Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الجُرُ (٣) - آلعمران: ٤٢/٣-٤٤
وحملت زوجة زكريا، واسمها ((اليصابات)) في الزمن الذي حملت فيه مريم
بعيسى، وولد يحيى ثم شب ونشأ بارعاً في الشريعة الموسوية ومرجعاً مهماً لكل
من يستفتي في أحكامها.
وكان «هيرودس)» أحد حكام فلسطين، وله بنت أخ تسمى ((هيروديا)) بارعة
الجمال، أراد أن يتزوج منها، وأرادت البنت وأمها ذلك، فلم يرض يحيى
عن هذا الزواج؛ لأنه حرام. فانتهزت الأم ليلة الزفاف بين العم وابنة أخيه،
فرقصت العروس في زينتها أمامه، فسر منها، وطلب منها أن تقول ما تتمناه،
ليعمله لها، فطلبت منه - عملاً بمشورة أمها - رأس يحيى بن زكريا في هذا
الطبق، فوفى لها عمها الحاكم بذلك وقتل يحيى.
وامتاز يحيى منذ صباه بأكمل أوصاف الصلاح والتقوى، وأوتي النبوة وهو
صبي قبل بلوغ الثلاثين، كما قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٩/
١٢] وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمِّدهم أي يغسلهم في
نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد عمد المسيح، ويسميه المسيحيون ((يوحنا
المعمدان)). ولما قتل يحيى، جهر المسيح بدعوته، وبدأ في وعظ الناس.
قصة مريم
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَتْكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ عَلَى نِسَآءِ
اُلْعَلَمِينَ
يَمَرْيَمُ أَقْتُتِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِينَ ﴾ ذَلِكَ مِنْ
٤٣
أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ
٤٤
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
القراءات:
﴿لَدَيْهِمْ﴾: قرئ:
١
...

٢٤٢
لُ (٣) - آلعمران: ٤٢/٣-٤٤
١- (لديهم) وهي قراءة حمزة.
٢- (لديهِم) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة منصوبة بفعل مقدر، تقديره:
ينظرون أيهم يكفل مريم.
البلاغة:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ﴾ المراد جبريل، على سبيل المجاز المرسل من إطلاق
الكل، وإرادة البعض.
﴿أَصْطَفَنْكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ﴾ تكرار لفظ ﴿أَصْطَفَنكِ﴾ ولفظ ﴿مَرْيَمٌ﴾
من باب الإطناب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ﴾ أي جبريل ﴿يَمَرْيَمُ﴾ مريم في لغتهم: العابدة،
وسميت بذلك تفاؤلاً لها بالخير. ﴿أَصْطَفَنكِ﴾ اختارك. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من
الحيض والنفاس، ومن مسيس الرجال، ومن سفساف الأخلاق. ﴿وَأَصْطَفَتِكِ
عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾ أي أهل زمانك. والاصطفاء الأول: قبولها محررة لخدمة
بيت المقدس، وكان ذلك خاصاً بالرجال. والاصطفاء الثاني: الاختصاص
بولادة نبي من غير أن يمسها رجل، وذلك بمعنى أنها مهيأة ومعدة له، وفيه
شهادة ببراءتها مما قذفها به اليهود.
﴿ أَقْنُقِى﴾ أطيعي، والقنوت: الطاعة مع الخضوع. ﴿وَأَسْجُدِى﴾ تذللي.
﴿ وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ صلي مع المصلين، والمراد من السجود والركوع لازمه
وهو التواضع والخشوع في العبادة.

٢٤٣
لُعُ (٣) - آلِ عُقْرَانَ: ٤٢/٣-٤٤
﴿نُوحِيهِ﴾ الوحي: تعريف الموحى إليه بأمر خفي، وقد جاء الوحي في
القرآن لمعان: لكلام جبريل للأنبياء كما هنا، ومثل: ﴿نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ﴾،
وللإلهام مثل: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أَمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧/٢٨] ولإلقاء المعنى المراد
مثل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٢﴾ [الزلزلة: ٥/٩٩] وللإشارة مثل: ﴿فَأَوْحَىّ
إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١/١٩].
﴿أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أخبار ما غاب عنك. ﴿أَقْلَمَهُمْ﴾ قداحهم المبرية التي
يقترعون بها، وتسمى السهام. أما الأزلام: فهي التي يضربون بها القرعة
ويقامرون بها.
﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يتنازعون في كفالتها.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة ولادة يحيى من أب كبير وأم عاقر، وذلك شيء
خارق للعادة، أعقبه بذكر قصة ولادة عيسى من غير أب، وهو شيء أغرب
من الأول. وغاية القصة: الرد على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر
ولا دته من مريم ليدل على بشریته.
التفسير والبيان:
أخبرت الملائكة مريم عليها السلام أن الله اختارها لكثرة عبادتها وزهدها
وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس ومن سفساف الأخلاق وذميم
الصفات (وهو التطهير المعنوي) ثم اصطفاها ثانياً بالتطهير الحسي كعدم
الحيض والنفاس والولادة من غير جماع، وفضلها على نساء عالمي زمانها،
فهي طاهرة من الأدناس والأرجاس من الحيض والنفاس وغيرهما، ومن
العيوب والنقائص البشرية الحسية والمعنوية. ومثلها السيدة فاطمة الزهراء التي
ما كانت تحيض، ولذلك لقبت بالزهراء.

٢٤٤
الجُُّ (٣) - العَقْرَانَ: ٤٢/٣-٤٤
يا مريم الزمي الطاعة مع الخضوع لله، واسجدي له مع الخشوع، وصلي
جماعة مع المصلين، لا وحدك. فالقنوت: الطاعة في خشوع، كما قال تعالى:
﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلُّ لَّهُ قَنِئُونَ [َ﴾ [الروم: ٢٦/٣٠].
والسجود: التذلل، والركوع: الانحناء، والمراد: ما يلزمه وهو التواضع
والخشوع في العبادة.
تلك القصص التي أخبرناك عنها من أخبار زكريا ويحيى ومريم، هي من
أخبار الغيب التي لم تطلع عليها أنت ولا أحد من قومك، وإنما هي بالوحي
الذي نوحيه إليك على يد جبريل الروح الأمين، لتكون دليلاً على صحة
نبوتك، وإلزام المعاندين لك. فهذا تقرير وتثبيت أن ما علمه من ذلك إنما هو
بوحي من الله تعالى، والمعلم به قصتان: قصة مريم، وقصة زكريا.
وما كنت حاضراً معهم حينما جاءت امرأة عمران، وألقت مريم في بيت
المقدس، وتنافس الأحبار في رعايتها وخدمتها، فهي بنت سيدهم و کبیرهم،
وأخذوا يستهمون (يقترعون) في ذلك، فجاءت القرعة لزكريا، فكان كافلها.
وما كنت شاهداً عليهم إذ يتنازعون ويتخاصمون في كفالتها، ولم يتفقوا
عليها إلا بعد القرعة. وإذ لم تعلم بهذه القصة ولا قومك لأنك أمي مثلهم،
فلم يبق لك طريق للعلم إلا الوحي من الله تعالى. أما المشاهدة للخصومة فقد
نفاها الله تعالى على سبيل التهكم. وهي كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩/١١].
وأما تعليم البشر - كما زعموا - فرده الله تعالى بقوله: ﴿ِّسَاثُ الَّذِى
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيُ تُبِيٌ﴾ [النحل: ١٠٣/١٦] وهو
النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
وهذه الآية مثل المذكور عقب قصة نوح عليه السلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ
اٌلْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩/١١]

٢٤٥
لُعُ (٣) - الغَتْرَانَ: ٤٢/٣-٤٤
والمذكور بعد قصة موسى وشعيب: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى
مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤/٢٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى تفضيل السيدة مريم عليها السلام على نساء العالمين أجمع
في قول الزجاج وغيره، وعلى عالمي زمانها في قول أكثر المفسرين. وكرر
الاصطفاء؛ لأن معنى الأول: الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى.
روى مسلم والجماعة إلا أبا داود عن أبي موسى قال: قال رسول الله ولو:
((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية
امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)».
والكمال: هو التناهي والتمام، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما
هو لله تعالى خاصة. ولاشك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم يليهم الأولياء
من الصديقين والشهداء والصالحين.
وروي من طرق صحيحة أنه عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الترمذي
وابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك: ((خير نساء العالمين أربع: مريم
بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة
بنت محمد)» وفي رواية أخرى: ((سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة
وخديجة)). فهذه الأحاديث تدل على فضيلة مريم وأن روح القدس كلمها،
وظهر لها، ونفخ في درعها، ودنا منها للنفخة، وصدقت بكلمات ربها،
ولذلك سماها الله في تنزيله صِدّيقة فقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وقال:
﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم: ١٢/٦٦].
ودلت الآية على أن مريم كانت كثيرة العبادة والخشوع والركوع والسجود
والدأب في العمل، مما هيأها لمحنة لها ورفعة في الدارين.

٢٤٦
الُرُ (٣) - آل عمران: ٤٢/٣-٤٤
ودل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ على نبوة محمد وََّ،
حيث أخبره الله عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر الناس عن
ذلك، وصدَّقه أهل الكتاب بذلك. والإيحاء هنا: الإرسال إلى النبي ◌َّ.
واستدل بعض علماء المالكية بهذه الآية ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ﴾
على إثبات القرعة، وهي في أصل شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة،
وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستوين في الحجة ليعدل بينهم، وتطمئن
قلوبهم، وترتفع الطِّنَّة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه
إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعاً للكتاب والسنة. وردَّ العملَ بالقُرْعة أبو
حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وأنها تشبه الأزلام التي نهى
الله عنها. وأجيبوا بالآثار والسنة، قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من
الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد وَله. وحديث أبي هريرة أن رسول الله وَلؤل
قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا
عليه لاستهموا))(١) وكان النبي ◌َّ- إذا أراد السفر أقرع بين نسائه.
ودلت الآية أيضاً على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا
الجدَّة، وقد قضى النبي وَلّ في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر، وكانت
عنده خالتها، وقال فيما رواه الترمذي والشيخان عن البراء: ((الخالة بمنزلة
الأم)) وكان زكريا قد قال لأحبار بيت المقدس: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي،
فأبوا واقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا، فكفلها.
وكيف تمت القرعة؟ لما نذرت امرأة عمران والدة مريم ما في بطنها لخدمة
الهيكل، جاءت بها إلى خدام الهيكل، فكل واحد منهم أراد أن يكفلها وألقوا
قرعة على ذلك، فكانت مريم نصيب زكريا، فقام بأمرها كما قال تعالى:
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾.
(١) حديث صحيح رواه أحمد والشيخان والنسائي.
.

٢٤٧
الُرع (٣) - آلعمران: ٤٥/٣-٥١
قال بعض العلماء: الحكمة في أنّ الله لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا
(مريم): هي الإشارة من طرف خفي إلى رد ما قاله النصارى من أنها زوجته،
فإن العظيم يأنف من ذكراسم زوجته بين الناس، ولينسب إليها عيسى باعتبار
عدم وجود أب له، ولهذا قال في الآية التالية: ﴿أَسْمُهُ اُلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ
قصة عيسى عليه السلام
﴿إِذْ قَالَتِ اُلْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ اُلْمَسِيحُ عِيسَى
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ
٤٥
أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ
وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ
وَيُعَلِّمُهُ
كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وَرَسُولَا إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُكُمْ
٤٨
اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
بَِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمَّ أَنِّ أَغْلُقُ لَكُم مِّنَ اُلْطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحِّى اَلْمَوْنَ بِذْنِ اللَّهِ وَأَنَّبِّئُكُمْ بِمَا
تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
٤٩
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمٌّ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ
٥١
فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
القراءات:
(يُبَشِّرُكِ﴾: قرئ:
١- (يَبْشُرُك) وهي قراءة حمزة والكسائي.
٢- (يُشِّرك) وهي قراءة الباقين.

٢٤٨
الجُرُ (٣) - آل عمران: ٤٥/٣-٥١
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾: قُرئ:
١- بالياء، وهي قراءة نافع، وعاصم.
٢- بالنون، وهي قراءة الباقين.
[جِئْتُكُم﴾: قرئ: (جيتكم) وهي قراءة السوسي.
﴿ أَنِّ أَغْلُقُ﴾: قرئ:
١- (إنيَ أخلق)، وهي قراءة نافع.
٢- (أنيَ أخلق) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٣- (أنيْ أخلق) وهي قراءة باقي السبعة.
(طَيْرًا﴾: وقرئ: (طائراً) وهي قراءة نافع.
بُوتِكُمْ﴾: قرئ:
١- (بُيُوتكم) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بِيُوتكم) وهي قراءة الباقين.
صِرَاطٌ﴾: وقرئ: (سراط) وهي قراءة قنبل.
الإعراب:
﴿إِذْ﴾ ظرف زمان ماض، وهو بدل من قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في الآية
السابقة.
﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ اسمه المسيح: جملة اسمية في موضع صفة لكلمة.
و﴿عِيسَى﴾: بدل من المسيح.

٢٤٩
لِلُعُ (٣) - الِ غَثْرَانَ: ٤٥/٣-٥١
﴿أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ إما بدل من ﴿عِيسَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو ابن
مريم، ولا يجوز أن يكون وصفاً لعيسى؛ لأن اسمه عيسى فقط، وليس اسمه:
عيسى بن مريم. وإذا كان كذلك وجب إثبات الألف في الخط من قوله: ابن
مريم؛ لأن الألف من ﴿أَبْنُ﴾ إنما تسقط إذا وقعت وصفاً بين علمين، ولا
يجوز أن يكون ههنا وصفاً، فوجب أن تثبت.
﴿وَجِيهًا﴾ ﴿وَمِنَ اُلْمُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ﴾ ﴿وَكَهْلَا﴾ ﴿وَمِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ ﴿ وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِنَبَ﴾ ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾: كل ذلك أحوال
من عيسى.
﴿ أَنِّ أَخْلُقُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: الجر بدلاً من ﴿بِئَايَةٍ﴾ والرفع خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هو أني أخلق، والنصب بدلاً من ((أن)) في قوله: ﴿أَنِّ قَدْ
چِثْتُگم﴾ وهي في موضع نصب، وتقديره: جئتكم بأني قد جئتكم، فحذف
حرف الجر، فاتصل الفعل به . ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف في موضع نصب؛
لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره: خلقاً مثل هيئة الطير. وهاء ﴿فِيهِ﴾ إما
أن تعود على الهيئة وهي الصورة بمعنى المهيأ، أو تعود على المخلوق لدلالة:
أخلق عليه، أو تعود على الكاف في: كهيئة الطير؛ لأنها بمعنى ((مثل)).
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ منصوب على الحال من تاء ﴿جِثْتُكُمْ﴾ أي جئتكم مصدقاً.
البلاغة:
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ كناية عن الجماع، مثل الكناية عنه بالحرث واللباس
والمباشرة.
﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِىِ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يوجد طباق بين لفظي
﴿وَلِأُحِلَّ﴾ و﴿ حُرِّمَ﴾.

٢٥٠
لُعُ (٣) - آل عمران: ٤٥/٣-٥١
المفردات اللغوية:
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ المراد بها عيسى، وسمي بالكلمة لأنه وجد بكلمة ﴿كُنّ
فَيَكُونُ﴾.
﴿ اَلْمَسِيحُ﴾ لفظ معرب من العبرانية، وأصله: مشيحا؛ لأنه مسح بالبركة
أو بالدهن الذي يمسح به الأنبياء، وهو دهن طيب الرائحة. وعيسى: معرب
يسوع بالعبرانية.
﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاه وكرامة في الدارين ﴿فِى اُلُّنْيَا﴾ بالنبوة ﴿وَاُلْأَخِرَةِ﴾
بالشفاعة والدرجات العلا ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله ﴿فِى الْمَهْدِ﴾ مقر الصبي
حين الرضاع ﴿وَكَهْلَا﴾ الكهل: الرجل التام السوي، وهو من بلغ
الأربعين فأكثر ﴿قَضَى﴾ أراد شيئاً ﴿الْكِنَبَ﴾ الكتابة والخط ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾
العلم النافع وهو الذي يبصِّر الإنسان بفقه الأحكام وسر التشريع.
﴿وَالتَّوْرَنَةَ﴾ كتاب موسى ﴿وَالْإِنِيلَ﴾ كتاب عيسى الذي أوحي إليه به.
﴿ أَنِّ أَغْلُقُ﴾ أصور، والخلق: التصوير والتكوين على مقدار معين، لا
الإنشاء والاختراع ﴿كَهَيْئَةِ﴾ مثل صورة الطير ﴿اَلْأَكْمَهَ﴾: مَنْ وُلِدَ
أعمى ﴿وَاُلْأَبْرَصَ﴾: الذي به برص أي بياض في الجلد يُتطير به ﴿بِذْنِ اللَّهِ﴾
بإرادته.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا ويحيى أقارب عيسى، وذكر قصة أمه،
ناسب أن يذكر قصة عيسى وكيفية ولادته.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك وقت أن قال جبريل من الملائكة: إن الله يبشرك يا

٢٥١
الجُرُ (٣) - آل عمران: ٤٥/٣-٥١
مريم بعيسى الموصوف بالكلمة على معنى: نبشرك بمكون منه أو بموجود من
الله، إيذاناً بأنه خلق خلقاً غير عادي، استحق أن يوصف بهذه الصفة، وإن
كان في الواقع أن جميع الكائنات وجدت بكلمة الله كما ذكر عقب خلق عيسى
بقوله: ﴿إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وذكر في مكان آخر: ﴿إِنَّمَآ
(٨٢)﴾ [يس: ٨٢/٣٦] لكن في
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
العرف تنسب الأشياء الأخرى إلى الأسباب العادية، وأطلق اسم الكلمة على
عيسى مجازاً كما قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١/٤].
والمراد من الملائكة هنا جبريل، لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ
لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧/١٩] وذكر بلفظ الجمع؛ لأنه رئيسهم.
اسمه المسيح الذي جاء لرفع الظلم وهداية الناس وإشاعة الأخوة الصادقة
فيما بينهم، وكانت مملكته روحانية لا جسدية. والمسيح: لقب الملك عندهم،
فهو من ألقاب المدح. وقال القرطبي: معناه الصدِّيق.
وإنما قيل: ابن مريم، مع أن الخطاب لها، إشارة إلى أنه ينسب لها، لولا دته
من غير أب، وليظل هذا الوصف ثابتاً مقرراً في الأذهان في كل زمان، ورداً
على من أنَّه، وبياناً لمكانتها وتكريماً لها.
وهو ذو وجاهة في الدنيا لما له من مكانة عند أتباعه والمؤمنين، وفي الآخرة
بين الناس، ومن المقربين إلى الله يوم القيامة.
ويمتاز أيضاً بأنه يكلم الناس وهو رضيع في المهد، وفي حال الكهولة وتمام
الرجولة، كلاماً متزناً معقولاً. وهذا يشير إلى أنه سيكون رجلاً سوياً. قال ابن
عباس: كان كلامه في المهد لحظة بما قصه الله علينا، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان
الكلام. وكانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش.
وهو كذلك من الصالحين الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والاستقامة وصلاح

٢٥٢
لُرُ (٣) - آلعمران: ٤٥/٣-٥١
الحال. ولما بشرت مريم بعيسى المتصف بما ذكر، قالت متعجبة: كيف يكون لي
ولد، وليس لي زوج؟ فأجابها الله: مثل هذا الخلق المتعجب منه وهو خلق
الولد بغير أب، يخلق الله ما شاء، فخلق السماء والأرض، وخلق آدم من
تراب بلا أب ولا أم، وخلق جميع الموجودات في الأصل من غير سبب ظاهر.
وسبب التعبير في قصة زكريا وابنه يحيى بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ
مَا يَشَآءُ﴾ وفي قصة خلق عيسى بقوله: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: هو أن
إيجاد يحيى من شيخين عجوزين كإيجاد سائر الناس في العادة، فعبر عنه
بالفعل، وأما إيجاد عيسى فهو من أم بلا أب، خلافاً للمعتاد في التوالد، بل
بمحض القدرة الإلهية، وهو أبلغ من إيجاد يحيى، فناسب التعبير عنه بالخلق
والإيجاد والإبداع، لكونه من غير سبب عادي.
ثم أعقبه بما يناسبه ويؤكده فقال: إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون،
والمراد بالأمر هنا الأمر التكويني، لا الأمر التكليفي في مثل قوله تعالى:
﴿ وَأَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ﴾ وهذا تبيان لعظمة الله، ونفاذ أمره ومشيئته، وسرعة إنجاز
مطلوبه، تقريباً للأذهان، وإلا فالإيجاد أسرع مما هو قائم بين حرفي ﴿كُنْ﴾.
وهو يشبه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا
﴾ [فصلت: ١١/٤١].
طَوَّعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَاً أَنَيْنَا طَآئِعِينَ
وهناك خلق آخر أعظم من خلق عيسى وهو خلق آدم من غير أب ولا أم:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
﴾ [آل عمران: ٥٩/٣].
٥٩
فهذه الأحوال في الخلق على نحو غير عادي دليل على قدرة الله المطلقة،
وإرادة تكميل الكون بعجائب المخلوقات.
ومن أوصاف عيسى: أن الله يعلمه الكتابة والخط، والعلم النافع الذي
يبعث النفس إلى تنفيذ الفعل ويرشد إلى أسرار الأحكام، ويعرفه التوراة التي
أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أوحي إليه.

٢٥٣
الجُرُ (٣) - آلعمران: ٤٥/٣-٥١
وأنه رسول مرسل إلى بني إسرائيل، مؤيد بآيات تدل على صدق رسالته
وهي:
٠
١ - أنه يصور من الطين صورة على قدر معين كصورة الطير، لا ينشئ
ويخترع من الطين هيئة جديدة، فينفخ فيه، فيكون طيراً بقدرة الله ومشيئته، لا
بقدرته وأمره، فإنه مخلوق لا يقدر على هذا.
روي أنهم طالبوه بخلق خفَّاش، فأخذ طيناً وصوره ونفخ فيه، فإذا هو
يطير، وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتاً، ليتميز فعل المخلوق
من فعل الخالق وهوالله تعالى، وليعلم أن الكمال لله. قال وهب: كان يطير
مادام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتاً، ليتميز من خلق
الله . .
٢، ٣ - ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله: وتخصيصهما
بالذكر؛ لأن مداواتهما أعيت الأطباء، علماً بأن الطب كان متقدماً في زمن
عيسى، فأراهم الله المعجزة من جنس الطب. قال كثير من العلماء: بعث الله
كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب في مصر على زمان
موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت
الأبصار، وحيرت كل سخَّار، فلما استيقنوا أنها من عند الله العظيم الجبار،
انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام فبعث
في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل
لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب
قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في
قبره. وقد أحيا صديقاً له اسمه عازر، وابن العجوز، وابن العاشر، فعاشوا
وولد لهم، وأحيا سام بن نوح ومات في الحال.
وكذلك محمد ◌َ لل بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتحليق الشعراء، فأتاهم

٢٥٤
الُ (٣) - آل عمران: ٤٥/٣-٥١
بكتاب من الله عز وجل، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو
بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبداً، ولو كان بعضهم
لبعض ظهيراً، وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبداً.
٤ - وأخبركم بما تأكلونه، وما تخبئونه وتحفظونه للمستقبل في بيوتكم.
والفرق بين إخبار النبي بالمغيباب وإخبار المنجمين والكهنة: أن النبي يخبر
بإعلام الله من غير اعتماد على شيء آخر، أما الكاهن والمنجم فيعتمد على
طرق الاحتيال واستخدام بعض الأسباب المؤدية إلى معرفته كالنجوم والجن
وبعض الإنس.
إن في ذلك لدليلاً قاطعاً على صدق رسالتي، إن كنتم مصدقين بآيات الله
الباهرة، مقرين بتوحيده وبقدرته الكاملة على كل شيء.
٥ - وجئتكم مصدقاً لما تقدم من التوراة، لا ناسخاً لها، ولا مخالفاً
أحكامها إلا ماخفف الله في الإنجيل مما كان مشدداً عليهم فيها، كما قال
تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي بعض الطيبات التي
كانت محرمة على بني إسرائيل بظلمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ
هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠/٤] قيل: من ذلك: السمك
ولحوم الإبل والشحوم والعمل يوم السبت.
وما عدا ذلك جئت متفقاً مع التوراة في أصول الدين كالتوحيد والبعث
وفضائل الأخلاق، جاء في الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام: ((ما جئت
لأنقص الناموس - أي شريعة التوراة - ولكن لأكمله)).
٦ - وجئتكم بآية بعد آية من ربكم شاهدة على صدقي وصحة رسالتي. كرر
ذلك للتأكيد وليبني عليه الأمر بالتقوى. وقد وحد الآية وهي آيات؛ لأنها
جنس واحد في الدلالة على رسالته.

٢٥٥
لُعُ (٣) - آلِعَتْرَانَ: ٤٥/٣-٥١
فاتقوا الله في المخالفة، وأطيعوا فيما أدعوكم إليه وهو توحيد الإله: إن الله
ربي وربكم، فاعبدوه، وهذا هو الطريق السوي الذي اتفقت عليه الرسل
قاطبة، وهو المؤدي إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن تعدى ذلك فهو في ضلال.
ففي هذا تلخيص لمهمة الرسالة وهي الأمر بالتقوى وإطاعة الله، والإقرار
بالتوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، والاعتراف بالعبودية والخضوع
لله، وهو منهج الحق المبين في مريم وابنها.
وهذا موجود في الإنجيل الحالي؛ لأن فيه: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي
وإلهكم. والأب: السيد في تلك اللغة، بدليل أنه قال: وأبي وأبيكم، فعلم أنه
لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة.
فقه الحياة أو الأحكام:
:
ذكرت الآيات بشارة الملائكة لمريم عليها السلام بأنه سيوجد منها ولد
عظیم، له شأن كبير، یکون وجوده بكلمة من الله أي يقول له: كن فيكون،
واسمه المسيح مشهور في الدنيا يعرفه المؤمنون، وله وجاهة ومكانة عند الله في
الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب والحكمة، وله
وجاهة في الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه
أولي العزم من الرسل عليهم السلام.
ويدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، وفي حال كهولته
حين يوحي الله إليه، وهو صالح القول والعمل. روى محمد بن إسحاق عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وسلم: ((ما تكلم أحد في صغره إلا عيسى وصاحب
جريج)). وروى مسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: ((لم
يتكلم في المهد إلا ثلاث: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر)).
وهذا حصر نسبي في وقت ما، ثم أخبر الله نبيه في وقت آخر بآخرين،

٢٥٦
لُعُ (٣) - ◌َلِعَتْرَانَ: ٤٥/٣-٥١
ومجموعهم سبعة: شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة فرعون، وعيسى،
ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الجبار، وصبي قصة الأخدود: وهو -
كما في مسلم وغيره - أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي
يرضع، فتقاعست أن تقع فيها، فقال الغلام: يا أمَّه، اصبري، فإنك على
الحق.
ودل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ على أن أمر الله عظيم لا
يعجزه شيء. وأكده بقوله: ﴿إِذَا قَضَىَ أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلا يتأخر
شيئاً، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدُهُ كَلَمْجٍ
بِالْبَصَرِ ®) [القمر: ٥٠/٥٤]. أي إنما نأمر مرة واحدة دون تكرار ولا تثنية،
فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.
ودلت الآيات على خصائص عيسى عليه السلام وما أيده الله به من
معجزات خارقة للعادة، وهي كلها من صنع الله مباشرة، ومعناها سنة جديدة
بخلاف كل مانراه يومياً من عظة وعظمة.
وكان عيسى أحد الرسل إلى بني إسرائيل. روي أن الوحي أتاه وهو ابن
ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين، ثم رفع إلى السماء.
ولا تختلف دعوة عيسى عن دعوات سائر الأنبياء، كما أوضحت هذه
الآيات، فهو يدعو إلى تقوى الله وطاعته فيما جاء به عنه، ويأمر بالتوحيد
والاعتراف بالعبودية لله، وذلك هو الصراط المستقيم أي أقرب طريق موصل
إلى الله تعالى.
٠
:

٢٥٧
الجزء (٣) - آل عمران: ٥٢/٣-٥٨
عيسى مع قومه المؤمنين والكفار
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ
﴿﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَا
اُلْحَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
بِمَآ أَنْزَلْتَ وَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ
٥٣
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِنِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ
اُلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (0ْوَ فَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى الذُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِينَ
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُلْضَلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
٥٨
٥٧
اُلْفَكَلِمِينَ
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اُلْحَكِيمِ
القراءات:
﴿أَنْصَارِىّ إِلَى﴾:
وقرأ نافع، (أنصاريَ إلى).
﴿فَيُوَفِيهِمْ﴾: قرئ:
٠٠
١- (فيوفيهم) بالياء، على سبيل الالتفات والخروج من ضمير المتكلم إلى
ضمير الغيبة، للتنوع في الفصاحة، وهي قراءة حفص.
٢- (فنوفيهم) بالنون وهي قراءة الجمهور.
الإعراب:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ إذ: تتعلق بفعل مقدر، تقديره: اذكر أني متوفيك ورافعك

٢٥٨
الجزءُ (٣) - آلعمران: ٥٢/٣-٥٨
إلي ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَّهُوَكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فيه وجهان: إما أنه معطوف على
ما قبله، وهو خطاب للنبي ◌ّله وما قبله خطاب لعيسى، وإما أنه معطوف على
﴿مُتَوَفِيكَ﴾ وكلاهما لعيسى.
﴿مِنَ الَيَتِ﴾ حال من الهاء في ﴿نَتْلُوُ﴾ وعامله ما في ذلك من معنى
الإشارة.
البلاغة:
﴿فَلَمَّآ أَحَسَ﴾ استعارة، إذ الكفر ليس بمحسوس وإنما يعلم ويفطن به.
﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ من باب المشاكلة. ويوجد جناس اشتقاق بين
﴿ وَمَكَرُواْ﴾ و﴿اَلْمَكِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب.
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ فيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، تنويعاً
للفصاحة.
المفردات اللغوية:
﴿أَحَسَ﴾ علم علماً لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس. واستعمالها في
إدراك الأمور المعنوية مجاز ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ﴾ أعواني ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي مع الله،
فإلى بمعنى مع، أو من أعواني في السبيل إلى الله؛ لأنه دعاهم إلى الله عز
وجل، أو من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: واحدهم حواري، وحواري الرجل: صفيّه
وناصره، فالحواريون: هم أصحاب عيسى وأنصاره وأصفياؤه. والحور:
البياض الخالص، وصفوا به لبياض قلوبهم وصفاء سريرتهم (١). ورد في
الصحيحين: ((لكل نبي حواري، وحواريَّ الزبير)).
(١) وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها.

٢٥٩
الُرُ (٣) - آل عمران: ٥٢/٣-٥٨
﴿فَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ﴾ أعوان دينه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر
رجلاً.
﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ منقادون لما تريده منا ﴿مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي لك
بالوحدانية ولرسولك بالصدق.
﴿ وَمَكَرُواْ﴾ المكر: تدبير خفي يفضي بالمكور به إلى مالم یکن يحتسب،
وغلب استعماله في التدبير السيء . ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَلِكِينَ﴾ أعلمهم به وأعرفهم
بالتدابير، وهو المجازي على المكر. وكان مكر كفار بني إسرائيل بعيسى: أن
وكلوا به من يقتله غيلة، ولكن الله ألقى شبه عيسى على من قصد قتله،
فقتلوه، ورفع عيسى إلى السماء.
﴿إِ مُتَوَفِيكَ﴾ التوفي: أخذ الشيء وافياً تاماً، ثم استعمل بمعنى
الإماته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩]
فمعنى ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ قابضك. ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ من الدنيا من غير موت، فإذا
كان عيسى حياً حين الرفع كان في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: أني رافعك
إلي ومتوفيك، والواو لا تدل على الترتيب. وقيل: معنى: إني متوفيك:
قابضك ورافعك إلي، أي إلى كرامتي.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مبعدك، وتطهيره من الذين كفروا: براءته
مما كانوا يرمونه به بتهمة أمه بالزنا. ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبْعُوكَ﴾ صدقوا بنبوتك من
المسلمين والنصارى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ بك وهم اليهود، والفوقية بمعنى
العلو عليهم بالحجة والسيف . ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
يشمل المسيح والمختلفين معه والاختلاف بين أتباعه والكافرين به.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والسبي والجزية ﴿وَالْآَخِرَةِ﴾ بالنار
﴿نَّصِرِينَ﴾ مانعين منه ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِينَ﴾ أي يعاقبهم ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور
من أمر عيسى ﴿نَتْلُوهُ﴾ نقصه ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم أي القرآن.

٢٦٠
الُزُرُ (٣) - آل عمران: ٥٢/٣-٥٨
سبب النزول:
نزول الآية (٥٨):
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: أتى رسولَ اللهِ وَ له راهبا.
نجران، فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله وَلقول لا يعجل حتى
يؤامر ربه، فنزل عليه ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوُهُ عَلَيْكَ مِنَ الَيَتِ وَالذِّكْرِ اُلْحَكِيمِ
٥٨٦
إلى قوله ﴿مِّنَ اُلْمُمْتِينَ﴾. وسيأتي بيان روايات أخرى في بيان سبب نزول آية:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ إلى قوله ﴿مِّنَ اُلْمُمْتَِّنَ﴾.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى معجزات وخصائص عيسى عليه السلام، ذکر هنا
قصته مع قومه، حيث دعاهم للإيمان، فآمن به بعضهم، وأعرض الآخرون،
ومالقيه منهم من إيذاء وعزم على قتله، وإنجائه منهم برفعه إليه، وإنذار
الكافرين بالعذاب الشديد، ومجازاة المؤمنين الذين عملوا الصالحات. وفي
ذلك إيناس للنبي 9ّ وبيان أن الأدلة وحدها لا تؤدي إلى الإيمان، وإنما لا بد
من هداية الله وتوفيقه.
التفسير والبيان:
لما شعر عيسى من قومه بني إسرائيل بالتصميم على الكفر، والاستمرار على
الضلال، وتحقق من ذلك، أراد التعرف صراحة على المؤمنين بدعوته، فقال:
من يتبعني إلى الله، ومن ينصرني ملتجئاً إلى الله؟ والظاهر أنه يريد: من
أنصاري في الدعوة إلى الله، كما كان النبي ◌ُّه يقول في مواسم الحج قبل أن
يهاجر: ((من رجل يؤويني حتى أبلِّغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلِّغ
كلام ربي؟)) فوجد الأنصار، فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه
من الأعداء.
٠