Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ تفسير سورة الطارق ١٧ (١) فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَشْهِلْهُمْ رُوَيْدَاً ﴿ وَأَكِيدُ كَيْدًا وَمَا هُوَ بِالْهَزَّلِ (٤٦) إِنَهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا الأرض، وقيل يرجع السحاب الذي فيه المطر، وقيل هو مصدر رجوع الشمس والكواكب من منزلة إلى منزلة ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ يعني ما تصدّع عنه الأرض من النبات، وقيل يعني ما في الأرض من الشقاق والخنادق وشبهها ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَضْلٌ﴾ الضمير للقرآن، لأن سياق الكلام يقتضيه والفصل معناه الذي فصل بين الحق والباطل كما قيل له فرقان والهزل اللهو يعني أنه جدّ كله ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ الضمير لكفّار قريش وكيدهم هو ما دبّروه في شأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الإضرار به وإبطال أمره ﴿وَأَكِيدُ کَیْدًا﴾ هذا تسمية للعقوبة باسم الذنب للمشاكلة بين الفعلين ﴿فَمَهَّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي لا تستعجل عليهم بالعقوبة لهم أو بالدعاء عليهم وهذا منسوخ بالسيف ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ أي إمهالاً يسيرًا قليلاً يعني إلى قتلهم يوم بدر أو إلى الدار الآخرة وجعله يسيرًا لأن كلّ آتٍ قريب ولفظ رويدًا هذا صفة لمصدر محذوف وقد تقع بمعنى الأمر بالتساهل كقولك رويدًا يا فلان وكرّر الأمر في قوله أمهلهم وخالف بينه وبين لفظ مهّل لزيادة التسكين والتصبير قاله الزمخشري. "٠۶ سورة الأعلى مكية وآياتها ١٩ نزلت بعد التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ أَفَجَعَلَهُ غَةً ٤ وَاُلَّذِىّ أَخْرَجَ أَمْعَى ٣ وَاُلَّذِيِ فَدَّرَ فَهَدَى ◌ِ ٢ سَبِجٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ◌َ الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى أَحْوَى ٥َّ سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنسَىَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ إِنَُّ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى أَ وَنَبِّرُكَ لِلْمُسْرَى ـَفَذَّكِرْ < بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ التسبيح في اللغة التنزيه وذكر الاسم هنا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد المسمّى ويكون الاسم صلة كالزائد، ومعنى الكلام سبّح ربّك أي نزّهه عمّا لا يليق به، وقد يتخرّج ذلك على قول مَن قال إن الاسم هو المسمّى، والآخر أن يكون الاسم مقصودًا بالذكر ويحتمل المعنى على هذا أربعة أوجه، الأول: تنزيه أسماء الله تعالى عن المعاني الباطلة كالتشبيه والتعطيل، الثاني: تنزيه أسماء الله عن أن يسمى بها صنم أو وثن، الثالث: تنزيه أسماء الله عن أن تُدرَك في حال الغفلة دون خشوع، الرابع: أن المراد قول سبحان الله ولما كان التسبيح باللسان لا بدّ فيه من ذكر الاسم أوقع التسبيح على الاسم وهذا القول هو الصحيح ويؤيّده ما ورد عن النبي وَلّ أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال سبحان ربي الأعلى وأنها لما نزلت قال اجعلوها في سجودكم فدل ذلك على أن المراد هو التسبيح باللسان مع موافقة القلب ولا بدّ في التسبيح باللسان من ذكر اسم الله تعالى فلذلك -- ٥٦٣ تفسير سورة الأعلى قال سبّح اسم ربّك الأعلى مع أن التسبيح في الحقيقة إنما هو الله تعالى لا لاسمه وإنما ذكر الاسم لأنه هو الذي يوصل به إلى التسبيح باللسان وعلى هذا يكون موافقًا في المعنى لقوله: ﴿فَسَبِّحِ بِاسْم رَبِّكَ﴾ لأن معناه نزّه الله بذكر اسمه ويؤيّد هذا ما رُوِيَ عن ابن عباس أن معنى سبّحَ صلِّ باسم ربك أي صلُ واذكر في الصلاة اسم ربك، والأعلى يحتمل أن يكون صفة للربّ أو للاسم والأول أظهر ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَى﴾ حذف مفعول خلق وسوّى لقصد الإجمال الذي يفيد العموم والمراد خلق كل شيء فسوّاه أي أتقن خلقته وانظر ما ذكرنا في قوله: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدر بالتشديد يحتمل أن يكون من القدر والقضاء أو من التقدير والموازنة بين الأشياء، وقرىء بالتخفيف فيحتمل أن يكون من القدرة أو التقدير وحذف المفعول ليفيد العموم فإن كان من التقدير فالمعنی قدّر لکل حیوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به، وقیل هدی ذکور الحيوان إلى وطء الإناث لبقاء النسل وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مصّ الثدي وقيل هدى الناس للخير والشرّ والبهائم للمراتع وهذه الأقوال أمثلة والأول أعمّ وأرجح فإن هداية الإنسان وسائر الحيوانات إلى مصالحها باب واسع فيه عجائب وغرائب، وقال الفرّاء المعنى هدى وأضلّ واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى وهذا بعيد ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُشَاءَ أَحْوَى﴾ المرعى هو النبات الذي ترعاه البهائم، والغثاء هو النبات اليابس المحتطم، وأحوى معناه أسود وهو صفة لغثاء والمعنى أن الله أخرج المرعى أخضر فجعله بعد خضرته غثاء أسود لأن الغثاء إذا قَدِمَ تعفّن واسود، وقيل: إن أحوى حال من المرعى، ومعناه: الأخضر الذي يضرب إلى السواد وتقديره الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، وفي هذا القول تكلّف ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنسَى﴾ هذا خطاب للنبي وَّر وعده الله أن يقرئه القرآن فلا ينساه، وفي ذلك معجزة له عليه الصلاة والسلام لأنه كان أُميًّا لا يكتب وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل عليه السلام من القرآن، وقيل معنى الآية كقوله: ﴿لاَ تُحَرّك بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآية: فإنه عليه الصلاة والسلام كان يحرّك به لسانه إذا أقرأه جبريل خوفًا أن ينساه فضمن الله له أن لا ينساه، وقيل ﴿فَلاَ تَنْسَى﴾: نهي عن النسيان وقد علم الله أن ترك النسيان ليس في قدرة البشر فالمراد الأمر بتعاهده حتى لا ينساه وهذا بعيد لإثبات الألف في تنسى ﴿إِلَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن معناه لا تنسى إلاّ ما شاء الله أن تنساه كقوله أو ننسها والآخر أنه لا ينسى شيئًا ولكن قال إلاّ ما شاء الله تعظيمًا الله بإسناد الأمر إليه كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] على بعض الأقوال وعبّر الزمخشري عن هذا بأنه من استعمال التقليل في معنى النفي والأول أظهر فإن ٥٦٤٠ تفسير سورة الأعلى ، وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى (َ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٠ سَيَذَّكَّرُمَن يَخْشَى ٩ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى أُوَّلَا ١٢ ◌َقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّكَّى (١) وَذَّكَرَ أُسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَاَ ١٣ يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ ◌َ إِنَّ هَذَا لَفِى الْصُّحُفِ اَلْأُوْلَى أَ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى النسيان جائز على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما أراد الله أن يرفعه من القرآن أو فيما قضى الله أن ينساه ثم يذكره ومن هذا قول النبي ◌َل﴾ حين سمع قراءة عبّاد بن بشير رحمه الله: ((لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد نسيتها)) ﴿وَنُيَسُرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ عطف على سنقرؤك ومعناه نوفّقك للأمور المرضية التي توجب لك السعادة، وقيل معناه للشريعة اليسرى من قوله عليه الصلاة والسلام: ((دين الله يُسْر)) أي سهل لا حرج فيه ﴿فَذَكُرْ إِن نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ المراد بهذا الشرط توبيخ الكفّار الذين لا تنفعهم الذكرى، واستبعاد تأثير الذكرى في قلوبهم كقولك قد أوصيتك لو سمعت، وقيل المعنى ذكّر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع واقتصر على أحد القسمين لدلالة الآخر عليه وهذا بعيد وليس عليه الرونق الذي على الأول ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ أي مَن يخاف الله ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ يعني الكافر وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة، والضمير المفعول للذكرى ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾ هي نار جهنم وسمّاها كبرى بالنظر إلى نار الدنيا وقيل سمّاها كبرى بالنظر إلى غيرها من نار جهنم فإنها تتفاضل، وبعضها أكبر من بعض وكلا القولين صحيح إلاّ أن الاول أظهر ويؤيده قول رسول اللهِ وَلّ: («ناركم هذه التي توقدون جزءًا من سبعين جزءًا من نار جهنم)) ﴿ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَخْيئ﴾ أي لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة هنيئة وعطف هذه الجملة بثم لأن هذه الحالة أشدّ من صلي النار فكأنها بعده في الشدّة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ يحتمل أن يكنون بمعنى الطهارة من الشرك والمعاصي أو بمعنى الطهارة للصلاة أو بمعنى أداء الزكاة وعلى هذا قال جماعة إنها يوم الفطر والمعنى أدّى زكاة الفطر ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ في طريق المصلّى ! إلى أن يخرج الإمام وصلّى صلاة العيد، وقد رُوِيَ عن النبي ◌َّ وقيل المراد أدّى زكاة ماله وصلّى الصلوات الخمس ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الإشارة إلى ما ذكر من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة أو إلى ما تضمنته السورة أو إلى القرآن بجملته، والمعنى أنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمین کما ثبت في هذا الكتاب. سورة الغاشية مكتّة وآياتها ٢٦ نزلت بعد الذاريات الروحـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ ـَ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ (*) تُتْقَى ٣ هَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةُ (٥) عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ مِنْ عَيْنٍ ◌َِيَةِ ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيعِ (٤) لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوع ١ وَجَوَهَ يُؤْمِذٍ ٧ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيف يراد به التنبيه والتفخيم للأمر، وقيل هل بمعنى قد وهذا ضعيف ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ هي القيامة لأنها تغشى جميع الخلق، وقيل هي النار من قوله وتغشى وجوههم النار وهذا ضعيف لأنه ذكر بعد ذلك قسمين أهل الشقاوة وأهل السعادة ﴿خَاشِعَةٌ﴾ أي ذليلة ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ هو من النصب بمعنى التعب وفي المراد بهم ثلاثة أقوال: أحدها أنهم الكفّار ويحتمل على هذا أن يكون عملهم ونصبهم في الدنيا لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون فيها أو يكون في الآخرة فيعملون فيها عملاً يتعبون فيه من جرّ السلاسل والأغلال وشبه ذلك ويكون زيادة في عذابهم: الثاني أنها في الرهبان الذين يجتهدون في العبادة ولا تُقبل منهم لأنهم على غير الإسلام وبهذا تأوّلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهدًا فعاملة ناصبة على هذا في الدنيا وناصبة إشارة إلى اجتهادهم في العمل أو إلى أنه لا ينفعهم فليس لهم منه إلاّ النصب. الثالث أنها في القدرية ٥٦٦ تفسير سورة الغاشية تَاعِمَةٌ ﴿ لِسَعِهَا رَاضِيَةٌ فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (٨) فِيهَا سُرُرٌ ١١ ◌َ لَّا تَسَّمَعُ فِهَا لَغِيَةً ( ١٠ ◌َ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ! ٩ (® وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ مََّفُوعَةٌ ﴿َ أَفَلَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ وَزَرَابِىٌ مَبْتُوثَةٌ ١٥ وَغَرِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٤ وقد رُوِيّ أن رسول الله ◌َ﴿ ذكر القدرية فبكى وقال إن فيهم المجتهد ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَّةٍ﴾ أي شديدة الحرّ ومنه حميم آنٍ ووزن آنية هنا فاعلة بخلاف آنية من فضّة فإن وزنه أفعلة ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَريع﴾ في الضريع أربعة أقوال: أحدها أنه شوك يقال له البشرق وهو سُمِّ قاتل وهذا أرجح الأقوال لأن أرباب اللغة ذكروه ولأن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((الضريع شوك في النار)). الثاني أنه الزقوم لقوله: ((إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)). الثالث أنه نبات أخضر مُنتِن ينبت في البحر وهذا ضعيف، الرابع أنه وادٍ في جهنّم وهذا ضعيف لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام إنما هو شراب ولله درّ مَن قال الضريع طعام أهل النار فإنه أعمّ وأسلم من عهدة التعيين واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة بمعنى المشابهة لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به، وقيل هو بمعنى مضرع للبدن أي مضعفٍ قيل إن العرب لا تعرف هذا اللفظ، فإن قيل: كيف قال هنا ليس لهم طعام إلاّ من ضريع وقال في الحاقّة ولا طعام إلاّ من غسلين؟ فالجواب أن الضريع لقوم والغسلين لقوم أو يكون أحدهما في حال والآخر في حال ﴿لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ هذه الجملة صفة لضريع أو لطعام نفى عنه منفعة الطعام وهي التسمين وإزالة الجوع ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ أي متنعمة في الجنة أو يظهر عليها نضرة النعيم ﴿لْسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي راضية في الآخرة لأجل سعيها وهو عملها في الدنيا ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَّةٍ﴾ يحتمل أن يكون من علوّ المكان أو من علوّ المقدار أو الوجهين ﴿لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ هو من لغو الكلام ومعناه الفحش وما يُكره فيحتمل أن يريد كلمة لاغية أو جماعة لاغية ﴿فِيهَا عَيْنَ جَارِيَةٌ﴾ يحتمل أن يريد جنس العيون أو واحدة شرّفها. بالتعيين ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ قد ذكرنا أكواب ومعنى موضوعة حاضرة معدّة بشرابها وفي قوله مرفوعة وموضوعة مطابقةٍ ﴿وَنَمَارِقُ﴾ جمع نمرقة وهي الوسادة ﴿وَزّرَابِيُّ﴾ هي بُسْطِ فاخرة وقيل هي الطنافس واحدها زربية ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أي متفرّقة وذلك عبارة عن كثرتها وقيل مبسوطةٍ ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ﴾ حضٍّ على النظر في خلقتها لما فيها من العجائب في قوّتها وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف وصبرهاً على العطش وكثرة المنافع التي فيها من الركوب والحمل عليها وأكل لحومها وشرب ألبانها وأبوالها وغير ذلك وقيل أراد بالإبل السّحاب وهذا بعيد وإنما حمل قائله عليه مناسبتها للسماء والأرض والجبال والصحيح أن المراد الحيوان المعروف وإنما ذكره لما فيه من العجائب ولاعتناء العرب به إذ كانت ٥٦٧ تفسير سورة الغاشية ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ ◌ْجَ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ڪَيْفَ خُلِقَتْ سُطِحَتْ ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَا لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٦) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ ٢٦ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ آلْأَكْبَرَ (٤) إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ٢٠، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم معايشهم في الغالب منه وهو أكثر المواشي في بلادهم ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ﴾ أي قاهر متسلّط وهذا من المنسوخ بالسيف ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّى﴾ استثناء منقطع معناه لكن مَن تولّى ﴿وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ وقيل هو استثناء من مفعول فذكّر والمعنى ذكّر كل أحد إلاّ مَن تولّى حتى يئست منه فهو على هذا متصل، وقيل هو استثناء من قوله لست عليهم بمسيطر أي لا تسلّط إلاّ على مَن تولّى وكفر وهو على هذا متصل ولا نسخ فيه إذ لا موادعة فيه وهذا بعيد لأن السورة مكيّة والموادعة بمكة ثابتة ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي رجوعهم والآية تهديد. سورة الفجر 4 .. r. مکتة وآياتها ٣٠ نزلت بعد الليل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَ ) وَأَلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴿ هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى حِجْرٍ ◌ْ أَلَمْ تَرَ ٣ وَأَلْفَجْرِ هِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَثْرِ ◌َالَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ ٧ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ! بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالْفَجْرِ﴾ أقسم الله تعالى بالفجر وهو الطالع كل يوم كما أقسم بالصبح، وقيل أراد صلاة الفجر وقيل أراد النهار كله، وقيل فجر يوم الجمعة وقيل فجر يوم النحر وقيل فجر ذي الحجة ولا دليل على هذه التخصيصات وقيل أراد انفجار العيون من الحجارة وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هي عشر ذي الحجة عند الجمهور وقيل العشر الأُوَّل من المحرّم وفيها عاشوراء وقيل العشر الأواخر من رمضان وقيل العشر الأوّل منه ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَثْرٍ﴾ رُوِيَ عن النبي ◌ِّر أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، ورُوِيّ عنه عليه الصلاة والسلام أنها الصلوات منها شفع ووتر وقيل الشفع التنقّل بالصلاة مثنى مثنى والوتر الركعة الواحدة المعروفة وقيل الشفع العالم والوتر الله لأنه واحد وقيل الشفع آدم وحوّاء والوتر الله تعالى، وقيل الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة وقيل الشفع قران الحج والوتر إفراده وقيل المراد ٥٦٩ تفسير سورة الفجر الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ (أ) فَصَبّ (١٢ ) وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ ﴿ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ ٩ ٠٠٠ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (٤) إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ (١٤) فَمَّا الْإِنِسَنُ إِذَا مَا أَبْثَئُهُ رَبُّهُمْ فَأَكْرَمَنُ وَنَعَّمَنُ الأعداد منها شفع ووتر فهذه عشرة أقوال وقرىء الوتر بفتح الواو وكسرها وهما لغتان ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ أي إذا يذهب فهو كقوله والليل إذا أدبر وقيل أراد يسري فيه فهو على هذا كقولهم ليله قائم والمراد على هذا ليلة جمع لأنها التي يسري فيها والأول أشهر وأظهر ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِي حِجْر﴾ هذا توقيف يراد به تعظيم الأشياء التي أقسم بها والحجر هنا هو العقل كأنه يقول إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول وجواب القسم محذوف وهو ليأخذنّ الله الكفّار ويدلّ على ذلك ما ذكره بعده من أخذ عاد ثمود وفرعون ﴿إِرَمَ﴾ هي قبيلة عاد سُمّيت باسم أحد أجدادها كما يقال هاشم لبني هاشم وإعرابه بدل من عاد أو عطف بيان وفائدته أن المراد عاد الأولى فإن عادًا الثانية لا يسمون بهذا الاسم وقيل إرم اسم مدينتهم فهو على حذف مضاف تقديره: بعاد عاد إرم، ويدلّ على هذا قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة من غير تنوين عاد وامتنع إرم من الصرف على القولين للتعريف والتأنيث ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ مَن قال إرم قبيلة قال العماد أعمدة بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشعر لأنهم كانوا أهل عمود وقال ابن عباس ذلك كناية عن طول أبدانهم ومَن قال إرم مدينة فالعماد الحجارة التي بنيت بها وقيل القصور والأبراج ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ﴾ صفة للقبيلة لأنهم كانوا أعظم الناس أجسامًا يقال كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع أو صفة للمدينة وهذا أظهر لقوله في البلاد ولأنها كانت أحسن مدائن الدنيا ورُوِيّ أنها بناها شدّاد بن عاد في ثلاثمائة عام وكان عمره تسعمائة عام وجعل قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أنواع الشجر والأنهار الجارية، ورُوِيَ أنه سمع ذكر الجنة فأراد أن يعمل مثلها فلما أتمّها وسار إليها بأهل مملكته أهلكهم الله بصيحة وكانت هذه المدينة باليمن، ورُوِيَ أن بعض المسلمين مرّ بها في خلافة معاوية، وقيل هي دمشق، وقيل الإسكندرية وهذا ضعيف ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي نقبوه ونحتوا فيه بيوتًا والوادي ما بين الجبلين وإن لم يكن فيها ماء، وقيل أراد وادي القرى ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ ذكر في سورة داود ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ﴾ صفة لعاد وثمود وفرعون ويجوز أن يكون منصوبًا على الذمّ أو خبر ابتداء مضمر ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ استعارة السوط للعذاب لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكر السوط إشارة إلى عذاب الدنيا إذ هو أهون من عذاب الآخرة كما أن ٥٧٠ تفسير سورة الفجر فَيَقُولُ رَقْ أَكْرَمَنِ كُلَّ بَل لَّا تُكْرِمُون ﴿وَمََّ إِذَامَا أَبْتَهُ فَقَدَرَ أَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِ أَهَتَنِ ١٥ السوط أهون من القتل ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاذِ﴾ عبارة عن أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان وكل زمان ورقيب على كل إنسان وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفّار وفي ذلك تهديد الكفّار قريش وغيرهم والمرضاد المكان الذي يترقب فيه الرصد ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا أَبْتَّلَاةً رَبّهُ﴾ الابتلاء هو الاختبار واختبار الله لعبده لتقوم الحجة على العبد بما يبدو منها وقدنالحان الله عالمًا: بذلك قبل كونه والإنسان هنا جنس وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة وهي مع ذلك على العموم فيمن كان على هذه الصفة وذكر الله في هذه الآية ابتلاءو الإنسنان بالخيوائم ذكر بعده ابتلاءه بالشرّ كما قال في: ﴿وَنَبْلُوَكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وأنكر عليه قوله حين الخير: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ وقوله حين الشر: ﴿رَبِّي أَهَانَنٍ﴾ ويتغلق بالآية سؤالان: السؤال الأول: لِمَ أنكر الله على الإنسان قوله ربّي أكرمني وربّي أهانني والجواب من وجهين: أحدهما أن الإنسان يقول ربي أكرمني على وجه الفخر بذلك والكبر لا على وجه الشكر ويقول ربّي أهانفي على وجه التشكّي من الله وقلة الصبر والتسليم لقضاء الله، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك فإن الواجب عليه أن يشكر على الخير ويصبر على الشر. والآخر أن الإنسان اعتبر الدنيا فجعل بسط الرزق فيها كرامة وتضييقه إهانةا وليس الأمر كذلك فإن الله قد يبسط الرزق لأعدائه ويضيّقه على أوليائه فأنكر الله عليه اعتبار الادخيا والغفلة عن الآخرة وهذا الإنكار من هذا الوجه على المؤمن وأما الكافر فإنما اعتبر الدنيا لأنه لا يصدق بالآخرة ويرى أن الدنيا هي الغاية فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من وفك السؤال الثاني: إن قيل قد قال الله فأكرمه فأثبت إكرامه فكيف أنکر عليه قوله ربِّي أكرمني؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه لم ينكر عليه ذكره للإكرام وإنما أنكر عليه ما يدلّ لعليه كلامه من الفخر وقلّة الشكر أو من اعتبار الدنيا دون الآخرة حسبما ذكرنا في معنى الإنكلوا. الثاني أنه أنكر عليه قوله ربّي أكرمني إذا اعتقد أن إكرام الله له باستحقاقه للإكرام على وجه التفضّل والإنعام كقول قارون إنما أُوتيته على علم عندي. الثالث أن الإنكار إنما هو لقوله ربّي أهانني لا لقوله ربّي أكرمني فإن قوله ربّي أكرمني اعتراف بنعمة الله وقوله ربّي أهانني شكاية من فعل الله ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أي ضيقه وقرىء بتشديد الدال وتخفيفها بمعنى واحد وفي التشديد مبالغة وقيل معنى التشديد جعله على قدر معلوم ﴿كَلاً﴾ زجر عمّا أنكن من قول الإنسان ﴿بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ هذا ذمّ لما ذكر من الأعمال القبيحة ومعنى هذا الإضراب ببل كأنه أنكر على الإنسان ما تقدّم ثم قال بل تفعلون ما هو شرّ من ذلك، وهو ألاّ. تكرموا اليتيم وما ذكر بعده، قال رسول الله وَله: ((أحبّ البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مُكَّم)) ٥٧١ تفسير سورة الفجر وَتَأْكُلُونَ الزَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا ١٨ اَلْنِيمَ ﴿﴿ وَلَا تَضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٩ ٢٠ وَيُحِبُّونَ الْعَالَ حُبََّ جَمَّاً ! وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً ٢٠ كَّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَا ذَكّاً صَفَّا تَ وَجِأْىََّ يَوْمَيذٍ بِجَهَنَّمٌ يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَلَيْتَنِ ٢٣ ٢٥ ٢٤ قَدَّمْتُ ◌ِيَاتِ يَيَُّهَا النَّفْسُ ٢٦ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَّهُ: أَحَدٌ فَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ أَحَدٌ ﴿وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الحضّ على الأمر هو الترغيب فيه ومَن لا يحضّ غيره على أمر فلا يفعله هو كأنه ذمّ لترك طعام المسكين، والطعام هنا بمعنى الإطعام، وقيل هو على حذف مضاف تقديره لا تحضّون على بذل طعام المسكين وقرىء تحاضّون بفتح الحاء وألف بعدها بمعنى لا يحضّ بعضكم بعضًا ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاَ لَّمَّا﴾ التراث هو ما يورث عن الميت من المال والتاء فيه بدل من الواو، واللم الجمع واللف، والتقدير أكلاً ذا لمّ وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أُنثى ولا صغيرًا بل ينفرد به الرجال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي شديدًا كثيرًا وهذا ذمّ للحرص على المال وشدّة الرغبة فيه ﴿ُگَّتِ الأرْضُ﴾ أي سُویت جبالها ﴿دگًا دًا﴾ أي دئًا بعد دكّ كما تقول تعلمت العلم بابًا بابًا ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ تأويله عند المتأوّلين جاء أمره وسلطانه وقال المنذر بن سعيد معناه ظهوره للخلق هنالك وهذه الآية وأمثالها من المشكلات التي يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل ﴿وَالْمَلَكُ﴾ هو اسم جنس فإنه رُوِيَ أن الملائكة كلهم يكونون صفوفًا حول الأرض ﴿صَفَّا صَفًّا﴾ أي صفًّا بعد صفّ قد أحدقوا بالجنّ والإنس ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم: ((يؤتى يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرّونها ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ﴾ يومئذ بدل من إذا دكّت ويتذكّر هو العامل وهو جواب إذا دُكّت، والمعنى أن الإنسان يتذكّر يوم القيامة لأعماله في الدنيا ويندم على تفريطه وعصيانه والإنسان هنا جنس، وقيل يعني عتبة بن ربيعة، وقيل أُميّة بن خلف ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَىُ﴾ هذا على حذف تقديره أنّى له الانتفاع بالذكرى كما تقول ندم حين لم تنفعه الندامة ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه يريد الحياة في الآخرة فالمعنى يا ليتني قدّمت عملاً صالحًا للآخرة، والآخر أنه يريد الحياة الدنيا فالمعنى يا ليتني قدّمت عملاً صالحًا وقت حياتي فاللام على هذا كقوله كتبت لعشر من الشهر ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ مَن قرأ بكسر الذال من يعذب، والثاء من يوثق فالضمير في عذابه ووثاقه لله تعالى والمعنى أن الله يتولّى عذاب الكفّار ولا يَكِله إلى أحد، ومَن قرأ بالفتح فالضمير للإنسان أي ٥٧٢ تفسير سورة الفجر الْمُطَّمَيِنَّةُ ﴿ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ (٢٨) فَادْسُلِ فِ عِبَدِى ٣٠ جَ وَأَدْخُلِ جَنَِّ لا یعذّب أحد مثل عذابه، ولا یوثق أحد مثل وثاقه، وهذه قراءة الکسائي ورُوِيّ أن أبا عمرو رجع إليها وهي قراءة حسنة، وقد رُوِيَّت عن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ﴿يَا أَّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ أي الموقنة یقینًا قد اطمأنت به بحيث لا يتطرّق إليها شك في الإيمان، وقيل المطمئنة التي لا تخاف حينئذ ويؤيّد هذا قراءة أُبيّ بن كعب، ((يا أَيّتها النفس الآمنة المطمئنة)) ﴿أَرْجِعِي إِلَى رَبُّكِ﴾ هذا الخطاب والنداء يكون عند الموت، وقيل عند البعث وقيل عند انصراف الناس إلى الجنة أو النار، والأول أرجح، لما رُوِيَ أن أبا بکر سأل عن ذلك رسول الله صلّى الله تعالی علیه وعلى آله وسلم فقال له: «يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك عند موتك)» ﴿رَاضِيَةً﴾ معناه راضية بما أعطاها الله أو راضية عن الله ومعنى المرضية مرضية عند الله، أو أرضاها الله بما أعطاها ﴿فَاذخُلِي فِي عِبَادِي﴾ أي ادخلي في جملة عبادي الصالحين. وقرىء فادخلي في عبدي بالتوحيد معناه ادخلي في جسده وهو خطاب للنفس ونزلت هذه الآية في حمزة وقيل في خبيب بن عدي الذي صلبه الكفّار بمكة ولفظها يعمّ كل نفس مطمئنة. سورة البلد مكية وآياتها ٢٠ نزلت بعد ق بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ ﴿ وَأَنْتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَدِ ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ◌ْ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِىِ كَبَدٍ ١ لَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ! ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَا لَا لُبَدًا ﴿يَا أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَهُ أَحَدٌّ ◌َبَ أَلَمْ تَجْعَل لَّهُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿لَاَ أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أراد مكة باتفاق، وأقسم بها تشريفًا لها ولا زائدة ﴿وَأَنتَ حِلِّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ هذه جملة اعتراض بين القسم وما بعده وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى أنت حالٌّ بهذا البلد أي ساكن لأن السورة نزلت والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة، والآخر أن معنى حِلَّ تستحلّ حُرمتك ويؤذيك الكفّار مع أن مكة لا يحلّ فيها قتل صيد ولا بشر ولا قطع شجر، وعلى هذا قيل لا أُقسم يعني لا أُقسم بهذا البلد وأنت تلحقك فيه إذاية. الثالث أن معنى حِلٌّ حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتلك الكفّار وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك وهذا هو الأظهر لقوله وَلتر: ((إن هذا البلد حرام حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، ولم يحلّ لأحد قبلي ولا يحلّ لأحد بعدي وإنما أحلّ لي ساعة من نهار يعني يوم فتح مكة))، وفي ذلك اليوم أمر عليه الصلاة والسلام بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فإن قيل إن السورة مكيّة وفتح مكة كان عام ثمانية من الهجرة؟ ٥٧٤ تفسير سورة البلد وَمَا أَدْرَنِكَ مَا فَلَ آقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ ١٠ ◌ِ وَهَدَيْنَهُ النَّبْدَیْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ ٨ عینینِ فالجواب أن هذا وعد بفتح مكة كما تقول لمّن تعده بالكرامة أنت مكرم يعني فيما يستقبل وقيل إن السورة على هذا مدنية نزلت يوم الفتح، وهذا ضعيف ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ فيه خمسة أقوال: أحدها أنه أراد آدم وجميع ولده، الثاني نوح وولده، الثالث إبراهيم وولده، الرابع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وولده، الخامس جنس كل والد ومولود وإنما قال وما ولد ولم يقل ومَن ولد: إشارة إلى تعظيم المولود كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضعَت﴾ [آل عمران: ٣٦] قاله الزمخشري ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ أي يكابد المشقّات من هموم الدنيا والآخرة قال بعضهم لا يكابد أحد من المخلوقات ما يكابد ابن آدم وأصل الكبد من قولك كبد الرجل فهو أكبد إذا وجعت كبده وقيل معنى في كبد واقفًا منتصب القامة وهذا ضعيف والإنسان على هذين القولين جنس، وقيل الإنسان آدم عليه السلام ومعنى في كبد على هذا في السماء وهذا ضعيف والأول هو الصحيح ﴿أَيَحسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ فيه قولان، أحدهما أن معناه أيظن أن لن يقدر أحد على بعثه وجزائه، والآخر: أيظن أن لن يقدر أحد أن يغلبه، فعلى الأول نزلت في جنس الإنسان الكافر، وعلى الثاني نزلت في رجل معين وهو أبو الأشد رجل من قريش كان شديد القوّة، وقيل عمرو بن عبد ود وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله عليّ بن أبي طالب ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاَ لُّبَدًا﴾ أي كثيرًا وقرىء لبدًا بضم اللام وكسرها وهو جمع لبدة بالضم والكسر بمعنى الكثرة ونزلت الآية عند قوم في الوليد بن المغيرة فإنه أنفق مالاً في إفساد أمر رسول الله بَّه وقيل في الحارث بن عامر بن نوفل وكان قد أسلم وأنفق في الصدقات والكفّارات، فقال لقد أهلكت · مالي منذ تبعت محمدًا ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحْدٌ﴾ يحتمل أن يكون هذا تكذيبًا له في قوله أهلكت مالاً لبدًا أو إشارة إلى أنه أنفقه رياء ﴿وَهَدَنِتَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي طريقي الخير والشرّ فهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وليس الهدي هنا بمعنى الإرشاد وقيل يعني ثديي الأُم ﴿فَلاَ أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ الاقتحام الدخول بشدّة وَمَشَقّة والعقبة عبارة عن الأعمال الصالحة المذكورة بعد وجعلها عقبة استعارة من عقبة الجبل لأنها تصعب ويشقّ صعودها على النفوس، وقيل هو جبل في جهنم له عقبة لا يجاوزها إلاّ من عمل هذه الأعمال ولا هنا تخصيص بمعنى هلاّ وقيل هي دعاء وقيل هي نافية واعترض هذا القول بأن لا النافية إذا دخلت على الفعل الماضي لزم تكرارها وأجاب الزمخشري بأنها مكرّرة في المعنى، والتقدير: فلا اقتحم العقبة ولا فكّ رقبة ولا أطعم مسكينًا وقال الزجاج قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] يدلّ على التكرار لأن التقدير فلا اقتحم ٥٧٥ تفسير سورة البلد يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا ١٤ ﴿ أَوْ إِطِعَهُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٌ ◌َ فَُّ رَقَبَةٍ ١٢ اُلْعَقَبَةُ (١٨ مَْربكم ثَُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الَْعَنَّةِ (١٦ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ اُلْمَشْهَمَةِ (٢٥) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ العقبة ولا آمن ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ تعظيم للعقبة ثم فسّرها بفكّ الرقبة وهو إعتاقها وبالإطعام وقرىء فكّ رقبة بضمّ الكاف وخفض الرقبة، وهو على هذا تفسير للعقبة وبفتح الكاف ونصب الرقبة وهو تفسير لاقتحم وفكّ الرقبة هو عتقها، قال رسول الله وَله: ((مَن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار)). وقال أعرابي لرسول الله الخولى دُلّني على عمل أنجو به فقال: ((فُكّ الرقبة وأعتق النسمة))، فقال الأعرابي ليس هذا واحد. فقال رسول الله مَ له: ((لا إعتاق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها)). وأما فكّ أسارى المسلمين من أيدي الكافرين فإنه أعظم أجرًا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين ولكنه لا يجري في الكفّارات عن عتق رقبة ﴿أَو إِطْعَامٌ﴾ مَن قرأ فكّ بالرفع قرأ إطعام بالعطف مصدر على مصدر ومَن قرأ فكّ بالفتح قرأ إطعام بفتح الهمزة والميم فعطف فعلاً على فعل ﴿فِي يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي مجاعة يقال سغب الرجل إذا جاع ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي ذا قرابة ففيه أجر إطعام اليتيم وصلة الرحم ﴿أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي ذا حاجة، يقال ترب الرجل إذا افتقر وهو مأخوذ من الصدقة بالتراب ورُوِيَ عن النبي ◌َِّ أنه الذي مأواه المزابل ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنوا﴾ ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصحّ أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام ولا يقبل عمل إلاّ من مؤمن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي وضّى بعضهم بعضًا بالصبر على قضاء الله وكأن هذا إشارة إلى صبر المسلمين بمكة على إذاية الكفّار ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي وضّى بعضهم بعضًا برحمة المساكين وغيرهم، وقيل الرحمة كلّ ما يؤدّي إلى رحمة الله ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ جهة اليمين و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ جهة الشمال، ورُويَ أن الميمنة عن يمين العرش ويحتمل أن يكونا من اليمن والشؤم ﴿نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة مغلقة يقال أوصدت الباب إذا أغلقته وفيه لغتان الهمزة وترك الهمزة. سورة الشمس مكتّة وآياتها ١٥ نزلت بعد القدر اللَّهِ الرَّمَيِ شِـ ٠٠٠ ، وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنِهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا ٣ ) وَاَلْقَّهَارِ إِذَا جَّنْهَا ٢ وَاَلْقَمَرِ إِذَا نَهَا. وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا (٥) فَأَنْهَمَهَا تُؤْرَهَا وَتَقْوَتِهَا (٦) ٦ بَنَهَا لِمَّ وَاَلْأَرْضِ وَمَا تَتَهَا إِ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ الضحى ارتفاع الضوء وكماله والضحاء بالفتح والمدّ بعد ذلك إلى الزوال وقيل الضحى النهار كله، والأول هو المعروف في اللغة ﴿وَالْقَمَّرِ إِذَا تَلاَهَا﴾ أي تبعها وفي اتّباعه لها ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتبعها في كثرة الضوء لأنه أضوء الكواكب بعد الشمس ولا سيما ليلة البدر والآخر أنه يتبعها في طلوعه لأنه يطلع بعد غروبها وذلك في النصف الأول من الشهر والضمير الفاعل للنهار لأن الشمس تنجلي بالنهار فكأنه هو الذي جلاها وقيل الضمير الفاعل الله وقيل الضمير المفعول للظلمة أو الأرض أو الدنيا وهذا كله بعيد لأنه لم يتقدّم ما يعود الضمير عليه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي يغطّيها وضمير المفعول للشمس وضمير الفاعل لليل على الأصح ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَتَاهَا﴾ قيل إن ما في قوله وما بناها وما طحاها وما سوّاها موصولة بمعنى من والمراد الله تعالى وقيل إنها مصدرية كأنه قال والسماء وبنيانها، وضعّف الزمخشري ذلك بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ فإن المراد الله باتفاق، وهذا ٥٧٧ تفسير سورة الشمس كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنهَا (٨) إِذِ الْبَعَثَ أَشْقَنَهَا (٤) فَقَالَ لَهُمْ ١٠ زَكَّنْهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنُهَا فَكَذَبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ (١٣ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا القول يؤدي إلى فساد النظم، وضعّف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق فإن قيل: لِمَ عدل عن من إلى قوله ما في قول من جعلها موصولة؟ فالجواب أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية كأنه قال والقادر الذي بناها ﴿طَحَاهَا﴾ أي مدّها ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَاهَا﴾ تسوية النفس إكمال عقلها وفهمها، فإن قيل: لِمَ نكر النفس؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَت﴾ [التكوير: ١٤] والآخر أنه أراد نفس آدم والأول هو المختار ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي عرّفها طريق الفجور والتقوى وجعل لها قوة يصحّ معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو، كقوله: ﴿إِنّا هَدَيْنَاه السَّبِيلَ إِمَّ شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ هذا جواب القسم عند الجمهور، وقال الزمخشري: الجواب محذوف تقديره ليدمدمنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما دمدم على قوم ثمود لتكذيبهم صالحًا عليه الصلاة والسلام، قال وأما قد أفلح فكلام تابع لقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد وهذا بعيد، والفاعل بركّاها ضمير يعود على من، والمعنى قد أفلح مَن زكّى نفسه أي طهّرها من الذنوب والعيوب، وقيل الفاعل ضمير الله تعالى، والأول أظهر، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي حقّرها بالكفر والمعاصي وأصله دسس بمعنى أخفى فكأنه أخفى نفسه لما حقرها وأبدل من السين الأخيرة حرف علّة كقولهم قضيت أظفاري وأصله قصصت ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ هو مصدر بمعنى الطغيان قلبت فيه الياء واوًا على لغة مَن يقول طغيت والباء الخافضة كقولك كتبت بالقلم أو سببية والمعنى بسبب طغيانها وقال ابن عباس معناه كذبت ثمود بعذابها ويؤيّده قوله فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ﴿إِذ أَنْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ العامل في إذ كذبت أو طغواها ومعنى انبعث خرج لعقر الناقة بسرعة ونشاط وأشقاها هو الذي عقر الناقة وهو أُحَيمر ثمود واسمه قدار بن سالف ويحتمل أن يكون أشقاها واقعًا على جماعة لأن أفعل التي للتفضيل إذا أضفته يستوي فيه الواحد والجمع والأول أظهر وأشهر ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني صالحًا عليه السلام ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقة الله أو احذروا ناقة الله وسقياها، شربها من الماء، ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ نسب العقر إلى جماعة لأنهم اتفقوا عليه وباشره واحد منهم ﴿قَدَمْدَمَ﴾ عبارة عن إنزال العذاب بهم وفيه تهويل ﴿بِذَتْبِهِمْ﴾ أي بسبب ذنبهم وهو .٥٧٨ تفسير سورة الشمس فَسَوَّبِهَا (١٨) وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا ( التكذيب أو عقر الناقة ﴿فَسَوَّاهَا﴾ قال ابن عطية معناه فسوى القبيلة في الهلاك لم يفلت أحد منهم وقال الزمخشري الضمير للدمدمة أي سوّاها بينهم ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ضمير الفاعل لله تعالى والضمير في عقباها للدمدمة والتسوية وهو الهلاك أي لا يخاف عاقبة إهلاكهم ولا درك عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم وفي ذلك احتقال لهم وقيل إن ضمير الفاعل لصالح وهذا بعيد وقرىء فلا يخاف بالفاء،وبالواو وقيل في القراءة بالواو أن الفاعل أشقاها والجملة في موضع الحال أي انبعث ولم يخف عقبى فعاته، وهذا بعید . ٢٠٠ الكمية ١٠ رجاء ٩٫٫٫٣٠ طفلي فعاء سلمان: سورة الليل مكتّة وآياتها ٢١ نزلت بعد الأعلى بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَىَّ ◌َ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَفَّى ٢ وَّيْلِ إِذَا يَغْشَى الأَ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٥َ فَسَيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ وَأَسْتَغْنَى هَ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى وَنََّى ٥َ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ـَ فَمَا مَنْ أَعْطَى ٤ ٩ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي يغطى وحذف المفعول وهو الشمس لقوله والليل إذا يغشاها أو النهار لقوله يغشى الليل النهار أو كل شيء يستره الليل ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي ظهر وتبيّن والنهار من طلوع الشمس واليوم من طلوع الفجر ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأَتَّثَى﴾ ما بمعنى من والمراد بها الله تعالى وعدل عن مَن لقصد الوصف كأنه قال والقادر الذي خلق الذكر والأُنثى وقيل هي مصدرية وروى ابن مسعود أن النبي ◌َ ◌ّ قرأ والذكر والأنثى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا جواب القسم ومعناه إن عملكم مختلف فمنه حسنات ومنه سيئات وشتّی جمع شتيت ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي أعطى ماله في الزكاة والصدقة وشبه ذلك أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء واتّقى الله ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي بالخصلة الحسنة وهي الإسلام ولذلك عبّر عنها بعضهم بأنها لا إله إلاّ الله أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة وقيل يعني الأجر والثواب على الإطلاق وقيل يعني الخلف على المنفق ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي ٥٨٠ تفسير سورة الليل ١٣ وَإِنَّ لَنَا لَلَّخِرَةَ وَاَلْأُوْلَى ١٢ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ: إِذَا تَرَدََّ ﴿َ إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى ١٠ فَسَتْلَسِرُهُ لِلْعُسْرَى ١٧ (١) لَا يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَثْقَىِّ ◌َ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَىّ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَّكَّى (﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ (١) إِلَّ أَبِغَاءَ بِوَجْهِ رَبِهِ الْأَعْلَى (٦) وَلَسَوْفَ ٢١ يَرْضَى نهيؤه للطريقة اليسرى وهي فعل الخيرات وترك السيئات وضدّ ذلك تيسيره للعسرى ومنه قوله وَله: ((اعملوا فكلُّ ميسّر لما خُلِقَ له)) أي يهيؤه الله لما قدّر له ويسهّل عليه فعل الخير أو الشرّ ﴿وَأَمَا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ أي بخل بماله أو بطاعة الله على الإطلاق فيحتمل الوجهين لأنه في مقابلة أعطى كما أن استغنى في مقابلة اتقى وكذلك كذب بالحسنى في مقابلة صدّق بالحسنى ونيسّره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى، ومعنى استغنى استغنى عن الله فلم يطعه واستغنى بالدنيا عن الآخرة، ونزلت آية المدح في أبي بكر الصدّيق، لأنه أنفق ماله في مرضاة الله، وكان يشتري من أسلم من العبيد فيعتقهم، وقيل نزلت في أبني الدحداح وهذا ضعيف، لأنها مكيّة وإنما أسلم أبو الدحداح بالمدينة وقيل إن آية الذمّ نزلت في أبي سفيان بن حرب وهذا ضعيف لقوله: ﴿فَسَنُيَسْرُهُ لِلْعُسْرَىْ﴾ وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ هذا نفي، أو استفهام بمعنى الإنكار، واختلف في معنى تردّى على أربعة أقوال: "الأول تردّى أي هلك فهو مشتق من الردى وهو الموت، أو تردّى أي سقط في القبر، أو سقط في جهنم، أو تردّى بأكفانه من الرداء ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي بيان الخير والشر، وليس المراد الإرشاد عند الأشعرية خلافا للمعتزلة ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَى﴾ خطاب من الله أو من النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم على تقدير قل ﴿لاً يَضْلاَها إِلاَّ الأَثْقَى﴾ استدلّ المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلاّ الكفّار لقوله: ﴿الَّذِي كَذِّبَ وَتَوَلَّى﴾، وتأولها الناس بثلاثة أوجه أحدها أن المعنى لا يصلاها ضلي خلود إلاّ الأشقى، والآخر أنه أراد نارًا مخصوصة، الثالث أنه أراد بالأشقىّ كافرًا معيناً وهو أبو "جُهل وأمية بن خلف وقابل به الأتقى وهو أبو بكر الصديق فخرج الكلام مخرج المدح والذمَ على الخصوص لا مخرج الإخبار على العموم ﴿يَتَزَكَّى﴾ من أداء الزكاة أو من الزكاة أي يصير زكيًّا عند الله أو يتطهّر من ذنوبه وهذا الفعل بدل من يؤتى ماله أو حال من الضمير ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نُّعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي لا يفعل الخير جزاء على نعمة أنعم بها عليه أحد فيما تقدّم بل يفعله ابتداءً خالصًا لوجه الله، وقيل: المعنى لا يقصد جزاء من أحد في المستقبل على ما يفعل والأول أظهر ويؤيّده ما رُوِيَ أن سبب الآية أن أبا بكر الصديق لمّا