Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
الُزُ (٢) - الَقَرة: ٢١٥/٢
تفيد الأماني شيئاً، وما على المسلم إلا أن يكون مقدراً لدوره ورسالته في
الحياة، فلا يكفيه مجرد الإيمان القلبي، وإنما لا بدّ له من أعمال جسام،
وتضحيات عظام، ومجاهدة نفس حتى يهذبها ويصلح عيوبها، وتعاون على البر
والتقوى، وهجر لزينة الدنيا والافتتان بها، وعمل خالص للآخرة، وإرضاء
لله وحده، دون أن يشوبه شائبة رياء أو سمعة أو شهرة زائفة.
وإذا أعيد تكوين المسلم على طراز تربية السلف الصالح، أمكن تحقيق العزة
الإسلامية المنشودة، والنصر المرجو على الأعداء، بعد استكمال وسائل القوة
اللازمة المكافئة لقوى العدو، والتخطيط لبناء الأمة، ووضع أسس النهضة
والتقدم موضع التنفيذ الفعلي بكل حزم وإصرار وإخلاص.
مقدار نفقة التطوع ومصرفها
٠
﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالَْ
وَالْمَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ
٢١٥
الإعراب:
﴿مَاذَا﴾ ما: مبتدأ، وذا: الخبر، وهو بمعنى الذي. ﴿مَا أَنَفَقْتُم﴾ ما: في
موضع نصب بـ ﴿أَفَقْتُم﴾ وكذا ﴿وَمَا تُنفِقُواْ﴾ وهو شرط، والجواب:
فللوالدين. وكذا: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ شرط، وجوابه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ،
عَلِيمٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ من مال كثير طيب، وسمي به لأن حقه أن ينفق في وجوه
الخير، وهو شامل للقليل والكثير. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ هم الأولاد وأولادهم ثم
الإخوة. واليتيم: من فقد والده وهو صغير. والمسكين: من عجز عن كسب ما
٦٢٢
مے
لُعُ (٢) - البقرة: ٢١٥/٢
يكفيه ورضي بالقليل. وابن السبيل: المسافر. ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ إنفاق أو
غيره . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ يعلمه ويجازي عليه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله
وَجه: أين يضعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ
خَيْرٍ﴾.
وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان: أن عمرو بن الجموح سأل النبي ◌َّر:
ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها، فنزلت.
ويؤيده ما قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في عمرو بن الجمُوح
الأنصاري، وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا
أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
ذكر في الآيات السابقة أن حب الدنيا هو سبب الشقاق والخلاف، وأن
المؤمنين بحق هم الذين يتحملون الشدائد في أموالهم وأنفسهم ابتغاء رضوان
الله، فناسب أن يذكر ما يرغب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله؛ لأن الكسب
والإنفاق يتطلبان الصبر والسماحة، وبذل المال كبذل النفس، كلاهما من
آيات الإيمان.
هذا مع العلم بأنه لا حاجة إلى التناسب بين كل آية وما يتصل بها، لا
سيما إذا كانت الأحكام المسرودة أجوبة لأسئلة وردت، أو كان من شأنها أن
ترد؛ وذلك للحاجة إلى معرفة حكمها كهذه الآية، والسؤال عنها وقع
بالفعل(١)، كما ذكرنا في سبب النزول.
(١) تفسير المنار: ٢٤٤/٢
٦٢٣
لُعُ (٢) - الَقَة: ٢١٥/٢
ويلاحظ ما ذكرناه سابقاً: أن بداية سورة البقرة إلى ما قبل آية: ﴿يَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢/٢] في القرآن
والرسالة، وأن هذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفُ﴾ [البقرة: ٢٤٣/٢] في سرد الأحكام العملية.
وهذه الآية بيان لمصرف ما ينفقونه.
التفسير والبيان:
يسألك أصحابك يا محمد عن مقدار ما ينفقون نفقة تطوع، لا الزكاة
الواجبة، وعن بيان الجهة (أو المصرف) التي ينفقون فيها. فأجبهم أن أي
مقدار تنفقونه قليلاً كان أو كثيراً، فثوابه خاص بكم، وأن جهات الإنفاق:
إعطاء الوالدين (الأب والأم) والأولاد؛ لأنهم قرابة قريبة، ثم بقية
الأقارب، للأقرب فالأقرب، ثم اليتامى الذين مات كافلهم، والمساكين
الذين عجزوا عن الكسب، ثم إعطاء المسافرين الذين انقطعوا في الطريق إلى
بلادهم، وكل ما تنفقونه في وجوه البر والطاعة مطلقاً، فإن الله سيجازي به؛
لأنه عليم بكل شيء، لا يغيب عنه شيء، فلا ينسى الجزاء والثواب عليه، بل
يضاعفه.
والأصح أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، فهي لبيان صدقة التطوع؛
لأنها لم تعين مقدار المنفَق، والزكاة الشرعية معينة المقدار بالإجماع(١).
وترتيب جهات الإنفاق يظهر فيما رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة أن
النبي ◌َّ قال: تصدقوا، فقال رجل: عندي دينار، قال: تصدق به على
نفسك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي
دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق
به على خادمك، قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر به.
(١) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٣٢٠/١
٦٢٤
الُرُ (٢) - الْبَقَرَّة: ٢١٥/٢
وفي رواية عطاء: نزلت الآية في رجل أتى النبي وَله فقال: ((إن لي ديناراً،
فقال: أنفقه على نفسك، فقال: إن لي دينارين، فقال: أنفقهما على أهلك،
فقال: إن لي ثلاثة، فقال: أنفقها على خادمك، فقال: إن لي أربعة، فقال:
أنفقها على والديك، فقال: إن لي خمسة، فقال: أنفقها على قرابتك، فقال:
إن لي ستة، فقال: أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها)).
وقد بينت الآية أن صدقة التطوع للوالدين والأقربين أفضل، بدليل ما
روي عن النبي ◌َّ قال: ((يا معشر النساء، تصدقن ولو بحليكن)) فقالت زينب
امرأة عبد الله بن مسعود لزوجها: أراك خفيف ذات اليد، فإن أجزأت عني
فيك صرفتها إليك، فأتت النبي ◌َّر فسألته، فقالت: أتجزي الصدقة على
زوجي، وأيتام في حجري، فقال لها النبي ◌َّ: («لك أجران: أجر الصدقة
وأجر القرابة))، وفي رواية: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه)). وروى
مسلم عن جابر أن النبي وَلّ قال: ((ابدأ بنفسك، فتصدق عليها)). وروى
النسائي وغيره أن النبي ◌ّه قال: ((يد المعطي العليا: أباك، وأمك، وأختك،
وأخاك، وأدناك أدناك» ولا شك أن الحنو على القرابة أبلغ، ومراعاة ذي
الرحم الكاشح أوقع في الإخلاص(١).
وكون الجواب في الآية أتى ببيان المنفق عليه، مع أنهم سألوا عن المنْفَق:
هو على أسلوب الحكيم، فقد سألوا عن شيء، وأجابهم عما هو أهم منه:
وهو بيان مواطن الإنفاق؛ لأن الإنفاق لا يحقق الخير حتى يصادف موقعه.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية لبيان مصارف صدقة التطوع، ومنها أنه يجب على الرجل الغني أن
ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحان في قدر حالهما، من طعام وكسوة وغير
ذلك.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٤٦/١، والكاشح: الذي يُضمر لك العداوة.
٦٢٥
الُ (٢) - الْبَقَرَّة: ٢١٥/٢
وهل على الولد تزويج أبيه؟ قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه، وعليه
أن ينفق على امرأة أبيه، سواء كانت أمَّه أو أجنبية. وإنما قال مالك: ليس عليه
أن يزوج أباه؛ قال القرطبي: لأنه رآه يستغني عن التزويج غالباً، ولو احتاج
حاجة ماسة لوجب عليه أن يزوجه، لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما.
أما ما يتعلق بالعبادات من الأموال، فليس عليه أن يعطيه ما يحجّ به أو يغزو،
وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر؛ لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام(١).
وقال الشافعية على المشهور: يلزم الولد ذكراً كان أو أنثى إعفاف الأب
والأجداد؛ لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والكسوة، ولئلا يعرضهم
للزنا المفضي إلى الهلاك، وذلك لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة
بالمعروف المأمور بها شرعاً (٢).
ودلت الآية على معان منها :
ا - أن القليل والكثير من النفقة يستحق به الثواب على الله تعالى إذا أراد
بها وجه الله، وينتظم ذلك الصدقات من النوافل والفروض.
أَ - أن الأقرب فالأقرب أولى بالنفقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ﴾ مع بيان النبي عليه السلام لمراد الله بقوله المتقدم: ((ابدأ بمن
تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك)).
٣ - فيها الدلالة على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الولد، كما بينا.
واقتصر الإيجاب عليهم دون نفقة المساكين وابن السبيل وجميع من ذكرتهم
الآية؛ لأن هؤلاء داخلون في الزكاة والتطوع، وللحديث المرفوع عن أبي
هريرة: ((دينار أعطيته في سبيل الله، ودينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في
رقبة، ودينار أنفقته على أهلك، فإن الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظمها
(١) تفسير القرطبي: ٣٧/٣
(٢) مغني المحتاج: ٢١١/٣ وما بعدها.
٦٢٦
الْجُرُ (٢) - البقرة: ٢١٦/٢-٢١٨
أجراً)) وعن ابن مسعود عن النبي وَلّ قال: ((إن المسلم إذا أنفق نفقة على
أهله، كانت له صدقة)).
فرضية القتال وإباحته في الأشهر الحرام
﴿كُتِبَ عَلَيَكُمُ الْفِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمّ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمٌّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيْرٌ وَصَذُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَكُفْرْ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِّ وَاُلْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ وَلَا يَزَالُونَ يُقَائِلُونَكُمْ حَى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَعُواْ
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِى
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (9) إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ
القراءات:
﴿ رَحْمَتَ ﴾
:
رسمت بالتاء ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
(قِتَالٍ﴾ بدل اشتمال من الشهر، والهاء في ﴿فِيهِ﴾: تعود على الشهر،
وبدل الاشتمال لابد أن يعود ضمير منه إلى المبدل منه.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: ﴿قِتَالٌ﴾: مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه
٦٢٧
لُعُ (٢) - البَفَة: ٢١٦/٢-٢١٨
نكرة؛ لأنه وصفه بقوله: فيه، فتخصص، والنكرة إذا تخصصت جاز أن
تكون مبتدأ. و﴿كَبِيرٌ﴾: خبر المبتدأ.
﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مبتدأ، وعطف عليه: ﴿وَكُفْرْ بِهِ،﴾، ﴿وَإِخْرَاجُ
أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾، وخبر الثلاثة: أكبر عند الله.
البلاغة:
﴿وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ﴾ أي مكروه، وضع المصدر موضع اسم المفعول
للمبالغة. وهناك ما يسمى في علم البديع بالمقابلة بين جملتي: ﴿وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا﴾ وقوله ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا﴾.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيه ما يسمى طباق السلب.
المفردات اللغوية:
كُتِبَ﴾ فرض ﴿اُلْقِتَالُ﴾ للكفار ﴿كُرُهُ﴾ مكروه ﴿وَعَسَىّ﴾ هنا
للإشفاق لا للترجي، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر ﴿وَصَدُّ﴾ منع للناس
﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه ﴿وَكُفْرٌ بِهِ،﴾ بالله ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مكة ﴿وَإِخْرَاجُ
أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ وهم النبيِ نَّهِ والمؤمنون ﴿أَكْبُ﴾ أعظم وزراً ﴿عِندَ اللَّهَّ﴾ من
القتال فيه . ﴿ وَأَلْفِتْنَةُ﴾ أي فتنة المسلمين عن دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم
أو بتعذيبهم، حتى يهلكوا(١) ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ يرجع ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت
وفسدت في الدنيا والآخرة، فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها. والتقييد بالموت
﴿فَيَمُتْ﴾ على الردة يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام، لم يبطل عمله، فيثاب عليه
ولا يعيده، كالحج مثلاً، وهو مذهب الشافعي، ورأى مالك وأبو حنيفة: أنه
(١) هذا رأي الجمهور، وهو أن ذلك أشد إجراماً من قتلكم في الشهر الحرام، وقال مجاهد
وغيره: الفتنة هنا: الكفر أو الشرك، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك.
٦٢٨
الزُرُ (٢) - البقرة: ٢١٦/٢-٢١٨
يعيده ﴿ءَامَنُواْ﴾ ثبتوا على إيمانهم ﴿هَاجَرُواْ﴾ فارقوا أوطانهم وأهلهم
﴿وَجَهَدُواْ﴾ من الجهد: وهو المشقة ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لإعلاء دينه ﴿يَرْجُونَ﴾
يتوقعون النفع باتخاذ الأسباب ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أي ثوابه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢١٦):
قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين شق عليهم وكرهوا،
فنزلت هذه الآية.
نزول الآية (٢١٧):
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في
سننه عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله وَ ل بعث رهطاً وبعث عليهم عبد
الله بن جحش الأسدي، فلقوا ابن الحضرمي، ولم يدروا أن ذلك اليوم من
وجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام،
فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ﴾ فسبب نزولها قصة
عبد الله بن جحش باتفاق المفسرين.
وقال المفسرون: بعث رسول الله وَ ل عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة
النبي ◌ُّ﴾ في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً
من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليترصدوا عِيراً(١)
لقريش فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون معه، فقتلوه وأسروا اثنين،
واستاقوا العير، وفيها عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً، وتجارة من تجارة
الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب، وهم يظنونه من جمادى الآخرة،
فقال النبي ◌َّ لهم عندما قدموا عليه: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام،
(١) العير: الإبل التي تحمل الميرة.
٦٢٩
لِجُزْءُ (٢) - البَفَرَة: ٢١٦/٢-٢١٨
وأوقف توزيع الغنيمة، وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، وهو
الشهر الذي يأمن فيه الخائف، ويسعى الناس فيه إلى معايشهم(١).
وقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزراً، فليس لهم أجر، فأنزل
الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِيْنَ هَاجَرُواْ﴾ الآية.
المناسبة:
ذكرت أحكام القتال بعد أحكام الصدقة (نفقة التطوع) لما بينها من الصلة
الوثيقة، فالقتال يحتاج لبذل النفس والنفيس من المال، والمال قرين الروح،
والإنفاق جهاد بالمال، فناسب أن يذكر الجهاد الذي هو أسمى من بذل المال؛
لأنه يستقيم به الدين، ويحتاج إلى بذل المال والنفس.
التفسير والبيان:
فرض عليكم معشر المسلمين قتال الكفار، فرض كفاية إن تحققت الحاجة،
فإن لم تتحقق ودخل العدو بلاد المسلمين، كان فرض عين. قال الجمهور:
أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، ثم استمر الإجماع على أنه فرض
كفاية إلى أن نزل بساحة الإسلام، فيكون فرض عين. وقال عطاء: فرض
القتال على أعيان أصحاب محمد وسر، فلما استقر الشرع، صار على
الكفاية(٢).
والقتال مكروه لكم وشاق عليكم طبعاً، لما فيه من بذل المال وتعريض
النفس إلى الهلاك، وهذه الكراهة الطبيعية لا تنافي الرضا بما يكلف به
الإنسان، فهو قد يرضى بتناول المرّ لما فيه من النفع. ولعلكم تكرهون شيئاً
طبعاً، وفيه خير ونفع لكم فيما بعد؛ لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة
(١) أسباب النزول للواحدي بتصرف وإيجاز: ص ٣٦-٣٨
(٢) البحر المحيط: ١٤٣/٢
٦٣٠
لُعُ (٢) - البقرة: ٢١٦/٢-٢١٨
والأجر، ومرضاة الله، وفي الجهاد إعلاء كلمة الإسلام ورفع منارة الحق
والعدل ودفع الظلم؛ ولعلكم تحبون شيئاً كترك القتال، وهو في الواقع شر
لكم؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وتسلط الأعداء على بلاد
المسلمين وأموالهم، واستباحة حرماتهم، وقد يؤدي ذلك إلى القضاء عليهم.
والله يعلم أنه خير لكم في عاجل أمركم، ولا يأمر إلا بما فيه الخير
والمصلحة لكم، وأنتم لقصور علمكم لا تعلمون ما يعلمه الله، فلا تركنوا إلى
القعود عن واجب الجهاد، فإنه شر لكم؛ لأن الدنيا قامت على التدافع،
وبادروا إلى ما يأمركم به ربكم، واحذروا الميل مع طباعكم وأهوائكم، فقد
سبق في علم الله أنه سيظهر دينه وينصر أهله على قلتهم، ويخذل المبطلين على
كثرتهم، كما قال: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) ◌ِإِذْنِ اللَّهِ
وَاَللَّهُ مَعَ الصَِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩/٢].
والله الذي فرض عليكم القتال يعلم أيضاً أن هؤلاء الأعداء لا ينفع معهم
إلا القتل والتشريد والإذلال، حتى لا يعودوا إلى الاعتداء على المسلمين أبداً.
وقد اختلف العلماء فيمن كتب عليهم القتال في هذه الآية:
فقال الأوزاعي وعطاء: نزلت في الصحابة، فهم الذين كتب عليهم
الجهاد.
وقال الجمهور: إن القتال فرض على جميع المسلمين بحسب الحاجة أو
الحال، فإن كان الإسلام غالباً فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو غالباً
فهو فرض على الأعيان، حتى يتحقق النصر. وهذا هو الراجح، قال النبي وَل
في الحديث الصحيح: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم
فانفروا».
وهذه الآية أول آية فرض فيها القتال، وذلك في السنة الثانية للهجرة؛ إذ
كان القتال على المسلمين محظوراً في مكة، ثم أذن الله لهم في مقاتلة المقاتلين من
٦٣١
الْجُرُ (٢) - البَقَرة: ٢١٦/٢-٢١٨
المشركين بعد الهجرة إلى المدينة، بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ج
ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩/٢٢]، ثم أبيح القتال لكل المشركين، ثم فرض الجهاد.
وأحدثت قضية قتل الحضرمي على يد سرية عبد الله بن جحش اضطراباً
وتساؤلاً، حكاه القرآن، فقال تعالى: يسألك يا محمد أصحابك عن القتال في
الشهر الحرام وهو رجب، هل هو حلال أو حرام؟.
فقل لهم: نعم، القتال فيه كبير الإثم والجرم وهو أمر مستنكر؛ لأن تحريم
القتال في الشهر الحرام كان ثابتاً يومئذ، ولكن صد قريش عن سبيل الله بما
يفتنون المسلمين عن دينهم ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم،
والكفر بالله، والصد عن المسجد الحرام (مكة) بمنع المسلمين من الحج
والعمرة، وإخراج أهله من مكة وهم النبي وَّر وصحبه، كل ذلك أكبر إثماً
وأعظم جرماً عند الله والناس من القتال في الشهر الحرام، والفتنة أشد من
القتل، فأعمالهم المنكرة وفظائعهم الوحشية مع عمار بن ياسر وأبيه وأخيه
وأمه وغيرهم أكبر بكثير من قتل الحضرمي، أي أنكم أيها المسلمون ترتكبون
أخف الضررين وأهون الشرين.
وما يزال أولئك المشركون أو الكفار على الشر والمنكر وقتال المسلمين حتى
يردوهم عن دينهم، ويحاولوا استئصال الإسلام من قلوبهم. ومن يوافقهم
ويرتد عن دينه، وبموت كافراً ولا يتوب بالرجوع إلى الإسلام، فقد بطل
عمله، وذهب ثوابه وأجره، وصار هباء منثوراً، وأصبح من أهل النار خالداً
فيها، وهذا جزاء الكافرين المرتدين.
وأما المجاهدون في سبيل الله كعبد الله بن جحش وأمثاله، فهم الذين
صدقوا بالله ورسله، وفارقوا الأهل والأوطان، وتركوا مساكنة المشركين في
ديارهم، وكرهوا سلطان المشركين، فهاجروا خوفاً من الفتنة في الدين،
ولإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وحاربوا في سبيل الله، ولحقوا بالنبي وَليل،
فأولئك يطمعون في رحمة الله، وأولئك هم الكمل، فالله يجازيهم أحسن
١٠
٦٣٢
الجُرَءُ (٢) - البقرة: ٢١٦/٢-٢١٨
الجزاء، ويستر ذنوبهم، ويرحمهم بفضله وإحسانه، وهو الغفور الرحيم بهم
وبأمثالهم. هذا المعنى على أن السائلين من الصحابة.
وهناك رواية أخرى(١): وهي أن وفداً من المشركين سأل النبي ◌َّ عن
القتال في الشهر الحرام، وحينئذ يكون المعنى: أن المشركين متناقضون،
يتمسكون بحرمة الشهر الحرام، ويفعلون ماهو أكبر من ذلك: من الصد عن
سبيل الله، والكفر بالله، والمنع من المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وفتنتهم
المسلمين عن دينهم أكبر إثماً عند الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت آية ﴿كُتِبَ عَلَيَكُمُ الْقِتَالُ﴾ أن الجهاد فرض، وهو امتحان
للمؤمن، وطريق إلى الجنة، ويراد به قتال الأعداء من الكفار، ولم يؤذن للنبي
* في القتال مدة إقامته بمكة ثلاثة عشر عاماً، فلما هاجر أُذن له في قتال من
يقاتله من المشركين، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ ثم
ج
أذن له في قتال المشركين عامة.
وإنما كان الجهاد كرهاً؛ لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل،
والتعرض بالجسد للشّجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت
كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية:
إنهم كرهوه ثم أحبّوه، وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن
مشقة، لكن إذا عُرف الثواب، هان في جنبه مقاساة العذاب، ولا نعيم أفضل
من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق.
(١) اختلف في السائلين عن ذلك، فقال الحسن البصري وغيره: إن الكفار هم الذين سألوا
رسول الله وَلقر على جهة العيب على المسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام. وقال
آخرون: المسلمون سألوا عن ذلك، ليعلموا كيف الحكم فيه (أحكام القرآن للجصاص: ١/
٣٢٢).
.
٦٣٣
لُ (٢) - البَفَرَة: ٢١٦/٢-٢١٨
وبالرغم من كراهة الجهاد لما فيه من المشقة، فإنه سبيل العزة والغلبة
والنصر، أو الشهادة، وعندما ترك المسلمون الجهاد، وجبنوا عن القتال،
وأكثروا من الفرار، وتفرقت كلمتهم، وتشتتت وحدتهم، استولى العدو على
بلادهم في الأندلس وفلسطين وغيرهما.
ودلت الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، فذهب عطاء إلى أن هذه
الآية لم تنسخ؛ لأن آية القتال عامة وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاص.
ولكن الجمهور على نسخ هذه الآية، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم
مباح، والناسخ في قول الزهري: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦/٩]
أو: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْأَخِ﴾ [التوبة: ٢٩/٩].
وقال المحققون: نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ
اٌلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩] يعني أشهر التسيير في آية ﴿فَسِيحُواْ
فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢/٩] فلم يبق لهم حرمة إلا لزمان التسيير.
ويؤيدهم أن رسول الله وَ ل# غزا هوازن بجنين، وثقيفاً بالطائف، وأرسل
أبا عامر إلى أوطاس(١) لمحاربة المشركين، وكان ذلك في الشهر الحرام.
قال ابن العربي: والصحيح أن هذه الآية رد على المشركين حين أعظموا
على النبي ◌َّهِ القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِ﴾ والفتنة -
وهي الكفر - في الشهر الحرام أشد من القتل، فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر
الحرام، تعيَّن قتالُكم فيه(٢).
(١) هو أبو عامر الأشعري، ابن عم أبي موسى الأشعري. وأوطاس: واد في ديار هوازن، وفيه
كانت وقعة حنین.
(٢) أحكام القرآن: ١٤٧/١
٦٣٤
الزُعُ (٢) - البَوَرة: ٢١٦/٢-٢١٨
والأشهر الحرم: هي رجب، وذو القَعْدة وذو الحجّة والمحرم؛ ثلاثة سَرْد،
وواحد فرد(١).
وإن انتهاك حرمات المسلمين بفتنتهم عن دينهم وتعذيبهم وطردهم من
ديارهم، وهي جرائم مادية محسوسة، أشد جرماً من انتهاك حرمة الشهر
الحرام، وهي مسألة معنوية.
ودلت آية ﴿ وَلَا يَزَالُونَ﴾ على تحذير المؤمنين من شر الكفرة، بنحو دائم.
علة مشروعية القتال:
!
صرح القرآن الكريم بعلة مشروعية القتال، وهي فتنة المسلمين عن دينهم،
فقال: ﴿وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اُلْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧/٢] وكان المشركون يفتنون
المسلمين عن دينهم بإلقاء الشبهات أو بتعذيبهم، كما فعلوا بعمار بن ياسر
وأسرته، وبلال، وخبّاب بن الأرت وصهيب وغيرهم، فقد عذبوا عماراً
بگئِّ النار لیرجع عن دينه، وكان النبي ٹمر به، فیری أثر النار به کالبرص،
وعذبوا أباه وأخاه وأمه، عن أم هانئ قالت: إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه
عبد الله، وشَيَّة أمه كانوا يعذبون في الله، فمرَّ بهم النبي وَّ فقال: ((صبراً آل
ياسر، صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)).
مات ياسر في العذاب، وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها - وكانت
مولاة لعمه أبي حذيفة بن المغيرة - فعذبها عذاباً شديداً رجاء أن تفتن في
دينها، فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها،
وكانت عجوزاً كبيرة.
وكان أمية بن خلف يعذب بلالاً ليفتنه عن دينه، فكان يجيعه ويعطشه ليلة
(١) سرد أي تتابع، وهي ما عدا رجب، ورجب فرد مستقل؛ لأنه يفصل بينه وبين ذي القعدة
ثلاثة أشهر، وهي شعبان ورمضان وشوال.
٠٠
٦٣٥
الُعُ (٢) - البقرة: ٢١٦/٢-٢١٨
ويوماً، ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء (الرمل المحمى بحرارة الشمس) ويضع
على ظهره صخرة عظيمة، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر
بمحمد، وتعبد اللات والعُزَّى، فيأبى ذلك، وتهون عليه نفسه في سبيل الله عز
وجل، وكانوا يعطونه للولدان، فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة،
وهو يقول: ((أحدٌ، أحد)).
وعذب خباب رضي الله عنه بإلقاء النار على ظهره.
بل إنهم آذوا رسول الله وَ﴾، فوضعوا سَلا الجزور (كَرِش البعير المملوء
بالفرث) على ظهره، وهو يصلي عند الكعبة، حتى نحّته فاطمة رضي الله عنها ،
وآذوه بأنواع أخرى كثيرة من الإيذاء، كفاه الله شرها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا
◌ِ﴾ [الحجر: ٩٥/١٥].
كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
الارتداد والمرتد:
إن آية ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، تهديد للمسلمين
ليثبتوا على دين الإسلام. واتفق المسلمون على أن الردة تحبط أي تبطل
الأعمال وتفسدها، وهل الإحباط مشروط بالموت(١)؟.
أخذ الشافعي من الآية: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: أن إحباط الردة العمل
مشروط بالوفاة كافراً، وظاهر الآية يؤيده، ويدل على أن الردة لا تحبط العمل
حتى يموت صاحبها على الكفر. ورأى مالك وأبو حنيفة: أن الردة بمجردها
محبطة للعمل، حتى ولو رجع صاحبها إلى الإسلام، اعتماداً على عموم قوله
تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥/٣٩] وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوْ لَحَبِطَ
عَنْهُمِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨/٦] وقوله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ
عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥/٥] وهذه الآيات في الردة فقط، وقد علق الحبوط فيها
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٤٧/١-١٤٨، تفسير القرطبي: ٤٨/٣
٦٣٦
لُزْءُ (٢) - الْبَقَرة: ٢١٦/٢-٢١٨
بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبي وَلّر، فهو مراد به أمته، لاستحالة
الشرك عليه. أما آية ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ الواردة هنا فرتبت حكمين: الحبوط،
والخلود في النار، ومن شروط الخلود: أن يموت على كفره.
ورأى الشافعية: أن آية ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ من باب التغليظ على
النبي ◌َّ، كما غلظ على نسائه في قوله: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ
بِفَحِسَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠/٣٣].
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن حج، ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك وأبو
حنيفة: عليه الحج؛ لأن ردته أحبطت حجه. وقال الشافعي: لا حج؛ لأن
حجه قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره.
وهل يستتاب المرتد قبل قتله؟
قال الحنفية: يستحب أن يستتاب المرتد، ويعرض عليه الإسلام، لاحتمال
أن يسلم، لكن لا يجب؛ لأن دعوة الإسلام قد بلغته، ودليلهم أن بعض
الصحابة قتلوا في عهد عمر رجلاً كفر بالله تعالى بعد إسلامه، ولم يستتيبوه(١).
وقال الجمهور: تجب استتابة المرتد قبل قتله ثلاث مرات؛ لأن امرأة يقال
لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي وَّ، ((فأمر أن
تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت))(٢) وثبت عن عمر وجوب الاستتابة.
وأما ميراث المرتد: فلورثته من المسلمين في رأي علي والحسن البصري
وجماعة. ولبيت المال في رأي مالك والشافعي وأحمد، لقوله وَله: ((لا يرث
المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)»(٣).
(١) رواه مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي.
(٢) رواه الدار قطني والبيهقي عن جابر، وإسناده ضعيف.
(٣) رواه أحمد والأئمة الستة عن أسامة بن زيد.
٦٣٧
الُ (٢) - البَقَرَة: ٢١٦/٢-٢١٨
وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء لبيت المال، وما
كان مكتسباً في حالة الإسلام، ثم ارتد، يرثه ورثته المسلمون.
وقال أبو يوسف ومحمد وابن شُبْرُمَة: ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته
المسلمين.
وبعد معرفة حال المشركين وحكم المرتدين، بين تعالى جزاء المؤمنين
المهاجرين(١) والمجاهدين: وهو استحقاق الفوز والفلاح والسعادة، وإسباغ
الرحمة والإحسان والفضل الإلهي والمغفرة والنعمة. وإنما عبَّر سبحانه عن هذا
الجزاء الحسن بقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا
أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في الطاعة كل مبلغ، وذلك لأمرين :
أحدهما - لا يدري بم ◌ُختم له.
والثاني - لئلا يتكل على عمله، والرجاء مصحوب أبداً بالخوف، كما أن
الخوف معه رجاء.
والهجرة التي امتدح الله بها المؤمنين كانت فرضاً على المسلمين من مكة إلى
المدينة، ثم نسخت بقوله ولي في الصحيح: ((لا هجرة بعد الفتح، ولکن جهاد
ونية)) ومع ذلك يؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل
تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن
دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده، أو عمل بما يجب عليه.
(١) الهجرة: معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقد كانت في مبدأ الإسلام فرضاً من مكة إلى
المدينة.
٦٣٨
لُرُ (٢) - النَّفَة: ٢١٩/٢
المرحلة الثانية من مراحل تحريم الخمر وحرمة القمار
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ
٢١٩)
القراءات:
{كَبِيرٌ﴾: قرئ:
١- (كثير)، بالثاء، وهي قراءة حمزة.
٢- (كبير)، بالباء، وهي قراءة الباقين.
﴿اَلْعَفْوِّ﴾: قرئ:
١- بالنصب، وهي قراءة الجمهور، وهو منصوب بفعل مضمر؛ تقديره:
قل ينفقون العفو.
٢- وبالرفع، وهي قراءة أبي عمرو، على تقدير مبتدأ محذوف.
الإعراب:
﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة منصوبة بفعل:
﴿ يُنفِقُونَ﴾. و﴿اٌلْعَفْوَ﴾: منصوب بـ: ينفقون المقدر، وتقديره: قل: ينفقون
العفو. وقرئ: ﴿اٌلْعَفْوَ﴾ بالرفع على أن ما استفهامية مبتدأ، وذا خبره،
و﴿يُنفِقُونَ﴾: صلته، والعفو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو العفو.
البلاغة:
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي عن تعاطيهما،
بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
٦٣٩
لِلُ (٢) - الَقَة: ٢١٩/٢
﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا﴾ فيه إطناب، وهو التفصيل بعد الإجمال.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ فيه تشبيه مرسل مجمل، أي كما فصل
لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في
أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، يعني في زوال
الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أي عن حكم شربهما وتعاطيهما.
والسائلون: هم المؤمنون. والخمر: من خَر الشيء: إذا ستره وغطاه، سميت
بها؛ لأنها تستر العقل وتغطيه. وهي عند الحنفية: النيء من ماء العنب إذا غلى
واشتد وقذف بالزبد، وتطلق في رأي الجمهور على عصير العنب والتمر
والذرة وكل ما يسكر. والميسر: القمار، مأخوذ من اليسر وهو السهولة؛ لأنه
كسب بلا جهد ولا مشقة. قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب
الصبيان بالخرز. وكان قمار العرب في الجاهلية بالأقداح أو الأزلام وهي
عشرة، سبعة يكتب على كل واحد منها نصيب معلوم، وثلاثة غُفَّل لا نصيب
لها، كانوا يشترون جزوراً نسيئة (لأجل) وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه
٢٨ قسماً أو ١٠ أقسام، ويجعلون الأقداح العشرة في كيس يحركها شخص ثقة
منهم، ويدخل يده، فيخرج منها الأقداح، فمن خرج له قدح من ذوات
الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئاً،
وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون
منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يشترك معهم.
﴿فِيهِمَا﴾ في تعاطيهما ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الإثم: الذنب، ولا ذنب إلا فيما
كان ضاراً من قول أو فعل، والضرر إما في البدن أو النفس أو العقل أو المال.
والكبير: العظيم، وسبب الوقوع في الإثم: ما يقع بسببهما من المخاصمة
والمشائمة وقول الفحش.
٦٤٠
الُعُ (٢) - البَفَرَّة: ٢١٩/٢
﴿ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ باللذة والفرح في الخمر وتحقيق الربح بالتجارة فيها،
وإصابة المال بلا كدّ ولا جهد في الميسر، فهي منافع اقتصادية أو شهوانية.
﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ أي ما ينشأ عنهما من المفاسد وعقاب
التعاطي أعظم من نفعهما: وهو الالتذاذ بشرب الخمر، ولعب القمار،
والطرب فيهما، وسلب الأموال بالقمار والافتخار على الأقران، فالكثرة
تعني أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.
﴿ الْعَفْوُّ﴾: الفضل والزيادة عن الحاجة التي يحتاجها الإنسان هو ومن
يعوله، فلا ينفق ما يحتاج إليه ويضيع نفسه.
سبب النزول:
نزلت آية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ في عمر بن الخطاب ومعاذ بن
جبل ونفر من الأنصار، أتوا رسول الله وَلَه، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر؛
فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وروى أحمد عن أبي هريرة قال: ((قدم رسول الله وَلّ المدينة، وهم يشربون
الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله وَل عنهما، فنزلت الآية، فقال
الناس: ما حُرِّم علينا، إنما قال: إثمٌ كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان
يوم، صلى رجل من المهاجرين، وأمَّ الناس في المغرب، فخلَّط في قراءته،
فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣/٤]. ثم نزلت آية أغلظ من ذلك:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَاجْتَنِبُوُهُ﴾ [المائدة: ٩٠/٥] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مَُّهُونَ﴾ قالوا: انتهينا ربَّنا)).
(١) البحر المحيط: ١٥٦/٢