به الفائدة.
﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُقَائِلُونَ﴾ ما: مبتدأ، ولكم: خبره، ولا تقاتلون حال من
الكاف واللام في ((لكم)) وتقديره: أي شيء استقر لكم غير مقاتلين، مثل:
﴿فَمَا لَكُمْ فِ الْمَُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨/٤]. ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: معطوف على
اسم الله تعالى. وقيل: على سبيل. ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الظالم صفة للقرية، وجاز
وصف القرية وإن لم يكن الظلم لها؛ لعود الضمير العائد إليها من ((أهلها)).
وأهلها: فاعل الظالم.
٢٠
البلاغة:
﴿يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ استعارة، استعار لفظ الشراء
للمبادلة، أي يبيعون الفانية بالباقية.

١٥٧
لُعُ (٥) - التَشَّةِ: ٧١/٤-٧٦
كَأَن لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ﴾ اعتراض بين القول ومقوله وهو: یا
ليتني.
ويوجد مقابلة في قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّغُوتِ﴾.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُقَائِلُونَ﴾ استفهام توبيخ، أي لا مانع لكم من القتال.
المفردات اللغوية:
(خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أي احترزوا وتيقّظوا من عدوّكم، والْخِذْر والْخَذَر
بمعنى واحد، كاْثِلِ والْمَثَل: وهو التيقُظ والاستعداد . ﴿فَأَنِفِرُواْ﴾ انهضوا إلى
قتاله. ومصدره: النفر: وهو الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، كالنزوع عن
الشيء وإلى الشيء . ﴿ثُبَاتٍ﴾ متفرقين واحدها ثبة: وهي الجماعة، أي
اخرجوا جماعة تلو جماعة. ﴿لَِّبَطْأَنَّ﴾ ليتأخرن عن القتال، كعبد الله بن أبي
المنافق وأصحابه، وجعله من المسلمين من حيث الظاهر. والتبطؤ: يطلق على
الإبطاء وعلى الحمل على البطء: وهو التأخر في السير عن الانبعاث للجهاد
وغيره. ﴿قُصِيبَةٌ﴾ ما يصيب الإنسان من قتل أو هزيمة أو غيرهما. ﴿شَهِيدًا﴾
حاضراً معهم.﴿فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ كفتح وغنيمة. ﴿مَوَدَّةٌ﴾ معرفة وصداقة.
﴿فَأَفُوَزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ آخذ حظّاً وافراً من الغنيمة.
﴿فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لإعلاء دينه، وسبيل الله: تأييد الحق ونصرته،
بإعلاء كلمة الله ونشر دعوته . ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾
أي يبيعونها ويأخذون بدلها نعيم الآخرة وثوابها. ﴿فَيُقْتَلْ﴾ يستشهد . ﴿أَوْ
يَغْلِبٌ﴾ يظفر بعدوه. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثواباً جزيلاً.
﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لا مانع لكم من القتال.
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي في تخليص المستضعفين. ﴿وَالْوِلْدَنِ﴾ الذين حبسهم الكفار

١٥٨
لُ (٥) - النِّشَكَّاءِ: ٧١/٤-٧٦
عن الهجرة وآذوهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي منهم.
﴿الْقَرْيَةِ﴾ مكة. ﴿الَّالِ أَهْلُهَا﴾ بالكفر. ﴿ وَأَجْعَل لَنَا مِن لَّدُنَكَ وَلِيًّا﴾ من عندك
من يتولى أمورنا .﴿نَصِيرًا﴾ يمنعنا منهم. وقد استجاب دعاءهم، فيسَر لبعضهم
الخروج، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة، وولّ وَ له عتاب بن أسيد،
فأنصف مظلومهم من ظالمهم.
﴿ الطَّغُوتِ﴾ الشيطان أو الطغيان: وهو مجاوزة الحق والعدل والخير إلى
الباطل والظلم والشّر، والطاغوت يذكّر ويؤنّث. ﴿أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ﴾ أنصار
دينه، تغلبونهم لقوتكم بالله. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي إن كيد
الشيطان بالمؤمنين كان واهياً لا يقاوم كيد الله بالكافرين. وكيد الشيطان:
السعي في الفساد بالحيلة.
المناسبة:
لما حذر الله تعالى من المنافقين وأمر بطاعة الله والرسول، أمر هنا أهل
الطاعة بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع شأن دينه، وأمر بالاستعداد
حذراً من مباغتة الكفار، ثم بيَّن حال المنافقين المثبطين العزائم عن الجهاد،
وهذا انتقال من الميدان الداخلي إلى المجال الخارجي، انتقال من السياسة
الاجتماعية في التعامل إلى السياسة الحربية.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوّهم، وهذا يستلزم
التأهُّب لهم بإعداد الأسلحة وإعداد الجيش المقاتل. ويرسم الله تعالى سياسة
الحرب ويضع قواعد القتال المؤدية إلى النصر والفوز الساحق.
يا أيها المؤمنون التزموا الحذر، واحترسوا من الأعداء، واستعدوا لردّ
العدوان، فإنكم معرّضون لشنّ معارك كثيرة طاحنة، وهذا أمر دائم يتكيّف

١٥٩
لُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٧١/٤-٧٦
بحسب تطور وسائل الحرب وقواعد القتال على ممر العصور. قال أبو بكر
لخالد بن الوليد في حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به، السيف
بالسيف، والرمح بالرمح. وهكذا بحسب المعروف بين الأمم من وسائل
الحرب البرية والبحرية والجوية.
ولا يصح للمؤمن أن يخشى اقتحام المعارك؛ لأن أجل الإنسان لا يتأخر
ساعة ولا يتقدم، وعلى المؤمنين التّخاذ ما يمكنهم من أسباب القوة، غير محتجِّين
بقدر، ولا يائسين من حدوث نكسة ما، أما ما روى الحاكم عن عائشة ((لا
يغني حذر من قدر)) فلا يتناقض مع أخذ الحذر؛ لأن الحذر داخل في القدر؛
إذ القَدَر: هو جريان الأمور على وفق السَّبية أي أن المسببات تأتي عادة على
قدر الأسباب، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بالقدر.
﴿فَانِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ آَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ أي فانهضوا للقتال جماعة إثر جماعة،
فصائل وفرقاً وسرايا، أو انهضوا جميعاً متعاضدين كلكم حسبما ترون من قوة
العدو وحاله. وهذا يعني كون الأمة على استعداد دائم للجهاد، وهذا نظير
قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ
بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨].
لكن بعضاً منكم في ساحة الجبهة الداخلية قد يتخلف عن الجهاد، وقد
يعرقل مسيرة المجاهدين، وقد يعوق أو يسعى لتثبيط العزائم عن الجهاد،
وهؤلاء هم المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء.
أما المنافقون فلا يرغبون في القتال؛ لأنهم لا يحبون الإسلام وأهله، وأما
الجبناء وضعاف الإيمان فيترددون في المشاركة بالجهاد خَوَراً وضعفاً وجبناً.
وهؤلاء يصطادون في الماء العكر ويستغلون النتائج والوقائع، فإن
أصابتكم مصيبة كقتل أو هزيمة، فرحوا فرحاً شديداً بنجاة أنفسهم، وحمدوا
الله على أن لم يكن أحدهم حاضراً في المعركة، يعدون ذلك من نعم الله
عليهم، ولم يدروا ما فاتهم من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتلوا.

١٦٠
.
لُهُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٧١/٤-٧٦
وإن أصابكم فضل من الله، أي نصر وظفر وغنيمة قالوا - وكأنهم ليسوا
من أهل دينكم -: ياليتنا اشتركنا في القتال لنحظى بسهم من الغنيمة.
وهم في الحالين ضعاف العقول، قاصرو النظر، ضعاف الإيمان جبناء،
لذا وتخهم الله تعالى وقرَّعهم بعبارة لطيفة تدلّ على انقطاع صلتهم بالمسلمين
وهي: ﴿كَأَن لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. وهذا فيه استثارة للتأمل والتفكير
في نفس السامع؛ إذ يدعو صاحبه إلى النظر في حقيقة حاله وعيوب نفسه.
ثم انتقل الله تعالى ببيانه من وصف حال الضعفاء إلى بيان مركز الأقوياء،
ومن دائرة الهبوط في دائرة التخلف عن القيام بالواجب إلى الصعود إلى مرتبة
يمكن فيها تطهير النفوس من ذلك الذنب العظيم: ذنب التقاعس عن القتال.
فحرض عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ
المستضعفين بمكة أو غيرها من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من القيام
بها.
فليقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ولنصرة دينه - دين الحق والتوحيد،
والعدل والكرامة، والقوة والمدنية: من يبيع دنياه الفانية بالآخرة الباقية، حتى
يحقق علو كلمة الله، فيجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى،
والله عزيز حكيم.
ثم رغَب الله تعالى في القتال بعد الأمر به ببيان الثواب عليه، فمن يقاتل في
سبيل الله، فيغلبه عدوه، أو يغلب هو العدو، فإن الله سيؤتيه ثواباً عظيماً هو
الجنة والأجر الحسن. وهذا يدلّ على شرف الجهاد والمجاهدة، وقد عانى
المسلمون أشدّ البلاء من الكفار في مكة قبل الفتح، مثلما حدث لبلال
وصهيب وعمار وأسرته.
ثم زاد الترغيب في الجهاد بنفي الأعذار، فأي عذر لكم يمنعكم عن القتال