Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ تفسير سورة الليل أعتق بلالاً قالت قريش كان لبلال عنده يد متقدّمة فنفى الله قولهم ﴿إِلاَّ أَبْتِغَاءَ وَجْهَ رَبِّهِ﴾ استثناء منقطع ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ وعد بأن يرضيه الله في الآخرة. ١ سورة الضحى مكتّة وآياتها ١١ نزلت بعد الفجر ◌ِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَـ أَوَلَّلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ◌ْمَ وَلَسَوْفَ ٣ أَمَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٢ وَالضُّحَى جَ وَالَتْلِ إِذَا سَجَى ◌ْ وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى! يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ® أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى أَوَوَجَدَكَ عَآيِلًا ٧ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالضُّحَى﴾ ذكر في الشمس وضحاها ﴿وَاللَّيِلِ إِذَا سَجَى﴾ فيه أربعة أقوال: إذا أقبل وإذا أدبر وإذا أظلم وإذا سكن أي استقرّ واستوى أو سكن فيه الناس والأصوات ومنه ليلة ساجية إذا كانت ساكنة الريح وطرف ساج أي ساكن غير مضطرب النظر وهذا أقرب في الاشتقاق وهو اختيار ابن عطية ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ بتشديد الدال من الوداع وقرىء بتخفيفها بمعنى ما تركك والوداع مبالغة في الترك ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي ما أبغضك وحذف ضمير المفعول من قلى وآوى وهدى وأغنى اختصارًا لظهور المعنى ولموافقة رؤوس الآي وسبب الآية أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أبطأ عليه الوحي، فقالت قريش. إن محمّدًا ودعه ربّه وقلاه فنزلت الآية تكذيبًا لهم وقيل رُمي عليه الصلاة والسلام بحجر في أصبعه فدمیت فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم فقالت له امرأة ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه فنزلت الآية: ﴿وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأَوْلَى﴾ أي الدار الآخرة خير لك من الدنيا ٥٨٣ تفسير سورة الضحى ١١ ◌َ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ٩ فَأَغْفَ أَ فَمَّا الْقِيَمَ فَلَا نَفْهَرْ !! ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة حاله بعد نزول هذه السورة، ويريد بالأولى حاله قبل نزولها، وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ رُوِيَ أن النبي وَ﴿ قال لمّا نزلت: ((إذًا لاَ أرضى أن يبقى واحد من أُمّتي في النَّار)) قال بعضهم هذه أرجى آية في القرآن، وقال ابن عباس رضاه أن الله وعده بألف قصر في الجثّة بما يحتاج إليه من النّعَم والخدم وقيل رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره والصحيح أنه وعد يعمّ كل ما أعطاه الله في الآخرة وكلّ ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك ﴿َلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ عدّد الله نِعَمه عليه فيما مضى من عمره ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه ويقوى رجاءه ووجد في هذه المواضع تتعدّى إلى مفعولين وهي بمعنى علم فالمعنى ألم تكن يتيمًا فآواك وذلك أن والده عليه السلام توفّ وتركه في بطن أُمه ثم ماتت أُمه وهو ابن خمسة أعوام، وقيل ثمانية فكفله جدّه عبد المطّلب ثم مات وتركه ابن اثني عشر عامًا فكفله عمّه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق لِمَ نشأ النبي نَّهِ يتيمًا؟ فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ فيه ستّة أقوال: أحدها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة فهداك إليها فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله فهو كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَذْرِي مَا الْكِتَاب ولاَ الإِيمَان﴾ [الشورى: ٥٢] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصومًا من ذلك قبل النبوّة وبعدها. والثاني وجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم وإن لم تكن تعبد ما يعبدون وهذا قريب من الأول. والثالث وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة. الرابع وجدك خامل الذكر لا تعرف فهدى الناس إليك وهداهم بك وهذا بعيد عن المعنى المقصود. الخامس أنه من الضلال عن الطريق وذلك أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ضلّ في بعض شعب مكة وهو صغير فردّه الله إلى جدّه، وقيل بل ضلّ من مُرضِعته حليمة فردّه الله إليها، وقيل بل ضلّ في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب. السادس أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك مُحِبًّا لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ إِنّك لَفِي ضَلَاَلِكَ القَدِيم﴾ [يوسف: ٩٥] أي محبتك ليوسف وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاَ فَأَغْنَى﴾ العائل الفقير يقال عال الرجل فهو عائل إذا كان محتاجًا وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا الفقر والغنى هو في ٥٨٤ تفسير سورة الضحى المال وغناؤه صلّى الله عليه وآله وسلم هو أن أعطاه الله الكفاف، وقيل هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل المعنى وجدك فقيرًا إليه فأغناك به ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾ أي لا تغلبه على ماله وحقّه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي يعمّ جميعها ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ النهر هو الانتهار والزجر والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: ﴿فَقُلْ لَّهُم قَوْلاً مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]، ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال وهذا هو الأظهر، والسائل عن العلم والدين وقي قوله تقهر وتشهر لزوم ما لا يلزم من التزام الهاء قبل الراء ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثُ﴾ قيل معناه بثّ القرآن وبلغ الرسالة والصحيح أنه عموم في جميع النِّعَم قال رسول اللهِ ﴾: «التحدّثَ بِالْنِعُتَم شكر)) ولذلك كان بعض السلف يقول لقد أعطاني الله كذا ولقد صلّيت البارحة كذا وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوزُ، وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم ثم ذكر في مقابلتها ثلاثا وصايا فقابل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ بقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾، وقابل قوله: ﴿وَوجدَكَ ضَالاً﴾ بقوله . ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾، على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله: ﴿وَأَمَّا بِشِعْمَّةٍ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ على القول الآخر، وقابل قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً: فَأَعْثَرُ﴾ بقوله: ﴿وَأَمَا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَر﴾ على القول الأظهر، وقابله بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ على الْقُولُ الآخر. ٠٠ ٠ ٠ ٠٠ ٠٠ L ٠٠٠ قي: باجي سورة ألم نشرح مکیة وآیاتها ٨ نزلت بعد الضحى بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّ ) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٥) فَإِنَّ مَعَ ٣ أَمْ نَشْرَعْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ قَ الَّذِى أَنْقَضَ ظَهْرَكَ اٌلْعُسْرِ بُشْرًّا ﴿ إِنَّ مَعَ الْمُسْرِ يُسْرًّا ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ [®) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ٨ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿آڵمْ نَشْرَح لَكَ صَدرَدَ﴾ هذا لصدره توقیف معناه إثبات شرح صدره پژ وتعدید ما ذكر بعده من النّعَم وشرح صدره وَّه هو اتساعه لتحصيل العلم وتنويره بالحكمة والمعرفة، وقيل هو شقّ جبريل لصدره في صغره أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول قول الجمهور أن الوزر الذنوب ووضعها هو غفرانها فهو كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخْرِ﴾ [الفتح: ٢]، وهذا على قول مَن جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوّة، الثاني أن الوزر هو أثقال النبوّة وتكاليفها ووضعها على هذا هو إعانته عليها وتمهيد عذره بعدما بلغ الرسالة، الثالث أن الوزر هو تحيّره قبل النبوّة إذ كان يرى أن قومه على ضلال ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدّته عليه قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل ٥٨٦ تفسير سورة ألم نشرح وهي صغائر مغفورة لهم لهمّهم بها وتحسّرهم عليها فهي ثقيلة عندهم لشدّة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله وهذا كما جاء في الأثر إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه. واشتقاق أنقض ظهرك من فقض البُنيان وغيره أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي نوّهنا باسمك وجَعَلَاة شهيرًا في المشارق والمغارب وقيل معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبه، والتشهد وفي مواضع من القرآن، وقد رُوِيّ في هذا حديث أن الله قال له: إذا ذكرت ذكرت معي فإن قيل لِمَ قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟ فالجواب أن قوله لك يدلّ على الاعتناء به والاهتمام بأمره ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا وعد لمِا يسّر بعد العُسرِ وإنما ذكره يلفظ مع التي تقتضي المقاربة ليدلّ على قرب اليُسر من العسر فإن قيل ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟ فالجواب أنه وي﴿ كان بمكة هو وأصحابه في عُسْر من إذاية الكفّار ومن ضيق الحال ووعده الله باليُسْر وقد تقدّم تعديد النِّعَم تسليةً وتأنيسًا لِتطييب نفسه ويقوى رجاؤه كأنه يقول إن الذي أنهم عليك بهذه النِّعَم سينصرك ويُظهِرك ويبدّل لك هذا العُسْرِ بُيُسر قريب ولذلك كرّر إِن مع. العسر يُسرًا مبالغة وقال وَلّ: ((لن يغلب عسر يسرين)) وقد رُوِيّ ذلك عن عمر وابن مسعود وتأويله أن العسر المذكور في هذه السورة واحد، لأن الألف واللام للعهد كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل واليُسْر اثنان لتنكيره وقيل: إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ﴾ هو من النصب بمعنى التعب والمعنى إذا فرغت من أمر فاجتهد في آخر ثم اختلف في تعيين الأمرين فقيل إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل وقيل إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء وقيل إذا فرغت من شغبل دنياك فانصب في عبادة ربك ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبْ﴾ قَدّم الجار والمجرور ليدلّ على الحصر أي لا ترغب إلاّ إلى ربّك وحده. 2 عن هيبة بالقايه بارية :الاخالبنا ٥ سورة التين مكيّة وآياتها ٨ نزلت بعد البروج بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَـ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( ثُمَّ ٤ ٢ جْ وَطُورِ سِينِينَ وَآلِئِينِ وَاَلْزَيْتُونِ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُّ غَيْرُ جَمِنُونٍ ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿والتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فيها قولان: الأول أنه التين الذي يؤكل والزيتون الذي يُعصَر أقسم الله بهما لفضيلتهما على سائر الثمار رُوِيّ أن رسول الله وَر أكل مع أصحابه تينًا فقال: ((لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس))، وقال ◌َله: ((نِعمَ السّواك الزيتون فإنه من الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي)). القول الثاني أنهما موضعان ثم اختلف فيهما فقيل هما جبلان بالشام أحدهما بدمشق ينبت فيه التين والآخر بإيلياء ينبت فيه الزيتون فكأنه قال ومنابت التين والزيتون، وقيل التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقيل التين مسجد نوح والزيتون مسجد إبراهيم والأظهر أنهما الموضعان من الشام وهما اللذان كان فيهما مولد عيسى ومسكنه وذلك أن الله ذكر بعد هذا الطور الذي كلّم عليه موسى والبلد الذي بعث منه محمد * فتكون الآية نظير ما في التوراة أن الله تعالى جاء من طور ٥٨٨ تفسير سورة التين أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَّمِ الْحَكِمِينَ بِالدِّينِ سيناء وطلع من ساعد وهو موضع عيسى وظهر من جبال باران وهي مكة وأقسم الله بهذه المواضع التي ذكر في التوراة لشرفها بالأنبياء المذكورين ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى وهو بالشام وأضافه الله إلى سينين ومعنى سينين مبارك فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقيل معناه ذو الشجر واحدها سيئة قاله الأخفش وقال الزمخشري ويجوز أن يعرب إعراب الجمع المذكر بالواو والياء وأن يلزم الياء وتحريك النون بحركات الإعراب ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ هو مكة باتفاق والأمين من الأمانة أو من الأمن لقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ فيه قولان: أحدهما أن أحسن التقويم هو حُسْن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة وأسفل سافلين الضعف والهرم والخرف فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَن نعمّره نُنَكّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفًا وشَيبةٍ﴾ [الروم: ٥٤] وقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد هذا غير متصل بما قبله والاستثناء على هذا القول منقطع بمعنى لكن لأنه خارج عن معنى الكلام الأول. والآخر أن حُسْن التقويم الفطرة على الإيمان وأسفل سافلين الكفر أو تشويه الصورة في النار والاستثناء على هذا متصل لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يردّوا أسفل سافلين ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد ذكر ﴿فَمَا يُكَذِّبِكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه خطاب للنبي وَل# والدين شريعته والمعنى أيّ شيء يكذبك بالدين بعد هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوّتك والآخر أنه خطاب للإنسان الكافر والدين على هذا الشريعة أو الجزاء الأخروي ومعنى يكذبك على هذا يجعلك كاذبًا لأن مَن أنكر الحق فهو كاذب والمعنى أيّ شيء يجعلك كاذبًا بسبب كفرك بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن تقويم ثم ردك أسفل سافلين ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا فلأي شيء تكذاب بالبعث والجزاء ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَخْكَم الْحَاكِمِينَ﴾ تقرير ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بمنا. يستحقون وكان رسول الله ﴿ إذا قرأها قال: ((بلى وأنا على ذلك من الشاهدين)). من) .. لهـية سورة العلق مكتّة وآياتها ١٩ وهي أول ما نزل من القرآن بِسْمِ اللهِ الرَّحْيِ الرَّحَـ ) أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿َ الَّذِىِ عَلَّمَ بِالْقَلِمِ (أ) عَلَّمَ ٢ خَلَقَ أُلْإِنِسَنَ مِنْ عَلَقٍ ١ أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ◌َ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىَّ ◌ِهَ أَرَوَيْتَ الَّذِى ٧ ◌ْأَ أَن رَّوَاهُ أَسْتَغْنَ حَ كَلَّ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَطْفَىٌّ اُلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعَمَ بِسْم اللّهِ الرَّحمن الرّحيم نزل صدرها بغار حراء، وهو أول ما نزل من القرآن حسبما ورد عن عائشة في الحديث الذي ذكرناه في أول الكتاب ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن معناه اقرأ القرآن مفتتحًا باسم ربك أو متبرّكًا باسم ربك وموضع باسم ربك نصب على الحال ولذا كان تقديره مفتتحًا فيحتمل أن يريد ابتداء القراءة بقول بسم الله الرحمن الرحيم أو يريد الابتداء باسم الله مطلقًا والوجه الثاني أن معناه اقرأ هذا اللفظ وهو باسم ربك الذي خلق فيكون باسم ربّك مفعولاً وهو المقروء ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ حذف المفعول لقصد العموم كأنه قال الذي خلق كل شيء ثم خصّص خلقة الإنسان لما فيه من العجائب والعِبَر ويحتمل أنه أراد الذي خلق الإنسان كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ثم فسّره بقوله: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ والعلق جمع علقة، وهي النطفة من الدم والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم، ولذلك جمع العلق لما أراد الجماعة بخلاف قوله: ﴿فإنَّا خَلَقْنَاكُم من ٥٩٠ تفسير سورة العلق ينهى عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١) أَرَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ ◌ِ(١) أَوْ أَمَرَ بِالنَّقْوَىَ (١) أَرَهَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّ ٠٠٠٪ .. .. تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمّ ◌ِنَّ عَلَقة﴾ [الحج: ٥] لأنه أراد كل واحد غلى حدته ولم يدخل آدم في الإنسان هنا لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ كرّر الأمر بالقراءة تأكيدًا والواو للحال والمقصود تأنيق النبي ولير كأنه يقول افعل ما أمرت به فإن ربك كريم وصيغة أفعل للمبالغة ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم﴾ هذا تفسِير للأكرم فدلّ على أن نعمة التعليم أكبر نعمة، وخصّ من التعليمات الكتابة بالقلم لما فيها من تخليد العلوم ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير علّم الخط بالقلم ﴿عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ يحتمل أن يريد بهذا التعليم الكتابة لأن الإنسان لم يكن يعلمها في أول أمره أو يريد التعليم لكل شيء على الإطلاق، وقيل إن الإنسان هنا سيدنا محمد ري والأظهر أنه جنس الإنسان على العموم ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ نزل هذا وما بعده إلى آخر السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يطغى بكثرة ماله ويبالغ في عداوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّمْ وكلاً هنا يحتمل أن تكون زجرًا لأبي جهل أو بمعنى حقًّا أُو استفتاحًا ﴿أَنْ زَةُ أَسْتَغْتَى﴾ في موضع المفعول من أجله أي يطغى من أجل غناه والرؤية هنا بمعنى العام بدليل إعمال الفعل في الضمير ولا يكون ذلك إلاّ في أفعال القلوب والمعنى رأى نفسه استغنى، واستغنى هو المفعول الثاني ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ هذا تهديد لأبي جهل وأمثاله ﴿أَرَ أَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدَا إِذَا صَلَّى﴾ اتفق السفسرون أن العبد الذي صلّى هو سيّدنا محمد وَل﴿ وأن الذي نهاه أبو جهل لعنه الله وسبب الآية أن أبا جهل جاء إلى النبي وَالر وهو يصلّي في المسجد الحرام فهمّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة ورُوِيَ أنه قال لئن رأيته يصلّي لأطأنّ عنقه فجاءه وهو يصلّي ثم انصرف عنهُ مرعوباً فقيل له ما هذا فقال لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فقال رسول الله : «لولاتا متي لاختطفتَه الملائكة عضوًا عضوًا)) ﴿أَرَأَنْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ أَرْآَيتُ في الموضع الذي قبله والذي بعده بمعنى أخبرني فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها مغلى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي وَلهم أو الكتل مخاطب من غير تُغيين وهي تتعدّى إلى مفعولين وجاءت بعدها إن الشرطية في موضعين وهما قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، وقوله: ﴿إِن كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ فيحتاج إلى الكلام في مفعوفي أرأيت في المواضع الثلاثة وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال وهي إن كان عالى الهدی وأمر بالتقوى وكذب وتولى على من تعود هذه الضمائر فقال الزمخشري إن قوله الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع : ٥٩١ تفسير سورة العلق سَنَدْعَ ◌َفَلَدْعُ نَادِيَهُ (١٦ أَنَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةِ ١٥ كَّ لَيِنْ لَّرْ بَنْتَِّ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ ١٤ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى الزّبَانِيَةَ (٨) كَلَا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ الأَلـ المفعول الثاني وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهي زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله ألم يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله إن كذب وتولّى فهو في المعنى جواب للشرطين معًا وأن الضمير في قوله إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي نهى عن الصلاة وهو أبو جهل وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقدير الكلام على هذا أخبرني عن الذي ينهى عبدًا إِذا صلّى إن كان هذا الناهي على الهدى أو كذب وتولّى ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك فمقصود الآية تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه، وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال إن الضمير في قوله إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلّى وأن الضمير في قوله إن كذب وتولّى للذي نهى عن الصلاة وخالفه أيضًا في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال إنها في المواضع الثلاثة توقيف وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله ألم يعلم بأن الله یری فإنه يصلح مع كل واحد منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اختصارًا وخالفهما أيضًا الغزنوي في الجواب فقال إن جواب قوله إن كان على الهدى محذوف فقال إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتّباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلّى وفاقًا لابن عطية ﴿لَئِن لَّمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أوعد أبا جهل إن لم ينته عن كفره وطغيانه أن يؤخذ بناصيته فيلقى في النار، والناصية مقدّم الرأس فهو كقوله: ﴿فَيُؤْخَذْ بِالنَّواصِي والأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] والسفع هنا الجذب والقبض على الشيء وقيل هو الإحراق من قولك سفعته النار وأكد لنسفعًا باللام والنون الخفيفة وكتبت في المصحف بالألف مراعاة للوقف ويظهر لي أن هذا الوعيد نفذ عليه يوم بدر حين قتل وأخذ بناصيته فجرّ إلى القليب ﴿نَاصِيَّةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أبدل ناصية من الناصية ووصفها بالكذب والخطيئة تجوّزًا والكاذب الخاطىء في الحقيقة صاحبها والخاطىء الذي يفعل الذنب متعمّدًا والمخطىء الذي يفعله بغير قصد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ النادي والنديّ المجلس الذي يجتمع فيه الناس وكان أبو جهل قد قال أيتوعدني محمد فوالله ما بالوادي أعظم ناديًا منّي فنزلت الآية تهديدًا وتعجيزًا له، والمعنى فليدع أهل ناديه لنصرته إن قدروا على ذلك ثم أوعده بأن يدعو له زبانية جهنم وهم الملائكة الموكلون بالعذاب والزبانية في اللغة الشرط واحدهم زبنية وقيل زبني وفي. الحديث أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانًا)) ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ أي ٥٩٢ : تفسير سورة العلق تقرّب إلى الله بالسجود كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وَسُلّم أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فاجتهدوا في الدعاء وهذا موضع سجدة عند الشافعي، وليسنت عند مالك من عزائم السجود. بـ 1 .. يقتل ثانية ٠ ٠٫٠٠ ١ ,ينعماً: سورة القدر مکية وآباتها ٥ نزلت بعد عبس بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَـ أَنَفَزَّلُ ٣ إِنَّا أَنزَ لْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ جَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمٍْ (٤)سَلَمُ هِىَ حَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ ٥ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم اختلف الناس في ليلة القدر على ستة عشر قولاً وهي أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين فهذه خمسة أقوال في ليالي الأوتار من العشر الأواخر من رمضان على قول مَن ابتدأ عدّتها من أول العشر وقد ابتدأ بعضهم عدّتها من آخر الشهر فجعل ليالي الأوتار ليلة ثلاثين لأنها الأولى وليلة ثمانٍ وعشرين لأنها الثانية وليلة ستة وعشرين لأنها الخامسة وليلة أربع وعشرين لأنها السابعة وليلة اثنين وعشرين لأنها التاسعة فهذه خمسة أقوال أُخَر فتلك عشرة أقوال والقول الحادي عشر أنها تدور في العشر الأواخر ولا تثبت في ليلة واحدة منه. الثاني عشر أنها مخفيّة في رمضان كله وهذا ضعيف لقوله ﴿ التمسوها في العشر الأواخر. الثالث عشر أنها مخفيّة في العام كله. الرابع عشر أنها ليلة النصف من شعبان وهذان القولان باطلان لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال: ﴿شَهْرِ رَمَضَان الذي ٥٩٤ تفسير سورة القدر أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: ١٨٥] فدل ذلك على أن ليلة القدر في رمضان. القول الخامس عشر أنها رفعت بعد النبي * وهذا ضعيف. القول السادس عشر أنها ليلة سبعة عشر من رمضان لأن وقعة بدر كانت صبيحة هذه الليلة: وأرجح الأقوال أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان أو ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة سبع وعشرين فقد جاءت في هذه الليالي الثلاث أحاديث صحيحة خرّجها مسلم وغيره والأشهر أنها ليلة سبع وعشرين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الضمير في أنزلناه للقرآن دلّ على ذلك سياق الكلام وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر دلالة على شُهرته والاستغناء عن تسميته، والثاني أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات والثالث أن الله أسند إنزاله إلى نفسه وفي كيفية إنزاله في ليلة القدر قولان أحدهما أنه ابتدأ إنزاله فيها والآخر أنه أنزل القرآن فيها جملة واحدة إلى السماء ثم نزل به جبريل إلى الأرض بطول عشرين سنة وقيل المعنى أنزلناه في شأن ليلة القدر وذكرها وهذا ضعيف وسُمّيت ليلة القدر من تقدير الأمور فيها أو من القدر بسمعنى الشرفه ويترجح الأول بقوله فيها يفرق كل أمر حكيم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ هذا تعظيم لها قلل بعضهم كلّ ما قال فيه ما أدراك فقد علمه النبي ◌َ ﴿ وما قال فيه ما يدريك فإنه لا يعلمه ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ معناه أن مَن قَامُها كتب الله لهُ أَجْر العبادة في ألف شهر قال بعضهم يعني في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وفي الحديث الصحيح أن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه)) وسبب الآية أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم ذكر رجلاً ممّن تقدّم عبد الله ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك فأعطاهم الله ليلة القدر وجعلها خيرًا من العبادة في تلك المدة الطويلة ورِوُيَ أن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما عوثب حين بايع معاوية فقال إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم رأى في المثام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر فاهتمّ لذلك فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ملك بني أمية ألف شهر ثم كشف الغيب أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوك بني أُمّة بالمشرق ألف شهر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْدِ رَبِّهِم﴾ الروح هنا جبریلا علیه السلام وقيل - صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ تلك الليلة وتنزلهم هو إلى الأرض، وقيل إلى " السماء الدنيا وهو تعظيم لليلة القدر ورحمة للمؤمنين القائمين فيها ﴿مِّن كُلْ أَمْرٍ﴾ هذا متعلق بما قبله والمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر يقضي الله في ذلك العام فإنه رُوي أن الله یعلم الملائکة بکل ما یکون في ذلك العام من الآجال والأرزاقوغیر : : ٥٩٥ تفسير سورة القدر ذلك ليتمثلوا ذلك في العام كله، وقيل على هذا المعنى أن من بمعنى الباء أي ينزلون بكل أمر وهذا ضعيف وقيل إن المجرور يتعلق بعده والمعنى أنها سلام من كل أمر أي سلامة من الآفات قال مجاهد لا يصيب أحد فيها داء والأظهر أن الكلام تمّ عند قوله من كل أمر ثم ابتدأ قوله سلام هي واختلف في معنى سلام فقيل إنه من السلامة وقيل إنه من التحيّة لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها وكذلك اختلف في إعرابه فقيل سلام هي مبتدأ وخبر وهذا يصحّ سواء جعلناه متصلاً مع ما قبله أو منقطعًا عنه وقيل سلام خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرها سلام أو القول فيها سلام وهي مبتدأ خبره حتى مطلع الفجر أي هي دائمة إلى طلوع الفجر ويختلف الوقف باختلاف الإعراب وقال ابن عباس إن قوله هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرين من كلمات السورة. 1 سورة البينة .... مدنيّة وآياتها ٨ نزلت بعد الطلاق أَلَّهِ الرَينِ الرَّحـ بشـ لَّ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَّكِّيْنَ حَّ تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ ®َ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ صُفًا مُطَهَّرَةً جَ فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآَمَنْهُمُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ذكر الله الكفّار ثم قسمهم إلى صنفين أهل الكتاب والمشركين وذكر أن جميعهم لم يكونوا منفكّين حتى تأتيهم البيّنة وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول الله صلجير ومعنى منفكّين منفصلين ثم اختلف في هذا الانفصال على أربعة أقوال: أحدها أن المعنى لم يكونوا منفصلين عن كفرهم حتى تأتيهم البيّنة لتقوم عليهم الحجة. الثاني لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوّة سيّدنا محمد وَ ل# حتى بعثه الله. الثالث اختاره ابن عطيّة وهو لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته حتى يبعث الله إليهم رسولاً يقيم عليهم الحجة. الرابع وهو الأظهر عندي أن المعنى لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم سيّدنا محمدًاً وَلّ فقامت عليهم الحجة لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فلما بعثه الله لم يبقَ لهم عذر ولا حجّة فمنفكّين على هذا كقولك لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني سيدنا محمدًا وَله وإعرابه بدل من البيّنة أو خبر ابتداء مضمر ٥٩٧ تفسير سورة البينة الْبَيْنَةُ ﴿َ وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ ﴿يَثْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةَ﴾ يعني القرآن في صحفه ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيْمَةٌ﴾ أي قيّمة بالحق مستقيمة المعاني ووزن قيّمة فيعلة وفيه مبالغة قال ابن عطية هذا على حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب ولا يحتاج إلى هذا الحذف لأن الكتب بمعنى المكتوبات ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾ أي ما اختلفوا في نبوّة سيّدنا محمد بَّهَ إلاّ من بعد ما علموا أنه حق ويحتمل أن يريد تفرّقهم في دينهم كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] وإنما خصّ الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة لأنهم كانوا يعلمون صحّة نبوّة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ الآية: معناها: ما أُمروا في التوراة والإنجيل إلاّ بعبادة الله ولكنهم حرّفوا وبدّلوا ويحتمل أن يكون المعنى ما أُمِروا في القرآن إلاّ بعبادة الله فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ استدلّ المالكية بهذا على وجوب النيّة في الوضوء وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال وهذا الإخلاص في التوحيد هو الشرك الجليّ وهذا الإخلاص في الأعمال هو الشرك الخفيّ وهو الرياء قال رسول الله ◌َله: ((الرياء الشرك الأصغر))، وقال ◌َ له فيما يرويه عن ربّه إنه تعالى يقول: ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمَن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه»، واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع مأمورات ومَنهيّات ومُباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النيّة لوجه الله بحيث لا يشوبها بنيّة أُخرى فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول وإن كانت النيّة لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود وإن كانت النيّة مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال وأما المنهيّات فإن تركها دون نيّة خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنيّة وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر وأما المُبَاحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نيّة لم يكن له فيها أجْر وإن فعلها بنيّة وجه الله فله فيها أجر فإن كل مُباح يمكن أن يصير قُربة إذا قصد به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفّف عن الحرام ﴿حُنَفَاءَ﴾ جمع حنيف وقد ذكر ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ تقديره الملّة القيّمة أو الجماعة القيّمة وقد فسّرنا القيّمة ومعناه أن الذي أُمروا به من عبادة الله والإخلاص له ٩٨ تفسير منوازة البيعة ◌َجَزَاؤُهُمْ عِنْظُ ) إِتَ الَّذِينَ مَنُواْ وَعِلُواْ الصََّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَِّ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ قَبْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَتْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِى ٨ رَبَّهُ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأتي شيء لا يدخلون فيه ﴿البَرِيَّةِ﴾ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم وقرىء بالهمز وهو الأصل وبالياء وهو تخفيف من المهموز وهو أكثر استعمالاً عند العربَ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ اختلفت هل هذا في الدلياءأو في الآخرة فرضاهم عن الله في الدنيا هو الرضا بقضائه والرضا بدينه قال رسول الله والله" (ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً)،أورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها، أو رضا الله عنهم. لمّا ورد في الحديث أن الله يقول يا أهل الجنة هل تريدون شيئًا أزيدكم فيقولون يا ربّنا وأيّ شيء نريد وقد أعطيتتا ما لم تُعطِ أخذًا من العالمين فيقول عندي أفضل من ذلك وهو رضواني فلا أَسّخظ عليكم أبدًا" ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي لمَن خافه وهذا دليل على فضل الخوف قال رسول الله إليه:" «خوف الله رأس کل حكمة)). ء ٤٠ ٠٠٠ ٠٠ تب وتأ! سورة الزلزلة مدنيّة وآياتها ٨ نزلت بعد النساء ـمِ اللهِ الرََِّ أَ إِذَا ◌ُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَلَهَا أَ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ◌ِ وَقَالَ الْإِنْسَنُ مَالَهَا (أَمْ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ أَ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا هُ يَوْمَبِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ () فَمَن بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ أي حُرِّكَت واهتزّت ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر وإنما أُضيف إليها تهويلاً كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ يعني الموتى الذين في جوفها وذلك عند النفخة الثانية في الصور وقيل هي الكنوز وهذا ضعيف لأن إخراجها للكنوز وقت الدجّال ﴿وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا﴾ أي يتعجّب من شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصّة لأنه الذي يرى حينئذ ما لا يظن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذه عبارة عمّا يحدث فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة وتحدّث يتعدّى إلى مفعولين حذف المفعول منهما والتقدير تحدّث الخلق أخبارها وانتزع بعض المحدّثين من قوله تحدّث أخبارها أن قول المحدّث حدّثنا وأخبرنا سواء وهذه الجملة هي جواب إذا زلزلت وتحدّث هو العامل في إذا ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر وتحدّث عامل في يومئذ ٦٠٠ تفسير سورة الزلزلة يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَهُ ٨ ١) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَزَّايَرَهُ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ الباء سببية متعلقة بتحدّث أي تحدّث بسبب أن الله أوحى لها ويحتمل أن يكون بأن الله أوحى لها بدلاً من إخبارها وهذا كما تقول محدّثت كذا وحدثت بكذا والمعنى على هذا تحدّث بحديث الوحي لها وهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهامًا أو كلامًا بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل معناه أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ معنى أشتاتًا مختلفين في أحوالهم وواحد الأشتات شتّ وصدر الناس هو انصرافهم من موضع وردهم فقيل الورد هو الدفن في القبور والصدر هو القيام للبعث وقيل الورد القيام للحشر والصدر الانصراف إلى الجنة والنار وهذا أظهر وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتًا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر وإنما هي عبارة عن الجزاء وذكر الله مثقال الذرّة تنبيهًا على ما هو أكثر منه من طريق الأولى كأنه قال مَن يعمل قليلاً أو كثيرا وهذه الآية هي في المؤمنين لأن الكافر لا يُجازَى في الآخرة مثلى حسناته إذ لم تقبل منه واستدلّ أهل السُّنّة بهذه الآية أنه لا يخلد مؤمن في النار لأنه إذا خلد لم يرَ ثوابًا على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، ورُوِيَ عن عائشة أنها تصدّقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك فقالت كم فيها من مثقال ذرّة، وسمع رجلاً هذه الآية عند رسول الله ◌َ﴿ فقال حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ هذا على عمومه في حق الكافر وأما المؤمنون فلا يُجازون بذنوبهم إلاّ بستّة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبائر وأن يموتوا قبل التوبة منها وأن لا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وأن لا يشفع فيهم وأن لا يكون ممن استحقّ المغفرة بعمل كأهل بدر وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له. : i .. تونه ٨