Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ الزُ (٢) - البَقَرَة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ كما أن من فضل الله تعالى، وتيسيره على الناس، وعدم تكليفهم بالشاق من الأحكام، ودفعاً للحرج عنهم، أنه رفع المؤاخذة والإثم والكفارة عن اليمين اللغو؛ لأنه الغفور الحليم، الرؤوف الكريم. حكم الإيلاء لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَزْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦ ٢٢٧) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ القراءات: ﴿ يُؤْلُونَ﴾ : وقرأ ورش والسوسي، وحمزة وقفاً (يُولون). : الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ اللام تفيد الاستحقاق، كقولك: الرحمة للمؤمنين واللعنة للكفار. ﴿مِن نِسَآئِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف تقديره: كائناً من نسائهم. وليست ﴿مِن﴾ متعلقة بفعل ﴿يُؤْلُونَ﴾؛ لأنه يقال: آلى على امرأته، ولا يقال: آلى من امرأته، فهو غلط. البلاغة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد. المفردات اللغوية: ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلفون أو يقسمون، والألِيّة: الحلف، جمع ألايا، والإيلاء: أن ٦٨٢ للزرع (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر. وإنما عُدّيت ﴿يُؤْلُونَ﴾ بمن، وهي إنما تعدى بعلى، إما لأنه ضَمَّنَ ﴿يُؤْلُونَ﴾ معنى يعتزلون، وإما لأن في الكلام حذفاً، وتقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر: يعتزلون، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. ﴿تَرَبُُّ﴾ انتظار. ﴿فَآءُو﴾ رجعوا إلى نسائهم عن اليمين. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما حلفوا عليه من ضرر المرأة . ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم. ﴿عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ صمموا على إيقاع الطلاق، وعزموا ألا يعودوا إلى الاستمتاع بنسائهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ لقولهم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم، أي ليس لهم بعد تربص مدة أربعة أشهر إلا الفيئة أو الطلاق. سبب النزول: قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السّنة والسّنتين وأكثر من ذلك، فوقَّت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبداً، وكان يتركها كذلك، لا أيّماً ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ﴾ الآية(١). وذكر مسلم في صحيحه أن النَّبي ◌َّ آلى وطلَّق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده. وذكر ابن ما جه سبباً آخر: وهو أن زینب ردّت عليه هدیته، فغضب ، وشليلاً ◌َاللّه فآلی منهن. (١) البحر المحيط: ١٨٠/٢ ٦٨٣ الجُزءُ (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه تقدم شيء من أحكام النساء وشيء من أحكام الأيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين. التفسير والبيان: حدد الله تعالى مدة قصوى للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم، وهي أربعة أشهر، إشارة إلى أن الإيلاء لمدة طويلة مما لا يرضي الله تعالى، لما فيه من قطيعة واستمرار نزاع، ومنعاً من إلحاق الضرر بالمرأة وامتهانها وإهدار حقوقها. فإن رجعوا بالفعل لا بالقول(١) إلى ما حلفوا على الامتناع منه وكانوا عليه، فإن الله يغفر لهم ما كان من الحنث في أيمانهم؛ لأن الفيئة توبة في حقهم، رحيم بهم وبغيرهم من المؤمنين، فلا يؤاخذهم بما سلف؛ لأن رحمته وسعت كل شيء. ومعنى ﴿ تَرَبُّهُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: أي يُنْتَظَر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف، ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَآءُو﴾. وإن عزموا الطلاق، فلم يفيئوا إلى نسائهم، فإن الله سميع لإيلائهم وطلاقهم، عليم بنياتهم، وبما ارتكبوه مما يحرم أو يحلّ، فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة حدود الله، فالله يغفر لهم. ومجمل الحكم: أن من حلف على ترك قربان امرأته واستمر على امتناعه أربعة أشهر، فإما أن يفيء إلى زوجته، ويحنث في يمينه، ويكفِّر عنها، وإما أن يطلق، فإن أبى الطلاق طلَّق عليه القاضي. أي له الخيار بين أمرين: الفيئة أو الطلاق. والفيئة أفضل من الطلاق؛ لأن الله جعل جزاءها المغفرة والرحمة، وهدد في حال الطلاق بأن الله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم وأفعالهم. (١) إن الفيء بالفعل عند الجمهور غير الحنفية هو الذي يسقط اليمين، والفيء بالقول لا يسقطها. ٦٨٤ لُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ فقه الحياة أو الأحكام: دلّ قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآَبِهِمْ﴾ على أن الإيلاء يختص بالزوجات. ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق، فالحرّ والعبد والسكران يلزمه الإيلاء، وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغاً غير مجنون، وكذلك الخصي غير المحبوب، والشيخ الكبير إذا كان فيه بقية قوة ونشاط. أما المجبوب: فللشافعي فيه قولان: قول: لا إيلاء له، وقول: يصحّ إيلاؤه، والأول أصح. ويصحّ إيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة، ويقع إيلاء الأعجمي كالعربي بلغته. واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين: فقال الشافعي في الجديد: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت)). وقال الحنفية والمالكية: يصحّ الإيلاء باليمين، أو بالحلف على ترك الوطء بالطلاق أو العتاق، أو نذر التصدق بالمال أو الحج، أو الظهار؛ لقول ابن عباس: ((كل يمين مَنَعتْ جماعاً فهي إيلاء. وكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته، فقال: أقسم بالله أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمّتُه، فإنه يلزمه الإيلاء اتفاقاً)). وأضاف المالكية: أنه لا تشترط اليمين في الإيلاء، فإذا امتنع الرجل من الوطء بقصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان مولياً، لوقوع الضرر. وقال الحنابلة على الرواية المشهورة: لا يكون الإيلاء بالحلف بالطلاق والعتاق، بدليل قراءة أبي وابن عباس: ((للذين يقسمون)) بدل ﴿يُؤْلُونَ﴾. فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى، بأن قال: إن شاء الله، فالأصح لدى ٦٨٥ الُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ المالكية وفقهاء الأمصار: ليس بمولٍ؛ لأن الاستثناء يحلّ اليمين، ويجعل الحالف كأنه لم يحلف. وكذا إن حلف بالنَّبي أو بالملائكة أو بالكعبة ألا يطأها، أو قال: هو يهودي أو نصراني أو زانٍ إن وطئها: ليس بمولٍ، في رأي مالك وغيره. واختلف العلماء في صفة اليمين التي يكون بها الحالف مولياً. فقال جماعة (علي وابن عباس والزهري): لا يكون مولياً إلا إذا حلف على ترك الوطء إضراراً بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار، فلا يكون مولياً؛ لأن الله جعل مدة الإيلاء خرجاً من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يقصد الضرر، وإنما قصد الصلاح والخير، لم يكن مولياً، فلا معنى لتحديد الأجل، حتى تتخلّص من مساءته. وقال آخرون: إنه يكون مولياً، سواء أحلف على ترك غشيانها إضراراً بها، أم لمصلحة. وقال بعضهم: ليست يمين الإيلاء مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضاً، كأن يحلف ليغضبنها، أو ليسوعنها، أو ليحرمنها، أو ليخاصمنها، كل ذلك إيلاء. واختلف الفقهاء في الفيء: فقال الجمهور: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، فإن كان هناك عذر من مرض أو سفر، ومضت مدة الإيلاء دون وطء، بانت منه في رأي طائفة، وقال الأكثرون منهم المالكية: لا تبين منه، وارتجاعه صحيح وهي امرأته. وقال الحنفية: الفيء إما بالفعل وهو الجماع في الفرج، وإما بالقول: كأن يقول: فئت إليك، أو راجعتك، وما أشبه ذلك. ٦٨٦ لِجُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ وأما الطلاق بعد ترك الفيء في الإيلاء ففيه اختلاف أيضاً: فقال الحنفية: الفيء يكون قبل مضى المدة، فإذا مضت الأربعة الأشهر بدون فيئة، وقع الطلاق طلاقاً بائناً. وقال الجمهور: لا يقع الطلاق بمجرد مضى المدة، فإن مضى الأجل، لا يقع به طلاق، وإنما ترفع المرأة الأمر إلى القاضي، فإما فاء وإما طلَّق، أي إن الطلاق يقع بتطليق الزوج، أو القاضي إذا رفعت الزوجة الأمر إليه. ومنشأ الخلاف: اختلافهم في تأويل آية: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وَإِنْ عَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (جَ﴾ فرأى الحنفية: إن فاؤوا في هذه الأشهر، فإن الله غفور رحيم لما أقدموا عليه من الحلف على الإضرار بالزوجة، وإن لم يفيئوا في هذه الأشهر، واستمروا في أيمانهم، كان ذلك عزماً منهم على الطلاق، ويقع الطلاق بحكم الشرع. ويكون معنى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ أي بترك الفيئة، وقد شبهوا مدة الإيلاء بالعدة. والمولى عنها . بالرجعية، وشبهوا الطلاق بالطلاق الرجعي. وكان الإيلاء في الجاهلية طلاقاً، فأقره الشرع طلاقاً، وزاد فيه الأجل. والمعنى عند الجمهور: للذين يحلفون يمين الإيلاء انتظار أربعة أشهر، فإن فاؤوا بعد انقضاء المدة، فإن الله غفور رحيم، وإن قصدوا إيقاع الطلاق، فإن الله سميع لطلاقهم، عليم بما يصدر عنهم من خير أو شرّ، فيجازيهم عليه. وقد شبهوا أجل الإيلاء بالأجل الذي يحدد في العُنَّه (العجز الجنسي)؛ لأن الإيلاء ضرر بالزوجة، فإن رفعه الزوج وإلا رفعه الشرع كما في أي ضرر يتعلق بالوطء، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة(١). (١) روى مالك والبخاري عن ابن عمر قال: ((إذا آلى الرجل من امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء)). ٦٨٧ لِلُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٦/٢-٢٢٧ ولا فرق في لزوم الإيلاء بين المرأة المدخول بها وغير المدخول بها. ولا يشترط في المولي عند الجمهور: أن يكون مسلماً، فيصح إيلاء المسلم والكافر، ولكن لا تلزمه الكفارة بالحنث عند الحنفية، وتلزمه الكفارة في رأي الشافعية والحنابلة. واشترط المالكية أن يكون المولي مسلماً، فلا يصح إيلاء الذّمي، كما لا يصحّ ظهاره ولا طلاقه؛ لأن نكاح أهل الشرك لديهم غير صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم لا يكلفون الشرائع، حتى تلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء، لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإن جرى ذلك مجرى التّظالم بينهم، حكم بحكم الإسلام، كما لو ترك المسلم وطء زوجته، ضراراً من غير يمين. واتفق أئمة المذاهب الأربعة على وجوب كفارة اليمين على المولي الحانث بیمینه إذا فاء بجماع امرأته. وأجمع العلماء على مشروعية تقديم الكفارة على الحنث في الإيلاء، واختلفوا في مسألة الأيمان، فرأى أبو حنيفة: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث فيها. وذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي لأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه وأرَّقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه لحرَّك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستّة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك. .. ٦٨٨ لُعُ (٢) - البَفَة: ٢٢٨/٢ عدة المطلّقة وحقوق النساء ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِّ وَلِلْرِجَالِ عَلَتِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزُ ٢٢٨) حَکِیم الإعراب: يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي ليتربصن، وجاز ذلك لأن المعنى مفهوم ﴿فَلَاثَةَ فُرُوَّةٍ﴾ نصب ﴿فَلَثَةَ﴾ على أنه مفعول به، أو ظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء. و﴿فَرُوْءٍ﴾ جمع كثرة، وأقراء جمع قلة، وإضافة العدد القليل وهو من الثلاثة إلى العشرة، إلى جمع القلة أولى من إضافته إلى جمع الكثرة، والسبب في مجيء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء: هو أن العرب يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمع، ألا ترى إلى قوله: ﴿يأَنفُسِهِنَّ﴾، وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه، تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل. وفي ذكر الأنفس: تهييج لهن على التربُّص، وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكف منه، فيحملهن على أن يتربصن؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن بقمع أنفسهن وجبرها على التربُّص (الكشاف: ٢٧٧/١). ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾ ﴿مِثْلُ﴾: مبتدأ، و﴿وَلَهُنَّ﴾ خبره، و﴿عَلَيْهِنَ﴾: صلة ﴿الَّذِى﴾ ، ويتعلق بفعل مقدر: وهو الذي استقر عليهن. و﴿بِالْعْرُوفِ﴾: متعلق بلهن، وتقديره: استقرّ لهن حق مثل الذي عليهن بالمعروف، أي بالذي أمر الله في ذلك. ٦٨٩ الُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٨/٢ البلاغة: يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر في معنى الأمر، أي ليتربصن، كما بيّنا. ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ﴾ للتهييج والحثّ والبعث على الأمر. ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ﴾ فيه طباق بين لهن وعليهن، وفيه إيجاز، والمعنى: لهن على الرجال من الحقوق مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق. المفردات اللغوية: ﴿يَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرن ويصبرن. ﴿قُرُوْءٍ﴾ جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر، وعلى الحيض حقيقة، فهو من ألفاظ الأضداد. وأصل القرء: الاجتماع، وسمي الطهر قرءاً لاجتماع الدم في البدن، وسمي الحيض قرءاً الاجتماع الدم في الرحم، وقد يطلق القرء على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. ولما كان الحيض معتاداً مجيئه في وقت معلوم، سمت العرب وقت مجيئه قرءاً. وجاء القرء بمعنى الحيض في قوله ويله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) لذا قال الحنفية والحنابلة: المراد بالقرء الحيض، وقال المالكية والشافعية: المراد به الطهر. والاعتداد للمطلقات ثلاثة قروء مخصوص بالحرائر المدخول بهن، أما غيرهن أي قبل الدخول، فلا عدّة عليهن، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ تَعْنَدُونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩/٣٣]، والقروء مخصوصة أيضاً بغير الآيسة والصغيرة، لأن عدتهما ثلاثة أشهر، وكذلك غير الحوامل لأن عدة الحوامل بوضع الحمل، كما في قوله تعالى ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِ أَرْبَبْتُمُ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ ﴾ [الطلاق: ٤/٦٥]. وعدة ٤ ◌َمْلَهُنَّ وَمَن يَنَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَغْيِهِ، يُسْرًا الإماء: قرءان، بالسّنة. ٦٩٠ الُرُ (٢) - الَفَرَّة: ٢٢٨/٢ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَّ﴾ من الولد أو الحيض. ﴿وَبُعُولَُّهُنَّ﴾ أزواجهنِ، مفرده بعل أي زوج، والمراد هنا الزوج الذي طلق. ﴿ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾ بينهما، لا إضرار المرأة، وهو تحريض على قصده، لاشرط لجواز الرجعة، وهذا في الطلاق الرجعي. ﴿ وَنَّ﴾ للنساء على الأزواج. ﴿مِثْلُ الَّذِى﴾ لهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من الحقوق. ﴿بِلْغُرُوفٍ﴾ شرعاً، من حسن العشرة وترك الإضرار ونحو ذلك . ﴿وَلِلِرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي فضيلة في الحق، من وجوب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق. ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبّره خلقه. سبب النزول: أخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية، قالت: طُلِّقت على عهد رسول الله وَله، ولم يكن للمطلقة عدّة، فأنزل الله العدة للطلاق: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ ثَثَةَ قُرُوَعْ﴾. التفسير والبيان: لتتربص ثلاث حيضات أو أطهار بعد الطلاق حرائر النساء اللاتي يطلقن، وهن من ذوات الحيض، للتعرف على براءة الرحم من الولد، فيؤمن من اختلاط الأنساب، وقد أخرج من حكم الآية كما بيَّنا ثلاثة أصناف من النساء : وهنّ المطلقات قبل الدخول، فلا عدّة عليهن، والصغيرات قبل سنّ الحيض واليائسات من المحيض لكبر السّن، فعدتهن ثلاثة أشهر، والحوامل فعدتهن وضع الحمل، فصارت الآية هنا خاصة بعدّة النساء الممكنات الحيض، المدخول بهنّ، وغير الحوامل. والتعبير بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ يشير إلى أن على النساء أن يحملن أنفسهن على الصبر والانتظار لإتمام تلك المدة، حتى تنقضي العدّة، فلا ٦٩١ الُعُ (٢) - البَقَرّة: ٢٢٨/٢ يسايرن أهواءهن وشهواتهن، إذ قد تكون أنفسهن تواقة إلى سرعة انقضاء العدّة، والتزوّج بزوج آخر. وفي هذا التعبير لفت نظر لطيف، فيه تعظيم وتبجيل، إذ لم يؤمرن بذلك أمراً صريحاً. وحكمة هذا التربُّص: هو التعرُّف على براءة الرحم، فلا تختلط الأنساب، لذا لا يحلّ للنساء أن يكتمن شيئاً مما في أرحامهن من حمل أو حيض، وإن طالت العدة للتزوج بزوج آخر، ولا يحلّ لهنّ الكذب بكتمان الحيض أيضاً لأجل استدامة النفقة ما دمن في العدّة، وقد جرت المحاكم الآن على أن أقصى العدّة سنة قمرية، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وذلك إذا كنّ مؤمنات إيماناً صادقاً بالله وباليوم الآخر، فلا يخفى على الله شيء، ويحاسب كل إنسان على قوله وفعله يوم القيامة، مما يقتضي أن تكون المرأة أمينة على ما في رحمها، فإن لم تكن أمينة لعدم إيمانها الكامل أضلّت نفسها وغيرها. وفي هذا تهديد شديد ووعيد لهن على خلاف الحق، مما يدل على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البيِّنة غالباً عليه، فردّ الأمر إليهن وتُوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالاً منها لانقضاء العدّة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في الحالين من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في شأنها من غير زيادة ولا نقصان. : وأزواجهن في حال الطلاق الرجعي أحقّ برجعتهن إلى بيت الزوجية، في مدة العدّة، حرصاً من الشرع على إبقاء الرابطة الزوجية السابقة، فليس هناك من الحلال أبغض عند الله من الطلاق، وعلى المرأة الاستجابة إلى طلب الزوج الرجعة، بشرط أن يكون المقصود بالرجعة: الإصلاح والخير للزوجين. أما إذا كان القصد هو الانتقام والإضرار ومنعها من الزواج بآخر، حتى تكون كالمعلّقة، لا هي زوجة له بالمعنى الكريم، ولا يمكِّنها من التزوُّج بغيره، فهو آثم عند الله، بإلحاق الضرر بها، والحيلولة بينها وبين الزواج برجل آخر. وهذا يدل على أن الرجعة مشروطة ديانة بإرادة الإصلاح، ونية المعاشرة ٦٩٢ لُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٨/٢ بالمعروف. وبمناسبة الرجعة ذكَّر الله الزوجين بما لهما من الحقوق وما عليهما من الواجبات، فللرجل حقوق، وعليه واجبات للمرأة، وللمرأة مثل ذلك. وهما متساويان في الحقوق والواجبات؛ لأن لكل منهما كرامة إنسانية وأهلية تامة من عقل وتفكير ورغبات ومشاعر وإحساسات، وحقّاً في العيش الحرّ الكريم، إلا في درجة القَوامة: أي تسيير شؤون الأسرة المشتركة والقيام على مصالحها بقيادة الرجل، لما فضله الله على المرأة بسعة العقل والخبرة، والحكمة والاتِّزان دون التأثر السريع بالعواطف العابرة، ولأنه الذي ينفق ماله وكسبه من بداية تكوين الزواج بدفع المهر، إلى نهايته بالنفقة الدائمة على شؤون الحياة بتوفير المسكن والملبس والطعام، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى اُلِسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤/٤]. وسبب القوامة أن كل شركة أو حياة اجتماعية تتطلب وجود رئيس مسؤول عنها، يتحمل الأعباء، ويستعد لتحمل المغارم والخسارات، ويدير أمر هذه المؤسسة بما يوصلها إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، في داخل المنزل وخارجه، تعليماً وتعلُّماً، وتمكيناً من ممارسة الخبرات والمهارات التي تفيد الزوجة والفتاة في حاضر الزمان ومستقبله. وإذا كان اضطلاع الرجل غالباً بالمهام الملقاة على عاتقه خارج المنزل، لتوفير المورد والكسب المطلوب لحياة الأسرة، فإن المرأة تضطلع غالباً بمسؤوليات جسام تكمل مهمة الرجل، في رحاب البيت، فهي الملكة التي تربي الأولاد على الأخلاق والفضائل، وهي التي تعين الرجل على توفير متطلبات الحياة الضرورية، وهذا هو حكم النَّبي ◌َّة بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه، وعليّاً كرّم الله وجهه خارج البيت يكافح ويبحث عن الرزق، ويجاهد في سبيل الله والحق، وفي سبيل أسرته. ولا مانع من عمل المرأة خارج المنزل عند الحاجة بشرط التزام ما يقتضيه ٦٩٣ الُ (٢) - البَفَرة: ٢٢٨/٢ الدِّين والخلق وعدم الخلوة، والسّتر المطلوب شرعاً، فكل المرأة عورة ما عدا الوجه والكفين، لكنهما مما يجب غضّ البصر عنهما كباقي جسد المرأة (١)، كما يشترط أن تكون المرأة في العمل حرّة أبيّة لا تلين في الكلام، لقوله تعالى: ﴿فَلَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوَّلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٢/٣٣-٣٣]. وأما عدم التقيد بالقيود الشرعية لعمل المرأة فيؤدي إلى كثير من المفاسد والفتن، ولتكن المرأة متيقظة دائماً، فإنه لا يراد بمحادثتها غالباً إلا السوء، وجعلها أداة تسلية ومتعة. وما أروع ما ختمت به الآية من التذكير بعزة الله وقدرته التي لا تغلب، وبحكمته بوضع الشيء في موضعه المناسب له، فهو حكيم الصنع والأمر والبيان، فمن عزته وحكمته: إنصاف المرأة بجعلها في الحقوق والواجبات كالرجل، بعد أن كانت كالمتاع لا تتمتع بالحقوق الكريمة، وإعطاء الرجل حق القوامة (الرياسة)، فلا يغترن بهذه الدرجة، فإذا دعته قدرته إلى ظلم المرأة أو غيرها، فليذكر قدرة الله عليه، وليكن الرجل حكيم القيادة، متحملاً لمهام المسؤولية الملقاة على عاتقه، بكل ثقة وأمانة وجرأة وعدالة فلا يتساهل في حكم شرعي؛ لأنه راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، ولا يفرط في واجب عند القدرة، ولا يغمطً أحداً في الأسرة حقه؛ لأن الله سائله عما يعمل. وفي هذا من الوعيد لمن خالف أحكام الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أحكام في الطلاق: ا - وجوب العدة: تجب العدة لأهداف كثيرة: منها التعرف على براءة الرحم، ومنها صون (١) إلا في حدود ما تتطلبه المعاملة، أو تقتضيه الضرورة كالعلاج والتعلُّم والشهادة أمام القضاء. ٦٩٤ الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٨/٢ سمعة المرأة، والحفاظ على نعمة الزوجية وتقديرها، والتفكير في عواقب الطلاق، والتدبر في أمر الحياة، فيصلح كل من الرجل والمرأة أخطاءه، وتعطى الفرصة الملائمة للعودة إلى الحياة الزوجية بنمط جديد أحسن مما كان في الماضي، لتستقيم شؤون المعاشرة، وينظر في مستقبل الأولاد والمعيشة الهانئة. والعدة: ثلاثة أطهار في رأي ابن عمر وزيد وعائشة، وفقهاء المدينة السبعة، والمالكية والشافعية؛ لأن القرء في اللغة: الانتقال من الطهر إلى الحيض، وليس الخروج من الحيض إلى الطهر قرءاً؛ لأن الانتقال من الطهر إلى الحيض هو الذي يدل على براءة الرحم؛ فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها نعلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل وقوي الولد، انقطع دمها. ثم إن لفظ ﴿ثَلَثَةَ﴾ المؤنث يدل على أن المعدود مذكر، لا مؤنث، وهو الطهر، لا الحيضة؛ لضرورة التغاير بين العدد والمعدود في اللغة في التذكير والتأنيث. والله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في وقت العدة، والطلاق للعدة: ما كان في الطهر، وهو الطلاق السُّني، أما الطلاق في زمن الحيض فهو طلاق بِدْعي منهي عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الطهر، وإذا كان الطلاق للعدة ما كان في الطهر، فهو يدل على كون القرء مأخوذاً من الانتقال، وتقدير الكلام: فعدتهن ثلاثة انتقالات. والعدة في رأي عمر وعلي وابن مسعود، والحنفية، والحنابلة بمقتضى الرواية الأخيرة عن أحمد أو في أصح الروايتين: ثلاث حيضات؛ لأن عدة الأمة اتفاقاً بالحيضة، لقوله وَله: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)) فتقاس الحرة على الأمة، ولأن الذي يدل على براءة الرحم، إنما هو الحيض لا الطهر. ورجح هذا الرأي من جهة المعنى. ٦٩٥ الُ (٢) - الَفَرَة: ٢٢٨/٢ وتظهر فائدة الخلاف في حالة ما إذا طلقها في أثناء الطهر، فعلى الرأي الأول يحتسب من العدة وتنتهي بمجيء الحيضة الثالثة، وعلى الرأي الثاني: لا يحتسب من العدة، ولا تنتهي إلا بانقضاء الحيضة الثالثة. وعلى كلا الرأيين: المرأة مؤتمنة على ما في رحمها من حمل أو حيض، يقبل قولها فيه؛ لأنه لا يعلم إلا من قبلها. وإنما حرم الله أن يكتمن ما في أرحامهن؛ لأنه يتعلق بخبرها حق الرجل في الرجعة، وعدم اختلاط الأنساب. فإذا ادعت انتهاء عدتها، حرمت الرجل من حقه في الرجعة، وإذا كانت حاملاً وادعت انقضاء العدة، ثم تزوجت بآخر، اختلطت الأنساب. واختلف الفقهاء في أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء: فقال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة: ستون يوماً، عملاً بالوسط في مدة الحيض، وهو خمسة أيام، فتكون الحيضات الثلاث خمسة عشر يوماً، والأطهار خمسة وأربعين يوماً، على أن يبدأ بالطهر، فيكون المجموع ستين يوماً. وأقل مدة عند المالكية تنقضي بها العدة بالأقراء (الأطهار) شهر: ثلاثون يوماً، بأن يطلقها زوجها في أول ليلة من الشهر، وهي طاهرة، ثم تحيض، وينقطع عنها الحيض قبل الفجر؛ لأن أقل الحيض عندهم يوم، أو بعض يوم بشرط أن تقول النساء: إنه حيض، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض في ليلة السادس عشر، وينقطع قبل الفجر أيضاً، ثم تحيض عقيب غروب آخر يوم من الشهر، وينقطع قبل الفجر، فتكون قد طهرت ثلاثة أطهار: الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الثاني، ثم الثالث، فيحدث تمام الشهر ثلاثين يوماً. وأقل مدة تنقضي بها العدة في رأي الشافعية: اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، ولا يقبل أقل من تلك المدة؛ لأنه لا يتصور عندهم أقل من ذلك، بأن تطلق وقد بقي لحظة من الطهر، وهي فرء عندهم، ثم تحيض يوماً وليلة أقل الحيض عندهم، ثم تطهر خمسة عشر يوماً أقل الطهر، وذلك قرء ثانٍ، ثم ٦٩٦ الُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٨/٢ تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، وذلك قرء ثالث، ثم تحيض. وهذه الحيضة ليست من العدة، بل لتيقن انقضائها، فذلك اثنان وثلاثون يوماً وحظتان. وأقل مدة عند الحنابلة على أن الأقراء هي الحيضات، كما يقول الحنفية: تسعة وعشرون يوماً ولحظة، وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض بعده يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر لحظة، ليعرف بها انقطاع الحيض. ويلاحظ أن المعقول والغالب هو رأي أبي حنيفة، وأما الآراء الأخرى فيمكن أن تقع، ولكنها نادرة. ٢ - مشروعية الرجعة: أي ارتجاع الرجل زوجته إلى عصمته وملك زواجه ما دامت في عدتها، والرجل مندوب إلى المراجعة. وهذا من أحكام الطلاق، الآية: ﴿وَبُعُولَنْهُنَّ أَحَقُ بِرَدّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ والرجعة مشروعة بشرط قصد إصلاح حاله معها، لا الضرر، فإذا أراد المضارة وتطويل العدة وجعلها كالمعلقة، فحرام، وليس له حق الرجعة، لقوله تعالى ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِّيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣١] لكن لو فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن خالف وظلم نفسه؛ إذ لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها، عاملناه بظاهر أمره، وجعل الله التطليقات الثلاث عَلَماً على امتناعها. ودل لفظ ((أحق)) على أن حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها، فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((الثيب أحق بنفسها من وليها))(١). وحق الرجعة بغير عقد ولا شهود مقصور على المطلقة رجعياً في أثناء العدة (١) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس. ٦٩٧ لُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٨/٢ لا بعد انقضائها، ولم يشترط الإشهاد إلا الظاهرية، وإنما هو مستحب أو مندوب عند العلماء الآخرين. فإن لم يراجعها المطلِّق حتى انقضت عدتها، فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة وزواج مستأنف بولي وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، بإجماع العلماء. واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعاً في العدة: فقال الشافعية: تحصل الرجعة في العدة بالقول الصريح، أو بلفظ كنائي بنية مثل قول المرتجع: تزوجتك أو نكحتك، ولا تحصل بالوطء. وقال الجمهور: تحصل الرجعة في العدة بالقول، أو بالفعل ومنه الخلوة كتقبيل بشهوة ووطء، وأضاف المالكية: وتحصل أيضاً بالنية: وهي حديث النفس، بأن يقول في نفسه: راجعتها، ولم يجز الحنابلة الرجعة بالكناية. واختلفوا أيضاً في حكم المطلقة الرجعية في مدة التربص: أحكمها حكم الزوجة أم ليست كذلك؟ فذهب الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب: إلى أن حكمها حكم الزوجة، فلا يحرم الاستمتاع بها أو مباشرتها مدة التربص، وأحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء. وذهب المالكية والشافعية: إلى أنها ليست كالزوجة، فيحرم الاستمتاع بها قبل المراجعة، بوطء أو غيره، حتى بالنظر ولو بلا شهوة؛ لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع، والطلاق يحرمه؛ لأنه ضده. ومنشأ الخلاف: اختلاف الفهم في هذه الآية، فقد سماهم الله بعولة (أزواجاً) وهذا يقتضي أنهن زوجات، لكنه قال: ﴿أَحَقُ بِرَدِّهِنَ﴾ وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات؛ إذ الرد إنما يكون لشيء قد انفصم. فذهب الفريق الأول إلى أن الرجعية زوجة، وفائدة الطلاق نقص العدد، ٦٩٨ لُزُ (٢) - البَفَرَة: ٢٢٨/٢ وأن أحكام الزوجية وإن كانت باقية، فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة. وأوّلوا قوله ﴿أَحَقُّ بِرَزِهِنَ﴾ فقالوا : إنهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته، لخرجن عن الزوجية، فالارتجاع رد لهن عن التمادي في ذلك الطريق. والفريق الثاني أوّلوا قوله: ﴿وَبُعُولَهُنَّ﴾ على الماضي، سماهم بعولة باعتبار ما كان، ومعنى ﴿أَحَقُّ بِرِّهِنَّ﴾: ردهن إلى الزوجية. وأرى أن هذا هو الحق، وإلا لم يكن للطلاق أثر في التحريم. واتفق الفريقان على أنه ليس له أن يسافر بها قبل أن يرتجعها. ولها في رأي الفريق الأول: أن تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف. وليس لها أن تفعل ذلك لدى الفريق الثاني، وليس له أن يخلو معها، ولا أن يدخل عليها إلا بإذن، ولا أن ينظر إليها إلا وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها. ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها. وأجمع العلماء على أن المطلِّق إذا قال بعد انقضاء العدة: إني كنت راجعتكِ في العدة، وأنكرت: أن القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له إليها. ٣ - حقوق الزوجين: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِلْعُرُوفِ وَلِلِّجَالِ عَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: ليس الزواج في الإسلام عقد استرقاق وتمليك، وإنما هو عقد يوجب حقوقاً مشتركة ومتساوية بحسب المصلحة العامة للزوجين، فهو يوجب على الزوج حقوقاً للمرأة، كما يوجب على المرأة حقوقاً للزوج. وفي هذا التعبير الموجز ثلاثة أحكام: الأول - للنساء من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، مثل حسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وترك المضارّة، واتقاء كل منهما الله في الآخرة، وطاعة الزوجة لزوجها، وتزين كل منهما للآخر، قال ابن ٦٩٩ الزُّعُ (٢) - البَفَرة: ٢٢٨/٢ عباس: ((إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي .. )) (١) وتكون زينة الرجال بالمظهر اللائق والنظافة، وحسن الهندام واللباس، والتطيب والخضاب، وما يليق بالأحوال في وقت الشباب والكهولة والشيخوخة، روي عن رسول الله وَاخوه أنه قال: ((أمرني ربي أن أعفي لحيتي، وأحفي شاربي)). الثاني - إعفاف كل من الزوجين الآخر بحسب الحاجة، ليستغني كل منهما عن التطلع إلى غيره، ويتوخى الوقت المناسب، ويعالج كل منهما نفسه بالأدوية اللازمة إذا شعر من نفسه عجزاً عن تأدية حق الآخر. الثالث - للرجال درجة (أي منزلة) على النساء: وهي درجة القَوامة والولاية، وتسيير شؤون الأسرة، كما قال الله تعالى: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى اُلِسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ) [النساء: ٣٤/٤] أي أن مسوغ التفضيل وإعطاء درجة القيادة له أمران: أ - تكوين الرجل بزيادة خبرته واتزانه وعقله، وإعداده لتحمل الأعباء والكفاح والعمل. ب - إلزامه بالإنفاق على المرأة: بدفع المهر وتوفير الكفاية لها من مسكن وملبس ومطعم ومشرب ومداواة ونحو ذلك. هذه الدرجة في الحقيقة كما تبيَّن: هي غرامة وتكليف للرجال أكثر من تكليف النساء، لذا كان حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لو أمرت أحداً بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)). وقال ابن عباس: ((الدرجة إشارة إلى حضِّ الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلُق)) أي أن الأفضل ينبغي أن يتحمل أخطاء (١) رواه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم. ٧٠٠ الُ (٢) - البَقَرة: ٢٢٩/٢-٢٣٠ الآخر، ويتحامل على نفسه، ويضبط أعصابه في معالجة المشكلات أو الأزمات الطارئة. قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارع. والخلاصة: الزواج شركة بين اثنين، وعلى كل شريك أن يؤدي للآخر حقوقه، ويقوم بما يجب عليه له بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر: أن رسول الله وَّه قال في خطبته في حجة الوداع: ((فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)). وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حَيْدَة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجُر إلا في البيت)». وأما الدرجة للرجال: فهي في الفضيلة في الخُلُق والخَلْق والمنزلة وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة(١). عدد الطلاق ومايترتب عليه من أحكام ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا ٢٢٩ غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآ إِن ظَنَّ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٢٣٠ (١) تفسير ابن كثير: ٢٧١/١