Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
الُ (٢) - البَقَرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣
المزدلفة وبات فيها أن يذكر الله عند المشعر الحرام بالتلبية والتهليل والدعاء
والحمد والثناء، وإنما طلب منه الذكر خشية أن يتركه في هذا الموضع المبارك.
والمشعر الحرام: هو الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقد روي: (عن التَّي ◌َّ
لما صلّ الفجر بالمزدلفة، ركب ناقته، حتى أتى المشعر الحرام، فدعا وكثّر،
وهلل، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)) أي دخل في الإسفار وهو بياض
النهار، وورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال: كان الناس في هذه
الليلة لا ينامون.
ثم بيَّن الله سبحانه طريقة الذّكْر، فقال: واذكروه كما علَّمكم كيفيّة الذّكر،
بأن يكون بتضرع وإخلاص وإنابة قلبية وخشوع وحضور القلب مع الله،
وهذا هو الذّكر الحسن، كما هداكم هداية حسنة، وإن كنتم من قبل هذا
الهدى من الضّالين عن الحق في العقيدة والعمل، إذ كنتم تعبدون الأوثان
والأصنام، وتتخذونها وسطاء أو شفعاء عند الله، لتقربكم إلى الله زلفى.
ثم أمرت الآية قريشاً وبعض القبائل بالإفاضة من عرفات، كما يفيض
الناس منها ويقفون عليها، بعد أن كانوا يقفون في المزدلفة، ترفعاً عن غيرهم.
روى البخاري ومسلم: أن قريشاً ومن دان دينهم من كنانة وجَديلة وقيس
وهم الخُمْس(١) كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة، ترفُّعاً عن الوقوف مع
العرب في عرفات.
وتحقيقاً لمبدأ المساواة ونبذ الامتيازات في الإسلام أمر الله نبيّه بأن يقف مع
المسلمين جميعاً في عرفات، وأن يفيضوا منها إبطالاً لما كانت عليه قريش.
ولما كانت أعمال الحج كثيرة، وهي لا تخلو عن تقصير، أمرهم
بالاستغفار، فالله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن يطلب ذلك منه مع التوبة
الخالصة.
(١) الحمس: مفرده أحمس: وهو الشديد الصلب في الدين والقتال.

٥٨٢
الجُرَءُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣
ثم أبطل الله تعالى عادة جاهلية أخرى وهي المفاخرة بأمجاد الآباء حيث إنهم
كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل، بعد الفراغ من أعمال الحج، كما بيَّنا
في سبب النزول، ويؤكده ما روى ابن عباس: أن العرب كانوا عند الفراغ من
حجتهم، يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة، والحماسة، وصلة الرحم،
ويتناشدون فيها الأشعار، فلما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام، أمرهم بأن
یذکروہ کذکرهم لآ بائهم.
وروى القفال عن ابن عمر قال: طاف رسول الله وَدليل على راحلته
القصواء، يوم الفتح، يستلم الركن بمحجنه، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم
قال :
((أما بعد، أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم حَمِيّة الجاهلية وتفككها، یا
أيها الناس، إنما الناس رجلان: بَرِّ تقيّ كريم على الله، أو فاجرٌ شقيّ هيِّن على
الله، ثم تلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنَتَّى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُوَأْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (®﴾ [الحجرات: ١٣/٤٩].
وخطب النَّبِي وَلّ أيضاً في حجة الوداع في ثاني أيام التشريق، فأرشد
العرب إلى ترك تلك المفاخرات، وقال: ((أيها الناس، إنّ ربَّكم واحد، وإن
أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا
الأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلَّغتُ؟)) قالوا: بلَّغ
رسول الله
وإبطال تلك العادة كان بالأمر بذكر الله ذكراً كثيراً مبالغاً فيه، كما كانوا
يذكرون آباءهم ومفاخرهم، بل أشدّ من ذكرهم آباءهم.
ثم ذكر ما يكون من الناس الذاكرين في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال
ويتركوا غيره، فقال: الناس في الحج قسمان:
قسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا، والاستزادة من خيراتها، ويسكت عن

٥٨٣
لُزَعُ (٢) - البَقَرة: ١٩٨/٢-٢٠٣
الآخرة، وكأنها لا تخطر له ببال، ولا يهتم بشيء من أمورها، فيطلب الجاه
والغنى والنصر على الأعداء ونحو ذلك من حظوظ الدّنيا، هذا القسم لا
خلاق (لا حظّ) لهم في الآخرة، مما أعدّه الله للمتقين من رضوانه وجناته.
وقسم يحرص على طلب خيري الدّنيا والآخرة، فيقول: ربَّنا هب لنا حياة
طيبة سعيدة هانئة في الدنيا، وحياة راضية رغيدة مطمئنة في الآخرة، وطلب
كل من سعادة الدّنيا والآخرة منوط بالعمل الطيب النافع، فالدّنيا تتطلب
الجهد والسعي في سبيل الرزق، وحسن المعاملة والمعاشرة، والتّخلَّق بمحاسن
الأخلاق، والآخرة لا تنال إلا بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وهذا
القسم حريص على اجتناب المعاصي وأسباب العذاب في النار، فيقول: ربَّنا
احفظنا من شهوات نفوسنا، وباعد بيننا وبين الخطايا كما باعدت بين المشرق
والمغرب، ووفقنا للعمل بما يرضيك، فإذا قام المؤمن بفرائض الله واجتنب
المعاصي والمنكرات، وطلب سعادة الدارين، حقق الله له النجاح فيهما.
والحسنة في الدُّنيا: هي الصّحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة
الصالحة والنصرة على الأعداء. والحسنة في الآخرة: هي الفوز بالثواب
والخلاص من العقاب.
ثم أشار الله إلى الفريقين: الذين طلبوا الدنيا، والذين طلبوا الدنيا والآخرة
معاً، فأبان أنّ كلاً منهما يعطى حظّاً مما طلب ودعا، وقيل: إن قوله:
﴾ راجع للقسم الثاني
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِعُ الْحِسَابِ
فقط، لأن الله ذكر حكم الفريق الأول بقوله: ﴿وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ
خَلَقٍ﴾. وعلى كل حال يكون نوال الجزاء مبتدءاً من الكسب؛ لأن ﴿مِنْ﴾
لابتداء الغاية، لا للتبعيض، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله، والله
سريع الحساب، يوفي كل كاسب أجره عقب عمله، وسرعة الحساب في
الآخرة تكون باطلاع كل عامل على عمله، ويتم ذلك في لحظة، فقد روي أن
الله يحاسب الخلائق كلهم بمقدار لمحة البصر، وروي بمقدار نصف يوم من

٥٨٤
الجزء (٢) - البقرة: ١٩٨/٢-٢٠٣
أيام الدنيا. وفي الجملة: آية ﴿رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ
حَسَنَةً﴾ جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة، وما دام الحساب محقق
الوقوع، فهو قريب سريع.
وهناك شبيه لهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ
فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا (٨) وَمَنْ
أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (
١٩
كُلَّا نُمِدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ تَخْطُورًا
[الإسراء: ١٨/١٧-٢٠]. وقوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ
فِى حَرْئٍِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْأَخِرَةِ مِن ◌َّصِيبٍ
[الشورى: ٤٢ /٢٠].
٢٠
ثم أمر الله تعالى بذكره في أيام منى بعد الأمر السابق بذكره عند المشعر
الحرام، وعند تمام أداء المناسك بعد منى، فقال سبحانه: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ
أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام منى أو أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي
الحجة إلى ثالث عشر، وهي الأيام التي يرمون فيها الجمار، وينحرون فيها
الهدي والأضاحي.
والذكر في هذه الأيام يكون بالتهليل والتكبير عقب الصلاة وعند رمي
الجمار وذبح القرابين، ويستوي في نوع هذا الذكر الحاج وغيره إلا أن غير
الحاج يكبر أيضاً في يوم عرفة، والحاج يلبي، والمأثور من التكبير: ((الله أكبر،
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر کبیراً)). ورد عن عمر رضي الله عنه أنه کان یکثِّر
في فسطاطه بمنى، فیکېر من حوله، حتى یکثّر الناس في الطريق. وروي عن
الفضل بن العباس قال: ((كنت رديف رسول الله وَ ل من جمع - مزدلفة - إلى
منى، فلم يزل يلتّ حتى رمى جمرة العقبة)).
ويلاحظ أنه ورد الأمر بالذكر في الحج في هذه السورة في أيام معدودات،

٥٨٥
الزُّعُ (٢) - النَّقَرَة: ١٩٨/٢ -٢٠٣
وفي سورة الحج في أيام معلومات: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ
فِيّ أَيَّامٍ﴾ [الحج: ٢٨/٢٢]، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنّ ((المعلومات))
هي العشرة الأوائل من ذي الحجة، آخرها النّحر، وأما ((المعدودات)) فهي
ثلاثة بعد يوم النّحر، وهي أيام التشريق. وقد أكّد القفال هذا بما رواه في
تفسيره أنّ النَّبِي وَّرَ أمر منادياً فنادى: ((الحج عرفة، من جاء ليلة تجمع -
مزدلفة - قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام، فمن
تعجل في يومين فلا إثم عليه))، وروى أصحاب السّنن عن عبد الرحمن بن يعْمَر
قال: إن ناساً من أهل نجد أتَوْا رسول الله بَّةِ، وهو واقف بعرفة، فسألوه،
فأمر منادياً ينادي: ((الحج عرفة، من جاء ليلة تجمع(١) - مزدلفة - قبل طلوع
الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن
تأخر فلا إثم عليه)). ومذهب مالك أن أيام الرّمي معدودات وأيام النّحر
معلومات، فيوم النّحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان،
واليوم الرابع معدود لا معلوم.
ومعنى آية ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾: أنّ من تعجل في الإتيان بالمطلوب في
الأيام الثلاثة، بأن جعله في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، بأن لم يأخذ
برخصة التعجيل، فلا إثم عليه، فالأفضل البقاء في منى والمبيت بها ثلاثة أيام
وليال، لرمي الجمار (٢) الثلاث في كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين
حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، تأسّياً بفعل إبراهيم عليه السلام، وتمتاز
جمرة العقبة بأنها ترمى وحدها يوم النحر أيضاً. ويجوز الترخص والمبيت بمنى
ليلتين الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق، ثم النّفر إلى مكة. ومن لم ينْفِر
حتى غربت شمس اليوم الثاني، فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث قبل
الزوال أو بعده، ثم ينفر، ولا إثم عليه بترك الترخص.
(١) سميت جمعاً: لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام.
(٢) الجمار: جمع جمرة: وهي مجتمع الحصى.

٥٨٦
الُرُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣
هذا التخفيف والتخيير في التعجيل والتأخير، ونفي الإثم عن المستعجل
والمتأخر أو هذا الغفران، إنما هو لمن اتَّقى (١) الله وترك ما نهى عنه، فلم يلبس
حجه بالمظالم والمآثم؛ لأنه هو الحاج الحقيقي؛ لأن الغرض من كل عبادة هو
التقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧/٥].
وتحقيق التقوى: بذكر الله بالقلب واللسان ومراقبته في جميع الأحوال. ثم أمر
الله بالتقوى فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ مُخُشَّرُونَ﴾ أي واتَّقوا
الله حين أداء مناسك الحج، وفي جميع الأحوال، ثم أكّد الأمر بالتقوى فقال:
واعلموا أنكم ستجمعون وتبعثون للحساب والجزاء على أعمالكم يوم
القيامة، والحشر: من ابتداء الخروج من الأجداث إلى انتهاء الموقف،
والعاقبة للمتّقين، والعاقبة للتقوى، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ
﴾ [مريم: ٦٣/١٩]، وقال أيضاً: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ
عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا
﴾ [الانفطار: ١٩/٨٢].
١٩
لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
ومن علم أنه محاسب على أعماله، التزم العمل الصالح، واتقى ربّه، وقد
كرّر الأمر بذكر الله وبالتقوى، للإرشاد بأن المهم في العبادة هو إصلاح النفس
وفعل الخير، والبعد عن الشر والمعاصي. وأما من ظن أو شك في المصير
المحتوم فيعمل تارة ويترك أخرى.
ولما ذكر الله تعالى النفر الأول من عرفات، والنفر الثاني بعد إنهاء المناسك
وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في
المشاعر والمواقف قال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَّرُونَ﴾، كما
[الملك: ٦٧ / ٢٤].
٢٤)
قال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
(١) اللام من قوله ﴿لِمَنِ أَتَّقَى﴾ متعلقة بالغفران على تفسير ابن مسعود وعلي،
التقدير: المغفرة لمن اتقى. وروي عن ابن عمر: التقدير: الإباحة لمن اتقى.
وقيل: السلامة لمن اتقى.

٥٨٧
الُعُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢-٢٠٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت آية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ على جواز التجارة في الحج للحاج،
مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركاً، ولا يخرج به المكلف
عن شرط الإخلاص المفترض عليه. لكن الحج دون تجارة أفضل، لبعده عن
شوائب الدُّنيا وتعلُّق القلب بغيره.
وفي آية: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ دلالة على أن الوقوف بعرفة
أمر واجب لا بدّ منه؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، ولأنه قد رتب عليه
الأمر بالذكر عند المشعر الحرام.
وقد أجمع العلماء على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال (الظهر) ثم
أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك. وأجمعوا على تمام حجّ من
وقف بعرفة بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل؛ إلا الإمام مالك، فإنه
قال: لا بدّ أن يأخذ من الليل شيئاً. ولا خلاف أيضاً في أن من وقف بعرفة
بالليل فحجّه تام. وحجة الجمهور: مطلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
عَرَفَةٍ﴾ ولم يخصَّ ليلاً من نهار، وحديث عُرْوة بن مُضَرِّس قال: أتيت
النَّبِي وَّ وهو في الموقف من تجمع - مزدلفة -، فقلت: يا رسول الله، جئتك
من جَبَلَي طبّئ، أكْلَلْتُ مَطَّتِي، وأتعبتُ نفسي، والله إنْ تركتُ من جبل(١) إلا
وقفتُ عليه، فهل لي من حجّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَ لَّ: ((من صلَّ
معنا صلاة الغداة بِجَمْع، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد قضى
تَفَثَه(٢)، وتم حجّه))(٣).
٣
(١) أي ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه.
(٢) المراد أنه أتى بما عليه من المناسك. والمشهور: أن التفث: ما يصنعه المحرم عند حلّه من تقصير
شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة، ويدخل ضمن ذلك نحر
الإبل وغيرها وقضاء جميع المناسك؛ لأنه لا يقضى التفث إلا بعد ذلك.
(٣) رواه أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ له، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٥٨٨
الُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢-٢٠٣
وحجة مالك: حديث جابر الطويل عند مسلم، وفيه: فلم يزل واقفاً حتى
غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً، حتى غاب القرص، وأفعاله عليه
الصلاة والسلام على الوجوب، لا سيّما في الحج، وقد قال: ((خذوا عني
مناسککم».
وهل على من وقف نهاراً فقط في عرفات شيء؟ أوجب الجمهور (غير
الشافعية) الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف
بعرفة، اقتداءً بفعل النَّبِي وََّ، فإن أفاض (دفع) قبل غروب الشمس، ولم
يرجع، فحجّه صحيح تام، وعليه دم عند الحنفية والحنابلة، وقال مالك:
عليه حجّ قابل، وهدي ينحره في حجّ قابل، وهو كمن فاته الحج. وذهب
الشافعية: إلى أنه يسنّ الجمع بين الليل والنهار فقط، اتِّباعاً للسّنة، فإن
أفاض قبل الغروب، فلا دم عليه، وإن لم يعد إلى عرفة ليلاً، للخبر
الصحيح: ((من أتى عرفة قبل الفجر ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه)).
والأفضل أن يقف بعرفة راكباً لمن قدر على الركوب، اقتداءً برسول الله
وَ لَه، ولأنه أعون على الدعاء، فإن لم يقدر على الركوب وقف قائماً على رجليه
داعياً، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف. وفي
الوقوف راكباً تعظيم للحج قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا
[الحج: ٢٢ / ٣٢].
(٣٢)
مِن تَقْوَ اُلْقُلُوبِ
وظاهر عموم القرآن والسّنة الثابتة يدلّ على أن عرفة كلها موقف، قال
وَلقر: ((ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف)).
ويوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفر الله فيه الذنوب العظام،
ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال وَلّر في الصحيح: ((صوم يوم عرفة
يكفِّر السنة الماضية والباقية))، وهذا سنّة لغير الحاج، وصام بعض أهل العلم
بعرفة يوم عرفة، وقال أيضاً: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت
أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لاشريك له))، وروى الدارقطني عن

٥٨٩
الجُرَءُ (٢) - البَقَرَة: ١٩٨/٢-٢٠٣
عائشة أن رسول الله و 8﴿ قال: ((ما من يوم أكثر أن يُعتق الله فيه عدداً من النار
من يوم عرفة، وإنه ليدنو عزّ وجلّ، ثم يُباهِي بهم الملائكة، يقول: ما أراد
هؤلاء)».
ورغّبت الآيات في ذكر الله في مواضع كثيرة في الحج، عند المشعر الحرام،
وفي أيام منى، وبعد الانتهاء من الحج، وذلك بالدعاء والتَّلبية عند المشعر
الحرام، وبالتهليل والتَّكبير في منى، وبالاستغفار والدعاء في عرفات وبعد
الإفاضة منها وبعد إنهاء أعمال الحج، لتقوى الصّلة والارتباط بالله، ولتكون
خشية الله في مرأى ومسمع وقلب المسلم إذا عبد الله أو تعامل مع الناس.
روى أحمد ومسلم حديثاً عن نُبيشة الهذلي: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب
وذكر)). وقيل: الأمر الأول: أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني: أمر
بالذكر على حكم الإخلاص، والثالث: المداومة على الذكر كذكر مفاخر
الآباء والتغني بالأمجاد الذي كان في الجاهلية عقب الحج، بل كأشد ذكراً من
ذكر الآباء. ومن أكمل الأذكار والدعاء في هذه الآيات: الصيغة الجامعة
لخيري الدُّنيا والآخرة، فهي من جوامع الدعاء التي يطلب من المؤمن الإكثار
منها، وهي: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾.
جاء في الصحيحين عن أنس قال: ((كان أكثر دعوة يدعو بها النَّبِي وَلـ
يقول: اللهمَّ آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ)).
وثبت أنّ رسول الله وَّهِ صلَّ الظهر والعصر في يوم عرفة جمع تقديم مع
خطبة كخطبة الجمعة، وصلّ المغرب والعشاء بالمزدلفة جمع تأخير، بأذان
واحد وإقامتين، كما ثبت في الصحيح. وقال مالك: يصليهما بأذانين
وإقامتين.
وليس المبيت بالمزدلفة ركناً في الحج عند الجمهور، وقال مالك: الوقوف
بها واجب، ويكفي مقدار حطّ الرِّحال وجمع الصَّلاتين، وتناول شيءٍ من

٥٩٠
لُعُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣
الطعام والشراب، والمبيت بها سنّة مؤكّدة، فمن لم يَبِتْ بها فعليه دم، ومن قام
بها أكثر ليله، فلاشيء عليه.
وقال الحنفية: يجب الوقوف بالمزدلفة ولو لحظة بعد الفجر، ولو مارّاً
كالوقوف بعرفة، ويسنّ المبيت فيها.
وقال الشافعية: يكفي في المبيت بالمزدلفة الحصول بها لحظة بعد منتصف
الليل.
وقال الحنابلة: المبيت بمزدلفة واجب لما بعد منتصف الليل، من تركه فعليه
دم.
والواجب عند الكل من الفدية أو الدم هو شاة، ودليل وجوب الوقوف
بالمزدلفة حديث عروة بن مضرِّس المتقدم: ((من صلَّ معنا هذه الصلاة، ثم
وقف معنا حتى نُفيض، وقد أفاض قبل ذلك - من عرفات(١) - ليلاً أو
نهاراً، فقد تم حجه، وقضی تفئه)).
ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة في رأي أكثر
العلماء، والمشهور عن مالك قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة. ودليل
الجمهور: ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس: (لم يزل رسول الله وَلَه يُلَمِي
حتى رمى جمرة العقبة)).
ويحصل التحلل الأصغر للحاج برمي جمرة العقبة والحلق والذبح، لما روى
الدار قطني عن عائشة أن رسول الله وَلقر قال: ((إذا رميتم وحلقتم وذبحتم، فقد
حلّ لكم كل شيء إلا النساء، وحلّ لكم الثياب والطّيب)).
وبعبارة أخرى: يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والحلق
وطواف الإفاضة. والتحلل الأكبر: طواف الإفاضة، وهو الذي يحلّ النساء
وجميع محظورات الإحرام.
(١) الزيادة عن الدارقطني.

٥٩١
الُزُ (٢) - البَفَرَة: ١٩٨/٢-٢٠٣
وقت التكبير: إن ذكر الله في الأيام المعدودات: هو التَّكبير عقب
الصلوات وعند رمي الجمرات، قال مالك: يبدأ التَّكبير من ظهر يوم النَّحر
إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات التي یکثِّر فيها خمس
عشرة صلاة.
وفي رواية عن الشافعي: يبدأ بالتكبير من صلاة المغرب ليلة النّحر.
وفي رواية أخرى عنه وعن أبي حنيفة: إنه يبدأ به من صلاة الفجر يوم
عرفة، ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النّحر. ومذهب الحنفية والحنابلة
: والمشهور عند الشافعية: أنه يبدأ بالتكبير من صلاة الفجر يوم عرفة وينقطع
بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات ثلاثاً وعشرين
صلاة، بدليل ما روى جابر عن النَّبِي وَلّهِ: ((أنه صلّ الصبح يوم عرفة، ثم
أقبل علينا، فقال: الله أكبر، ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق)).
وفي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾: قال ابن عباس: هو
2
الرجل يأخذ مالاً يحج به عن غيره، فیکون له ثواب، وروي عنه - فيما رواه
الدارقطني - في هذه الآية أنّ رجلاً قال: يا رسول الله، مات أبي ولم يحج،
أفأحج عنه؟ فقال النَّبي ◌َّ: ((لو كان على أبيك دين، فقضيته، أما كان ذلك
يَجْزي؟)) قال: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يقضى))، وقول ابن عباس نحو
قول مالك، أي أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، والحجة للحاج،
فكأن له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه، لذا لا فرق
بين أن يكون النائب حجّ عن نفسه حجة الإسلام أم لم يحجّ.
ولا خلاف في أن المخاطب بالذكر في الأيام المعدودات هو الحاج، خوطب
بالتكبير عند رمي الجمرات، وعلى ما رُزق من بهيمة الأنعام في الأيام
المعلومات وعند إدبار الصلوات دون تلبية.
وغير الحاج في رأي جماهير الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار مثل الحاج

٥٩٢
لالُزُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢-٢٠٣
مطالب بالتكبير، فيكبِر عند انقضاء كل صلاة، سواء صلّ وحده أو في
جماعة، تكبيراً ظاهراً في هذه الأيام، اقتداءً بالسلف رضي الله عنهم، على
النحو الذي بيَّناه في وقت التَّكبير. وفي المدونة لمالك: إن نسي التَّكبير إثر
صلاة، فإن كان قريباً قعد فكبَّر، وإن تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب ولم
یکېر، والقوم جلوس فلیکېِروا.
ولفظ التّكبير في مشهور مذهب مالك: ثلاث تكبيرات، وفي رواية یزاد:
لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
وأجمع الفقهاء على أن يوم النّحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة؛ لأن رسول
الله وَّه لم يرم يوم النّحر من الجمرات غيرها، ووقتها من طلوع الشمس إلى
الزوال. وأجمعوا أيضاً على أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال
إلى الغروب.
وأجاز الجمهور (غير الشافعي) رمي جمرة العقبة بعد الفجر قبل طلوع
الشمس، ولا يجوز رميها قبل الفجر. وأباح الشافعي رميها بعد نصف الليل.
فإذا مضت أيام الرمي، فلا رمي، وعليه الهدي (دم)، سواء ترك الجمار
كلها، أو جمرة منها، أو حصاة من جمرة، في رأي مالك. وقال أبو حنيفة: إن
ترك الجمار كلها فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة، كان عليه بكل حصاة من
الجمرة إطعام مسكين نصف صاع، إلى أن يبلغ دماً فيطعم ما شاء، إلا جمرة
العقبة فعليه دم. وقال الشافعي: إن في الحصاة الواحدة مدّاً من الطعام، وفي
حصاتین مدین، وفي ثلاث حصيات دم.
وينتهي عند الجميع وقت الرمي بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر.
والمبيت بمنى(١) عند الجمهور ليالي التشريق واجب، فلا تجوز البيتوتة بمكة
(١) سميت منى: لما يمنى فيها من الدماء، أي يراق.

٥٩٣
الْجُرُ (٢) - البَفَرَة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
وغيرها عن منى في تلك الليالي إلا للرِّعاء ولمن وَلي السقاية من آل العباس،
ومن ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية، فعليه دم؛
لأن المبيت من شعائر الحج ونُسكه.
ويُرمى عن المريض والصَّبي اللذَيْن لا يطيقان الرمي، ويتحرى المريض
حين الرمي عنه، فيكبِّر سبع تكبيرات، لكل جمرة، وعليه الهدي عند مالك.
وقال الجمهور: لا دم عليه.
الناس إما منافقون أو مخلصون
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى
وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُّهْلِكَ
قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُ اُلْخِصَامِ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴿﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ
بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ وَلَبِْسَ الْمِهَادُ ◌َـ
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
٠٧
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
القراءات:
قیلَ
وقرأ الكسائي بإشمام الكسرة الضم.
﴿ وَلَبِئْسَ﴾:
وقرأ ورش والسوسي، وحمزة وقفاً: (ولبيس).
﴿مَرْضَاتِ﴾:
رسمت بالتاء فوقف عليها بالهاء مع الإمالة الكسائي وحده. ووقف الباقون
بالتاء.
١

٥٩٤
الجُوعُ (٢) - البقرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
:
رَءُوفٌ
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (رؤف).
الإعراب:
﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَاءِ﴾ مبتدأ وخبره، والخصام إما جمع خَصْم أو مصدر
خاصم بمعنى الخصومة، يقال: خاصم خصاماً، كقاتل قتالاً، والمعنى:
شديد الخصومة.
البلاغة:
﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْهِ﴾ ذكر لفظ الإثم بعد قوله: العزة من باب ((التتميم))
في علم البديع، ليدلّ على أنها عزّة مذمومة.
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ من باب التهُّم، أي لبئس الفراش هي جهنم،
واللام واقعة في جواب قسم محذوف، فالله يقسم تأكيداً للوعيد بأن الذي يرى
عزته مانعة له عن الإذعان للأمر بتقوى الله، سيكون مهاده ومأواه النار.
المفردات اللغوية:
يَعْجَبَكَ﴾ يروقك لموافقته إياك بالإيمان والخير
الخِصَامِ﴾ شديد
أَلَدُّ
الخصومة والعداوة.
﴿تَوَلَّى﴾ ذهب وانصرف عنك .﴿سَعَى﴾ مشى ﴿اُلْحَرْثَ﴾ الزرع.
﴿ وَالنَّسْلَ﴾ ما تناسل من الحيوان .﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ لا يرضى به ﴿أَخَذَتْهُ
اٌلْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ﴾ حملته العزة الكاذبة أي الأنفة والحمية، على العمل بالإثم
الذي أمر باتقائه .﴿فَحَسْبٌُ﴾ كافيه ﴿اَلْمِهَادُ﴾ الموضع المهيأ للنوم، ومنه
مهد الصبي، وسمى جهنم مهاداً؛ لأنها مستقر الكفار، أو لأنها بدل لهم من
المهاد.

٥٩٥
الجزءُ (٢) - البقرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
﴿ يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله أي رضاه.
سبب النزول:
روى ابن جرير عن السّدي في نزول الآيات (٢٠٤ - ٢٠٦): أن الأخنس
ابن شُرَيق الثقفي(١) أتى النَّبِي وَّ، وأظهر له الإسلام، ثم خرج، فمرَّ بزرع
لقوم من المسلمين ومُر، فأحرق الزرع، وعَقَرَ (قَتَلَ) الحمر، فأنزل الله الآية.
وقال سعيد بن المسيَّب - فيما يرويه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن
أبي حاتم -: أقبل صهيب الرومي مهاجراً إلى النَّي بَّ، فاتبعه نفر من
قريش، فنزل عن راحلته، وانتشل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش: لقد
علمتم أني من أرماكم رجلاً، وايم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم
معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما
شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما
قدم على النَّبِي وَ﴿ المدينة، قال: ((ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع))، ونزلت
الآية: ﴿النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللّهُ رَهُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾.
المناسبة:
ذكر الله في الآيات السابقة أن الناس في الحج صنفان: منهم من يدعو الله
للدنيا، ومنهم من يدعو للآخرة، وأن المقصد من كل العبادات هو تقوى الله،
ومحل التقوى هو القلب لا اللسان، وهنا ذكر صنفين آخرين في ميزان
التقوى: منافق ومؤمن، الأول يظهر غير ما يبطن، والثاني مخلص في عمله
يبتغي مرضاة الله تعالى.
(١) اسمه أبي، والأخنس لقب، لُقِّب به؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاث مئة رجل من حلفائه من بني
زُهرة عن قتال رسول الله وَّر، وكان رجلاً حلو القول والمنظر.

٥٩٦
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
التفسير والبيان:
بعض الناس يروقك قوله ویعجبك لسانه وبیانه، ولكنه منافق یظهر غیر
الحقيقة، فيعلن غير ما يضمر، ويقول ما لا يفعل، ليحظى بشيء من أعراض
الدنيا الفانية، ويزيد في الإيهام والتضليل أنه يحلف بالله أنه صادق، فيقول:
يعلم الله هذا، ويشهد أني صادق، وهو في الواقع قوي الجدل، يغش الناس
بما يظهر، شديد العداوة للمسلمين. وهذه الخصال الثلاث (حسن القول،
وإشهاد الله على صدقه، وقوته في الجدل) وجدت في الأخنس بن شريق، كما
بيَّنا في سبب النزول.
وهذا الصنف سرعان ما ينكشف أمره، فتراه إذا توارى عن الأعين يكون
ضدّ ما قال، فيسعى في الأرض بالفساد، ويهلك الحرث (الزرع) ويقضي على
النسل، إرضاءً لنزعات نفسه الأمّارة بالسوء، وانقياداً لأهوائه وشهواته،
وإيثاراً لمقاصده الدنيوية الحقيرة، والله سبحانه لا يرضى بالفساد ولا يحبه،
ولا يحب المفسدين، ولا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب
والأعمال.
وإذا نصحه إنسان، فقال له: اتَّق الله، حملته الحمية الجاهلية، والعزّة
الشيطانية على ارتكاب الإثم والحرام؛ لأنه ينفر من الصلاح والمصلحين،
فيكفيه عذاب جهنم، فهي مأواه ومهاده، ولبئس المهاد مهاده، بسبب سوء
عمله في الدنيا، وسوء خداعه وحاله ولحنه في كلامه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ
نَشَآءُ لَأَرَبْنَكَهُمْ فَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ
(٢٥) ﴾ [محمد: ٣٠/٤٧].
وأما الصنف الثاني: فهو فريق يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتراه يجاهد في
سبيل الله لإقرار الحق والعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتحرى
صالح الأعمال وقول الحق، مع الصدق والإخلاص فيهما، وليس له لسانان
أو وجهان، ولا يؤثر عرض الدنيا على ما عند ربه من حسن الجزاء، والله

٥٩٧
الُرُ (٢) - البقرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
رؤوف بالناس، فيجزيهم بالنعيم الدائم على العمل القليل، ولا يكلفهم فوق
الطاقة، وينشر عليهم واسع رحمته وإحسانه وكرمه، ولولا ذلك لغلب شرّ
أولئك المفسدين في الأرض، حتى لا يبقى فيها صلاح: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اُللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اُلْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
قال علماء المالكية: في هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط في أمور الدين
والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر
أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم، حتى يبحث عن باطنهم؛ لأن
الله تعالى بَيَّن أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولاً جميلاً، وهو ينوي
قبيحاً.
ـبيـ
وأما قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن أم سلمة: ((فأقضي
له على نحو ما أسمع)) فكان هذا في صغر الإسلام حيث يكتفي بالظاهر لسلامة
أحوال الناس، أما بعد أن عم الفساد، فلا بدّ من التزكية والتعرُّف على
البواطن(١).
والصحيح كما قال القرطبي: أن الظاهر يعمل به حتى يتبيّن خلافه؛ لقول
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري: ((أيها الناس، إن الوحي
قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً
أمَّناه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر
لنا سوءاً لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة))(٢).
وأرشدت الآية إلى أن فريق المنافقين شأنه الإفساد والتدمير والتخريب من
الباطن، وهو لا يتَّقي الله، ولا يخشاه، فحقّ له العذاب في جهنم، فهي مأواه
ومصيره، وبئس المصير.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٤٣/١
(٢) تفسير القرطبي: ١٦/٣

٥٩٨
الْجُرُ (٢) - المندرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
كما أرشدت الآية إلى أن المخلص في عمله لله، والذي جاهد في سبيل الله،
إِنَّ
يستحق رضوان الله ورحمته، ويظفر بجنان الخلد، كما قال الله تعالى:
اللَّهَ أُشْغَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَقْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةٌ يُقَتِلُونَ
فِى سَبِيلٍ الَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ
وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُ بِّهِ
وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9َ﴾ [التوبة: ١١١/٩].
والفريق الأول يوجد في كل أمة، فقد يخدع الشخص فرداً واحداً أو أفراداً
معدودين، وقد يخدع الأمة بأجمعها، فيوقعها في مهاوي الشرّ والعذاب. وقد
يعتمد هذا الصنف على الأيمان الكاذبة، فيحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما
يقول ويدّعي، وفي معنى الحلف: أن يقول الإنسان: الله يعلم أو يشهد بأنني
أحب كذا، وأريد كذا، قال العلماء: إن هذا آكد من اليمين، ورأى بعض
الفقهاء: أن من قاله كاذباً يكون مرتداً، لأنه نسب الجهل إلى الله تعالى، وعلى
كل حال: إن أقل ما يدل عليه هذا هو عدم المبالاة بالدين، ولو لم يقصد
صاحبه نسبة الجهل إلى الله عز وجل، فهو قول لا يصدر إلا عن المنافقين
الذين ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
[البقرة: ٩/٢](١).
ودلّ التعبير القرآني الموجز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اَللَّهُ﴾ على حقيقة ثابتة وهي أن وجود فئة المخلصين بين الناس رحمة
عامة للعباد، لا خاصة بهم، فكثيراً ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم،
إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم، وعلى من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله
تعالى في نفع عباده ألا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون
حكيماً يقدّر الأمور بقدرها؛ إذ ليس المقصود بهذا الشراء﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى
(١) تفسير المنار: ١٩٦/٢

٥٩٩
لُعُ (٢) - البقرة: ٢٠٤/٢-٢٠٧
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١/٩] إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع
الشّ، وفعل الخير العام، رأفة بالعباد، وإيثاراً للمصلحة العامة(١).
وكون آية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُمُ فِىِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ
عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (3)﴾ نزلت في الأخنس، فلا يخصصها،
وإنما هي عامة في كل من يتصف بصفته؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص
السبب، قال سعيد المقبري: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من
العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصبر(٢)، لبسوا للناس مُسوك(٣) الضأن من اللين،
يشترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: علي تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي
لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب القرظي:
((هذا في كتاب الله)) فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد
عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: ((إن الآية تنزل في
الرجل، ثم تكون عامة بعد)). قال ابن كثير: وهذا الذي قاله القرظي حسن
(٤)
صحیح(٤).
(١) المرجع السابق: ٢٠٤/٢
(٢) جاء في الترمذي حديث: ((إن في بعض كتب الله أن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من
العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر .. )) الحديث.
(٣) المسوك: الجلود، جمع مَسْك.
(٤) تفسير ابن كثير: ٢٤٦/١

٦٠٠
لُعُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
الدعوة إلى قبول الإسلام واتباع أحكامه وجزاء المخالف
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ
فَإِنِ زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتُكُمُ
٢٠٨
الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى
اٌلْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (®
ـا سَلْ بَنِيّ
◌ُكَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَنَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى الَّهِ تُرجَعُ اَلْأُمُورُ ®
إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَتِ بَيِنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ
﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواُ
شَدِيدُ الْعِقَابِ
وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاَللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢١٢
القراءات:
﴿السِّلْمِ﴾: قرئ:
١- (السَّلم) وهي قراءة نافع، وابن كثير، والكسائي.
٢- (السِّلم) وهي قراءة باقي السبعة.
خُطُوَاتِ﴾: قرئ:
١- (خطوات) وهي قراءة نافع، والبزي، وأبي عمرو، وحمزة، وخلف.
٢- (خُطُوات) وهي قراءة الباقين.
﴿تُرَجَعُ اَلْأُمُورُ﴾: قرئ:
١- (تُرْجَعُ الأمور) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم.
٢- (تَرْجِع) وهي قراءة الباقين.
﴿سَلْ﴾:
وقرأ أبو عمرو (اسأل).
؛