Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ الُزُ (١) - البَقَة: ١٢٧/٢-١٢٩ صالح الأخلاق، إنك أنت القوي الذي لا يُغلب، الحكيم في كل صنع، فلا تفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، قال مالك: والحكمة: المعرفة بالدين، والفقه بالتأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: في هذه الأدعية تعليم لنا أن نطلب في ختام أعمالنا قبولها، وأن ندعو بصلاح أنفسنا وذريتنا ليستمر الإسلام في كل زمان، ويظهر الانقياد والخضوع لخالق السماء والأرض، والله تعالى جعل المناسك ومواقف الحج أمكنة للتخلص من الذنوب وطلب الرحمة من الله، والله كريم رحيم، وقد أجاب الله دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل، فأرسل خاتم النبيين محمداً وَ ل* رسولاً من العرب، قال ويلقي: ((أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورؤيا أمي))، وأكرم الله أمة العرب، فجعلها بالإسلام خير الأمم، وكان لها السيادة والمجد والسلطة في المشارق والمغارب، حيناً من الزمان، وكان منها ومن المسلمين غير العرب رجال هم مفخرة التاريخ في العدل والسياسة والقضاء والعلم والفكر والأدب والحضارة. أما بناء الكعبة: فكان بالطين والحجارة، وظل كذلك إلى أن هدمتها قريش وأعادوا بناءها، ورفعوها عن الأرض عشرين ذراعاً، وتم وضع الحجر من قبل النبي ◌ّ( وهو شاب قبل البعثة، لأنهم حكّموا أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم رسول الله رَلّ، فحكموه، ووضع الحجر في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة، فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو، فرَفعوا إليه الحجر . الأسود، فكان هو يضعه وَله، ولم يُدخلوا حِجْر الكعبة في البناء أي حِجْر إسماعيل من جهة الشمال، لعجز النفقة لديهم، ثم رأى النبي تجديد البناء، لكنه كما روت عائشة رضي الله عنها قال: ((لولا حداثة عهد قومِك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشاً حين بنت الكعبة ٣٤٢ الُرُ (١) - البَقَة: ١٣٠/٢-١٣٢ استقصرت، ولجعلتُ لها خلْفاً))، يعني باباً. وفي البخاري: ((لجعلت لها خَلْفین)» یعني بابين. ثم لما غزا أهل الشام في عهد الأمويين عبد الله بن الزبير، ووهَت الكعبة من حريقهم، أعاد بناءها ابن الزبير، وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحِجْر، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعاً، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين، أحدهما يُدخل منه، والآخر يُخرج منه، كما روى مسلم في صحيحه. ثم لما قتل ابن الزبير أعاد الحجاج بناء الكعبة، ورد ما زاد فيه من الحِجْر إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه، وأعاده إلى بنائه، بأمر الخليفة عبد الملك. ورُوي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يردّ على بناء ابن الزبير، لما جاء عن النبي ◌َّ، وامتثله ابن الزبير، فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألّا تجعل بهذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم، إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. وأما كسوة الكعبة، فقال العلماء: لا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء، فإنه مهدي إليها، ولا ينقص منها شيء. سفاه من يرغب عن ملة إبراهيم ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبٍّ وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ لَـ اُلْعَلَمِينَ (٢) وَوَصَّى بِهَآ إِبَهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ ١٣٢ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ٣٤٣ لُعُ (١) - الْبَفَرة: ١٣٠/٢-١٣٢ القراءات: ﴿وَوَصَى﴾: قرئ: ١- (وأوصى) وهي قراءة نافع، وابن عامر. ٢- (ووصَّى) وهي قراءة الباقين. الإعراب ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ نصب ﴿نَفْسَهُ﴾ إما بنزع الخافض الجار، وتقديره: سفه في نفسه، أو لأن ﴿سَفِهَ﴾ بمعنى جهل، وهو فعل متعد بنفسه، أو منصوب على التمييز، وهو قول الكوفيين . ﴿ وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾: ﴿فِى﴾ متعلقة بعامل مقدر، وتقديره: وإنه صالح في الآخرة لمن الصالحين، ولا يجوز أن تتعلق بالصالحين؛ لأنه يؤدي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول. ﴿ وَوَضَى بِهَا﴾ الضمير يعود إلى الملة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. البلاغة: ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النفي. أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا السفيه، والجملة واردة لتوبيخ الكافرين . ﴿وَإِنَُّ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ التأكيد بـ (إن) و(اللام) لتعلقه بأمر غيبي في الآخرة، بخلاف حال الدنيا، فإنه مشاهد. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ﴾ التفات عن الحضور إذ السياق: (قلنا) إلى الغيبة. و﴿رَبُّهٌُ﴾ لإظهار مزيد اللطف والاعتناء بتربيته. وجواب إبراهيم ﴿أَسْلَمْتُ ◌ِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ دليل على قوة إسلامه، وفيه إشارة إلى وجوب الخضوع لله تعالى، وفيه التفات من الخطاب إلى الغائب. ٣٤٤ لُعُ (١) - الْبَقَرة: ١٣٠/٢-١٣٢ المفردات اللغوية: ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ رغب في الشيء: أحبه، ورغب عنه: كرهه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ جهل أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته، أو استخف بها وامتهنها أي أذلها واحتقرها. ﴿أَصْطَفَيْنَهُ﴾ اخترناه بالرسالة في ذلك الوقت. ﴿أَسْلِمْ﴾ أي انقاد لله وأخلص له العبادة والدين. ﴿ وَوَضَّى بِهَا﴾ التوصية: إرشاد غيرك إلى ما فيه خير وصلاح له من قول أو فعل في الدين أو الدنيا، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ نهي عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى الموت. سبب نزول الآية (١٣٠): قال ابن عيينة: روي أن عبد الله بن سلام دعا ابنيْ أخيه: سلمة ومهاجراً، إلى الإسلام، فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأبى مهاجر، فنزلت فيه الآية. التفسير والبيان: بعد أن ذكر الله سبحانه أنه ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن، وأنه عهد إليه ببناء البيت وتطهيره للعبادة، أردف ذلك ببيان أن ملة إبراهيم وهي التوحيد وإسلام القلب لله، لا يصح لأحد التحول عنها، وبها وصى يعقوب بنيه، ووصى بها من قبله إبراهيم. فلا يرغب أحد عن ملة إبراهيم ودينه إلا شخص أذل نفسه واستخف بها؛ لأن من يترك الخير والحق والهدى، فقد امتهن نفسه وأذلها. ولقد اصطفى الله إبراهيم في الدنيا، فجعله أبا الأنبياء، وجعله في الآخرة ٣٤٥ المُعُ (١) - البَفَرَّة: ١٣٠/٢-١٣٢ من المشهود لهم بالصلاح والاستقامة وإرشاد الناس للعمل بملته. وهذه بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة ووعد له بذلك. اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من الأدلة على وحدانية الله، فما كان منه إلا أن بادر بالانقياد والامتثال، وقال: أخلصت ديني لله الذي أوجد الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِىْ فَطَرَ اُلسََّوَتِ ﴿٢﴾ [الأنعام: ٧٩/٦]. وَاُلْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ولقد أراد إبراهيم الخير لذريته، فأوصاهم بالملة الحنيفية، وكذلك فعل يعقوب عليهما السلام، وقالا لهم: إن الله اختار لكم هذا الدين - دين الإسلام، الذي لا يتقبل الله سواه، فاثبتوا على الإسلام لله، ولا تفارقوه، حتى لا تفاجأكم المنية، وأنتم على غير الدين الحق الذي اصطفاه لكم ربكم. وفي هذا فتح باب الأمل أمام المنحرف ليعود إلى الله ويعتصم بالدين، قبل الموت. فانظروا أيها اليهود: هل أنتم تتبعون آباءكم إبراهيم ويعقوب أو لا؟ فقه الحياة أو الأحكام: تندد هذه الآيات بكل من أعرض عن ملة إبراهيم - ملة التوحيد والانقياد والإخلاص لله، وتوبخ الكافرين الذين كرهوا هذه الملة. وملة الإسلام قديمة دعا لها الأنبياء جميعاً، والإسلام في كلام العرب: الخضوع والانقياد للمسلم إليه، وليس كل إسلام إيماناً، لكن كل إيمان إسلام؛ لأن من آمن بالله فقد استسلم وانقاد لله، وليس كل من أسلم آمن بالله؛ لأنه قدٍ يتكلم فَزَعاً مِن السيف، ولا يكون ذلك إيماناً، بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤/٤٩] فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمناً، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمناً، فإن الإيمان باطن، والإسلام ظاهر. وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلام ويراد به الإيمان؛ للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه. ٣٤٦ لُ (١) - الْبََة: ١٣٠/٢-١٣٢ وقال القدرية والخوارج: إن الإسلام هو الإيمان، فكلٍ مؤمن مسلم، وكل ج مسلم مؤمن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩/٣] فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن. ووصى بالإسلام إبراهيم ويعقوب؛ لأنه الدين الحق، وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إلى مكة وهو رضيع له سنتان، وولد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات وله مئة وسبع وثلاثون سنة، وكان سنه يوم مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعاً وثمانين سنة، وهو الذبيح في قول مشهور. وإسحاق: أمّه سارة، وهو الذبيح في قول آخر، وهو الأصح في رأي القرطبي(١). ومن ولده: الروم واليونان والأرمن ونحوهم وبنو إسرائيل، وعاش إسحاق مئة وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة، ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام، ودخل يعقوب فيمن أوصى إبراهيم. ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت إبراهيم، وأوصى يعقوب بنيه كما فعل إبراهيم، عاش يعقوب مئة وسبعاً وأربعين سنة، ومات بمصر، وأوصى أن يُحمل إلى الأرض المقدسة، ويُدفن عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف ودفنه عنده. وبما أن الإسلام قديم وهو دعوة كل الأنبياء، أوصى إبراهيم ويعقوب بالتزامه، فقالا: الزموا الإسلام وداوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا، فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود، ويتضمن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت، ولا يدري متى؛ فإذا أُمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائباً لازماً. (١) تفسير القرطبي ٢/ ١٣٥ والأصح كما سيأتي في سورة (الصافات) أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. ٣٤٧ لُعُ (١) - البَقَة: ١٣٣/٢-١٣٧ فظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾: وهو النهي عن الموت إلا على حالة الإسلام، غير مراد، وإنما المقصود الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الموت، فهو نهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف الإسلام(١). إبطال دعوى اليهود أنهم على دين إبراهيم ويعقوب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمَّ وَلَا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ، وَقَالُواْ كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنََّهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (﴿يَ قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَاً أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّاً فَإِنْ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن زَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ فَإِن نَّْ فَإَِّا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَبَكْفِكَهُمُ اللَّهُ ١٣٧١ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ القراءات: ﴿ شُهَدَآءَ إِذْ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية، بين بين، قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وقرأ الباقون بتحقيقها. ﴿النَّبِيُّونَ﴾ : وقرأ نافع: (النبيئون). (١) تفسير البحر المحيط ٣٩٩/١. ٣٤٨ لِلُعُ (١) - الْبَقَة: ١٣٣/٢ -١٣٧ الإعراب: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ اسم استفهام في موضع نصب بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ وتقديره: أي شيء تعبدون ﴿مِنْ بَعْدِى﴾ أي بعد موتي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . ﴿إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ في موضع جر على البدل من ﴿ءَابَآيِكَ﴾ ولا ينصرف للعجمة والتعريف. ﴿إِلَهَا وَحِدًا﴾ إما منصوب بدل من قوله ﴿إِلَهَا﴾ أو حال منه. تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿قَدْ خَلَتٌ﴾ صفة ((لأمة)) وكذلك ﴿لَهَا مَا كَبَتْ ﴿بَلْ مِلَّةَ﴾ منصوب بفعل مقدر، وتقديره: بل نتبع ملة إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾ إما حال منصوب، من إبراهيم؛ لأن المعنى: بل نتبع إبراهيم أو منصوب بفعل مقدر تقديره: أعني، إذ لا يجوز وقوع الحال من المضاف إليه. ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ﴾ الباء زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧/١٠] أي مثلها كالآية الأخرى: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢]. و﴿مَآ ءَامَنتُم﴾: ((ما)) مع الفعل بعدها في تأويل المصدر، وتقديره: بمثل إيمانكم به أي بالله. البلاغة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾ معنى الاستفهام هنا: التقريع والتوبيخ، وهو في معنى النفي، أي ما كنتم شهداء، فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم. ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ اُلْمَوْتُ﴾ كنى بالموت عن مقدماته؛ لأنه إذا حضر الموت نفسه لا يقول المحتضر شيئاً. ﴿ءَابَآبِكَ﴾ مجاز للتغليب، إذ شمل العم وهو إسماعيل، والجد وهو إبراهيم، والأب وهو إسحاق. ٣٤٩ الُ (١) - البَقَة: ١٣٣/٢-١٣٧ ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي قال اليهود: کونوا يهوداً، وقال النصارى: كونوا نصارى. ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فيه إيجاز، أي يكفيك الله شرهم، والتعبير بالسين بدل سوف للدلالة على أن النصر عليهم قريب ﴿اُلسَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغة المبالغة، ومعناه: الذي أحاط سمعه وعلمه بجميع الأشياء. المفردات اللغوية: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾ ((أم)) هنا بمعنى ((بل)) وبمعنى همزة الإنكار والمعنى: أكنتم حضوراً، والهمزة بمعنى النفي، أي ما كنتم شهداء، وحضور الموت: حضور أماراته ومقدماته، ﴿بَعْدِى﴾ بعد موتي. ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة، ﴿خَلَتَّ﴾ مضت وذهبت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ما عملت، ﴿ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ أي أنتم مجزيون بأعمالكم. ﴿ هُوَدَّا أَوْ نَصَرَى﴾ أو للتفصيل، والهود: اليهود، جمع هائد أي تائب، وقائل الأول: يهود المدينة، وقائل الثاني: نصارى نجران. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين الحق القيم. ﴿قُولُواْ ءَمَنَا﴾ خطاب للمؤمنين.﴿وَمَآ أَنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ﴾ من الصحف العشر. ﴿ وَالْأَسْبَاطِ﴾ واحدهم سبط أي ولد الولد، والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب، والشعوب من العجم، وهم أولاد يعقوب ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وهو التوراة ﴿و﴾ ما أوتي ﴿عِيسَى﴾ وهو الإنجيل ﴿لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض کاليهود والنصارى. ﴿ شِقَاقٍ﴾ خلاف معكم، مأخوذ من الشق وهو الجانب، فكأن كل واحد في شق غير شق صاحبه، لما بينهما من عداوة. ٣٥٠ لُعُ (١) - الْبَفَرَة: ١٣٣/٢-١٣٧ سبب نزول الآية (١٣٣): نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلهر: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ وسبب نزول الآية (١٣٥): هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا للنبي وَالر: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىّ وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: نزلت في رؤوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وأبي ياسر بن أخطب، وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين، كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك، ودعوهم إلى دينهم. التفسير والبيان: ما كنتم يا معشر اليهود المكذبين محمداً حاضرين حين احتضر يعقوب، فلا تكذبوا عليه، فإني ما أرسلت إبراهيم وبنيه إلا بالحنيفية وهي الإسلام، وبه أوصوا ذريتهم، والدليل أن يعقوب قال لبنيه: أي شيء تعبدون بعد موتي؟ فأجابوه: نعبد إلهك الله الواحد الذي دلت الأدلة على وجوده ووحدانيته، ولا نشرك به سواه، وهو إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ونحن له منقادون خاضعون لحكمه. وجعلوا إسماعيل (وهو عمه) أباً. تشبيهاً له بالأب، وفي الحديث الصحيح عند الشيخين: ((عم الرجل صِنْو أبيه)). ٣٥١ الُ (١) - البَقَة: ١٣٣/٢-١٣٧ ثم رد الله تعالى على اليهود أنهم نسل الأنبياء وحفدتهم، فلا يدخلون النار إلا أياماً معدودات، بقوله: تلك أمة قد مضت بما لها وما عليها، وجرت سنة الله في عباده ألا يُجزى أحد إلا بعمله، ولا يُسأل عن عمل غيره، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُثَبَأْ بِمَا فِ صُحُفِ مُوسَى ® وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقَ ﴿َ أَلَّا نَزِرُ [النجم: ٣٦/٥٣-٣٩] (٣٩) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى وقال النبي ◌َّر: ((يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم)). فكما أن هؤلاء السابقين لا ينفعهم إلا عملهم، كذلك أنتم لا ينفعكم إلا أعمالكم. وبعد أن بين الله تعالى أن دين الله واحد على لسان النبيين جميعاً، وأن على العرب وأهل الكتاب اتباع الإسلام الذي هو امتداد لدعوة الأنبياء السابقين، وأن الخلاف في الجزئيات لا يغيِّر من جوهر الدين. بعد هذا ندد المولى سبحانه بتمسك أهل الكتاب بفوارق الدين الجزئية، فقال اليهود: كونوا مع اليهود في دينهم تهتدوا إلى الطريق السوي، وقال النصارى: كونوا مع النصارى تصلوا إلى الحق، وأتباع كل دين يدعون أن دينهم خير الأديان، فأجابهم الله بقوله: تعالوا إلى ملة إبراهيم الذي تدعون أنكم على دينه، فهي الملة التي لا انحراف فيها ولا اعوجاج، ولم يكن إبراهيم ممن يشرك بالله سواه من وثن أو صنم، وفي هذا تعريض بشركهم حين قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. ثم أمر الله المؤمنين بأن يقولوا: آمنا بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين مع الخضوع والطاعة لرب العالمين، فهو مصدر الأديان كلها، فلا نكذب أحداً من الأنبياء، بل نصدقه جملة واحدة، ونؤمن بجوهر الدين وأصله الذي لا خلاف فيه، ونشهد أن جميع الأنبياء رسل الله بعثوا بالحق والهدى، فلا نفعل فعل اليهود الذين تبرؤوا من عيسى ومحمد عليهما السلام، ولا نفعل فعل النصارى الذين تبرؤوا من محمد رَ له، ونحن خاضعون لله، مطيعون له، مذعنون له بالعبودية، وذلك هو الإيمان الصحيح، أما أنتم فتتبعون أهواءكم، .. ٣٥٢ لُ (١) - البَقَة: ١٣٣/٢ -١٣٧ فالمؤمن حقيقة: هو من يؤمن بكل الكتب والأنبياء، ولا يفرق بين أحد من الرسل، ويؤمن بكل ما جاء به الكتاب الإلهي، فلا يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر. روى البخاري عن أبي هريرة أن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة بالعبرية، ويفسرونها للمسلمين بالعربية، فقال النبي وَل: ((لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله .. )) الآية(١). وروى ابن أبي حاتم عن معقل مرفوعاً إلى النبي وَله: ((آمنوا بالتوراة والإنجيل، ولْيَسَعْكم القرآن)». فإن آمن أهل الكتاب الإيمان الصحيح بالله كما آمنتم، فأقروا بوحدانية الله، وصدقوا بما أنزل على النبيين والمرسلين، فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه يا محمد من الرجوع إلى أصل الدين، وفرقوا بين رسل الله، فصدقوا ببعض، وكفروا ببعض، فإن موقفهم موقف الشقاق (الخلاف) والنزاع والعداوة، وإذا كان هذا موقفهم فسيكفيكم الله شرهم وأذاهم ومكرهم. وسيبدد شملهم، وينصركم عليهم. وقد تحقق ذلك بقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير إلى الشام، وفرض الجزية على نصارى نجران، والله هو السميع لما يقولون ولكل قول، العليم بما يسرون من الحقد والحسد والبغضاء، وبكل فعل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ﴾ الآية على أن دين الله واحد في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، فهو دين التوحيد الخالص لله، والإذعان لجميع الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ (١) تفسير القرطبي ١٤٠/٢ ٣٥٣ اِلُ (١) - البَقَة: ١٣٣/٢-١٣٧ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣/٤٢]. ولقد حث القرآن على اتباع الدين الواحد الذي يقوم على أمرين: الأول - التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بمختلف الأنواع. الثاني - الاستسلام لله والخضوع له في جميع الأعمال. فمن لم يتصف بالأمرين معاً فليس بمسلم، ولا على نهج الدين القيم الذي دعا إليه الأنبياء، ومنهم النبي أقلّ. فدين إبراهيم الحنيف هو الدين الذي دعا إليه محمد وَآله وأتباعه، وكان إبراهيم حنيفاً، أي مائلاً عن الأديان المكروهة إلى الدين الحق. وكل ما يغاير هذا الأصل، فيدعو إلى الإشراك ومخالفة ملة إبراهيم، بجعل عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، فهو من المشركين وكل المعبودات من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والأحجار. ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد، كما دلت آية ﴿وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤/٢]. وآية ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] أي لا تحمل ثقل ذنب أخرى. قال الجصاص عن آية ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َّا كَسَبْتُمْ ﴾: يدل على ثلاثة معانٍ: وَلَا تُتْشَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أحدها - أن الأبناء لا یثابون على طاعة الآباء ولا يعذبون على ذنوبهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين بذنوب الآباء، ويبطل مذهب من يزعم من اليهود أن الله تعالى يغفر لهم ذنوبهم بصلاح آبائهم. وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك من الآيات، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا ٣٥٤ اِلُرُ (١) - الْبَقَة: ١٣٣/٢-١٣٧ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ [الأنعام: ١٦٤/٦] وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤/٢٤]، وقد بين ذلك النبي ◌َّل حين قال لأبي رمثة، ورآه مع ابنه: أهو ابنك؟ قال: نعم، قال: ((أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه)) وقال عليه السلام: ((يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، فأقول: لا أغني عنكم من الله شيئاً)) قال عليه السلام: ((من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه)) (١). أما الأسباط: فهم ولد يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولداً، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس، واحدهم سِبْط، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل. وشُموا الأسباط من السَّبْط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحاً وشعيباً وهوداً وصالحاً ولوطاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمداً وَ له. ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب. وأرشدت الآية ﴿فَسَبَكْفِكَهُمُ اللّهُ﴾ إلى أن الله ناصر عبده ورسوله محمداً على أعدائه، وكان هذا وعداً من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولّين، بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة، وإجلاء بني النضير. قال الجصاص: هذا إخبار بكفاية الله تعالى لنبيه - أمر أعدائه، فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم، فوجد مخبره على ما أخبر به، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ [المائدة: ٦٧/٥] (٢). والمؤمن هو الذي يثق بوعد الله وبتأييده، ويخشى الله ويتقيه، لأنه المهيمن (١) أحكام القرآن للجصاص ٨٤/١ (٢) المرجع والمكان السابق. ٣٥٥ الُعُ (١) - الْبَقَرة: ١٣٨/٢-١٤١ على كل شيء في هذا الوجود، وهو السميع لقول كل قائل، العليم بما يُنفذه في عباده ویجریه عليهم. صبغة الإيمان وأثره في النفوس والعبودية لله تعالى ﴿َ قُلْ (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَيِدُونَ أَتُحَجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ ◌ُخْلِصُونَ ﴿َ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إَِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْطَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ ◌َهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُوٌّ وَلَا تُشْشَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٤١ القراءات: ﴿أَمْ نَقُولُونَ﴾: قرئ: ١- بالتاء، هي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص. ٢- بالياء، وهي قراءة الباقين. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ نقل ورش حركة الهمزة إلى النون قبلها. الإعراب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دين الله، مصدر مؤكد لـ ﴿ءَامَنَّا﴾، وهو إما منصوب بفعل مقدر، تقديره: اتبعوا صبغة الله، أو منصوب على الإغراء، أي عليكم صبغة الله، أو منصوب بدلاً من قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِنَّهِمَ﴾. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ أي ديناً، و﴿صِبْغَةٌ﴾ منصوب على التمييز، كقولك: زيد أحسن القوم وجهاً. ٣٥٦ الُرُ (١) - البَقَرَة: ١٣٨/٢-١٤١ والجمل الثلاث وهي ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أحوال. البلاغة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ سمي الدين صبغة بطريق الاستعارة، حيث تظهر سمته على المؤمن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. ﴿ أَتُحَآُونَنَا فِ اَللَّهِ﴾ استفهام إنكاري بقصد التوبيخ والتقريع. المفردات اللغوية: (صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الصبغة في اللغة: اسم لهيئة صبغ الثوب، وجعله بلون خاص، فهي الحالة التي عليها الصبغ، والمراد بها هنا الإيمان أو دين الله الذي فطر الناس عليه، لظهور أثره على صاحبه، كالصبغ في الثوب، والإيمان أو الدين مطهر المؤمنين من أدران الشرك، وهو حلية تزينهم بآثاره الجميلة، وهو متداخل ومنتشر في قلوب المؤمنين، كما يتداخل الصبغ، وبه يتبين أن الإيمان يشبه الصبغة في التطهير والحلية والتداخل. ﴿ أَتُحَاجُونَنَا﴾ أتجادلوننا وتخاصموننا ﴿فِى اُللَّهِ﴾ أَنِ اصطفى نبياً من العرب. ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ فله أن يصطفي من عباده من يشاء ﴿وَلَنَآ أَعْمَلُنَا﴾ نجازي بها ﴿وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ تجازون بها ﴿مُخْلِصُونَ﴾ الدين والعمل، لا نبغي بأعمالنا غير وجه الله، فنحن أولى بالاصطفاء. سبب نزول الآية (١٣٨) قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك، ويقولون: ٣٥٧ اِلُ (١) - البَوَة: ١٣٨/٢-١٤١ هذا طهور، مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك، صار نصرانياً حقاً، فأنزل الله هذه الآية (١). التفسير والبيان: علَّم الله المؤمنين وأمرهم في الآية السابقة (١٣٦) أن يقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، لا نفرِّق بين أحد من رسله وكتبه، وأمرهم أيضاً في هذه الآية أن يقولوا: صبغنا الله وفطرنا على الاستعداد للحقّ والإيمان بما جاء به الأنبياء، وهل هناك صبغة أحسن من صبغة الله الحكيم الخبير، ومن صبغة الإسلام؟؟ فالله هو الذي يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أدران الشرك، فلا نتبع صبغة أحد من الزعماء والأحبار، فهي صبغة بشرية مزيفة تفرق الدين الواحد، وتمزق الأمة أحزاباً متنافرة. ونحن لله الذي أنعم علينا بالنعم الجليلة التي منها نعمة الإسلام والهداية عابدون لا نعبد سواه، ومخلصون وقانتون، فلا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً يزيدون في الدين وينقصون، ويحلِّلون ويحرِّمون، ويمسحون من النّفوس صبغة التوحيد، ويضعون فيها صبغة الشرك بالله. ثم أمر الله نبيّه بأن يقول لأهل الكتاب: أتجادلوننا في دين الله، وتدّعون أن الدين الحقّ هو اليهودية والنصرانية، وتتأملون بهما دخول الجنة، وتقولون أحياناً: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١/٢]، وأحياناً تقولون: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾ [البقرة: ١٣٥/٢]. ومن أين لكم هذه الدّعاوى وادّعاء الهداية والقرب من الله دوننا، والله ربنا وربكم وربّ العالمين، لا فرق بيننا وبينكم في العبودية لله، فهو خالقنا (١) تفسير الكشاف للزمخشري ٢٤١/١، أسباب النزول للواحدي: ص٢٢، تفسير القرطبي ٢/ ١٤٤. ٣٥٨ الُعُ (١) - البقرة: ١٣٨/٢-١٤١ وخالقكم، ومالك أمرنا وأمركم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم الحسنة والسيئة، والله يجازي كل إنسان بعمله، فلا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، أما أنتم فقد اعتمدتم على أسلافكم الصالحين، وزعمتم أنهم شفعاء لكم، وأما نحن فنعتمد على إيماننا وعملنا، ونحن الله مخلصون في تلك الأعمال، لا تقصد بها إلا وجهه، فكيف تدّعون أن لكم الجنة والهداية دون غیر کم؟! وكيف تقولون: إن اختصاصكم بالقرب من الله دوننا هو من الله، أو تقولون: إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها هو لأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط الأنبياء كانوا يهوداً، أو كانوا نصاری، فأنتم مقتدون بهم؟ وهذا ادعاء كاذب، فإن هذين الاسمين إنما حدثا فيما بعد، فما حدث اسم اليهودية إلا بعد موسى، وما حدث اسم النصرانية إلاّ بعد عيسى؟ والمراد إنكار ادّعاء الطرفين وتوبيخهم على كلا الأمرين، وهل أنتم تعلمون بالمرضي عند الله، أم أن الله أعلم بما يرضيه وما يتقبله؟ لاشك أن الله هو العليم بذلك دونكم، وقد ارتضى للناس ملة إبراهيم، وأنتم تعترفون بذلك، وكتبكم تصدقه قبل أن تجيء اليهودية والنصرانية، فلماذا لا ترضون هذه الملّة؟ ولا أحد أشدّ ظلماً ممن يكتم شهادة ثابتة عنده من الله، وهي شهادته تعالى لإبراهيم ويعقوب بالحنيفية المسلمة، والبراءة من اليهودية والنصرانية، وشهادته تعالى المثبتة في كتاب الله التي تبشر بأن الله يبعث في الناس نبيّاً من بني إخوتهم، وهم العرب أبناء إسماعيل. قال الزمخشري: ويحتمل معنيين: ٣٥٩ الجُزءُ (١) - الْبَغَة: ١٣٨/٢-١٤١ ٣٠ أحدهما - أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني - أنّا لو كتمنا هذه الشهادة، لم يكن أحد أظلم منّا، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد ◌َ ة بالنّبوة في كتبهم، وسائر شهاداته(١). وليس الله غافلاً عن أعمالكم، فهو محصيها ومجازيكم عليها، وفي ذلك وعيد وتهديد، عقب التقريع والتوبيخ. تلك جماعة الأنبياء لها ما كسبت من الأعمال الحسنة، ولكم ما كسبتم من العمل الحسن، ولا يسأل أحد عن عمل غيره، بل يسأل عن عمل نفسه، فلا يضره ولا ينفعه سواه، فأنتم لا تسألون عن أعمال السابقين، وهم لا يسألون عن أعمالنا، تلك قاعدة الأديان التي أقرتها العقول، وهي المسؤولية الشخصية أو الفردية، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ ﴾ [النجم: ٣٨/٥٣-٣٩]. كرّر الحقّ سبحانه هذه القاعدة ٣٩ لِلإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى وهذه الآية بمناسبات متعددة، فقد ذكرت في الآية السابقة (١٣٤) للمبالغة عما يفتخرون به من أعمال الآباء، والاتكال على الماضي، وهذا شأن الخامل الضعيف الذي ينظر إلى الماضي، ويتكاسل عن المستقبل. وكرر الله أيضاً قوله في مواطن كثيرة: ﴿وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لتأكيد الجزاء والحساب ورصد الأعمال، وذلك هو العدل المطلق بين الخلائق، قال أبو حيان: ولا تأتي الجملة إلاّ عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيداً، ومعلمة أن الله لا يترك أمرهم سدی(٢). (١) الكشاف: ٢٤٢/١ (٢) البحر المحيط: ٤١٦/١، ط الرياض. ٣٦٠ لُ (١) - البَفَرَة: ١٣٨/٢-١٤١ فقه الحياة أو الأحكام: نبذ الإسلام كلّ الصّور والهياكل والطقوس الفارغة كالمعمودية عند النصارى ونحوها، وأعلن بكل صراحة أن المعول عليه هو ما فطر عليه النفوس من الإقرار بوحدانية الله، وإخلاص العمل لله، وحبّ الخير والاعتدال في الأمور، كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِبِثُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠/٣٠]. وإن روح الدِّين التوحيد، وأساسه الإخلاص، وهذا ما دعا إليه جميع الأنبياء، وجدد الدعوة إليه محمد وَ الر، فدعوته أو شريعته مكملة لدعوة وشريعة إخوانه النبيين والمرسلين. أما الدعاوى الرخيصة، والأكاذيب المفتراة، والأماني التي لا تعتمد على برهان، مما صدر من اليهود والنصارى، فكل ذلك باطل بالحجج الثلاث التي دحض بها القرآن كل ما ذكر وهي قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩/٢]، وقوله: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ﴾ [البقرة: ١٤٠/٢]، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠/٢]. ولا تكون النجاة بالاعتماد على أعمال الآخرين من الأسلاف وغيرهم، ولا على شفاعة الصالحين دون انتفاع بهديهم وسنتهم، وإنما السعادة والنجاة بالعمل الصالح. وأساس الصلاح إخلاص العبادة لله، وحقيقة الإخلاص: تصفية الفعل عن مراءاة المخلوقين. وقد أكّدت هذه الآيات أمرين عظيمين جداً هما : الأوّل- أن المسؤولية الشخصية أساس الحساب، ومناط الجزاء والعقاب،