Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ لُزُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣ - ١٢٠ ثم أكد القرآن تحذيره السابق من اتخاذ الأعداء بطانة وموضع سر وثقة لأسباب ثلاثة أخرى، كل منها يستدعي الامتناع عن المودة والمخالطة حال انعدام الثقة وهي: الأول - إنكم تحبون أولئك الكفار، وهم لا يحبونكم وإنما يعادونكم. الثاني - إنكم تؤمنون بالكتب السماوية كلها ومنها كتابهم، وتصدقون بكل الرسل والأنبياء، ومنهم رسولهم ونبيهم، وهم يجحدون بكتابكم ونبیکم. الثالث - إذا لقوا المؤمنين لاطفوهم حذراً على أنفسهم، وقالوا: آمنا وصدقنا بما جاء به محمد بَيّة، وإذا خلوا مع أنفسهم وشياطينهم، أظهروا شدة الغيظ والحقد والعداوة لكم، وتألموا وندموا وعضوا الأنامل على أنهم لا يستطيعون إلحاق الأذى بكم. ويكون عض الأنامل مجازاً عن الغيظ والحقد أو الندم. فأنتم مخطئون في موالاة المنافقين والكفار، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، كما قال الزمخشري، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ) [النساء: ٤ /١٠٤]. ثم أمر الله نبيه محمداً بأن يقول لهم: موتوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، أي مهما كنتم تحسدون المؤمنين، ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومظهر له، ومعل كلمته، ومعز أهل · الإسلام، فموتوا أنتم بغيظكم، والله عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا، بأن يريكم خلاف ماتأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. ٣٨٢ لِلْزُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١١٨/٣-١٢٠ ثم أوضح الله تعالى حالاً دالة على شدة عداوتهم للمؤمنين: وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نعمة أو خير من خصب أو نصر وتأييد وكثرة وعزة أنصار، ساء ذلك المنافقين؛ وإن أصاب المسلمين شر كجدب أو تغلب الأعداء عليهم - لحكمة إلهية في ذلك كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون بذلك. ويلاحظ فرق التعبير البلاغي في القرآن بين جملتي: مس الحسنة وإصابة السيئة، فهم يستاؤون عند أدنى مس للحسنة، ولا يفرحون حتى تتمكن الإصابة بالسيئة. ولكن الله تعالى ذكر للمؤمنين العلاج الناجع، وأرشدهم إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، وهو استعمال الصبر، والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه. فإذا صبروا على أداء التكاليف الشرعية، واتقوا مانهاهم الله عنه، لم يضرهم كيد الكفار واحتيالهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَنَّوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥-٣]. والله تعالى عالم محيط علمه بعمل الفريقين، فهو خبير بمكائد الأعداء وخفاياهم، وسيحبطها لهم ويردها في نحورهم، ويجازيهم على أفعالهم، وعليم بالمؤمنين الذين يستعينون بالصبر، ويتمسكون بالتقوى، وهما شرط النجاح والغلبة على الأعداء. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية (١١٨) - آية اتخاذ البطانة(١) إلى أربعة أمور: (١) بطانة الرجل: خاصتة الذين يستنبطنون أمره. ٣٨٣ لُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١١٨/٣ -١٢٠ الأول - تأكيد الزجر عن الركون إلى الكفار، وذلك الآية السابقة: ﴿إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾. الثاني - نهي المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء مستشارين أمناء في إبداء الآراء المهمة، وإسناد الأمور الخطيرة في الدولة إليهم. أما اتخاذ أهل الكتاب كتبةً وموظفين في أعمال الحكومة مما لا يتصل بالقضايا الحساسة للدولة فيظهر من عمل الخلفاء أنه لا مانع منه. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَلّه قال: ((ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم: من عصم الله تعالى)). الثالث - دل قوله تعالى ﴿مِّن دُونِگُمْ﴾ أي من سواکم على أن النھي موجه . إلى استعمال غير المسلمين بطانة، لأسباب ذكرتها الآية: وهي: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي لا يقصِّرون في إفساد أموركم؛ و﴿وَذُواْ مَا عَنِتُمْ﴾ أي ودَوا عنتكِم أي ما يشق عليكم، والعنت: المشقة؛ و﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم؛ و﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ﴾ إخبار وإعلام بأنهم يُبطنون من البغضاء أكثر مما يُظهرون بأفواههم. الرابع - في هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، ورُوي عن أبي حنيفة جواز ذلك. ودلت الآية (١١٩): ﴿هَأَنتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي المنافقين من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوَكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾ على عدم التكافؤ في المواقف بين المسلمين والمنافقين، فالمسلمون يصافونهم، وهم لا يصافون المسلمين لنفاقهم، وهي أيضاً بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء، والحال أن المسلمين يؤمنون بكتاب الكتابيين كله، وهم مع ذلك يبغضون المسلمين، فلِمَ يحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابهم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب من المسلمين في حقهم! ٣٨٤ لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣-١٢٠ وأما قوله: ﴿قُلّ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ فهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ: زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، ومالهم في ذلك من الذل والخزي والخسران. وربما يكون المعنى: أخبرهم أنهم لا يدركون مايؤملون، فإن الموت دون ذلك، فيزول معنى الدعاء، ويبقى معنى التقريع والإغاظة، كما في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاِ ثُمَّ لْيَقْطَعُ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ [الحج: ٢٢/ ١٥]. مَا يَغِيظُ وذكرت الآية (١٢٠) سبباً آخر لعدم اتخاذ الأعداء بطانة: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةُ تَسُؤْهُمْ﴾ والمعنى من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لاسيما في الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة. لكن يلاحظ أن هذا فيمن كانت حاله مثل المنافقين في صدر الإسلام، بدليل أن المذاهب الأربعة أجازت الاستعانة بالكفار في القتال، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، أو عند الحاجة في رأي الشافعية(١). ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ على ترغيب المسلمين بالتزام الصبر في القيام بالتكاليف الشاقة وتنفيذ الأوامر الإلهية، والاعتصام بتقوى الله بالابتعاد عما نهى الله عنه وحظر منه، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد الأعداء شيئاً. وقد جرت سنة القرآن أن يذكر الصبر في كل مقام يشق على النفس احتماله، والموقف هنا يتطلب الصبر على عداوة الكافرين واتقاء شرهم، حتى يأذن الله بالفرج القريب والنصر العاجل، والله محيط بأعمالهم، وهو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بالمسلمين، فلا بد من الثقة بالله والتوكل عليه. (١) انظر القسطلاني شرح البخاري: ١٧٠/٥، نيل الأوطار: ١٣٦/٧، الفقه الإسلامي وأدلته للمؤلف: ٤٢٤/٦، ط أولى. ٣٨٥ الُعُ (٤) - لِعُثْرَانَ: ١٢١/٣-١٢٩ غزوة أحد تنظيم الجيش الإسلامي والتذكير بالنصر في غزوة بدر ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالُّ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ١٢١ إِذْ هَمَّت ◌َظَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَِلَّةٌ فَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (9) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ ١٢٤ بَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَبِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهٍّ، وَمَا ١٢٥ اُلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٨) لِيَقْطَعَ طَرَفَا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَاسِينَ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ (١٩) وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ٢٩ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ القراءات: ﴿مُنْزَلِينَ﴾: قرئ: ١- بالتخفيف (مُنْزَلين)، وهي قراءة الجمهور. ٢- بالتشديد، (مُنَزَّلين)، وهي قراءة ابن عامر. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: قرئ: ١- بكسر الواو، وهي قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وعاصم. ٢- بفتح الواو، وهي قراءة الباقين. ٣٨٦ الجُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) هي قراءة حمزة. الإعراب: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ إذ متعلق بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ غدوت. ﴿إِذْ هَمَّت﴾ متعلق بعليم من الآية السابقة، أي: يعلم إذ همت. ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إما متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ أو بدل من ﴿إِذْ هَمَّتِ﴾ ولا يجوز أن يبدل من: نصركم لأن النصر كان يوم بدر، وإذ همت كان يوم أحد، أو متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكروا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ﴾ أن وما بعدها في تقدير المصدر فاعل يكفيكم أي إمداد ربكم . ﴿ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِدْءٍ﴾ الهاء في ﴿بِّ،﴾ فيها خمسة أوجه: إما أن تعود على الإمداد، أو على المدد، أو على التسويم من ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو على الإنزال من ﴿مُنْزَلِينَ﴾ أو على العدد الذي دل عليه: خمسة آلاف وثلاثة آلاف. ولام ﴿ وَلِنَظْمَيِنَّ﴾: لام كي، والفعل منصوب بها بتقدير: أن. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ اللام إما متعلق بفعل دل عليه الكلام، تقديره: ليقطع طرفاً: نَصَركم، أو متعلق بيمددكم، أو متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ على نية التقديم، وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وما بعده اعتراض. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إما بمعنى ((إلا أن يتوب)) وإما عطف على قوله ﴿لِيَقْطَعَ﴾ وتقديره: ليقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم. البلاغة: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ أتى بالمضارع لحكاية الماضي بطريق استحضار الصورة في الذهن. الإتيان بصفة الربوبية وإسنادها للمخاطبين لإظهار رَزْ أَكَة يُمِدَّ أن كمال العناية بهم. ٣٨٧ الُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ ﴿يَغْفِرُ﴾ ﴿ وَيُعَذِبُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿غَدَوّتَ﴾ خرجت في الغداة: وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ﴿تُبَوِّئُ﴾ تهيئ وتنزل ﴿مَقَعِدَ﴾ مراكز وأماكن يقفون فيها. ﴿إِذْ هَمَّت﴾ بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر. والهم: حديث النفس واتجاهها إلى شيء. ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ تجبنا وتضعفا، لما رجع عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ وقال لأبي جابر السلمي القائل له: ((أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم)»: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّ تَّبَعْنَكُمْ﴾ فثبتهما الله ولم ينصرفا. ﴿وَلِيُّهُمَا﴾ ناصر هما . ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ليثقوا به دون غيره، والتوكل: الاعتماد على الله في كفاية الأمور . ﴿أَذِلَّةٌ﴾ واحدها ذليل: وهو من لا منعة له ولا قوة، وقد كان المسلمون في بدر قليلي العدد والسلاح ﴿يَكْفِيَكُمْ﴾ الكفاية مرتبة دون الغنى، وهي سد الحاجة ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ يعينكم، والإمداد: إعطاء الشيء حالاً بعد حال ﴿مُنزَلِينَ﴾ بكسر اللام وفتح الزاي، ويقرأ بالتخفيف والتشدید. ﴿بَلَ﴾ كلمة للجواب مثل نعم، ولكنها لا تقع إلا بعد النفي، وتفيد إثبات ما بعده، أي نعم يكفيكم ذلك، فأمدهم بألف أولاً، ثم صارت ثلاثة، ثم صارت خمسة . ﴿إِن تَصْبِرُواْ﴾ على لقاء العدو. ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾ الله في المخالفة. ﴿ وَيَأْتُوُكُمْ﴾ أي المشركون. ﴿مِّنْ فَوْرِهِمْ﴾ وقتهم أو ساعتهم، والفور: الحال السريعة التي لا إبطاء فيها ولا تراخ. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو بمعنى معلمين أنفسهم أو خيلهم، أو بفتح الواو، فكانت عليهم علامات تميزهم، فإنهم صبروا، وأنجز الله وعده، بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق، عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي الإمداد. ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ بالنصر. ﴿ وَلِنَطْمَيِنَّ﴾ - ٣٨٨ لُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ تسكن . ﴿قُلُوبُكُمْ بِهِ،﴾ فلا تجزع من كثرة العدو وقلتهم، فإن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، وليس بكثرة الجند. ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلق بنصركم، أي ليهلك ﴿طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر . ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يذلهم بالهزيمة. ﴿فَيَنَقَلِبُواْ﴾ يرجعوا. ﴿خَبِينَ﴾ لم ينالوا ما راموا. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ بل الأمر لله فاصبر إلى أن يتوب عليهم بالإسلام أو يعذبهم بظلمهم بالكفر. ﴿وَإِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً. سبب النزول: سبب نزول آية ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ : في غزوة أحد، أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى عن المسْوَر بن ◌َخْرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف، أي خالي: أخبرني عن قصتكم يوم أحد، فقال: اقرأ بعد العشرين ومئة من آل عمران تجد قصتنا، أي من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ أي وما بعد ذلك بمقدار ستين آية. سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ : روى أحمد ومسلم عن أنس أن النبي ◌َّلقيم يوم أحد كسرت رباعيته، وشج رأسه، حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾. وروى أحمد والبخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله وَله يقول: اللهم العن فلاناً، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إلى آخرها، فتيب عليهم كلهم. وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه. قال الحافظ ابن حجر: طريق الجمع بين الحديثين: أنه وَّر دعا على ٣٨٩ الْجُرُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ المذكورين في صلاته بعدما وقع له من الأمر المذكور يوم أحد، فنزلت الآية في الأمرين معاً فيما وقع له، وفيما نشأ عنه في الدعاء عليهم. الخلاصة: إن الآية نزلت في قصة أحد، ويمكن أن تشمل حوادث أخرى وقعت بعدها. وأما ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة من الكف عن الدعاء على رعل وذَكْوان بعد نزول هذه الآية، ففي الخبر علة وهي الإدراج من قول الزهري عمن بلغه: وهو قوله ((حتى أنزل الله)) لأن هذه القصة حدثت بعد قصة أحد. ونص رواية مسلم: ((أنه ◌َّليو كان يقول في الفجر: اللهم العن رعلاً وذكواناً وعصية، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اٌلْأَمْرِ شَىْءُ﴾. ورواية البخاري: ((كان رسول الله وَ لفر حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسِني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك، لما نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ (٢٨ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ المناسبة: لما حذَّر الله تعالى من اتخاذ بطانة السوء، ذكر هنا مثالاً واقعياً من ميدان المعارك والغزوات، وهو أن سبب هَمِّ الطائفتين بالفشل (الجبن والضعف) هو تثبيط المنافقين لهم بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول. روى الشيخان عن جابر قال: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَّبِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُُّمَا﴾. ٣٩٠ الجُزُعُ (٤) - الِغَثْرَانَ: ١٢١/٣-١٢٩ وقد تحدثت الآيات عن غزوة أحد التي أنزل فيها ستون آية من ١٢١ - ١٨٠، وجاء في أثنائها الحديث عن غزوة بدر اعتراضاً، ليذكّرهم بنعمته تعالى عليهم، حينما نصرهم ببدر وهم قلة. نبذة يسيرة عن غزوتي بدر وأحد: غزوة بدر: حدثت معركة بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، بعد أن تعرض المسلمون لقافلة أبي سفيان القادمة من الشام، التي تحمل الأموال والتجارة، في حالة قيام الحرب بين المسلمين وبين مشركي قريش بمكة، بقصد الحصار الاقتصادي، وتعويض المسلمين ما صادره لهم القرشيون في مكة من أموال وعقارات وممتلكات. وقد عزَّ على المكيين هذا الحادث، وأحسوا بالخطر على وجودهم، وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة، وملأ الحقد والعزة بالإثم صدورهم. فحشدوا قواهم من قبائل العرب، ولم يتخلف من قريش إلا القليل النادر، وكان عددهم ألفاً وزيادة، فيهم الفرسان والأبطال وصناديد قريش. فلما سمع بهم رسول الله وَل استشار أصحابه، ثم خرج إليهم مسرعاً في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، لم يكن معهم إلا فَرَسان وسبعون بعيراً، والباقون مشاة ليس معهم من العُدد ما يحتاجون إليه. وتقابل الجيشان في بدر: وهي بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل يسمى بدراً، فسمي به الموضع، والأكثر على أنه ماء هنالك، وبه سمي الموضع. وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، وكارثة كبرى على المشركين، وكانت معركة حاسمة قررت مصير الفريقين، وأحدثت دوياً هائلاً بين العرب، فسماها الله تعالى ﴿يَوْمَ اُلْفُرْقَانِ﴾ فقال: ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ اُلْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١/٨]. ٣٩١ الُزُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ فيها انتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وأمد الله تعالى فيها المؤمنين بالملائكة يقاتلون مع المسلمين، وظهر فيها مدى ثبات المسلمين وجرأتهم النادرة، واشترك فيها النبي رقصمثير وقاتل - وكان اشتراكه في تسع غزوات - وبرز فيها عنصر الإيمان والعقيدة والتوكل على الله في قلب المعركة وأثناء المشاركة بالسلاح، وتمثل ذلك بدعاء النبي ◌َّر قبيل التحام الصفين فقال: ((اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم نصرك)) ورفع يديه إلى السماء، حتى سقط الرداء عن منكبيه، فأخذه أبو بكر فرده، ثم التزمه من ورائه يسري عنه، ويشفق عليه من كثرة التضرع والاستغاثة والابتهال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِینَ (٢) [الأنفال: ٩/٨]. غزوة أحد: اشتد غيظ المشركين بعد معركة بدر على المسلمين، وبدأ أبو سفيان زعيم قريش يؤلب المشركين على رسول الله وَلير، فجمعوا الأموال، وجهزوا جيشاً نحو ثلاثة آلاف مقاتل، فيهم سبع مئة دارع، ومئتا فارس، على رأسهم صفوان بن أمية. فاستشار النبي ◌َّير أصحابه، فأشار الشيوخ ومعهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ورأس اليهود في المدينة بالبقاء في المدينة والقتال في شوارعها، وكان رسول الله ٤ يكره الخروج. وأشار الشباب بالحرب، ومعهم رجال لم يشهدوا بدراً، وقالوا: يارسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يَرَوْنَ أنا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا. وما زالوا برسول الله وَّ ر، حتى دخل بيته ولبس وتجهز ووافق الأغلبية القائلين بالحرب، ثم ندم الذين اقترحوا الخروج وقالوا: استكرهناك يارسول ٣٩٢ لُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ الله! ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد، صلى الله عليك، فقال: ((ماينبغي النبي إذا لبس لأمته - درعه - أن يضعها حتى يقاتل)). فخرج في ألف أو إلا خمسين رجلاً من أصحابه، فيهم مئة دارع وفَرَسَان فقط، ونزل الشِّعْب من جبل أحد (على بعد نحو ٣ كم من شمال المدينة) يوم السبت سابع شوال في السنة الثالثة من الهجرة، وجعل ظهره وعسكره إلى ((أحد)) وسوى صفوفهم، وأجلس جيشاً من الرماة وهم خمسون رجلاً، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من ورائنا، ولا تبرحوا، غلبنا أو نصرنا. وفي (سيرة ابن هشام): ادفعوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا. وفي (زاد المعاد): أمرهم بأن يلزموا مركزهم، ولا يفارقوا، ولو رأوا الطير تتخطف العسكر. وكان لواء رسول الله بَّل مع مُصْعَب بن عمير، وعلى أحد الجناحين الزبير بن العوام، وعلى الآخر المنذر بن عمرو، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وعلى رماتهم وكانوا مئة: عبد الله بن أبي ربيعة. ورجع زعيم المنافقين مع ثلاث مئة من أصحابه قائلاً: أيعصيني ويطيع الولدان: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧/٣]. وكاد بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار ألا يخرجوا إلى أحد، ثم وفقهم الله، فخرجوا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢/٣]. فلم يبق بعد رجوع المنافقين مع النبي ◌َّيقول إلا سبع مئة رجل. ولما التقى الجمعان، قامت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان في نسوة يضربن بالدفوف، ومشين وراء الصفوف. ٣٩٣ لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ وقاتل أبو دُجَانة الذي أخذ السيف من رسول الله وَله، ووعده بأن يأخذه بحقه، فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله. وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديداً، وقتل عدداً من الأبطال، ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي ◌َّ الراية لعلي ابن أبي طالب، وقتل وحشي غلام جبير بن مطعم حمزة بحربة دفعها عليه، حتى خرجت من بين رجليه، فسقط شهيداً سيد الشهداء. وانهزم المشركون، وسقط لواؤهم من يد طلحة، فحمله ابنه، ثم أخوه، وكاد النصر يتحقق للمسلمين، لولا أن الرماة على ظهر الجبل خالفوا أمر النبي ◌َّة، وانحدروا يجمعون الغنائم، وفارقوا مكانهم. ففطن خالد بن الوليد لمكان الضعف، فبادر من قناة مع خيل المشركين إلى تطويق المسلمين من أعلى جبل الرماة من الخلف، وانقض مع جيشه يفتك بالمسلمين، وشاع بين الناس أن محمداً قد قتل، فتراجع المسلمون، وهربوا، وأصيب النبي وليه بالحجارة، حتى وقع لشقه، فكسرت رباعيته، وشج في رأسه، وجرحت شفته، وسال الدم على وجهه، وغاب حلق المغْفَر في وجنتيه، وأصيبت ركبتاه، وجعل يمسح الدم ويقول: ((كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!)) وأخذ بيده علي ورفعه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه ◌َّالقر وابتلعه. ثم أخذ رسول الله وَ﴿ يدعو المسلمين في أخراهم، ويقول: ((إلي عباد الله، أنا رسول الله)) ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُنَ عَلَىّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٣/٣]. وصار أبو سفيان يقول: يا معشر قريش، أيكم قتل محمداً؟ فقال عمر بن قَمِئة: أنا قتلته. وكان كعب بن مالك أول من بشر بنجاة محمد وَالر، وسلمه الله من أذى المشركين: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧/٥]. ولم يقتل وَّل في حياته سوى أبي بن خلف الذي تآمر على قتل النبي وفيه نزلت آية: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧/٨]. ٠ ٣٩٤ ◌ِلُعُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١٢١/٣-١٢٩ وكان يوم بلاء شديد على المسلمين، استشهد فيه منهم سبعون رجلاً، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلاً. ووجد في ساحة المعركة حمزة سيد الشهداء، وكانت هند بنت عتبة قد بقرت كبده ولاكتها، ولم تستسغها، وصرخ أبو سفيان بأعلى صوته: الحربُ سجال، يوم بيوم بدر، أَعْلِ هُبَل (صنم عند الكعبة) أي أَظْهِرْ دينك. فقال الرسول وَل﴾: الله أعلى وأجلّ. ولما انصرف ومن معه قال: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال النبي ◌ُّ: قولوا له: هو بيننا وبينكم. ثم بحث رسول الله وَلّر عن عمه الحمزة، فوجده مبقور البطن، مجدوع الأنف، مصلوم الأذن، فحزن حزناً شديداً، وقال: ((لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنَّ بثلاثين منهم)) - وفي السيرة ((بسبعين)) -. ثم سجَّاه ببردته، وصلى عليه، وكبر سبع تكبيرات، وصف إلى جانبه القتلى، وصلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة. ثم دفن حمزة، وأمر النبي ◌َّ بدفن بقية القتلى قائلاً: ادفنوهم حیث ◌ُرِعوا)). وكان سبب الهزيمة كما تبين مخالفة الرماة أمر النبي والر وطمعهم في الغنائم، وكانت هذه المعركة محنة للمسلمين، وتمحيصاً وتربية للمؤمنين، وتعليماً لهم بأن النصر منوط باتخاذ الأسباب، وأن الهزيمة لا تعني نكسة في الإيمان واضطراباً في اليقين، لذا قال تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمِ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣/٣]. وأن البلاء يعم، كما قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥/٨]. التفسير والبيان: اذكر لهم يا محمد وقت خروجك من بيتك غدوة يوم السبت سابع يوم من شوال سنة ثلاث للهجرة تنزل المؤمنين أمكنة القتال، وتعبئ الجيش، فتضع ٣٩٥ لِلُعُ (٤) - الِغْرَانَ: ١٢١/٣-١٢٩ جماعة على جبل الرماة، وآخرين في الميمنة، وأولئك في الميسرة، وتخصص مواضع معينة للفرسان. والله سميع لما قاله المؤمنون فيما شاورتهم فيه، سواء الذين قالوا: ((لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا)) والذين قالوا: ((اخرج بنا حتى نلقاهم في خارج المدينة)) والله عليم بكل نية وفعل، سواء من أخلص القول، وإن أخطأ، ومن نافق وإن أصاب كعبد الله بن أبي وجماعة المنافقين. والله أيضاً سميع عليم حين همت طائفتان من الأنصار وهم بنو سلمة من الأوس، وبنو حارثة من الخزرج - وكانتا جناحي عسكر المسلمين ونحو ثلثهم - أن تضعفا وتجبنا عن القتال ولا تخرجا إلى المعركة، حين رأوا تراجع المنافقين، ولكن الله متولي أمورهما لصدق إيمانهما، فعصمهم من الخذلان والذل، وحماهم من الجبن والفرار؛ لأن الهم بالشيء لا يعد معصية بدليل قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢/٣] وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به، وليعتمدوا على تأييده، لا على قوتهم وأنصارهم، بعد اتخاذ الأسباب، وإعداد العدة، وتجهيز الجيش والسلاح الملائم لكل عصر، فإن الإنسان مأمور باتخاذ الأسباب، ثم ترك النتائج والمسببات إلى الله تعالى، فهو تعالى ينصر الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة بإذنه، كما نصر المؤمنين يوم بدر. لذا اقتضى المقام تذكيرهم بنصر الله لهم يوم بدر، لما توكلوا عليه وامتثلوا أوامره وأوامر نبيه، وكانوا قليلي العَدَد والعُدَد، إذ كانوا نحو ثلاث مئة والكفار نحو ألف، وليس معهم سوى فرسين، ومع المشركين الخيول والدروع والفرسان والأبطال. فذلك دليل على أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العَدَد والعُدَد، وكما قال تعالى يوم حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥/٩-٢٧]. ٣٩٦ الُعُ (٤) - آلِ ◌ّعُقْرَانَ: ١٢١/٣-١٢٩ فاتقوا الله بطاعته واجتناب محارمه، والثبات مع رسوله، والصبر على المشاق، لتشكروا الله أو لتصيروا شاكرين أو لتعدُّوا أنفسكم لشكره، فإن الطاعة والصبر والثبات عدة الشكر على النعمة والنصر. واذكر يا محمد حين تقول للمؤمنين يوم بدر، تعدهم تطميناً، وقد هابوا العدو لكثرتهم: ألن يكفيكم إمداد ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة أنزلهم الله تعالى لقتال الكفار. أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: بلغ النبي ◌َّر وأصحابه يوم بدر أن كُرْز بن جابر المحارِبي يريد أن يُمدّ المشركين، فشق ذلك على النبي وَ ل﴿ وعلى المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنَ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فبلغ كُرْزاً الهزيمةُ، فلم يُمدَّهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضاً بالخمسة الآف، وكانوا قد مدّوا بألف. قال قتادة: كان الإمداد بالملائكة يوم بدر، أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَبَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ (ج) وقوله: ﴿أَنَ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِّكَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ وقوله: ﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ · فصبر المؤمنون يوم بدر، واتقوا الله، فأمدهم الله بخمسة آلاف مُسَوِّمِينَ من الملائكة، على ماوعدهم؛ فهذا كله يوم بدر. وكان هذا الإمداد مادياً فعلياً من قبيل إمداد العسكر بما يزيد عددهم، وشاركت الملائكة في القتال، وأكد ذلك روايات كثيرة ثابتة في البخاري ومسلم(١) وليس ذلك من قبيل الإمداد المعنوي، كما جنح إليه صاحب (١) وقد كنت تورطت بمقال نشر في مجلة (حضارة الإسلام) بعنوان ((الإمداد بالملائكة)) تأثراً بما رجحه صاحب تفسير المنار والشيخ محمد عبده، ثم عدلت عن ذلك، لتضافر الروايات الصحيحة في السنة على أن الإمداد كان فعلياً. ٣٩٧ لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ (تفسير المنار) وهو رأي قديم لبعضهم إذ قال: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يَدْعون ويسبِّحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ؛ فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت. والرأي الأول هو ما عليه أكثر المفسرين(١). قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً أو مدداً. وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفار(٢). هذا على القول بأن آية ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ﴾ هي تذكير بالقول يوم بدر. وقيل عن عكرمة والضحاك: إنما كان هذا يوم أُحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا، فلم يُمدّهم بملَك واحد، ولو أُمِدُّوا لما هزموا. مـا ومجمل القول: اختلف المفسرون في هذا الوعد: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: القول الأول - للحسن البصري وجماعة واختاره الطبري: وهو أنه متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ سِبَدْرٍ﴾. والقول الثاني - لمجاهد وجماعة آخرين: وهو أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ وذلك يوم أحد، والظاهر القول الأول. ثم ذكر تعالى: بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، ثم وعدهم بزيادة الإمداد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا، حثاً لهم عليهما، وتقوية لقلوبهم. (١) تفسير القرطبي: ١٩٤/٤ (٢) التفسير الكبير للرازي: ٢١٣/٨، تفسير الألوسي: ٤٧/٤ ٣٩٨ الُهُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ فإن تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا المعاصي، ومخالفة النبي وَّر، ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه لقتالكم، يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (بكسر الواو وفتحها) أي مُعْلِمين أنفسهم أو خيلهم، أو معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم، كما قال الكلبي، وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن قتادة: كانوا على خيل بُلْق. وقال رسول الله و له لأصحابه: تسوَّموا، فإن الملائكة قد تسوَّمت. والخلاصة: دل القرآن على أنهم أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُهْدِفِين ®). وأما الإمداد بثلاثة آلاف أو بخمسة آلاف فأثبته بعضهم، لكن قال الطبري: ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وعلى أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أن الله أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الالاف(١). وأضاف الطبري قائلاً : أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يُحَدُّوا أبين منها في أنهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، ويُنَل منهم ما نيل. وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ولإلقاء الطمأنينة في قلوبكم بأن معونة الله ونصرته معكم، أي: أن للإمداد بالملائكة غایتین : ١ - التبشير بالنصر على الأعداء، وإدخال السرور على القلوب. - (١) جامع البيان للطبري. ٣٩٩ الُعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ ٢ - تطمين المؤمنين بأن الله معهم وأنه مؤيدهم، فلا يجبنون عن المحاربة. وما النصر الحقيقي إلا من عند الله العزيز: القوي الذي لا يُغلب، الحكيم الذي يدبر الأمور على أحكم الخطط وأقوم الوسائل، والذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة. ١٣٨٠ حقق الله نصركم يوم بدر وأمدكم بالملائكة ليهلك طائفة من رؤوس الكفر والشرك بالقتل والأسر، فقد قتل يوم بدر سبعون وأسر سبعون من رؤساء قريش وصناديدهم؛ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، فينقلبوا خائبين غير ظافرين بمبتغاهم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً﴾ [الأحزاب: ٢٥/٣٣] ؛ أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا إلى الله؛ أو يعذبهم إن أصروا على الكفر والعداوة، فيكونون ظالمين لأنفسهم. ثم أتى بجملة معترضة بين ماقبلها ومابعدها لبيان أن الأمر كله بيد الله، فقال: ليس لك يا محمد من أمر البشر شيء، وما عليك إلا تنفيذ أمري وإطاعتي، وإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تتألم منهم، ولا تَدْعُ عليهم، فربما تاب بعضهم، وقد تاب وأسلم أبو سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية. ثم أكد سبحانه وتعالى أن الأمر بيده، فلله ملك السماء والأرض ومافيهما، وكلهم خلقه وعبيده، يحكم فيهم بما يشاء، فيغفر لمن يشاء المغفرة له، ويعذب من يشاء تعذيبه، بحكمة وعدل، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب من أوليائه، الرحيم بأهل طاعته، فيعفو ويصفح، ويترك العقاب عاجلاً أو آجلاً. وفي ذلك تعليم للنبي ولم ولأمته؛ إذ الأمر كله لله، والكل خاضعون له، لا فرق في ذلك بين ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو بشر آخر ممن خلق، إلا من سخره الله لمهمة أو أذن له بشفاعة، على وفق السنة الكونية العامة، وبمقتضى المشيئة الإلهية المطلقة، ولحكمة قد لا ندركها إلا يوم القيامة. ٤٠٠ الجُزُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩ فقه الحياة أو الأحكام: خلاصة مادلت عليه الآيات مايأتي: - لابد للبشر في كل أمورهم من اتخاذ الأسباب والقيام بواجباتهم المعتادة، سواء في حال السلم أو في حال الحرب والقتال، ومنها إعداد القوة وتعبئة الجيش وتنظيم المقاتلين. - ومن اتخاذ الأسباب المطلوبة في الظاهر والفعل: إطاعة أوامر الله والقائد، فقد انتصر المسلمون في بدر، وأمدهم الله تعالى بالملائكة فعلاً، وشاركوهم في القتال، لما صبروا وثبتوا واتقوا وأطاعوا الله سبحانه، وهزموا في أحد لما خالفوا أوامر النبي والر وتركوا مواقعهم في جبل الرماة، وهذا دليل واضح على أثر التقوى والصبر في غزوتي بدر وأحد، كما أن لهما أثراً في التعامل مع الأعداء، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئاً، كما في الآية (١٢٠). - وإنجاز النصر مرهون بنصر الله تعالى ودينه، وتحقيق النتائج إنما هو بيد الله تعالى وحده، ولله الأمر كله، وله ملك السماوات والأرض وما فيهن. أما تفصيل دلالات الآيات وأهم الأحداث التي صاحبت غزوتي بدر وأحد فهو مايأتي: اً - لابد لكل قائد حربي من وضع خطة استراتيجية للمعركة التي يخوضها مع الأعداء، ولابد من تنظيم صفوف المقاتلين وترتيب مواقعهم وإنزالهم في أماكن معينة يتم من خلالها لقاء المحاربين، وقد فعل النبي وَلّر ذلك بوصفه قائد الحرب في معركة أحد، كما أشارت الآية: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. أَ - إن صدق الإيمان وإخلاص المقاتلين يعصمان من الوساوس والهم بالشيء وأحاديث النفس، كما عصم الله طائفتي بني حارثة من الخزرج وبني