Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الُ (٣) - إِلَ عُقْرأْنَ: ٧/٣-٩ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتب السماوية على الأنبياء، وأن هذه الكتب يصدِّق بعضها بعضاً؛ لأن غايتها واحدة، وهدفها واحد وهو إرشاد الناس إلى الحق، والإقرار بتوحيد الإله، والاعتراف بوجوده. وإنزال الكتب، والخلق والإيجاد في الأرحام، والعلم بغيب السماء والأرض دون أن يخفى عليه شيء كلي أو جزئي: أدلة وبراهين ثلاثة قاطعة تثبت الألوهية لله وحده، دون مشاركة أحد من خلقه له، أو اتصاف بشر بما يزعم المبطلون من ألوهية إنسان مخلوق ضعيف بحاجة إلى الخالق في كل أموره، سبحانه لا إله إلا هو، أي لا خالق ولا مصوّر سواه، وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلهاً مُصَوِّراً وهو بشر مُصَوَّر؟! المحكم والمتشابه في القرآن ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَةٌ فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَآءَ تَأْوِيلِّ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ اللّهُ وَالزَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَاْ وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ رَبََّا لَا تُغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ٧ لَدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ رَبَّآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ ٨ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ الإعراب: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ﴾ جار ومجرور في موضع نصب على الحال من الكتاب، وتقديره: أنزل عليك الكتاب كائناً منه آيات. وآيات: فاعل لاسم الفاعل : كائن، المقدر. ومحكمات: صفة لآيات. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾: جملة اسمية في ./ ١٦٢ الجُ (٣) - آلِّعَتْرَأَنَ: ٧/٣-٩ موضع رفع صفة لآيات أيضاً. ﴿وَأُخَرُ﴾ معطوف على قوله: آيات محكمات. وأخر: ممنوع من الصرف للوصف والعدل، معدول عن آخر. ﴿وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ إما مبتدأ، وخبره: آمنا به، وإما عطف على الله تعالى، فكأنه قال: لا يعلم تأويله إلا الله ويعلمه الراسخون. والهاء في تأويله: تعود على المتشابه. البلاغة: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ استعارة، شبَّه أصول الآيات المحكمات بالأم، وسائر الآيات يتبعها أو يتعلق بها، كما يتعلق الولد بأمه. ﴿ وَالزَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾ استعارة أيضاً، شبه المتمكنين في العلم بالأشياء الثقيلة الراسخة في الأرض. المفردات اللغوية: ﴿ ◌ُحْكَمَكُ﴾ واضحات الدلالة، لا خلاف في معناها، من أحكم الشيء: وثقه وأتقنه، مفردها محكم: وهو ما عُرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ﴿أُمّ اُلْكِنَبِ﴾ أصله المعتمد عليه في الأحكام ﴿مُتَشَبِهَتٌ﴾ هي التي لم يظهر معناها ولم يتضح، بل خالف ظاهر اللفظ المعنى المراد، كأوائل السور. وقال القرطبي: المتشابه: ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، والدابة التي تكلم الناس إذا وقع القول عليهم، ونحو ذلك. وجعل الكتاب في آية أخرى: ﴿أُخْكِمَتْ ءَايَنُهُ﴾ كله محكماً: بمعنى أنه ليس فيه عيب، وفي آية أخرى: ﴿كِنَبًا مُّتَشَِهًا﴾ كله متشابهاً: بمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق. فلكل آية معنى خاص غير الآخر، فلا تعارض بين الآيات. ١ ١٦٣ لُرُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٧/٣-٩ ﴿زَيْغٌ﴾: ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة ﴿أَبْتِغَآءَ اٌلْفِتْنَةِ﴾: طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس ﴿وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلٌِّ﴾: تفسيره ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ تفسيره ومعرفة حقيقته وبيان ما يؤول إليه في الواقع ﴿وَالرَّسِخُونَ﴾: المتمكنون في العلم المتفقهون في الدين المتأكدون منه، وهو أبلغ من قول: والثابتون في العلم ﴿ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه ﴿كُلِّ مِنْ عِنِدِ رَيْنَا﴾: أي كل من المحكم والمتشابه من عند الله. ﴿وَمَا يَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول. ﴿ رَبَّاَ لَا تُعْ قُلُوبَنَا﴾ أي ويقولون أيضاً إذا رأوا من يتبعه: ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا، كما أزغت قلوب أولئك. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أرشدتنا إليه ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ﴾ من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ عناية إلهية وتوفيقاً وتثبيتاً على الحق. (جَامِعُ النَّاسِ﴾ جمع الناس: حشرهم للحساب والجزاء ﴿لَّا رَيَّبَ فِيةٍ﴾ لا شك في وقوعه، وهو يوم القيامة؛ لأنك أخبرت به، وقولُك الحق، فتَجازي الناس بأعمالهم، كما وعدت بذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اُلْمِيعَادَ﴾ موعده بالبعث فيه. فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة. والغرض من الدعاء بذلك: بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذلك سألوا الثبات على الهداية، لينالوا ثوابها. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أن في القرآن آيات محكمات وآيات متشابهة في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فالمحكم العبارة: هو الواضح الدلالة التي لا التباس فيها على أحد، والمتشابه: هو الذي لم يظهر معناه ولم يتضح المراد منه بسبب التعارض بين ظاهر اللفظ والمعنى المراد منه، أو هو ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة. وهذا الإخبار للرد على النصارى الذين يستدلون ببعض ١٦٤ الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٧/٣-٩ آيات القرآن التي يفيد ظاهرها تميز عيسى على غيره من البشر. والمراد بالكتاب هنا : القرآن باتفاق المفسرين. والمحكم: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ وما بعدها من الآيات [الأنعام ٦/ ١٥١ - ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ والآيات الثلاث بعدها من سورة [الإسراء ١٧/ ٢٣ - ٢٦] وقوله عز وجل في شأن عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف: ٥٩/٤٣]. فهذه الآيات وأمثالها ٥٩ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ وهي تمثل أغلب القرآن في تبيان أحكام الفرائض وأصول الاعتقاد والأمر والنهي والحلال والحرام، كلها واضحة الدلالة على المعنى المراد ولا تحتمل أي معنى آخر، هي أم الكتاب أي أصل القرآن وعماده ومعظمه، وغيرها متفرع عنها تابع لها، فإن اشتبه علينا آية منها، ردت إلى المحكم وحملت عليه، كقوله صىے تعالى في شأن عيسى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١] يحمل على قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩/٤٣] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩/٣] أي أننا نؤمن بأن كل الآيات من عند الله، وأنه لا ينافي الأصل المحكم. والمتشابه: مثل قوله تعالى في عيسى عليه السلام ﴿ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١/٤]، وقوله: ﴿إِّي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٥] وقوله تعالى عن ذاته: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (١)﴾ [طه: ٥/٢٠] وقوله: ﴿يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠/٤٨]. فهذه الآيات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد، ١٦٥ الُ (٣) - ألِ غَيْر أنَ: ٧/٣-٩ فربما وافقت المحكم، وربما وافقت شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. فليس لكم أيها النصارى الاحتجاج بأمثال هذه الآيات التي هي من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، وإنما عليكم الوقوف عند محكم التنزيل، مثل قوله تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلِكَةُ اٌلْمُقْرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢/٤]. ومعنى المتشابه والمحكم هنا يختلف عن معناه في آيات أخرى، فقد وصف القرآن كله بالمحكم في قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أُخْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾ [هود: ١/١١] والمراد أنه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ صحيح المعاني، أحكم نظمه وأتقن، واشتمل على الحكمة، ووصف القرآن أيضاً بالمتشابه في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِهًا﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق والهداية، والسلامة من التناقض والاختلاف، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢/٤]. فأما الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وميل عن الحق إلى الباطل، فيتبعون أهواءهم، فيأخذون بالمتشابه الذي يتمسكون به، ويمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويتركون المحكم الذي لا التباس فيه، بقصد إيقاع الناس في الفتنة في الدين وإضلال أتباعهم، إيهاماً لهم أنهم يحتجون على مزاعمهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩/٤٣] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ عمران: ٥٩/٣]. وهم يفعلون ذلك أيضاً بقصد تأويل القرآن على غير حقيقته، وتحريفه على ١٦٦ الُ (٣) - آلِّعَتْرَأَنَ: ٧/٣-٩ ما يريدون، متبعين أهواءهم وتقاليدهم وموروثاتهم، وتاركين الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وهو عبودية عيسى لله وإطاعته إياه. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ له تلا: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ الآية، ثم ج قال: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم». وروى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله وَلّ قال: ((إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه، فآمنوا به)). وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فهو مما استأثر الله بعلمه، أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فلا يعلم حقيقته إلا الله. ويرى جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وابن عباس وابن عمر الوقوف على لفظ الجلالة، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وأما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، يقولون: آمنا به؛ لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق الله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض. ويرى جمهرة من الصحابة كابن عباس، وتبعهم كثير من المفسرين(١) وأهل الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه، على معنى: لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. قال ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. فالمتشابه يعلمه الراسخون؛ لأن الله تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال، ذاهبين فيه إلى ما يخالف (١) هذا رأي ابن كثير، وعكس القرطبي الأمر، فقال: مذهب أكثر العلماء الوقوف التام عند لفظ الجلالة، وتم الكلام عند قوله: ((إلا الله)). والراسخون مقطوع مما قبله، وهو استئناف كلام آخر. ١٦٧ الجُرُ (٣) - آلِ عَتْ أَنَ: ٧/٣-٩ المحكم، والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم. وأما قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا﴾ فهو كلام مستأنف، لا ينافي العلم، فهم يجعلون المحكم هو الأساس، ويؤمنون بأن كلاً من المحكم والمتشابه من عند الله، وكلاهما حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر، ويدل لذلك أن النبي ◌َّ دعا لابن عباس بقوله: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)). والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هادياً للناس: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفه، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة. ووصف النبي ◌ّ الراسخين في العلم - فيما يرويه ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن يزيد التابعي الذي أدرك أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء: أن رسول الله ◌َل﴿ سئل عن الراسخين في العلم، فقال: ((من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم)). ثم ذكر دعاء هؤلاء الراسخين للثبات على فهم المتشابه وهو: اَ - ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا﴾ الآية، أي إن الراسخين في العلم المؤمنين بالمتشابه يطلبون من الله الثبات على الهداية، والحفظ من الزيغ بعد الهداية، وهبة الرحمة والفضل من الله، والتوفيق إلى الخير والسداد، إنك أنت الوهاب. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله وَالله كثيراً ما يدعو: ((يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك)) قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: ((ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه)). ١٦٨ الُ (٣) - أَلِعَتْرَانَ: ٧/٣-٩ أَ - ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ أي ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك فيه، ووعدك الحق الذي لا يخلف. وتعليمنا هذا الدعاء لنشعر بالخوف من تسرّب الزيغ الذي يسلب الرحمة في ذلك اليوم. وفي هذا إقرار بالبعث يوم القيامة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن آيات القرآن أكثرها محكم، وبعضها متشابه، وأن المتشابه لا يعلم المراد منه إلا الله والمتمكنون من العلم، لكن علمهم الله طريق العصمة من الزيغ في فهم المتشابه بدعاءين: ﴿رَبََّ لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا﴾ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ وأما الزائغون فيتبعون المتشابه. وقد أوردت أمثلة من المحكم والمتشابه، وأبنت المراد منهما على الأصح، وسأذكر أمثلة أخرى للمتشابه. نماذج من المتشابه: روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١/٢٣] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ. ( ٢٧ [الصافات: ٢٧/٣٧]. وقال: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢/٤] وقال: ﴿ وَاَللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣/٦] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات: ﴿أَمِ السَّمَآءُ بَهَا﴾ [النازعات: ٢٧/٧٩] إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ [النازعات: ٣٠/٧٩]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم ٣٠ دَخَنھَا. قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًّاً قال : ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [فصلت: ٩/٤١] إلى قوله: ﴿أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ﴾ فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى. ١٦٩ الُرُ (٣) - ال عمران: ٧/٣-٩ فقال ابن عباس: ﴿فَلَآّ أَسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم في ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نَقُلْ: لم نكن مشركين؛ فختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء، فسّاهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها، فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ . فخلقت الأرض في أربعة أيام، وخلقت السماء في بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَاَ لَيّ يومين. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يريد نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد. ويحك! فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاً من عند الله(١). متبعو المتشابه: متبعو المتشابه إما أن يتبعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلال العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة (٢) الطاعنون في القرآن. وإما أن يتبعوه طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسِّمة الذين (١) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٢ (٢) القرامطة: فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة الذين يعتقدون نبوّة زرادشت ومزدك وماني، وكانوا يبيحون المحرمات. ١٧٠ الجُرُ (٣) - آلِ غَيْرَانَ: ٧/٣-٩ جمعوا ما في الكتاب والسنة، مما ظاهره الجسْمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم، وصورة مصوَّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك! أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها. أو يكثروا السؤال عنها. فهذه أربعة أقسام: أما القسم الأول: فلا شك في كفرهم، ويقتلون في رأي المالكية من غير استتابة. وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام، وحكمهم كالمرتدين، يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا. وأما القسم الثالث: فاختلفوا في جواز تأويلها، فمذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ويؤمنون بها كما جاءت وهو الأَوْلى. ومذهب آخرين: إبداء تأويلاتها وحملها على مقتضى اللسان العربي من غير قطع بتعيين مجمل منها. وقد قيل: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم. وأما القسم الرابع: فيعزرون تعزيراً بليغاً. ١٧١ ◌ِلُعُ (٣) - آِ غْر الْنَ: ١٠/٣-١٣ عاقبة الكفار المغرورين بالمال والولد ومثال ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَِّ شَيْئًّاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴿ كَذَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ فَأَخَذَهُمُ الَّهُ بِذُنُوبِمُ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ٣ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِىِ فِشَتَيْنِ اَلْتَّقَتّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَكَةَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ ١٣ القراءات: (كَدَأْبٍ﴾ وقرئ: (كداب) وهي قراءة السوسي. ﴿رَأَىَ﴾ وقرئ: (راي) وهي قراءة السوسي. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾: قرئا: ١- بالياء، وهي قراءة حمزة، والكسائي. ٢- بالتاء، وهي قراءة باقي السبعة. ﴿وَبِئْسَ﴾ : وقرأ ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة (وبيس). ﴿يَرَوْنَهُم﴾: قرئ: ١- بالتاء، مفتوحة على الخطاب، وهي قراءة نافع. ٢- بالياء مفتوحة، وهي قراءة باقي السبعة. ١٧٢ لُعُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ١٠/٣-١٣ يُؤَيِّدُ﴾: قرئ: (يوَيد) وهي قراءة ورش. الإعراب: ﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف وتقديره: دأبهم كدأب، وإما منصوب بفعل مقدر تقديره: يتوقّدون توقّد آل فرعون، دل عليه ما قبله وهو: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُدُ النَّارِ﴾. ﴿ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إما مرفوع مبتدأ والخبر: ﴿كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا﴾، وإما مجرور بالعطف على ﴿ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿فِئَةٌ﴾ إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداهما فئة، وإما مجرور بدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾ ﴿وَأُخْرَى﴾ يجوز فيه الرفع والجرِ بالعطف على ﴿فِئَةٌ﴾ أو صفة لأخرى بالرفع والجر. وجملة ﴿يَرَوْنَهُم﴾ حال من كاف بالرفع أو الجر البلاغة: ﴿مِّنَ اٌللَّهِ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي من عذاب الله ﴿شَيْئًا﴾ التنكير للتقليل، أي لن تنفعهم أي نفع ولو قليلاً. ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ الجملة اسمية للدلالة على ثبوت الأمر وتحققه. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ التفات من الحضور إلى الغيبة، والأصل: ﴿فَأَخَذْنَهُمْ﴾. ﴿لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ قدم الجار والمجرور للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وتنكير آية للتفخيم والتهويل، أي آية عظيمة، ومثله تنكير ((ورضوان)). ويوجد جناس اشتقاق بين ﴿يَرَوْنَهُم﴾ و﴿رَأْىَ ,ج اُلْعَیْنِ المفردات اللغوية: ﴿لَنْ تُغْنِى﴾ تنفع. ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ أي من عذاب الله. ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾: ما ١٧٣ ◌ِلُ (٣) - آِ غَتْ أَنَ: ١٠/٣-١٣ توقد به النار من حطب أو فحم ونحوهما . ﴿كَدَأَبٍ﴾ كعادة، أي دأبهم كدأب. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمٌ﴾ أهلكهم بها، والجملة مفسرة لما قبلها. ﴿اَلْمِهَادُ﴾ الفراش. ﴿ءَايَةٌ﴾ علامة على صدق ما يقول الرسول. ﴿اَلْتَّقَتَّا﴾ يوم بدر للقتال. ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ ضعفي المسلمين، بل أكثر منهم، إذ كانوا نحو ألف، والمسلمون ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً. ﴿رَأْىَ الْعَيْنِ﴾ أي رؤية ظاهرة معاينة. ﴿يُؤَيِّدُ﴾ يقوي. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لِأُوْلى اُلْأَبْصَارِ﴾ لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنوا. سبب النزول: نزول الآية (١٢ - ١٣): روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله وَلّ، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد، لا يغرَّنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُعْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾(١) المناسبة: ذكر الله تعالى في مطلع السورة مبدأ التوحيد والكتب الناطقة به وبخاصة القرآن وإيمان العلماء الراسخين به كله، ثم ذكر حال الكفرة وسبب كفرهم وهو اغترارهم في الدنيا بالمال والولد، وبيَّن أنها لن تغني عنهم شيئاً في الآخرة (١) البحر المحيط: ٣٩٢/٢ ١٧٤ لُزْءُ (٣) - آل عمران: ١٠/٣-١٣ والدنيا. وضرب على ذلك المثل بغزوة بدر حيث التقى جند الإيمان والرحمن بجند الكفر والشيطان، فانتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة، فلم تنفعهم كثرة الأموال والأولاد والسلاح. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار يوم القيامة، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم [التوبة: ٨٥/٩]. وقد كانوا ٨٥ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ يقولون: نحن أكثر أموالاً وأولاداً، وما نحن بمعذبين، فرد الله عليهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [سبأ: ٣٧/٣٤]. ومعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي كذبوا بآياته ورسله وخالفوا كتابه ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه، وذلك يشمل وفد نجران والنصارى واليهود والمشرکین، وکل کافر. فهؤلاء كلهم لن تنجيهم أموالهم ولا أولادهم، وأولئك المبعدون هم وقود النار وأهلها، وحطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ٩٨ [الأنبياء: ٩٨/٢١]. وصنيعهم وحالهم في تكذيب محمد مص لل وشريعته كحال آل فرعون ومن قبلهم من المؤتفكات كقبائل عاد وثمود، كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله شديد العقاب قوي العذاب. ثم هددهم الله وتوعدهم بالعقاب في الدنيا، فقال: قل يا محمد للكافرين ١٧٥ الُ (٣) - آِ عَتْرَانَ: ١٠/٣-١٣ ومنهم اليهود ستغلبون في الدنيا، وتحشرون يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد الذي مهدتم لأنفسكم، أي يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. والآية أي الدلالة والعلامة على أنكم مغلوبون، وأن الله معزُّ دينه، وناصر رسوله: التقاء جماعتين، إحداهما معتزة بكثرة مالها، مغترة بعددها، كافرة بالله، تقاتل في سبيل الشيطان، وهم مشركو قريش يوم بدر؛ والأخرى فئة قليلة العدد، مؤمنة بالله، تقاتل في سبيل الله، وهم المسلمون في معركة بدر. فقد كان المؤمنون ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، معهم فَرَسَان، وست أدرع، وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة مشاة. وكان الكافرون نحو ألف، أي ثلاثة أمثال المسلمين في الواقع. روى محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير أن رسول الله وَ ﴾، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عِدَّة قريش، قال: كثير، قال: ((كم تنحرون كل يوم؟)) قال: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال النبي ◌َّر: ((القوم: ما بين تسع مئة إلى ألف)). لكن في رأي العين - وهي الرؤية المكشوفة الظاهرة لهم كسائر المعاينات - دلت الآية على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين فقط، أي ضعفيهم في العدد، وإن كانوا ثلاثة أمثالهم في العدد، لأن الله قللهم في أعينهم، حتى يقاتل الرجل المسلم رجلين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَيِنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦/٨] أي أن الله تعالى أراهم الكفار على غير عدتهم، لتقوى قلوبهم بذلك، وليطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل؛ ورأى المشركون المؤمنين مثلي عددهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع. هذا في بدر، أيد الله المؤمنين بنصره، وكذلك صدق الله وعده، فقتل ١٧٦ الُ (٣) - آلِ عُقْرَانَ: ١٠/٣-١٣ المسلمون يهود بني قريظة الذين خانوا العهد، ونقضوا الميثاق، ودخلوا مع المشركين في غزوة الأحزاب (أو الخندق)؛ وأجلى المسلمون بني النضير المعتدين على حرمات الإسلام والمسلمين، وفتحوا خيبر، وفرضوا الجزية على من عداهم حينما قاتلوا المسلمين وبدؤوهم بالعدوان. والله دائماً يؤيد ويدعم بمعونته من يشاء، كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو، وتقليل الأعداء في عين المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِىّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِلُكُمْ فِىَّ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾ [الأنفال: ٤٤/٨](١)، وقال: [آل ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ عمران: ٣/ ١٢٣]. إن في هذا النصر الحاصل في بدر مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم عظة لمن عقل وتدبر، وأعمل البصيرة والفكر، ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بشرط نصرة دين الله، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبْتْ أَقْدَامَكُمْ ٧ [محمد: ٧/٤٧] وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧/٣٠] والمؤمن: هو من يشهد له القرآن بإيمانه، لا من يدعي الإيمان بلسانه، وأخلاقه وأعماله تكذب دعواه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى مبادئ ثلاثة كبرى في ميزان الله وهي: اً - تأكد وقوع العذاب للكفار في نار جهنم، دون أن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. (١) أي ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين، ويذلّ الكافرين. ٠٠ ١٧٧ لُعُ (٣) - آل عمران: ١٤/٣ اً - الشأن والعادة المقررة: توجيه المؤاخذة وإيقاع العقاب الشديد بسبب الذنوب والتكذيب بآيات الله المتلوة، فلا يختلف الحكم بين كفار قريش وبين آل فرعون ومن قبلهم من قوم لوط وعاد وثمود وغيرهم، كما قال تعالى: كَدَأْبٍ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَكِنَا﴾ وقال: ﴿وَحَاقَ بِثَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [غافر: ٤٠ /٤٥-٤٦] وقال: ٤٦ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اٌلْعَذَابِ ﴿كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٤/٨]. ◌َّ - النصر منوط بإرادة الله على وفق الحكمة الإلهية، ولمكافأة المؤمنين الممتثلين أوامر ربهم، وليست موازين النصر بالكثرة العددية أو بالتفوق في السلاح، وإنما بمقدار الإيمان والثقة بالله، فقد ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩/٢] ودلت الآية على صحة نبوة النبي ◌َُّ من و جھین : الأول - غلبة الفئة القليلة العدد الفئة الكثيرة العدد، وذلك على خلاف مجرى العادة، لما أمدهم الله به من الملائكة. والثاني - أن الله تعالى كان قد وعدهم إحدى الطائفتين، وأخبر النبي وَالله المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة، وقال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وكان كما وعد الله وأخبر به النبي گچّ. . محبة الشهوات في الدنيا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ اُلِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ ١٤ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْبُ الْمَغَابِ ١٧٨ لُ (٣) - أَلِّعُقْرَأَنَ: ١٤/٣ - الإعراب: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسُْ الْمَعَابِ﴾ : الله مبتدأ مرفوع، وحسن: مبتدأ ثاني، وعنده: خبر المبتدأ الثاني. والمبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. والمآب: مضاف إليه، أصله مأُوَب على وزن مَفْعَل: من آب يؤوب، إلا أنه نقلت حركة الواو إلى الهمزة، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها وقلبت ألفاً نحو: مَقَام ومقَال. البلاغة: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ أي المشتهيات، وعبَّر بالشهوات عن الأعيان المشتهاة، مبالغة في كونها مشتهاه، محروصاً على الاستمتاع بها. والقصد تخسيسها، وأن المزيَّن لهم حبه ماهو إلا شهوات لا غير. ويوجد جناس ناقص بين ﴿وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿زُيِّنَ﴾ حبِّب لهم، والمزين: هو الله للابتلاء، أو الشيطان بوسوسته وتحسينه الميل إليها ﴿الشَّهَوَاتِ﴾ جمع شهوة: وهي ما تشتهيه النفس وتميل إليه وتستلذه، والمراد بها المشتهيات، كما يقال: شهوة فلان: الطعام، أي ما يشتهيه . ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار: وهو المال الكثير، وعن سعيد بن جبير: مئة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام وفي مكة: مئة رجل قد قنطروا ﴿ الْمُقَنَطَرَةِ﴾ المجمعة ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الحسان المعلمة، من السومة: وهي العلامة، أو المرعية في المروج والمراعي: من أسام الدابة وسوَّمها: رعاها ﴿ وَاُلْأَنْعَمِ﴾: الإبل والبقر والمعز والغنم ﴿ وَاُلْحَرْثِ﴾ الزرع والنبات ﴿ ذَلِكَ﴾ أي المذكور أو المتقدم ذكره ﴿مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ يتمتع به فيها ثم يفنى ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ﴾ المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. ١٧٩ لُعُ (٣) - آل عمران: ١٤/٣ المناسبة: ذُكر في الآيات السابقة عاقبة الغرور بالمال والولد، ثم ذُكر هنا وجه الغرور وسببه، تحذيراً للناس من استعباد الشهوات لأنفسهم، والانشغال بها عن أعمال الآخرة. التفسير والبيان: حببت الشهوات للناس وحُسِّنت في أعينهم وقلوبهم، حتى صار حبها غريزة أو فطرة عندهم، فمن أحب شيئاً ولم يزين له، يوشك أن يعدل عنه يوماً ما، ومن زُين له حبه، فلا يكاد يعدل عنه. ولقد عبر القرآن عن الأشياء المشتهاة بالشهوة ذاتها مبالغة في كونها مشتهاة مرغوباً فيها، وإشارة إلى أن الشهوة مذمومة حتى يعتدل الإنسان في حبه لها، ويعدِّل غريزته نحوها، ولا يحمله حبُّه الدنيا حباً أعمى، وتعلقه بالزعامة الموقوتة، والمال الزائل على طمس معالم الحق وعدم الإيمان بدين الحق، الذي عرفوه كما عرفوا أبناءهم، مثل وفد نصارى نجران وغيرهم من زعماء الكفر. ومَنْ المزين للشهوات؟ قيل: المزين هو الله للابتلاء والاختبار، بمعنى أن الله فطر الناس على حب هذه الشهوات، كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ [الكهف: ٧/١٨] وقال: ﴿كَذَلِكَ ٧ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨/٦]. زِينَةً لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وقيل: المزين هو الشيطان بالوسوسة وتحسين الميل للشهوات للإضلال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨/٨]. وعلى أي حال، الإسلام دين ودنيا، فلا يقصد من هذه الآية المنع من مجرد حب معتدل للشهوات، وإنما الممنوع المبالغة في الحب والإسراف في الشهوات، والاشتغال بها، حتى تطغى على العقيدة والدين، ويهمل أمر ١٨٠ لُجُرُ (٣) - آلِ عُقْرَأَنَ: ١٤/٣ الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَزَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢/٧]. ثم ذكر الله تعالى أصنافاً ستة من المشتهيات والملاذ وهي: ١ - النساء: فإن الرجل متعلق بالمرأة، ميال إليها، فهي مطمح النظر، وموضع العناية، وإليها تسكن نفسه: ﴿لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١/٣٠] وعليها ينفق ماله بسخاء. وبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه وَسير قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (١). وقدم النساء على الأولاد مع أن حبهنّ قد يزول، وحب الأولاد لا يزول؛ لأن حب الولد لا غلو ولا إسراف فيه، كحب المرأة. أما إذا كان القصد بتعلق الرجل بالمرأة هو الإعفاف وكثرة الأولاد، فهو مطلوب، مرغب فيه، مندوب إليه شرعاً، لقوله وَله: ((الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا: المرأة الصالحة))(٢). وفي رواية: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة: إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله)). ولم يمنع النبي ◌َّ من حب المرأة حباً معقولاً فقال: ((حُبِّب إلي من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة))(٣). ٢ - البنون: أي الأولاد مطلقاً، فهم فلذة الأكباد، وقرة الأعين. لكنهم مع الأموال (١) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه (الجماعة) عن أسامة بن زيد. (٢) رواه أحمد ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو. (٣) رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك.