Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
الُعُ (٤) - آلِغَتْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
ويقول المتفكرون الذاكرون: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبئاً ولا أوجدته
باطلاً زائلاً، فأنت منزه عن الباطل والعبث، وكل خلقك حق مشتمل على
فائدة وحكمة وقدرة، أي أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر ودقق وتفكر
يتوجه إلى الله تعالى متضرعاً معلناً قناعته بحكمة الله العليا في خلق المخلوقات،
فاجعل لنا وقاية وحاجزاً من عذاب النار، وأجرنا من عذابها، ووفقنا للعمل
الصالح والاعتقاد الجازم الثابت الصحيح. ومعنى ﴿سُبْحَنَكَ﴾ : تنزيه الله عن
السوء، كما ثبت عن النبي 98ُّ من حديث موسى بن طلحة.
إن من أدخلته النار بعدلك وبسبب انحرافه وضلاله وخطئه، فقد أهنته
وجعلته ذليلاً؛ لأن من يعصيك فأنت قاهره ومُذلّه، وما للكافرين الظالمين
أنفسهم بسبب جورهم وظلمهم أعوان ومؤيدون ينقذونهم من عذاب الله
تعالى. فهو جزاء عادل لمحض الظلم وتجاوز الحدود، وإعلام بأن من يدخل
النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها.
ربنا إننا سمعنا منادياً داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول وَله يقول: آمنوا
بربكم، فآمنا أي فاستجبنا له واتبعناه، أي أنهم مزجوا إيمانهم بالله وبقدرته،
بالإيمان بكل ما جاء به رسول الله وَلو من شرائع وأحكام وآداب وأخلاق.
ربنا فاستر ذنوبنا الكبائر، وسيئاتنا الصغائر، وأكرمنا بصحبة الأخيار
الصالحين، المعدودين في جملتهم، العاملين بمثل أعمالهم، كما قال تعالى:
﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَّهِم مِّنَ النَّبِّئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩/٤].
﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا﴾: أعطنا ما وعدتنا من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا والجنة
في الآخرة، على ألسنة رسلك، أو على الإيمان والتصديق برسلك. وفي هذا
إشعار بتقصيرهم، والاعتماد على توفيق الله وعنايته. ولا تفضحنا أمام الناس
يوم القيامة، إنك صادق الوعد ومنجزه على الإيمان والعمل الصالح، سواء في
الدنيا بالتقدم والتفوق والسيادة، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اُللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ

٥٤٢
◌ِلُرُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤] وفي الآخرة بالفوز
بالجنة، كما قال: ﴿وَعَدَ اُللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َحْنِهَا
اَلْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ٧٢/٩].
فأجاب الله دعاءهم، لصدق إيمانهم، وجازى كل عامل بعمله، سواء
أكان ذكراً أم أنثى، فالذكور والإناث متساوون في الحقوق والواجبات، وفي
الجزاء على صالح الأعمال، ولا غرابة في ذلك فهم من أصل واحد، وكل
واحد من الذكور والإناث من الآخر وبالعكس، فالرجل مولود من الأنثى،
والأنثى مولودة من الرجل.
وبعد أن ربط الله الجزاء بالعمل أوضح مظاهر العمل، منها الهجرة في مبدأ
الإسلام من مكة إلى المدينة تأييداً لدعوة الإسلام ومؤازرة للنبي وَّ، ومنها
الإخراج والطرد من الديار، ومنها الإيذاء في سبيل الله والقتال والقتل.
فهؤلاء المحسنون أعمالهم يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات تجري من
تحتها الأنهار، خالدين فيها، أثابهم الله ثواباً من عنده جزاء العمل الصالح،
وليس عند الله إلا حسن الثواب والجزاء وهو الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - على الإنسان النظر والتفكر والاستدلال بعجائب صنع السماوات
والأرض، فهي ترشده إلى الإيمان الصحيح، إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم
قدير غني عن العالمين؛ لأن الإيمان يجب أن يستند إلى دليل يقيني يدل على
تحققه ووجوده، لا إلى التقليد أو محض الوراثة.
٢ - قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويقرأ
هذه الآيات العشر، اقتداء بالنبي وَّر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ثم

٥٤٣
الُرُ (٤) - إِلِ عَتْرَأَنَ: ١٩٠/٣-١٩٥
يصلي فرض الصبح وسنته أو ما كتب له، فيجمع بين التفكر والعمل، وهو
أفضل العمل. أخرج أبو نصر الوائلي السِّجِسْتَاني الحافظ عن أبي هريرة أن
رسول الله ﴿ كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة.
٣ - المؤمن يلازم ذكر الله تعالى في كل أحواله، من قيام وقعود واضطجاع
وغيرها، ليظل على صلة بربه، فقال سبحانه: ﴿أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيًا﴾
[الأحزاب: ٤١/٣٣] وقال: ﴿فَذْكُرُونِ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢/٢].
ويدل هذا على أن المصلي يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع
فعلى جنب، كما ثبت لدى الأئمة الستة من حديث عمران بن حصين رضي الله
عنه، قال: ((كانت بي بواسير، فسألت النبي وَلّ عن الصلاة فقال: صلّ
قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) والقيام فرض على
القادر في صلاة الفريضة، وتصح صلاة النافلة حال القعود وأجره نصف أجر
القائم، والمضطجع نصف أجر القاعد، ورد في حديث عمران بن حصين في
رواية: ((صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد)). والذكر إما باللسان، وإما
بالصلاة فرضها ونفلها.
٤ - ويضم إلى الذكر عبادة أخرى هي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته
لزيادة التبصر، وتقوية الإيمان.
٥ - صيغ الدعاء في هذه الآيات تدل على الإيمان بالله والرسول، وعلى
الثقة بوعد الله ومصاحبة الأبرار، وعلى كمال الطلب بمغفرة الذنوب وستر
العيوب والبعد عن النار، فإن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن
يكونوا ممن وُعدوا بذلك دون الخزي والعقاب. والدعاء على هذا النحو على
جهة العبادة، والدعاء مُخّ العبادة. وطلب النصر على العدو معجَّلاً لإعزاز
الدين، روى أنس بن مالك أن رسول الله ◌َ إن قال: ((من وعده الله عز وجل
على عَمَلٍ ثواباً، فهو مُنجزٌ له رحمة، ومن وعده على ذنب عقاباً فهو فيه
بالخيار)).

٥٤٤
الُعُ (٤) - آِلِغُتْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
ومعنى الدعاء بإنجاز ما وعد الله: طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب
إنجاز الميعاد، أو هو من باب اللجوء إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء
عليهم السلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل
لربهم والتضرع إليه.
٦ - تضمن وعد الله تعالى على صدق الإيمان وصلاح الأعمال أموراً
ثلاثة :
أ - محو السيئات ومغفرة الذنوب، لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ﴾.
ب - الظفر بجنان الخلد، لقوله تعالى: ﴿ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَّخْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾.
جـ - اقتران الثواب بالتكريم لقوله تعالى: ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ
حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
٧ - الجزاء منوط بالعمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
٨ - لا فرق بين الذكر والأنثى في العمل والثواب، فهما من جنس واحد،
ومن نفس واحدة، وبعضهم من بعض في التكليف والأحكام والطاعة
والنصرة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِ﴾
[التوبة: ٧١/٩].
٩ - تكرار النداء بـ ﴿رَّبَّنَا﴾ خمس مرات للاستعطاف وإظهار فضل الله
بالتربية والملك والإصلاح.

٥٤٥
للزرعُ (٤) - آلعمران: ١٩٦/٣-٢٠٠
الكافرون والأتقياء ومؤمنو أهل الكتاب وجزاء كلٍ
مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ
﴿ لَكِنِ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
وَبِئْسَ الِهَادُ
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهُ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾
الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَّ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ
(١٩٩
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
٢٠٠
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
القراءات:
﴿مَأْوَنُهُمْ﴾ : قرئ: (ماواهم) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
﴿وَبِئْسَ﴾: قرئ: (بيس) وهي قراءة ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً.
﴿إِلَيْهِمْ﴾: قرئ: (إليهُم) وهي قراءة حمزة.
الإعراب:
﴿مَتَعُ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: تقلبهم متاع قليل، وحذف
لدلالة ما تقدم وهو قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ تَقَلُبُ﴾.
﴿َتَجْرِى﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لجنات، أو في موضع
نصب على الحال من الضمير: ﴿لَهُمْ﴾. (خَلِدِينَ﴾ منصوب على الحال من
ضمير ﴿لَهُمْ﴾ ﴿نُزُلًا﴾ منصوب على المصدر، والكلام عليه بمنزلة الكلام
السابق على قوله: ﴿ثَوَابًا﴾.

٥٤٦
الُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١٩٦/٣ -٢٠٠
﴿خَشِعِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يُؤْمِنُ﴾ المرفوع أو من ضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾
المجرور، أو من ضمير ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ المرفوع، أي لا يشترون خاشعين.
﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾: لا يجوز أن تدغم هذه الواو الساكنة في الواو المفتوحة
التي بعدها؛ لأنها واو الضمير، وهي تنزل منزلة ألف التثنية. وجاز الإدغام في
﴿ وَعَتَوْ عُنُوَّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١/٢٥] لأن الواو متصل، وأما واو ﴿أَصْبِرُواْ
وَصَابِرُواْ﴾ فهو منفصل.
﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفلحون: جملة فعلية في موضع رفع خبر: ((لعل)).
البلاغة:
﴿لَا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ
• استعارة، استعير التقلب
١٩٦
للضرب في الأرض بقصد التجارة وجلب المكاسب.
المفردات اللغوية:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ لا يخدعنك ظاهرهم من غير امتحان ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
تصرفهم في التجارات والمكاسب في البلاد ﴿مَنَعُ قَلِيلٌ﴾ أي شيء يتمتع به
صاحبه تمتعاً يسيراً في الدنيا، ثم يفنى ويزول، ووصف بالقلة؛ لأنه قصير
الأمد زائل، وكل زائل قليل ﴿مَأْوَنُهُمْ﴾ مصيرهم ﴿جَهَنَّمٌ﴾ اسم لدار الجزاء
للكفار في الآخرة ﴿وَبِئْسَ الِهَادُ﴾ الفراش هي، و﴿اَلِهَادُ﴾: المكان الممهد
الموطأ كالفراش، والمراد به جهنم، وسميت مهاداً تهكماً ﴿نُزُلًا﴾ هو ما أعد
للضيف من الزاد وغيره ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾ جمع بارّ وهو التقي المبالغ في التقوى
والبر، أي ماعند الله من الثواب خير للصلحاء من متاع الدنيا.
(خَشِعِينَ﴾ خاضعين ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا
يستبدلون بما عندهم في التوراة والإنجيل من بعثة النبي عوضاً من الدنيا
﴿أَصْبِرُواْ﴾ احبسوا أنفسكم عن الجزع مما ينالها، وعلى امتثال التكاليف

٥٤٧
الزُرُ (٤) - آلعمران: ١٩٦/٣-٢٠٠
الدينية ﴿وَصَابِرُواْ﴾ اسبقوا الكفار في الصبر على شدائد الحرب، فلا يكونوا
أشد صبراً منكم. ﴿ وَرَابِطُواْ﴾ أي أقيموا في الثغور للجهاد، مترصدين لغزو
العدو ومحصنين لها ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أبعدوا أنفسكم عن غضب الله وسخطه
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتفلحوا أو راجين الفلاح: وهو الفوز بالجنة والنجاة
من النار والظفر بالأمل المقصود من العمل.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩٦):
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾: نزلت في مشركي مكة، فإنهم كانوا في رخاء ولين من
العيش، وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما
نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت الآية.
نزول الآية (١٩٩):
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ﴾: روى النسائي عن أنس قال: لما جاء نعي النجاشي قال
رسول الله وَله: صلوا عليه، قالوا: يارسول الله، نصلي على عبد حبشي،
فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ وكذلك قال جابر بن عبد الله وابن
عباس وقتادة: نزلت في النجاشي.
نزول الآية (٢٠٠):
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾: روى الحاكم في صحيحه: قال أبو
سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي - مخاطباً داود بن صالح - هل تدري في أي
شيء نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾؟
قال: قلت: لا، قال: إنه يا ابن أخي، لم يكن في زمان النبي ◌َّ ثغر يرابط
فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.

٥٤٨
الزع (٤) - آلِغتر ان: ١٩٦/٣-٢٠٠
المناسبة:
لما وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في دنياهم فقراء، والكفار في
نعيم ورخاء، ذكر تعالى في هذه الآية ما يسلّيهم ويصبرهم على تلك الشدة،
عن طريق المقارنة بين نعيمي الدنيا والآخرة، فنعيم الدنيا فانٍ زائل، ونعيم
الآخرة خالد باق.
التفسير والبيان:
لا تنظر إلى ماعليه الكفار من الترف والنعمة والسرور، فإن هذا سيزول
عنهم قريباً، ويصبحون مرتبطين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه
استدراجاً، وتنقلهم في البلاد للكسب والتجارة مجرد متاع قليل، يتمتعون به
فترة من الزمان، ثم تصير جهنم مستقرهم ومأواهم، وبئس المقر مقرهم في
جهنم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَدِلُ فِيّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرْكَ
[غافر: ٤/٤٠] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
٤
مَتَعٌ فِ الذُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ
٦٩
تَقَلُُّمْ فِى الْبِلَدِ
اٌلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
اٌلْعَذَابَ الشَدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
[يونس: ٦٩/١٠ -٧٠] وقوله :
﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ
﴾ [لقمان: ٢٤/٣١] وقوله :
١٢٤
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الذُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ
(4) [القصص: ٦١/٢٨].
اُلْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
وبعد أن ذكر حال الكفار في الدنيا وأن مآلهم إلى النار، ذكر حال المؤمنين
المتقين: الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات، ولهم جنات النعيم،
خالدين فيها أبداً، تكريماً من عند الله، وما عند الله من كرامة فوق ما تقدم
خير وأفضل مما يتمتع به الذين كفروا من متاع قليل فانٍ. وهذا كقوله تعالى:
خَالِينَ فِيَهَا لَا
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا

٥٤٩
الُرعُ (٤) - ألغتزمان: ١٩٦/٣-٢٠٠
يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (٢٨)﴾ [الكهف: ١٠٧/١٨-١٠٨]. روى ابن مردويه عن عبد الله
ابن عمرو بن العاص عن النبي ◌َّه قال: ((إنما سُموا الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء
والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقاً، كذا لولدك عليك حق)).
ثم أخبر الله تعالى عن طائفة من أهل الكتاب اهتدوا بالقرآن، كما اهتدوا
بما عندهم من هدي الأنبياء، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي،
وقد وصفهم الله بصفات ممتازة هي:
اً - الإيمان بالله إيماناً صادقاً تاماً.
٢َ - الإيمان تفصيلاً بالقرآن المنزل على محمد بَ له، وهو الكتاب الإلهي
الوحيد الباقي السالم من التحريف.
٣ - الإيمان إجمالاً بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل.
٤ - الخشوع لله وهو ثمرة الإيمان الصحيح، ومتى خشع القلب لله خشعت
النفس كلها.
٥ - عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، أي يحافظون على الوحي
كما هو دون كتم شيء منه من البشارة بمحمد وَلتر وصفته وبعثته وصفة أمته
دون تحريف ولاتبديل. فهؤلاء المتصفون بهذه الصفات سواء كانوا هوداً أو
نصارى لهم الثواب الكامل على أعمالهم وطاعاتهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه
وهداهم إلى الحق، والله سريع الحساب فهو سريع الإحصاء، يحاسب الناس
جميعاً في وقت قصير حساباً لا خلل فيه ولا قصور، ولا مهرب ولا معقب على
حكم الله. وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا يُثَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بِهِةٍ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِنَا إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ
٥٣
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٢/٢٨-٥٤] وقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ
[الأعراف: ٧/ ١٥٩].
١٥٩
مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ

٥٥٠
الجزءُ (٤) - ألغتْر ان: ١٩٦/٣-٢٠٠
هذه الصفات وجدت في بعض اليهود وهم قلة مثل عبد الله بن سلام
وأمثاله من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم
يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَهَا﴾ [المائدة: ٨٥/٥].
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بوصية عامة للمؤمنين تؤهلهم لإجابة الدعاء
والنصر في الدنيا والثواب في الآخرة، وتتضمن الوصية:
- الصبر على التكاليف الدينية ومنها الصلوات الخمس، وعلى المصائب
والشدائد من مرض وفقر وخوف.
- المصابرة للأعداء أي مسابقتهم إلى تحمل الشدائد والمكاره، ومصابرة
الأنفس والهوى.
- المرابطة في الثغور استعداداً للقاء العدو وفي المساجد، وفي مواطن
الاستعداد للجهاد على الحدود القريبة للأعداء، روى البخاري عن سهل بن
سعد الساعدي أن رسول الله وَالله قال: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا
ومافيها)) وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول
((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي
كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأَمِن الفتَّان)) أي الشيطان.
- تقوى الإله والخوف منه والحذر من عذابه ومراقبته في السر والعلن
وامتثال المأمورات واجتناب المحظورات.
- ولاشك أن من يلتزم بهذه الوصية يصل إلى الفلاح والفوز بالمأمول
والنجاة والظفر في الدنيا والآخرة.

٥٥١
الُرُ (٤) - آلعمران: ١٩٦/٣-٢٠٠
فقه الحياة والأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايلي وهي وصايا تصلح خلاصة لما تضمنته سورة آل
عمران :
١- عدم الاغترار بما عليه الكفار من سعة ورفاه ورغد عيش في الدنيا
فذلك كله إلى زوال وعذابهم قريب في نار جهنم، والباقي الخالد وهو نعيم
الآخرة خير منه، والإنعام على الإنسان مع بقائه على كفره ومعاصيه
استدراج، لا دليل الرضا عنه.
٢- للأتقياء الطائعين جزاء حسن وافٍ وهو الخلود في جنان الله الفسيحة،
إكراماً لهم.
٣- إن إقدام بعض أهل الكتاب على الإيمان بالقرآن هو استمرار للإيمان
بكتبهم السابقة، وهو خير لهم وأبقى.
٤- الصبر على الطاعات، ومصابرة العدو والنفس والهوى، والمرابطة عند
الثغور، وتقوى الله طريق الفوز والنصر في الدنيا على الأعداء، والنجاة من
عذاب الله، والظفر بنعيم الآخرة.

٥٥٢
الُعُ (٤) السورة النِّسَكَّةِ (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
سُورَةُ النِّسَاءِ
مدنية وهي مئة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة من القرآن الكريم.
مدنيتها:
روى البخاري عن عائشة قال: ((ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول
الله (وَ ل(3). وبدأت حياتها مع النبي في شوال من السنة الأولى للهجرة.
فضلها:
روى الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: إن
في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا ومافيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، و﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية،
و﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ و﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ
إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوَكَ﴾ الآية. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح إن
كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. ويؤيده مارواه عبد الرزاق
وابن جرير الطبري عن ابن مسعود بعبارة مقاربة.
مناسبتها لآل عمران:
هناك أوجه شبه ووشائج صلة تربط بين السورتين أهمها :
اً - اختتام آل عمران بالأمر بالتقوى للمؤمنين، وافتتاح هذه السورة
بذلك للناس جميعاً.

٥٥٣
الُهُ (٤) السورة الشَكَّةِ (٤)
أَ - نزول آية ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ بمناسبة غزوة أحد، مع نزول
ستين آية في الغزوة في آل عمران.
◌َ - نزول آية ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ﴾ بمناسبة غزوة حمراء الأسد
بعد نزول آيات ﴿ الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ﴾ في
تلك الغزوة في آل عمران (١٧٢ ١٧٥).
التسمية:
سميت ((سورة النساء الكبرى)) لكثرة مافيها من أحكام تتعلق بالنساء،
وسميت سورة الطلاق في مقابلها ((سورة النساء القصرى)).
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة الكلام عن أحكام الأسرة الصغرى - الخلية الاجتماعية
الأولى، والأسرة الكبرى - المجتمع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع الإنساني،
فأبانت بنحو رائع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني بكون الناس جميعاً من نفس
واحدة، ووضعت رقيباً على العلاقة الاجتماعية العامة بالأمر بتقوى الله في
النفس والغير وفي السر والعلن.
وتحدثت السورة بنحو مطول عن أحكام المرأة بنتاً وزوجة، وأوضحت
كمال أهلية المرأة واستقلالها بذمتها المالية عن الرجل ولو كان زوجاً،
وحقوقها الزوجية في الأسرة من مهر ونفقة وحسن عشرة وميراث من تركة
أبيها أو زوجها، وأحكام الزواج وتقديس العلاقة الزوجية، ورابطة القرابة
المحرمية والمصاهرة، وكيفية فض النزاع بين الزوجين والحرص على عقدة
النكاح، وسبب ((قوامة الرجل)) وأنها ليست سلطة استبدادية، وإنما هي غرم
ومسؤولية وتبعة ولتسيير شؤون هذه المؤسسة الصغيرة.
ثم أوضحت السورة ميزان الروابط الاجتماعية وأنها قائمة على أساس
التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة.

٥٥٤
لِلُعُ (٤) - الِشَاةِ: ١/٤
وتكاملت أنماط وصور علاقة هذا المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء مع
الجماعات أو الدول، فحددت السورة قواعد الأخلاق والمعاملات الدولية،
وبعض أحكام السلم والحرب، ونواحي محاجة أهل الكتاب ومناقشتهم، وما
يستتبع ذلك من الحملة المركزة على المنافقين. وذلك كله من أجل إقامة المجتمع
الفاضل في دار الإسلام وتطهيره من زيغ العقيدة وانحرافها عن ((عقيدة
التوحيد)) العقلية الصافية إلى فكرة التثليث النصرانية المعقدة البعيدة عن حيَّز
الإقناع العقلي والاطمئنان النفسي، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ
خَيْرًا لَكُمْ إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١/٤].
وحدة الأصل الإنساني
ووحدة الزوجين ورابطة الأسرة
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
القراءات:
﴿َسَاءَلُونَ ﴾: قرئ:
١- (تَسَاءلون) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.
٢- (تسَّاءلون) وهي قراءة الباقين.
﴿وَالْأَرْحَمْ﴾. وقرئ: (الأرحام) وهي قراءة حمزة.
الإعراب:
﴿وَالْأَرْحَمْ﴾: معطوف على اسم الله تعالى، وتقديره: واتقوا الله واتقوا

٥٥٥
اِلُ (٤) - الْشَكّاءِ: ١/٤
الأرحام أن تقطعوها. ومن قرأه بالجر فقد قال الكوفيون: إنه معطوف على
الهاء في ﴿ِ﴾ وأباه البصريون وقالوا: ولا يجوز العطف على الضمير المجرور
إلا بإعادة الجار؛ لأن المضمر المجرور كالتنوين، ولا يعطف على التنوين.
ومنهم من قال: إنه مجرور بباء مقدرة لدلالة الأولى عليها.
البلاغة:
يوجد طباق بين قوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ ويوجد إيجاز في قوله: ﴿رِجَالًا
كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾ أي ونساء كثيرات.
المفردات اللغوية:
﴿ النَّاسُ﴾ اسم للجنس البشري، واحده من غير لفظه: إنسان. ﴿أُتَّقُواْ
رَبَّكُمُ﴾ أي اتقوا عقابه بأن تطيعوه ﴿مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾
حواء، من ضلع من أضلاعه اليسرى ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر ﴿مِنْهُمَا﴾ من آدم
وحواء من طريق التناسل والتوالد ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾ كثيرات ﴿قَسَآءَ لُونَ﴾
أي تتساءلون، أي يسأل بعضكم بعضاً بأن يقول: سألتك بالله أن تفعل كذا،
وأسألك بالله، وأنشدك بالله ﴿ وَالْأَرْحَمْ﴾ جمع رحم، وهي هنا القرابة من جهة
الأب أو الأم، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، والمراد: خافوا حق إضاعة
الأرحام. ومن قرأ بالجر عطفه على الضمير في ﴿بِهِ﴾ وكانوا يتناشدون
بالرحم ﴿رَقِيبًا﴾ أي مشرفاً والمراد: حافظاً لأعمالكم، فيجازيكم بها، وهو
لا يزال متصفاً بذلك، فهو الحفيظ المطلع العالم بكل شيء.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى الناس العقلاء بتقواه بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات في
كل ماله صلة بعبادته وحده لا شريك له وبحقوق العباد، ويؤكد الأمر بالتقوى
بما يحمل على الامتثال، بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين التي تربيهم بنعمه

٥٥٦
لُ (٤) - النَّةِ: ١/٤
وتفيض عليهم من إحسانه، ثم ذكر لفظ الله في الأمر الثاني بالتقوى، لأن الله
علَم المهابة والجلالة، ثم التذكير بأنه خالقهم، والتنبيه على قدرته التي خلقهم
بها من نفس واحدة، فهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه
خلق من تلك النفس زوجها وتناسل منهما البشر ذكوراً وإناثاً، وجعل من
تلك الذرية رابطة الأسرة القائمة على الرحم وصلة الدم والقرابة مما يدعوهم
إلى التراحم والتعاون. وكل ذلك دليل على القدرة الإلهية الباهرة التي تستوجب
التقوى، وتحذر من العقاب، كما أن نعمة القرابة تدعو إليها عرفاناً بالوفاء
وقياماً بحق الشكر؛ لأن القرابة دعم وصلة وتعاطف وود ومحبة تشعر الإنسان
بالسعادة، وتجعله يحس بالقوة المعنوية في المجتمع، فيسر بسرور أسرته ويحزن
بحزنها، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والحاكم عن المسور:
((فاطمة بَضْعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها .. )).
وفي التذكير بالأصل الإنساني الواجد دلالة على وجوب التزام حدود
الإنسانية، وأن الإنسان أخ الإنسان أحب أم كره، والأخوة تقتضي المسالمة
والتعاون ونبذ المحاربة والخصومة والتقاطع.
والمقصود بالنفس الواحدة في رأي جمهور العلماء: آدم عليه السلام الذي
هو أبو البشر، وأنه ليس هناك سوى آدم واحد، أما من يدعي وجود أوادم
قبله، فهو يصادم ظواهر القرآن الكريم.
والمقصود بالزوج هو حواء، وقد خلقت من ضَلْع آدم الأيسر، وهو نائم،
فاستيقظ، فرآها فأعجبته، وأنس إليها وأنست إليه، بدليل الحديث الصحيح
عند الشيخين أن رسول الله وَالله قال: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن
من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن
تركته لم يزل أعوج)).
وذهب بعض العلماء كأبي مسلم الأصفهاني إلى أن المراد: أنه خلق من

٥٥٧
الُ (٤) - الْتَتَّاءِ: ١/٤
جنسها زوجها، فهما من جنس واحد، وطبيعة واحدة، وأي فائدة من خلقها
من الضلع؛ لأنه سبحانه وتعالى قادر على خلقها كآدم من التراب؟ واستدل
بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾
[الروم: ٢١/٣٠] أي من جنسكم، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِِّنَ
رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢/٦٢] أي من جنسهم، ومثل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨/٩].
ويرد عليه بأن ذلك مخالف لما دل عليه الحديث الصحيح المتقدم، وتكون
الحكمة هي إظهار قدرة الله على أن يخلق حياً من حي، لا على سبيل التوالد،
کقدرته على أن يخلق حياً من جماد.
ثم بين الله تعالى طريق تكاثر النوع الإنساني، فذكر أنه نشر وفرق من آدم
وحواء نوعي جنس البشر وهما الذكور والإناث التي تفرع منهما الإنسان
الذي سكن الأرض وعمرها.
ثم أكد تعالى الأمر السابق بالتقوى من طريق سؤال الناس بعضهم بعضاً
بالله لقضاء حوائجهم، فذلك السؤال بالله يدل على الإيمان به وتعظيمه،
فيقول: سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة، راجياً إجابة طلبه، فهذا القول من
موجبات امتثال أوامرالله، ومن امتثل ذلك اتقى الله وحذر مخالفة أوامره
واجتنب نواهيه.
وكما يجب اتقاء الله يجب اتقاء قطع الأرحام، أي اتقوا الله الذي تتساءلون
باسمه إيماناً به وتعظيماً له، واتقوا الأرحام، أي صلوها بالود والإحسان ولا
تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتقى.
ثم ختم تعالى الآية بإعلامه أنه مطلع على كل شيء رقيب حفيظ لكل عمل
وحال، فلا يشرع لنا إلا ما به حفظنا ومصلحتنا، وهو البصير بأحوالنا. وهذا
في موضع التعليل للأمر بالتقوى ووجوب الامتثال. وهذه الخاتمة مثل قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦/٥٨].

٥٥٨
لُ (٤) - النَشْتَّاءِ: ١/٤
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى أحكام كثيرة:
اً - وجوب التزام التقوى التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات.
وقد أكد تعالى الأمر بها حثاً عليها، فعبَر أولاً للترغيب بلفظ (الرب) الذي
يدل على التربية والعناية والإنعام والإحسان، ثم للترهيب بلفظ ﴿اَللَّهَ﴾ الذي
يدل على الهيبة والجلال، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّاً﴾ هذا بالإضافة لمؤكدات أخرى كالسؤال بالله على سبيل الاستعطاف
مما يدل على الإيمان بالله وتعظيمه، وكرقابة الله واطلاعه على جميع أحوال
الناس وأعمالهم، مما يقتضي الاتقاء والحذر من العصيان والمخالفة للأوامر
والنواهي.
لاَ - كون البشرية من أصل واحد ومنشأ واحد، أبوهم آدم وآدم من
تراب، فهي النفس الواحدة، ووحدتها تقتضي جعل الأسرة الإنسانية متراحمة
متعاونة متحابة غير متعادية ولا متخاصمة ولا متقاطعة.
ءَّ - المراد بالنفس الواحدة آدم أبو البشر عليه السلام، والنفس هنا هي
الجسم والروح. وللجسم أو الجسد وظائف عضوية مادية، وللنفس وظائف
روحية ومعنوية، وآثار محسوسة مثل العقل والحفظ والتذكير.
واختلف العلماء المسلمون في حقيقة النفس أو الروح على رأيين: رأي
يقول: إنها حالة تعرض للجسم مادام حياً، والرأي الأشهر: أنها جسم
نوراني عُلْوِيّ خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها
سريان الماء في النبات، منفصل عن الجسم، متصل به في حال الحياة.
وافتتاح السورة بـ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ بالرغم من أن السورة مدنية براعة
استهلال لما في السورة من أحكام الزواج والمواريث والحقوق الزوجية،

٥٥٩
المُعُ (٤) - الْتَّاءِ: ١/٤
وأحكام المصاهرة والرضاع وغيرها من أحكام الرابطة الإنسانية. والغالب إذا
كان الخطاب بـ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وكان الخطاب للكافرين فقط أو معهم غيرهم
أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر
النعم.
٤ - المرأة جزء حقيقي من الرجل، منه خلقت، وإليه تعود، يأنس كل
منهما بالآخر، ويألفه ويحن إليه، سواء أكانت المرأة أماً أم أختاً أم بنتاً أم
زوجة، مما يوجب دوام التعاون بينهما في مسيرة الحياة، ويدل على تكامل
الكون بوجود عنصري الذكورة والأنوثة، ويبرهن على أنهما مصدر بقاء النوع
الإنساني، كما جاء في الآية: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءَ﴾.
٥ - جواز المساءلة بالله تعالى، روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله
فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم: ((من سألكم بالله فأَعْطوه)).
أَ - تعظيم رابطة القرابة وحق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، سواء
أكانت من جهة الأب أم من جهة الأم؛ إذ قرن الله الأرحام باسمه تعالی،
وحذر من قطيعة الرحم في آية أخرى هي: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ
﴾ [محمد: ٢٢/٤٧] فقرن قطع الرحم
٢٣
إلى الفساد في الأرض.
واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرَّمة، وقد صح
أن النبي ◌َ ◌ّ قال لأسماء، وقد سألته: ((أأصلُ أمي)): ((نعم صِلي أمك)) فأمرها
بصلتها وهي كافرة مشركة. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله ◌َله: ((إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت:
هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أما ترضين أني أصل من وصلك،
وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لكِ)).
والرحم هنا: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم كالأخت والخالة
وغيره، كابن العم.

٥٦٠
لُ (٤) - التَّةِ: ٢/٤
وتدل الآية أيضاً على جواز التساؤل بالأرحام، على قراءة إبراهيم النخعي
وقتادة والأعمش وحمزة: ((الأرحام)) بالجر، وليس في ذلك حلف بغير الله؛
لأن قول الرجل لصاحبه: أسألكَ بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه
سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو ليس بيمين، فلا يكون من المنهي عنه في
حديث الشيخين عنه وَله: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)).
لاً - دل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ على مراقبة الله في السر
والعلن، فهو إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من
أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم. وقد
ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البَجَلي أن رسول الله وَله
حين قدم عليه أولئك النفر من مضر - وهم مجتابو النمار أي من عريهم
وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال: ﴿يَأْيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨/٥٩] ثم
حضهم على الصدقة فقال: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع
بره، من صاع تمره)) الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود.
إيتاء اليتامى أموالهم وتحريم أكلها
﴿وَءَاتُوْ اُلْيَنَّ أَمْوَّ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيِثَ بِالَِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ
إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
٢
البلاغة:
﴿ وَءَاتُواْ اُلْيَنَّ أَمْوَلَهُمْ﴾ مجاز مرسل باعتبار ماكان، أي آتوا الذين كانوا
یتامی.
﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيِثَ بِالطَّيِّبِّ﴾: الباء داخلة على المتروك، كما هو المقرر
لغة، وفيهما طباق.