Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ لِلُعُ (٥) - الشَّاءِ: ٣٤/٤-٣٥ [البقرة: ٢٢٩/٢]، ويؤيده حديث آخر: ((أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم؟!)). فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً، أي إذا تحققت طاعتهنّ حينئذٍ فلا تطلبوا سبيلاً آخر إلى التعدي عليهنّ ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيره، أو فلا تظلموهنّ بطريق آخر فيه تعذيب وإيذاء. إن الله كان وما يزال عليّاً كبيراً، أي إنه تعالى قاهر كبير قدير ينتصف لهنّ ويستوفي حقهنّ، فلا تغترّوا بقوّتكم أو علوّكم أو درجتكم. وهذا تهديد للأزواج على ظلم النساء. وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج على قبول توبة النساء، فإذا كان المتعالي المتكبِّر يقبل توبة العاصي، فأنتم أولى بأن تقبلوا توبة المرأة. وهل العقوبات السابقة مشروعة على الترتيب أو لا؟ يرى بعضهم أن هذه العقوبات مشروعة في مجموعها، دون ترتيب بينها؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب. وذهب آخرون إلى أن ظاهر اللفظ، وإن دلّ على مطلق الجمع، فإن فحوى الآية يدلّ على الترتيب؛ لأن الواو داخلة على جزاءات متفاوتة في القوة، متدرجة من الضعيف إلى القوي، إلى الأقوى: الوعظ، فالهجران، فالضرب، وذلك جارٍ مجرى التصريح بالتزام التدرُّج. وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. ٤. التحكيم: خاطب الله الحكام والزوجين وأقاربهما في هذه المرحلة، فقال: إن علمتم بوجود الخلاف أو النزاع والعداوة بين الزوجين فابعثوا حكمين: أحدهما من أهله، والآخر من أهلها، للسعي في إصلاح ذات بينهما بعد استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، ومعرفة سبب الخلاف، ومتى صدقت الإرادة وأخلص الحكمان النّة والنُّصح لوجه الله، فالله يوفقهما بمهمتهما ويهدي إلى الخير، ٦٢ لُغُرُ (٥) - الَشَاءِ: ٣٤/٤-٣٥ ويحقق الوفاق والتفاهم والعودة إلى التوادد والتراحم والألفة بين الزوجين ويبارك وساطتهما. فمعنى قوله: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا﴾ أي الحكمان، و﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ﴾ أي الزوجين. إن الله كان وما يزال عليماً خبيراً: يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين، كما قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣/٨]. وهل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ﴾ للوجوب أو للندب والاستحباب؟ قال الشافعي: الأمر للوجوب؛ لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي، وهو ظاهر الأمر. أما كون الحكمين من أقارب الزوجين فهو على وجه الاستحباب، ويجوز كونهما من الأجانب؛ لأن مهمتهما وهي استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين وإجراء الصلح بينهما والشهادة على الظالم منهما، تتحقق بالأجنبي، كما تتحقق بالقريب، لكن الأولى كونهما من أهل الزوجين، ومنعاً من التشهير بالسمعة، ولأن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ حرصاً على الإصلاح، وأبعد عن الميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى اطمئنان النفس إليهم. وأما مهمة الحكمين: فهي في رأي الإمام مالك والشعبي وهو رأي علي وابن عباس الجمع والتفريق بين الزوجين، وإلزامهما بذلك بدون إذنهما، يفعلان ما فيه المصلحة من تطليق أو افتداء المرأة بشيء من مالها. ولا يملكان أكثر من طلقة واحدة بائنة. قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾: هذا نصّ من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان(١). (١) أحكام القرآن: ٤٢٤/١ ٦٣ لُزُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٣٤/٤-٣٥ ورأى الشافعية والحنابلة: أنه ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وکیلان للزوجين. وقال الحنفية: يرفع الحكمان ما يريدانه إلى القاضي، وهو الذي يطلِّق طلاقاً بائناً، بناءً على تقريرهما، فليس للحكمين التفريق إلا أن يفوضا فيه. ويكون رأي الحنفية كالشافعية والحنابلة. وليس في الآية ما يرجّح أحد الرّأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرّأيين، فالرّأي الأول يدلّ عليه تسمية كلّ منهما حكماً والحكم هو الحاكم، والحاكم متمكن من الحكم. والرأي الثاني يدلّ عليه أنه تعالى لم يفوّض إليهما إلا الإصلاح، وما عدا ذلك غير مفوض إليهما. وبما أن المسألة اجتهادية فالقياس يقتضي ترجيح الرّأي الثاني؛ لأن الزوجين غير مجبرين على شيء من طلاق أو افتداء قبل التحكيم، فلا يجبرهما الحكم على شيء بعد التّحكيم، ويكون كلّ من إيقاع الرّجل الطّلاق، وبذل المال من الزوجة منوطاً برضاهما. فإن اختلف الحَكَمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم شيء إلا ما اتّفقا عليه. ويجوز للزوجين تحكيم شخص واحد، وينفذ حكمه لرضاهما مسبقاً به. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على ما يلي: أَ - إثبات القوامة في الأسرة للرجل، وتفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف. أَ- العجز عن النفقة يسقط القوامة للرجل، ويمنح المرأة الحق في فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله الزواج، الآية: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾. وفي قوله تعالى هذا أيضاً دلالة واضحة على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي. ٦٤ الجُرُ (٥) - النساء: ٣٤/٤-٣٥ وقال أبو حنيفة: لا يفسخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠/٢]. ٣- للزوج الحق في تأديب زوجته ومنعها من الخروج، وعلى الزوجة بقوله تعالى: ﴿فَلْضَلِحَتُ قَنِنَكُّ حَفِظَاتُ لِّلْغَيْبِ﴾ طاعة الزوج في غير معصية الله، والقيام بحقّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج، وفي الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة: "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها ". ٤ - للزوج حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه؛ لأن الله تعالى جعله قواماً عليها - بصيغة المبالغة، والقوّام: الناظر على الشيء الحافظ له. وبهذا أخذ المالكية. ٥- وجوب النفقة على الزوج لزوجته. ٦- مشروعية وسائل تسوية النزاع بين الزوجين: وهي الوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضاجع (عدم المبيت في فراش الزوجية)، ثم الضرب غير المبرِّح (غير المؤذي: وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً، كاللَكْزة ونحوها) ثم التحكيم بإرسال حكمين إما من الأقارب وإما من الأجانب. ولم يذكر الله تعالى إلا الإصلاح في مهمة الحكمين: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا﴾ ولم يذكر التفريق إشارة إلى الحرص على الإصلاح دون التفريق المؤدي إلى خراب البيوت. /٧- الامتناع عن الظلم: دلّ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي تركوا النشوز ﴿فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ على تحريم ظلم الرجل للمرأة، أي لا تجنوا عليهنّ بقول أو فعل، وهو نهي عن ظلمهنّ بعد التزام أدبهنّ. ٨- تواضع الرجل ولينه: دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ على إرشاد الأزواج إلى خفض الجناح ولين الجانب؛ أي إن كنتم ٦٥ لُ (٥) - النِّشَكَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ تقدِرون عليهنّ فتذكروا قدرة الله، فقدرته فوق كل قدرة، وهو بالمرصاد لكلّ أحد يستعلي على امرأته ويذلها أو يهينها بغير حقّ. ويلاحظ أن الله عزّ وجلّ لم يأمر في شيء بالضرب صراحة إلا هنا وفي الحدود الشديدة، فجعل معصية المرأة من الكبائر، وولّ الأزواج صلاحية التأديب دون الأئمة والحكام، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بیِّنات، ائتماناً من الله تعالى للأزواج على النساء. أخلاق القرآن عبادة الله وحده والإحسان للوالدين والأقارب والجيران والتحذير من الإنفاق رياء وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاُلْيَتَعَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضَاحِبِ بِالْجَنَبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا لَـ ) وَاُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَنُ لَهُ قَرِيْنَا فَسَآءَ قَرِيْنًا ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَّهُمُ اللَّهَ وَكَانَ (٣٩) اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا القراءات: ﴿بِالْبُخْلِ﴾: قرئ: ١- (بالبَخَل) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (بالبُخْل) وهي قراءة باقي السبعة. ٦٦ لُزُ (٥) - النِّسَكَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ الإعراب: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿مَن﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ مَن كَانَ﴾. رِشَآءَ النَّاسِ﴾ إما أنه منصوب مفعول لأجله تقديره: لرئاء الناس، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه، وإما منصوب لأنه مصدر في موضع الحال من ﴿أُلَّذِينَ﴾ غير داخلة في صلته. البلاغة: يوجد إطناب في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. تعريض بذم الكبر المؤدي إلى احتقار الناس. مُخْتَالا فَخَوَرَ﴾ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ فيه الحذف، وتقدير المحذوف: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً. المفردات اللغوية: ﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ العبادة: الخضوع لله والاستسلام له سرّاً وعلناً، باطناً وظاهراً مع الإخلاص. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ أي أحسنوا لهما، والإحسان للوالدين: البرّ بهما بخدمتهما وتحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما عند الحاجة وبقدر الاستطاعة، ولين الجانب والكلام معهما . ﴿ وَبِذِى الْقُرْبَ﴾ صاحب القرابة من أخ وعمّ وخال وأولادهم. ﴿ وَالْجَارِ ذِى الْفُرْبَ﴾ الجار القريب الجوار أو النسب. ﴿ وَالْجَارِ اٌلْجُنُبِ﴾: هو البعيد عنك في الجوار أو النسب. ﴿ وَاَلْضَاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيق في السفر أو الصناعة، وكل صاحب ولو وقتاً قصيراً . ﴿وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في سفره: المسافر أو الضيف. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ من العبيد والإماء (الأرقاء). ﴿مَخْتَالاً﴾ هو ذو الخيلاء ٦٧ لُعُ (٥) - النَشَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ والكبر . ﴿فَخُورًا﴾ هو الذي يتفاخر على الناس بتعداد محاسنه تعاظماً وتعالياً. ﴿ وَأَعْتَدْنَا﴾ هيأنا وأعددنا. ﴿مُّهِينًا﴾ ذا إهانة وذلّ. [رِشَآءَ النَّاسِ﴾ أي للمراءاة والسمعة. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ اُلْآَخِرُّ﴾ كالمنافقين وأهل مكة. ﴿فَرِنا﴾ صاحباً وخليلاً يعمل بأمره كهؤلاء. ﴿فَسَآءَ﴾ بس. ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ﴾ المعنى أيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق، والاستفهام للإنكار، ولو: مصدرية، أي لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه. سبب نزول الآية (٣٧): ﴿اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ الآية. وروي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود كانوا يأتون أصحاب رسول الله عليه يزهّدونهم في نفقة أموالهم في الدين، ويخوفونهم الفقر، ويقولون لهم: لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. وقال أكثر المفسرين: نزلت في اليهود كتموا صفة محمد ◌ّله ولم يبيِّنوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم. وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدِّقوا مَنْ أتاهم صفة محمد ◌ّ ونعته في كتابهم. وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ نزلت في اليهود. وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. ٦٨ لُحُ (٥) - النساء: ٣٦/٤-٣٩ المناسبة: الآيات السابقة من أول السورة في تنظيم روابط الأسرة، كاختبار اليتامى، والحجر على السفهاء، وكيفية معاملة النساء بالإحسان مع رقابة الله، وناسب هنا التذكير ببعض الحقوق العامة وتقوية رابطة القرابة والجوار والصداقة وترشيد الإنفاق بأن يكون بإخلاص لله تعالى لا رياء وسمعة. وقد صدَّر هذا الإرشاد بالأمر بعبادة الله؛ لأنها الأساس. التفسير والبيان: بعد أن أرشد الله تعالى الزوجين إلى المعاملة الحسنة وأمر الحكام بإزالة أسباب الخصومة، أرشد الناس جميعاً إلى بعض خصال الخير والإحسان، ودلهم على أنواع من الأخلاق الحسنة في معالمة بعضهم بعضاً، وهي ثلاثة عشر نوعاً بين مأمور به ومنھي عنه: أَ - عبادة الله وحده: العبادة: المبالغة في الخضوع لله تعالى، وذلك بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، سواء في أفعال القلوب أو أفعال الجوارح (الأعضاء) فإنه هو الخالق الرّازق المنعم المتفضّل على خلقه، لذا كان هو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته. أَ - عدم الشرك به شيئاً: والإشراك ضدّ التوحيد، وهو عطف خاص على عام. ويذكر هذان الأمران عادة معاً، كما قال النبي ◌َّ لمعاذ بن جبل فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه: ((هل تدري ما حق الله على العباد؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)) ثم قال: ((أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: أن لا يعذبهم)). وقدم في هذه الآية ما يتعلق بحقه تعالى لأمرين: ٦٩ الجُرُ (٥) - التَشَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ الأول- العبادة والإخلاص أساس الدين، وبدونه لا يقبل الله من العبد عملاً ما. الثاني- الإيماء إلى أهمية الأمور الآتية بعدها، وإن تعلقت بحقوق العباد. والإشراك أنواع مختلفة: منها : ما ذكره الله تعالى عن مشركي العرب من عبادة الأصنام باتخاذهم وسطاء إلى الله فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ [يونس: ١٨/١٠] وقوله ١٨ وَلَا فِ الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩]. ومنها: ما ذكره الله عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح عليه السلام، فقال: ﴿أَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًاً لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَنَهُ [التوبة: ٣١/٩]. ٣١ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢ -الإحسان للوالدين: قرن الله تعالى الأمر ببر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع كثيرة من القرآن، كهذه الآية، وآية ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧] وآية: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَّ اُلْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤/٣١]. وبر الوالدين: طاعتهما في معروف والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما والبعد عن كل ما يؤذيهما؛ لأنهما السبب الظاهر في وجود الأولاد، وتربيتهم بالرحمة والإخلاص. قال ابن العربي: بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون في الأقوال والأعمال، أما في ٧٠ الدُُّ (٥) - النَشَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ الأقوال فكما قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَُّمَا أُفّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٢٣] فإن لهما حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة(١). ٤ - الإحسان إلى القرابة: وهو صلة الرحم كالأخ والأخت والعم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم، على نحو ما ذكر في أول السورة: ﴿ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمُ﴾ [النساء: ١/٤]. وذلك يؤدي إلى ترابط الأسرة وتقوية معنوياتها وتساندها، فيقوى المجتمع، وتتقدم الدولة. ٥- الإحسان إلى اليتامى: وصى الله تعالى بهذا في أول السورة وفي غيرها؛ لأن اليتيم فقد الناصر والمعين وهو الأب. قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم، وإن كان وصياً فليبالغ في حفظ أموالهم. ٩- الإحسان إلى المساكين: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما یکفیھم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم أو بردهم رداً جميلاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا · [الضحى: ١٠/٩٣]. وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي اُلسَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ في الإسلام. لاً- الإحسان إلى الجار ذي القربى: وهو القريب في المكان أو بالنسب أو بالدين. والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة. ٨- الإحسان إلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره أو لم يكن ذا قرابة، وقد حث الإسلام على الإحسان في معاملة الجار ولو غيرَ مسلم، فقد عاد النبي ◌َ ﴿ ابن جاره اليهودي، وذبح ابن عمر شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديتَ لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ◌َّطول يقول فيما رواه البيهقي عن (١) أحكام القرآن: ٤٢٨/١ ٧١ الزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ عائشة: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه" وأخرج الشيخان أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره". وتحديد الجوار متروك إلى العرف، وحدده الحسن البصري بأربعين جاراً من كل جانب من الجوانب الأربعة. وإكرام الجار له مظاهر عديدة منها مواساته إن كان فقيراً، ومنها حسن العشرة وكف الأذى عنه، ومنها إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وزيارته وعيادته ونحو ذلك. قال ابن العربي: حرمة الجار عظيمة في الجاهلية والإسلام، معقولة، مشروعة مروءة وديانة(١). ومن الإحسان إلى الجار الحديث الصحيح في الموطأ: " لا يمنعن أحدكم جارَه أن يغرز خشبة في جداره". ٤- الإحسان إلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق بنحو مؤقت، كالتعلم والسفر والصناعة، والجلوس في مسجد أو مجلس. وقيل عن علي: إنه الزوجة أو المرأة. . ١ - الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف. والإحسان إليه بمساعدته للوصول إلى بلده أو غرضه. ١١ً - الإحسان إلى ما ملكت أيمانكم: أي الأرقاء من العبيد والإماء. وقد أوصى النبي وعليه بهم في مرض موته، في آخر وصاياه، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: ((كانت عامة وصية رسول الله وَ له حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم)). وروى الشيخان عنه وَّر قال: ((هم إخوانكم وخَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل، (١) أحكام القرآن: ٤٢٩/١ ٧٢ الْجُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ وليُلْبسه مما يَلْبَس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه" والإحسان إليهم يكون أيضاً بإعتاقهم أو بمساعدتهم على تحریر رقابهم. ١٢، ١٣ - تحريم الاختيال والتفاخر: المختال: هو المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في حركاته وأفعاله. والفخور: المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في أقواله. والمختال الفخور مبغوض عند الله لاحتقاره حقوق الناس وتشبهه بصفات الإله، وهو لا يعبد الله حقاً إذ لا خشوع عنده، ولا يحسن إلى الوالدين والأقارب والجيران والأصدقاء. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي إنه يعاقبه على خيلائه وفخره. وقد نهى الله تعالى عن الكبر والخيلاء في آية أخرى هي: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا (٣٧) ﴾ [الإسراء: ١٧ /٣٧]. وليس من الكبر: الوقار في غير غلظة، وعزة النفس مع الأدب، وتحسين البيت والمركوب والهيئة واللباس، بدليل ما روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَالر: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة. فقال ◌َّهِ: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطَر الحق وغَمْط الناس(١))). ثم بَيَّن الله تعالى أوصاف المختال الفخور بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي إنه تعالى يذم الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجيران ونحوهم، ولا يدفعون (١) بطر الحق: رده استخفافاً وترفعاً، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم. ٧٣ الُعُ (٥) - الشتاء: ٣٦/٤-٣٩ حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضاً، ويكتمون أفضال الله عليهم، فالبخل جحود لنعمة الله ولا تظهر عليه آثارها في مأكل أو ملبس أو إعطاء وبذل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات: ٦/١٠٠-٧] أي شهيد بحاله وشمائله. ٧ وذم النبي ◌َّمِ أيضاً البخل فقال: ((وأي داء أدوأ من البخل؟)) وقال فيما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمرو: "إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا". ولكل هذه الخصال القبيحة في البخلاء توعدهم الله بالعقوبة بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي وهيأنا لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذاباً يهينهم ويذلهم، إنه عذاب جامع بين الألم والذل، جزاء على فعلهم، وسماهم الله كفاراً إشعاراً بأن هذه أخلاق الكفار لا المؤمنين؛ ولأن الكفر: هو الستر والتغطية، والبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعمة الله عليه. وفي الحديث الذي رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمرو: ((إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) وفي الدعاء النبوي: ((واجعلنا شاكرين لنعمتك، مُثْنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا)). وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ◌ّ وكتمانهم إياها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وعلى كل حال: أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وهم من سبق، وفريق آخر ذكرهم القرآن بعدئذ وهم الذين ينفقون أموالهم مرائين الناس، أي يقصدون رؤية الناس لهم فيعظمونهم ويحمدونهم. ٧٤ الجُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ وبعد أن ذكر الله الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ذكر الباذلين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون به وجه الله، فيبذلون المال لا شكراً لله على نعمه، ولا اعترافاً لعباده بحق، هؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِيشَآءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨/٤]. جاء في الحديث الثابت: ((الثلاثة الذين هم أول من تُسَجَّر بهم النار: وهم العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، إنما أردت أن يقال: جواد، فقد قيل)) أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك. وهؤلاء المراؤون لا يؤمنون حقاً بالله ولا باليوم الآخر، أي إنما حملهم على صنيعهم القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الصحيح: الشيطان، فإنه سوّل لهم وأملى لهم وحسَّن لهم القبائح؛ ولأن المؤمن الحق لا ينفق رياء بل الله، ويعمل للباقي الدائم وهو يوم القيامة، وهؤلاء قرناء الشيطان الذي يوحي إليهم، ويعدهم بالفقر لو أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر، ومن يكن الشيطان له قريناً، فبئس هذا القرين، أي إن الذي حملهم على ما فعلوا وسوسة الشيطان وهو بئس الصاحب والمعلم، فحالهم في الشر كحال الشيطان. وفي هذا إيماء إلى ضرورة البعد عن قرين السوء، واختيار القرين الصالح. ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَّهُمُ اللَّهَ﴾ والمعنى: وأي ضرر يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله، وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء المحقق للخلود والسعادة، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالاً لأمره. وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم؛ إذ إنهم لو أخلصوا العمل وعدلوا ٧٥ الُعُ (٥) - النِّشَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ عن الرياء إلى الإخلاص، والإيمان بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا فيما يحبه الله ويرضاه، لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة معاً. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي هو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وخبير بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه للخير، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم، فيتخلى عنه، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل، ولن ينسى عمل العاملين المخلصين، وما على المؤمن إلا أن يجعل عمله خالصاً لله، فهو الذي يراه ويتقبل منه، ويحاسبه على عمله. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات دستور التعامل بين الناس وربهم، وبين بعضهم بعضاً. وهي من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وهي مقررة في جميع الكتب السماوية، ولو لم يكن كذلك لعرف حكمها من جهة العقل، وإن لم ينزل به الکتاب. وهي مفتتحة بأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص في عبادته، وهي أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّةٍ أَحَدَأُ﴾ [الكهف: ١١٠/١٨]. وتنهى الآية عن ضد التوحيد وهو الشرك، وهو كما قال العلماء مراتب ثلاثة وكلها محرمة منكرة. الأولى - اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن كَشَآءُ﴾ [النساء: ٤ /٤٨]. ٧٦ لُعُ (٥) - التَشَاءِ: ٣٦/٤-٣٩ الثانية- اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل: وهو القول بأن موجوداً غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهاً، كالقدرية مجوس هذه الأمة. وقد تبرأ منهم ابن عمر. الثالثة- الإشراك في العبادة وهو الرياء: وهو أن يفعل العبد شيئاً من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهو الذي حرمته الآيات والأحاديث، وهو مبطلٍ للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي. روى ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله : ((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)). وأمرت الآيات بالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران الأقارب والأباعد، والأصحاب لوقت ما كرفيق الأسفار وجليس المجلس والصلاة، والمسافرين، والأرقاء المماليك، وقد سبق الكلام تفصيلاً عنهم. ونهت الآيات عن التكبر والخيلاء والتفاخر والتعاظم، والمختال: هو ذو الخيلاء المتكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كِثْراً، والفخر: البَذَخ(١) والتطاول. وخص الله تعالى هاتين الصفتين بالذكر هنا؛ لأنهما تحملان صاحبيهما عى الأنفة والترفع من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذُكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم. وذكر الله تعالى صفات المتكبرين المختالين، ومن أشنعها البخل وأمر الناس بالبخل، والبخل المذموم في الشرع: هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى (١) البَذّخ: الكِثْر. ٧٧ لُ (٥) - النَّاءِ: ٣٦/٤-٣٩ عليه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًّا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠/٣]. والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود؛ فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد ◌َّ، والله لا يحب المختال الفخور أي يعاقبه، وأكد ذلك بأنه تعالى أعد له عذاباً مهيناً. ويرى القرطبي أنه تعالى توعد المؤمنين الباخلين بعدم المحبة، وتوعد الكافرين عذاباً مهيناً (١). والفريق الثاني من أهل الفخر هم الذين ينفقون أموالهم رياء، قال الجمهور: نزلت في المنافقين، لقوله تعالى: ﴿رِشَآءَ النَّاسِ﴾ والرئاء من النفاق. ونفقة الرئاء لا تجزئ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣/٩]. ثم وجَّه الحق سبحانه وتعالى المنفقين رياء إلى ما هو الأصلح لهم وهو الإيمان الحق بالله (أي التصديق بواجب الوجود) واليوم الآخر، والإنفاق لوجه الله، فالله علیم بكل شيء، خبير بأحوال الناس، وسیجازي كل امرئ بما قدم وعمل. (١) تفسير القرطبي: ١٩٣/٥ ٧٨ الُعُ (٥) - النَِّّاءِ: ٤٠/٤-٤٢ الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفُهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَخْرًا عَظِيمًا فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ ٤١ شَهِيدًا يَوْمَيِذٍ بَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ نُسَوَّى بِهِمُ اٌلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا القراءات: ﴿حَسَنَةٌ﴾: قرئت : ١- بالنصب، وهي قراءة الجمهور، وتكون ((كان)) ناقصة. ٢- بالرفع، وهي قراءة ابن كثير، وتكون ((كان)) تامة. ﴿يُضَعِفُهَا﴾: قرئ: (يضعِّفها) بالتشديد، وهي قراءة ابن عامر، وابن كثير. ﴿چِثْنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (جينا). ﴿ نُسَوَى﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (تَسوَّى). ﴿بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: قرئ: ١ - (بهِم) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (بهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٧٩ الُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٠/٤-٤٢ ٣- (بهِمُ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةُ﴾ بالنصب خبر تكن الناقصة، وتقديره: وإن تكن الذرة حسنة، وقرئ بالرفع على أنها فاعل تكن التامة. وأصل (تك): تكون بالرفع، إلا أنه حذفت الضمة للجزم، فبقيت النون ساكنة والواو ساكنة، فاجتمع ساكنان، وهما لا يجتمعان، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكان حذف الواو أولى؛ لأنها حرف معتل، والنون حرف صحيح، فبقي "تكن" فحذفت النون لكثرة الاستعمال. ﴿شَهِيدًا﴾ حال منصوب من الضمير في ﴿يِكَ﴾ وهو الكاف، والتقدير: جئنا بك شهيداً على هؤلاء؟ ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ في موضع نصب والعامل فيه ﴿يَوَذُ﴾ وكذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَدُّ﴾ أيضاً ﴿وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إما معطوف على ﴿نُسَوَّى﴾ فيكون داخلاً في التمني، أي ودوا تسوية الأرض وكتمان الحديث من الله تعالى، وإما أن تكون الواو فيه واو الحال، والجملة حالية. البلاغة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ السؤال عن المعلوم لتقريع السامع وتوبيخه. المفردات اللغوية: ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ الظلم: النقص وتجاوز الحد، أي لا ينقص أحداً من حسناته ولا يزيد في سيئاته . ﴿مِثْقَالَ﴾ أصله المقدار الذي له ثِقْل مهما قل، ثم أطلق. على المعيار المخصوص للذهب وغيره (المثقال العجمي: ٤,٨٠ غم) والمراد به هنا وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر ما يدرك من الأجسام، والذرة في العلم الحديث: الجزء الذي لا يتجزأ، ومن الذرات: الهباء: وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من نافذة. ﴿يُضَعِفْهَا﴾ من عشر إلى أكثر من سبع مئة. ﴿مِن لَّدُنّهُ﴾ ٨٠ الُعُ (٥) - النِّشَكَّاءِ: ٤٠/٤-٤٢ من عنده. ﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبي الأمة. ﴿لَوْ تَُوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي لو أن تتسوى بهم الأرض بأن يكونوا تراباً مثلها لعظم الهول، كما في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ اُلْكَافِرُ يَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا﴾. ﴿ وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مما عملوه، وفي وقت آخر يكذبون ويقولون: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ والحديث: الكلام. المناسبة: موضوع هذه الآيات الترغيب من الله تعالى في امتثال المأمورات والتحذير من المنهيات الواردة في الآيات السابقة، ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧/٩٩-٨]. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه لا يظلم أحداً من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِنْقَالَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧/٢١] وقال حَبّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ تعالى مخبراً عن لقمان أنه قال: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيْرٌ [لقمان: ١٦/٣١]. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَيه في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: ((فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار)) وفي لفظ: ((أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار)) فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية.