Indexed OCR Text

Pages 461-480

سورة التحريم
مدنيّة وآياتها ٧٢ نزلت بعد الحجرات
٧
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّيـ
◌ََّيُّهَا النَّبِىُّلِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ الَهُلَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةً
أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيُمُ الْحَكِيمُ ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ،
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في سبب نزولها روايتان إحداهما أن رسول
الله وَيإر جاء يومًا إلى بيت زوجه حفصة بنت عمر بن الخطاب فوجدها قد مرّت لزيارة أبيها
فبعث إلى جاريته مارية فجامعها في البيت فجاءت حفصة فقالت يا رسول الله ما كان في
نسائك أهون عليك منّي أتفعل هذا في بيتي وعلى فراشي فقال لها رسول الله صلّى الله عليه
وآله وسلّم مترضيًا لها: ((أيرضيك أن أحرمها))؟ قالت: نعم، فقال: ((إني قد حرمتها))،
والرواية الأخرى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يدخل على زوجه زينب بنت
جحش فيشرب عندها عسلاً؛ فاتفقت عائشة وحفصة وسودة بنت زمعة على أن تقول له مَن
دنا منها أكلت مغافير والمغافير صمغ العرفط وهو حلو كريه الريح ففعلن ذلك، فقال رسول
اللهِ وَله: ((لا ولكني شربت عسلاً))، فقلن له جرست نحلة العرفط فقال رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم: ((لا أشربه أبدًا))، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة فدخل بعد ذلك

٤٦٢
تفسير سورة التحريم
على زينب فقالت ألا أسقيك من ذلك؟ فقال: ((لا حاجة لي به))، فنزلت الآية عتابًا له على
أن يضيّق على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل، والرواية الأولى أشهر وعليها تكلم
الناس في فقه السورة، وقد خرّج الرواية الثانية البخاري وغيره ولنتكلم على فقه التحریم،
فأما تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ما عدا النساء، فلا يلزم ولا شيء عليه عند مالك،
وأوجب عليه أبو حنيفة الكفّارة، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم وإن لم يَنْوِ به ذلك
لم يلزم وكان حكمه ما ذكرنا في الطعام وأما تحريم الزوجة فاختلف الناس فيه على أقوال
كثيرة فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم إنما يلزم فيه
كفّارة يمين وقال مالك في المشهور عنه ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غير
المدخول بها فيحكم بما نوى من طلقة أو اثتعين أو ثلاث، وقال ابن الماجشون هي ثلاث
في الوجهين ورُوِيَ عن مالك أنها طلقة بائنة، وقيل طلقة رجعية ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾
أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحلّ الله لك يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة،
وهذا يدلّ على أنها نزلت في تحريم الجارية وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رِضا: أزواجه
وإنما تركه لرائحته ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله غفر له ما عاتبه عليه من
التحريم على أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له وإنما وقع العتاب على تضييقه عليه السلام
على نفسه وامتناعه مما كان له فيه أرب وبئش ما قال الزمخشري في أن هذا كان منه زلّة
لأنه حرّم ما أحلّ الله وذلك قلّة أدب على منصب النبوّة ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
التحلّة هي الكفّارة وأحال تعالى هنا على ما ذكر في سورة المائدة من صفتها واختلف في
المراد بها هنا فأما على قول مَن قال إن الآية نزلت في تحريم الجارية فاختلف في ذلك فمَن
قال إن التحريم يلزم فيه كفّارة يمين استدلّ بها ومَن قال إن التحريم يلزم فيه طلاقه قال إن
الكفّارة هنا إنما هي لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حلف وقال والله لا أطؤها أبدًا
وأما على القول بأن الآية نزلت في تحريم العسل فاختلف أيضًا فمَن أوجب في تحريم.
الطعام كفّارة قال هذه الكفّارة للتحريم ومَن قال لا كفّارة فيه قال إنما هذه الكفّارة لأنه.
حلف ألا يشربه وقيل هي في يمينه عليه السلام أن لا يدخل على نسائه شهرًا ﴿وَاللَّهُ
مَوْلاَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون المولى بمعنَى الناصر أو بمعنى السيد الأعظم ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ
إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ اختلف في هذا الحديث على ثلاثة أقوال أحدها أنه تحريم.
الجارية فإنه لمّا حرّمها قال لحفصة لا تُخبري بذلك أحدًا والآخر أنه قال: إن أبا بكر وعمر
يليان الأمر من بعده والثالث أنه قوله شربت عسلاً. والأول أشهر وبعض أزواجه حققة
﴿فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ وَأَظْهَرهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ كانت حفصة قد أخبرت

٤٦٣
تفسير سورة التحريم
وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَنِىَ اٌلْعَلِيمُ
اَلْخَبِيرُ ﴿َ إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ
وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ أَ عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا
عائشة بما أسرّ إليها رسول الله و10 من تحريم الجارية فأخبر الله رسوله عليه السلام بذلك
فعاقب حفصة على إفشائها لسّه فطلّقها ثم أمره الله بمراجعتها فراجعها وقيل لم يطلّقها
فقوله فلما نبأت به حذف المفعول وهو عائشة وقوله وأظهره الله عليه أي أطلعه على
إخبارها به وقوله عرّف بعضه أي عاتب حفصة على بعضه وأعرض عن بعض حياءً وتكريمًا
فإن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات والتقصير في العتاب وقرىء عرف بالتخفيف من
المعرفة ﴿فَلَمَّا نَبَّهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ أي لمّا أخبر النبي ◌َّ حفصة بأنها قد أفشت
سرّه ظنّت بأن عائشة هي التي أخبرته فقالت له مَن أنبأك هذا؟ فلما أخبرها أن الله هو الذي
أنبأه سكتت وسلّمت ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ هذا خطاب لعائشة وحفصة
وتوبتهما مما جرى منهما في قصة تحريم الجارية أو العسل ومعنى صغت أي مالت عن
الصواب وقرأ ابن مسعود زاغت والمعنى إن ◌َتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة
﴿وَإِن تَظَاهَرًا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ المعنى إن تعاونتما عليه وَّو بما يسوؤه من إفراط
الغيرة وإفشاء سرّه ونحو ذلك فإن له من ينصره ومولاه هنا يحتمل أن يكون بمعنى السيد
الأعظم فيوقف على مولاه ويكون جبريل مبتدأ وظهير خبره وخبر ما عطف عليه ويحتمل
أن يكون المولى هنا بمعنى الوليّ الناصر فيكون جبريل معطوف فيوصل مع ما قبله ويوقف
على صالح المؤمنين ويكون الملائكة مبتدأ وظهير خبره وهذا أظهر وأرجح لوجهين:
أحدهما أن معنى الناصر أليق بهذا الموضع فإن ذلك كرامة للنبي وَ لجه وتشريفًا له، وأما إذا
كان بمعنى السيد فذلك يشترك فيه النبي وَلّ مع غيره، لأن الله تعالى مولى جميع خلقه بهذا
المعنى فليس في ذلك إظهار مِزية له، الوجه الثاني أنه ورد في الحديث الصحيح أنه لمّا
وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال يا رسول الله ما يشقّ
عليك من شأن النساء فإن كنت طلّقتهنّ فإن الله معك وملائكته وجبريل معك وأبو بكر معك
وأنا معك، فنزلت الآية موافقة لقول عمر فقوله يقتضي معك النصرة ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
اختلف في صالح هل هو مفرد أو جمع محذوف النون للإضافة فعلى القول بأنه مفرد هو
أبو بكر، وقيل عليّ بن أبي طالب، وعلى القول بأنه جمع فهو على العموم في كل صالح
﴿عَسَى رَبَّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية، نصرة للنبي ◌ََّ، ورُوِيَ أن عمر قال ذلك ونزل القرآن

٤٦٤
تفسير: سورة التجريم
◌َ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوالِقُواْ
مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَتٍ قَئِنَاتٍ تَبَتٍ عَنِدَاتٍ سَِحَةٍ ثَعْبَتٍ وَأَبْكَارًا.
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْضُونَ اللَّهَ مَا
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٤) يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَ نَعْنَذِرُواْ الْيَوْمَّ إِنَّمَا تُخْزَوْنٌ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ:
بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً تَصُوحًا عَسَىَ رَبِّكُمْ أَن يَكَفِّرَ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ
وَيُدْخِلَكُمْ جَنَتٍ تَحْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُعَلٍَّ
بموافقته ولقد قال عمر حينئذ للنبي الله والله يا رسول الله لئن أمرتني يضرب عنق حفصة
لضربت عنقها، وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان والقنوت، والسائحات معناه الصائمات.
قاله ابن عباس وقد رُوِيَ عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقيل معناه مهاجرات وقيل.
ذاهبات إلى الله لأن أصل السياحة الذهاب في الأرض وقوله: ﴿ثَهْبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، قال
بعضهم المراد بالأبكار هنا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون فإن الله يزوّج النبي صلّى
الله عليه وآله وسلّم إيّاهما في الجنة وهذا يفتقر إلى نقل صحيح ودخلت الواو هنا للتقسيم،
ولو سقطت لاختلّ المعنى لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وقال الكوفيون هي واو الثمانية.
وذلك ضعيف ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي أطيعوا الله وأمروا، أهلكم بطاعته لتَقِوا
أنفسكم وأهليكم بطاعته من النار فعبّر بالمسبّب وهو وقاية النار عن السبب وهو الطباعة
﴿وَقُودُهَا﴾ ذكر في البقرة ﴿مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَاءٌ﴾ يعني زبانية التار: وغلظهم وشدتهم يحتمل
أن يريد في أجرامهم وفي قساوة قلوبهم ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ قيل إن هذا تأكيد لقوله ::
﴿لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ﴾، وقيل إن معنى لا يعصون امتثال الأمر، ومعنى يفعلون ما يؤمرون
جدّهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب الناس ﴿لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة»
ويحتمل أن يكون هذا خطاب من الله الكفّار أو خطاب من الملائكة ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ قال
عمر بن الخطاب التوبة النصوح هي أن تتوب من الذنب ثم لا تعود إليه أبدًا ولا تريد أن
تعود وقيل معناه توبة خالصة فهو من قولهم عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وقيل هو أن
تضيق على التائب الأرض بما رحبت كتوبة الثلاثة الذين خلفوا قال الزمخشري وُضِفَتِ
التوبة بالنصح على الإسناد المجازي والنصح في الحقيقة صفة التائبين وهو أن ينصحوا
بالتوبة أنفسهم وقد تكلمنا على التوبة في قوله: ﴿وقُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٤٣١ في.
النور ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيِّ﴾ العامل في يوم يحتمل أن يكون مدقبله أو ما بعدط أو
محذوف تقديره اذكر، والوقف والابتداء يختلف على ذلك ﴿وَأَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن
يكون معطوفًا على النبي أو مبتدأ وخبره بعده ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾ ذكر فلي الحديد ﴿جَاهِدٍ

٤٦٥
تفسير سورة التحريم
ثُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّاً إِنَّكَ عَلَى كُلِ
شَىْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ آلْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّةٌ وَيِنْسَ
أَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ
اُلْمَصِيرُ
مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أُدْخُلَا النَّارَ مَعَ
الدَّاخِلِينَ هَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ
بَيْنَا فِىِ الْجَنَّةِ وَتَحِ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١) وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ
الَِّي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ
م
١٢
الْقَنْئِينَ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ذكر في براءة ﴿أَمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطِ﴾ قيل اسم امرأة نوح والهة، واسم
امرأة لوط والعة، وهذا يفتقر إلى صحة نقل ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال ابن عباس خيانة امرأة نوح
في أنها كانت تقول إنه مجنون وخيانة امرأة لوط بأنها كانت تخبر قومه بأضيافه إذا قَدِموا
عليه، وكانتا مع ذلك كافرتين، وقيل خانتا بالزنا، وأنكر ابن عباس ذلك وقال ما زنت امرأة
نبيّ قطّ تنزيها من الله لهم عن هذا النقص، وضرب الله المثل بهاتين المرأتين للكفّار الذين
بينهم وبين الأنبياء وسائل كأنه يقول لا يغني أحد عن أحد ولو كان أقرب الناس إليه كقرب
امرأة نوح وامرأة لوط من أزواجهما وقيل هذا مثال لأزواج النبي ◌َ ◌ّ فيما ذكر في أول
السورة وهذا باطل لأن الله إنما ضربه للذين كفروا. وامرأة فرعون اسمها آسية وكانت قد
آمنت بموسى عليه السلام فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فدعت بهذا الدعاء فقبض الله
روحها، ورُوِيَ في قصصها غير هذا مما يطول وهو غير صحيح ﴿مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ تعني
كفره وظلمه، وقيل مضاجعته لها وهذا ضعيف ﴿أَخْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني الفرج الذي هو
الجارحة وإحصانها له هو صيانتها وعفّتها عن كل مكروه ﴿فَتَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ عبارة عن
نفخ جبريل في فرجها، فخلق الله فيه عيسى عليه السلام وأضاف الله الروح إلى نفسه إضافة
مخلوق إلى خالقه، وفي ذلك تشريف له ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ كلمات ربّها
يحتمل أن يريد بها الكتب التي أنزل الله أو كلامه مع الملائكة وغيرهم، وكتابه بالإفراد
يحتمل أن يريد به التوراة أو الإنجيل أو جنس الكتب وقرىء بالجمع يعني جميع كتب الله
﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ أي من العابدين، فإن قيل: لِمَ قال من القانتين بجمع المذكّر وهي أُنثى؟
فالجواب: أن القنوت صفة تجمع الرجال والنساء فغلّب الذكور.

:
سورة الملك
مكيّة وآياتها ٣٠ نزلت بعد الطور
ـِ اللَّهِ الرَّْنِ
31
تَبَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ حَ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَوَةٌ لِيَبْلُوَّكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
وَهُوَ أَلْعَزِزُ الْغَفُورُ (أَ أَلَّذِىِ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَُوتٍ فَارْجِع
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحِيمِ
ورد في الحديث أن رسول الله ﴿ كان يقرأ هذه السورة كل ليلة إذا أخذ مضجعه وأنه
عليه الصلاة والسلام قال: إنها تُنجي من عذاب القبر ﴿تَبَارَكَ﴾ فعل مشتق من البركة، وقيل
معناه تعاظم وهو مختصّ بالله تعالى ولم ينطق له بمضارع ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ يعني مَلَك
السموات والأرض والدنيا والآخرة، وقيل يعني ملك الملوك في الدنيا فهو كقوله مالك
الملك والأول أعم وأعظم ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ يعني موت الخلق وحیاتھم، وقیل
الموت الدنيا لأن أهلها يموتون، والحياة الآخرة لأنها باقية فهو كقوله: ﴿وَإِنَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ
لَّهِيَ الحَيَوان﴾ [العنكبوت: ٦٤] وهو على هذا وصف بالمصدر والأول أظهر ﴿لِيَبْلُوَكُمْ}
أي ليختبركم واختبار الله لعباده إنما هو لتقوم عليهم الحجّة بما يصدر منهم وقد كان الله
علم ما يفعلون قبل كونه والمعنى ليبلوكم فيجازيكم بما ظهر منكم ﴿أَيْكُمْ أَحْسَنُ عَمْلَا﴾
رُوِيَ أن رسول الله ﴿ قرأها فقال: ((أيكم أحسن عملاً وأشدّكم لله خوفً وأورع عن محارم
٠٫٠

٤٦٧
تفسير سورة الملك
الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورِ (٢) ثُمَ آَتْجِعِ الْصَرَ كَرََّنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ () وَلَقَدْ
زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ
الله وأسرع في طاعة الله)) ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي بعضها فوق بعض، والطّباق مصدر
وُصفت به السموات أو على حذف مضاف تقديره ذوات طباق وقيل إنه جمع طبقة ﴿مَّا
تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتِ﴾ أي من قلّة تناسب وخروج عن الإتقان، والمعنى أن
خلقة السموات في غاية الإتقان وقيل أراد خلقه جميع المخلوقات ولا شك أن جميع
المخلوقات متقنة ولكن تخصيص الآية بخلقة السموات أظهر لورودها بعد قوله خلق سبع
سموات طِباقًا فبان قوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت بيان وتكميل ما قبله والخطاب
في قوله ما ترى وارجع البصر وما بعده للنبي وَّ أو لكل مخاطب ليعتبر ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ
هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ الفطور الشقوق جمع فطر، وهو الشقّ وإرجاع البصر ترديده في النظر،
ومعنى الآية الأمر بالنظر إلى السماء فلا يرى فيها شقاق ولا خلل بل هي ملتئمة مستوية ﴿ثُمَّ
ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي انظر نظرًا بعد نظر للتثبت والتحقّق، وقال الزمخشري معنى التثنية
في كرّتين التكثير لا مرّتين خاصّة، كقولهم لبّيك فإن معناه إجابات كثيرة ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ
الْبَصَرُ خَاسِتًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ الخاسىء هو المبعد عن الشيء الذي طلبه، والحسير هو الكليل
الذي أدركه التعب فمعنى الآية أنك إذا نظرت إلى السماء مرة بعد مرة لترى فيها شقاقًا أو
خلالاً رجع بصرك ولم ترَ شيئًا من ذلك فكأنه خاسىء لأنه لم يحصل له ما طلب من رؤية
الشقاق والخلل وهو مع ذلك كليل من شدّة النظر وكثرة التأمّل ﴿وَلَقَدْ زَيََّّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
بِمَصَابِيحَ﴾ السماء الدنيا هي القريبة منّا، والمصابيح يُراد بها النجوم فإن كانت النجوم كلها
في السماء الدنيا فلا إشكال، وإن كانت في غيرها من السموات فقد زيّنت السماء الدّنيا،
لأنها ظاهرة فيها لنا ويحتمل أن يريد أنه زيّن السماء الدّنيا بالنجوم التي فيها دون التي في
غيرها على أن القول بموضع الكواكب وفي أيّ سماء هي لم يرد في الشريعة ﴿وَجَعَلْنَاهَا
رُجُومًا لْلشَّيَاطِينِ﴾ أي جعلنا منها رجومًا، لأن الكواكب الثابتة ليست ترجم الشياطين فهو
كقولك: أكرمت بني فلان إذا أكرمت بعضهم، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمّي به ما
يُرجَم به، قال الزمخشري معنى كون النجوم رجومًا للشياطين والشّهب تنقضّ من النجوم
لرجم الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء فالشّهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب
لا أن الراجمة هي الكواكب أنفسها لأنها ثابتة في الفلك قال قتادة خلق الله النجوم لثلاثة
أشياء زينة السماء ورجوم الشياطين ويهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر ﴿وَأَعْتَذْنَا لَهُمْ عَذَابَ

٤٦٨
تفسير سورة الملك
إِذَا أُلْقُواْ فِيَهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ (أَ تَكَادُ تَمَيِّزُ مِنَ
بِرَبِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (
﴿ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ
الْفَيْظِ كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَا فَوٌْ سَأَلَهُمْ خَزَتُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْنَذِرٌ
١٠
مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ﴾ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
فَأَعْتَرَفُواْ بِذَئِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِلْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
كَبِيرٌ (١) وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) أَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ
اْخِيرُ (١) هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِزْقِهِهُ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
١٥
السَّعِيرِ﴾ يعني للشياطين ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ الشهيق أقبح ما يكون من صوت الحمار
ويعني به هنا ما يسمع من صوت جهنم لشدّة غليانها وهولها أو شهيق أهلها، والأول أظهر
﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي تغلي بأهلها غليان القدر بما فيها ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تكاد جهنم
ينفصل بعضها عن بعض لشدّة غيظها على الكفّار، فيحتمل أن تكون هي المغتاظة بنفسها
ويحتمل أن يريد غيظ الزبانية والأول أظهر لأن حال الزبانية يُذكّر بعد هذا وغيظ النار
يحتمل أن يكون حقيقة بإدراك يخلقه الله لها أو يكون عبارة عن شدّتها ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا
فَوْجٌ﴾ أي كلما أُلْقِيَ في جهنم جماعة من الكفّار سألتهم الزبانية هل جاءكم من نذير أي
رسول وهذا السؤال على وجه التوبيخ وإقامة الحجة عليهم، ولذلك اعترفوا فقالوا بلی قد
جاءنا نذير، وقوله كلما يقتضي أن يقال ذلك لكل جماعة تُلقى في البار ﴿إِن أَنْتُمْ إلاَّ فِي
ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ يحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفّار أو من قول الكفّار للرسل في الدنيا
﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للكفّار أي لو كنّا نسمع كلام الرَّسُل ونعقل الصواب ما كنّا في أصحاب
السعیر ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَتْپِهِمْ﴾ اعترافهم هذا في وقت لا ينفعهم الاعتراف وذنبهم هنا يراد به
تكذيب الرُّسُل ﴿فَسُخْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ انتصب فسحقًا بفعل مضمرٍ على معنى الدعاء
عليهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان أحدهما أن معناه وهم غائبون عن الناس ففي ذلك وصف لهم
بالإخلاص والآخر أن الغيب ما غاب عنهم من أمور الآخرة وغيرها على أن هذا القول إنما
يحسن في قوله يؤمنون بالغيب ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُوا بِهِ﴾ المعني سواء جهرتم أو
أسررتم فإن الله يعلم الجهر والسرّ ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ هذا برهان على أن الله تعالى يعلم
كل شيء لأن الخالق يعلم مخلوقاته ويحتمل أن يكون من خلق فاعلاً يراد به الخالق
والمفعول محذوف تقديره ألا يعلم الخالق خلقه أو يكون من خلق مفعولاً والفاعل مضمرٍ
تقديره ألا يعلم الله مَن خلق والأول أرجح لأن مَن خلق إذا كان مفعولاً اختصّ بمن يعقل
والمعنى الأول يعمّ مَن يعقل ومَن لا يعقل ﴿الأَرْضَ ذَلُولاً﴾ فعول هنا بمعنى مفعول أي

٤٦٩
تفسير سورة الملك
ءَأَمِنِثُمْ مَن فِ السَّمَآءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٥) أَمْ أَمِنْتُ مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يُّرْسِلَ
عَلَيْكُمْ حَاصِبَّاً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَّفَ كَانَ نَكِيرِ الثَّ أَوَلَ يَرَوْا
إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّفَّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنَنَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ (َ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ
جُنْدٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ اُلْكَفِرُونَ إِلَّا فِىِ غُرُورٍ (٢٦) أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ
بَل لَّجُواْ فِى عُنٍُّ وَنُفُورٍ (٦) أَفَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ: أَهْدَىَ أَمَّن يَمْشِ سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (
٢٢١
قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ (َ قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى
مذلولة فهي كركوب وحلوب ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ قال ابن عباس هي الجبال وقيل
الجوانب والنواحي وقيل الطرق والمعنى تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض
فاستعار لها الذلّ والمناكب تشبيهًا بالدواب ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ يعني البعث يوم القيامة
﴿أَمِنْتُم﴾ الآية مقصودها التهديد والتخويف للكفّار وكذلك الآية التي بعدها ﴿تَمُورُ﴾ ذكر
في الطور ﴿حاصبًا﴾ يحتمل أن يريد حجارة أو ريحًا شديدةٌ ﴿نَذِيرٍ﴾ بمعنى الإنذار وكذلك
النكير بمعنى الإنكار ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ تنبيه على الاعتبار بطيران
الطيور في الهواء من غير شيء يمسكها وصافّات جمع صافّة وهي التي تبسط جناحها
للطيران والقبض ضمّ الجناحين إلى الجنب وعطف يقبض على صافّات لأن الفعل في معنى
الاسم تقديره قابضات فإن قيل لم يقل قابضات على طريقة صافّات؟ فالجواب أن بسط
الجناحين هو الأصل في الطيران كما أن مدّ الأطراف هو الأصل في السباحة فذكر بصيغة
اسم الفاعل لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإنما يفعله الطائر قليلاً للاستراحة
والاستعانة فذكر بلفظ الفعل لقلّته ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ خطاب للكفّارِ على وجه
التوبيخ والتهديد وإقامة الحجّة عليهم ودخلت أم التي يراد بها الإنكار على من فأُدغمت فيها
وكذلك أمّن هذا الذي يرزقكم والضمير في أمسك لله أي مَن يرزقكم إن منع الله رزقه،
﴿بَل لَّجُوا﴾ أي تمادوا في العتوّ والنفور عن الإيمان ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية
توقيف على الحالتين، أيّهما أهدى والمراد بها توبيخ الكفّار، وفي معناها قولان: أحدهما
أن المشي هنا استعارة في سلوك طريق الهدى والضلال في الدنيا، والآخر أنه حقيقة في
المشي في الآخرة لأن الكافر يحمل على المشي إلى جهنم على وجهه فأما على القول
الأول فقيل إن الذي يمشي مُكِبًا أَبو جهل والذي يمشي سويًّا سيّدنا محمد وَّر، وقيل
حمزة وقيل هي على العموم في كل مؤمن وكافر، وقد تمشي هذه الأقوال أيضًا على

٤٧٧٠٠٠
تفسير سورة الملك
◌َ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ (٢٠) قُلْ إِنَّبَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا
(٢٤
اٌلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فَلَمَّا رَوَهُ زُلْفَةُ سِيَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُمْ بِه
٢٦
أَنْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
تَذَّعُونَ (َّ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَ مَن ◌َّعِىَ أَّوْ رَحِمَنَا فَمَن يُّجِيرُ الْكَفَِّ مِنْ عَذَابٍ أَلِ لذَ
قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِيِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ (٤٦) قُلْ أَرَبَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ
غَوْرًا فَنَ يَأْتِيَكُمْ بِسَآٍ مَّعِينٍ
الثاني، والمكبّ هو الذي يقع على وجهه يقال أكبّ الرجل وكبّه غيره فالمعدّى دون همزة
والقاصر بالهمزة بخلاف سائر الأفعال ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الضمير للكفّار والوعد
يراد به البعث أو عذابهم في الدنيا ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ضمير الفاعل للكفار وضمير المفعول
للعذاب الذي يتضمنه الوعد ﴿زُلْفَةً﴾ أي قريبًا وقيل عيانًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي
ظهر فيها السوء لما حلّ بها ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ تفتعلون من الدعاء، أي
تطلبون وتستعجلون به والقائلون لذلك الملائكة أو يقال لهم بلسان الحال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ
أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ الآية سببها أن الكفّار كانوا يتمنّون هلاك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
والمسلمين فأمره الله أن يقول لهم: ﴿إِنْ أَهْلَكِنِي اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ فإنكم لا تنجون
من العذاب الأليم على كل حال والهلاك هنا يحتمل أن يراد به الموت أو غيره ومعنى مَن
يجير الكافرين من عذاب أليم: مَن يمنعهم من العذاب ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَضْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾
الآية احتجاج على المشركين والغور مصدر وصف به فهو بمعنى غاير أي ذاهب في الأرض
والمَعين الكثير واختلف وزنه فعيل أو مفعول فالمعنى إن غار ماؤكم الذي تشربون هل
يأتيكم غير الله بماء مَّعين.

سورة القلم
مكتّة إلاّ من آية ١٧ إلى غاية آية ٣٣ ومن
آية ٤٨ إلى غاية آية ٥٠ فمدنية وآياتها ٥٢ نزلت بعد العلق
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَ
أَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَةٍ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ () وَإِنَّكَ
تْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ (جَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (١) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿ن﴾ حرف من حروف الهجاء وقد تقدّم الكلام عليها في البقرة ويختصّ ﴿ن﴾ بأنه
قيل إنه حرف من الرحمن فإن حروف الرحمن ألف ولام وراء وحاء وميم ون وقيل نون هنا
يراد به الحوت وزعموا أنه الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبعة وهذا لا يصح على
أن نون بمعنى الحوت معروف في اللغة ومنه ذو النون وقيل إن نون هنا يراد به الدُّواة وهذا
غير معروف في اللغة ويبطل قول مَن قال إنه الحوت أو الدواة بأنه لو كان كذلك لكان
معربًا بالرفع أو النصب أو الخفض ولكان في آخره تنوين فكونه موقوفًا دليل على أنه حرف
هجاء نحو ألم وغيره من حروف الهجاء الموقوفة ﴿وَالقَلَمْ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ اختلف فيه على
قولين أحدهما أنه القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ فالضمير في يسطرون للملائكة
والآخر أنه القلم المعروف عند الناس أقسم الله به لما فيه من المنافع والحِكَم والضمير في
يسطرون على هذا لبني آدم ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ هذا جواب القسم وهو خطاب

٤٧٢
تفسير سورة القلم
سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿ فَلَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (*) وَدُوْلَوْتُدْهِنٌ فَيُدْ هِنُونَ (٥) وَلَا تُطِعْ كُلَّ
عُبُّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيٍِ شَ أَنْ
هَمَّازٍ مَّشَكِ بِنَحِيمٍ (٤) مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَنِمٍ الأَ
١٠
حَلَّافٍ مَّهِينٍ
لمحمد ◌ّقر معناه نفي نسبة الكفّار له من الجنون وبنعمة ربّك اعتراض بين ما وخبرها كما
تقول أنت بحول الله أفضل والمجرور في موضع الحال وقال الزمخشري إن العامل فيه
بمجنون ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ذكر في فصْلت ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ هذا ثناء على خلق
رسول الله رَ﴿ قالت عائشة رضي الله عنها كان خلق رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلّم
القرآن تعني التأدّب بآدابه وامتثال أوامره وعبّر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك
رأس الخلق وتفصيل ذلك أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم جمع كل فضيلة
وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحّة الفهم وكثرة العلم
وشدّة الحياء وكثرة العبادة والسخاء والصدق والشجاعة والصبر والشكر والمروءة والتودد
والاقتصاد والزهد والتواضع والشفقة والعدل والعفو وكظم الغيظ وصلة الرحم وحُسْن
المعاشرة وحُسْن التدبير وفصاحة اللسان وقوّة الحواس وحُسْن الصورة وغير ذلك حسنهما
ورد في أخباره وسيره صلّى الله عليه وآله وسلّم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام بُعِثْت .
لأُتَمّم مكارم الأخلاق، وقال الجنيد سمّي خلقه عظيمًا لأنه لم تكن له همّة سوى الله عزّ
وجلّ ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَقْتُونُ﴾ قيل إن المفتون هنا بمعنى المجنون ويحتمل غير
ذلك من معاني الفتنة والخطاب في قوله فستبصر للنبي وَّ ر وفي قوله ويبصرون لكفّار قريش
واختلف في الباء التي في قوله بأيّكم على أربعة أقوال الأول أنها زائدة، الثاني أنها غير
زائدة والمعنى بأيّكم الفتنة فأوقع المفتون موقع الفتنة كقولهم ما له معقول أي عقل، الثالث
أن الباء بمعنى في والمعنى في أيّ فريق منكم المفتون واستحسن ابن عطية هذا، الرابع أن
المعنى بأيّكم فتنة المفتون ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ﴿وَدُّوا لَوْ تُذْهِنُ
فَيُدْهِنُونَ﴾ المداهنة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، ورُوِيَ أن الكفّار قالوا للنبي وَل
لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في جواب التمنّي بل رفعه
بالعطف على تدهن قاله ابن عطية وقال الزمخشري هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم
يدهنون ﴿حَلاَّفٍ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل ﴿مَّهِينٍ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل قال
ابن عطية هو من مهن إذا ضعف فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري هو من المهانة وهي
الذلّة والحقارة وقال ابن عباس المهين الكذاب ﴿هَمَّازٍ﴾ هو الذي يعيب الناس ﴿مَّشَّاءٍ
بِتَمِيمٍ﴾ أي كثير المشي بالنميمة يقال نميم ونميمة بمعنى واحد قال رسول الله ولين: ((لا

٤٧٣
تفسير سورة القلم
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ وَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
سَنَسِمُهٍُ عَلَى
١٥
(١٤
كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
فَطَافَ عَلَيْهَا
١٨
{ وَلَا يَسْتَثْنُونَ
١٧
اٌلُْطُومِ (١٨) إِنَا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَفْسَمُواْ لَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
يدخل الجنة نمّام)) ﴿مَّنَّاعِ لْلْخَيْرِ﴾ أي شحيح لأن الخير هنا هو المال وقيل معناه منّاع من
الخير أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح ﴿مُعْتَدٍ﴾ هو من العدوان وهو الظلم
﴿أَثِيمٍ﴾ من الإثم وهو ارتكاب المحرّمات ﴿عُثُلُ﴾ أي غليظ الجسم قاسي القلب بعيد
الفهم كثير الجهل ﴿زَنِيم﴾ أي ولد زنا؛ وقيل هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي تعلق
في حلقها، وقيل معناه مريب قبيح الأفعال وقيل ظلوم، وقيل لئيم وقوله بعد ذلك أي بعد
ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان واختلف في الموصوف بهذه
الأوصاف الذميمة، فقيل لم يقصد بها شخص معين بل كلّ مَن اتّصف بها وقيل المقصود
بها الوليد بن المغيرة لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل أبو جهل وقيل
الأخنس بن شريق ويؤيّد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس عرفناه بزنمته وكان
لقيط من ثقيف ويُعدّ في بني زهرة فيصحّ وصفه بزنيم على القولين، وقيل الأسود بن عبد
يغوث ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبِنِينَ﴾ في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله لا تطع أي لا تطعه
بسبب كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في القرآن:
﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾، لأنه ذو مال وبنين يتكبّر بماله وبنيه والعامل في أن كان على هذا فعل
من المعنى ولا يجوز أن يعمل فيه قال الذي هو جواب إذا لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما
قبله والأول أظهر وقد تقدّم معنى أساطير الأوّلين ﴿سَتَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم﴾ أصل الخرطوم
أنف السبع ثم استعير للإنسان استخفافًا به وتقبيحًا له والمعنى نجعل له سِمَة وهي العلامة
على خرطومه، واختلف في هذه السمة قيل هي الضربة بالسيف يوم بدر، وقيل علامة من
نار تُجعَل على أنفه في جهنم وقيل علامة تُجعَل على أنفه يوم القيامة ليُعرَف بها ﴿إِنَّا
بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي بلونا قريشًا كما بلونا أصحاب الجنة وكانوا إخوة من
بني إسرائيل لهم جنة، رُوِيَ أنها بمقربة من صنعاء فحلفوا أن لا يعطوا مسكينًا منها شيئًا
وباتوا عازمين على ذلك، فأرسل الله على جنّتهم طائفًا من نار فأحرقتها فلما أصبحوا إلى
جنّتهم لم يروها فحسبوا أنهم أخطؤوا الطريق ثم تبيّنوها فعرفوها وعلموا أن الله عاقبهم فيها
بما قالوا فندموا وتابوا إلى الله ووجه تشبيه قريش أصحاب الجنة أن الله أنعم على قريش
ببعث محمد صلّى الله تعالى عليه وسلّم كما أنعم على أصحاب الجنة بالجنة فكفر هؤلاء
بهذه النعمة كما فعل أولئك فعاقبهم الله كما عاقبهم وقيل شبّه قريشًا لما أصابهم الجوع

٤٧٤
تفسير سورة القائم
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ
(١٩
طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ
جَ أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرَيْكُمْ إِنْ كُمْ
فَنَادَوْأُ مُصْبِحِينٌ
٢٠
فَكَتَا
صَرِمِينَ ◌ِثَ فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ (٣) أَنْ لَّا يَدْخُلَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُرْ مِسْكِينٌ (٨ْمَ وَغَدَوْ عَى حَرْفٍ قَدِرِينَ لـ
ـا قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَبِّحُونَ إِ﴿لَ قَالُواْ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِنَّا
٢٧
رَوْهَا قَالُواْ إِنَّالَضَاَلُونَ ﴿يَبَّلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ (!
قَالُوا يَوْتِلِنَآَ إِنَّا كُنَّا ◌ِغِيْنَّ ◌ِجَ عَسَى رَبَّنَآَ أَنْ يُبْدِلَنَا
◌َ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ
٢٩
كُنَا ظَلِمِينَ
لشدّة القحط حين دعا عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأصحاب الجدة لها
هلكت جنتهم ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي حلفوا أن يقطعوا غلّة جنتهم-عند
الصباح وكانت الغلّة ثمرًا ﴿وَلاَ يَسْتَثْتُونَ﴾ في معناه ثلاثة أقوال أحدها لم يقولوا إن شاء الله
حين حلقوا ليصرمنّها والآخر لا يستثنون شيئًا من ثمرها إلاّ أَخذوه لأنفسهم والثالث لا
يتوقفون في رأيهم ولا ينتهوا عنه أي لا يرجعون عنه ﴿فَطَّافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ قال الغرّاء
الطائف الأمر الذي يأتي بالليل ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم﴾ فيه أربعة أقوال الأول أصبحت
كالليل لأنها اسودّت لما أصابها والصريم في اللغة الليل الثاني أصبحت كالنهار لأنها ابيضت
كالحصيد ويقال صريم الليل والنهار الثالث أن الصريم الرماد الأسود بلغة بعض الخريف
الرابع أصبحت كالمصرومة أي المقطوعة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي لمادخ بعضهم بعضًا جين
أصبحوا وقال بعضهم لبعض ﴿أَعْدُوا عَلَىَ حَرْثِكُمْ﴾ أي جنّتكم ﴿إِن كُمْتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي
حاصديُن لثمرتها ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يكلّم بعضهم بعضًا في السرّ ويقولون ﴿لاَ يَدْخُلَتْهَا الْيَوْمَ
عَلَيْكُم مُسْكِينٌ﴾ وأن في قوله أن اغدوا وأن لا يدخلنّها حرف عبارة وتفسير ﴿وَغَدَوْا عَلَى
حَرَدٍ قَادِرِينَ﴾ في الحرد أربعة أقوال الأول أنه المنع الثاني أنه القصد الثالث أنه الغضب
الرابع أن الحرد اسم للجنة وقادرين يحتمل أن يكون من القدرة أي قادرين في زعمهم أو
من التقدير بمعنى التضييق أي ضيقوا على المساكين ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي أخطأنا طريق الجنة
قالوا ذلك لما لم يعرفوها فلما عرفوها ورأوا ما أصابها قالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ﴾ أي
حرمنا الله خيرها ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي خيرهم وأفضلهم ومنه أمة وسطًا أي خيارًا ﴿لَوْلاً
تُسَبِّحُونَ﴾ أي تقولون سبحان الله وقيل هو عبارة عن طاعة الله وتعظيمه وقيل أراد الاستثناء
في اليمين كقولهم إن شاء الله والأول أظهر لقولهم بعد ذلك سبحان ربّنا والمعنى أن هذا
الذي هو أفضلهم كان قد حضّهم على التسبيح ﴿يَتَلاَوَمُونَ﴾ أي يلوم بعضهم بعضًا على ما
كانوا عزموا عليه من منع المساكين أو على غفلتهم عن التسبيح بدليل قولله، ألم أقل لكم، لولا
تسبحون ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَا خَيْرًا مِّنْهَا﴾ يحتمل أنهم طلبوا المبدل في الدنيا أو في
الآخرة والأول أرجح لأنه رُوِيّ عن ابن مسعود أن الله أبدلهم جنة يحمل البغل منها عنقودًا

٤٧٥
تفسير سورة القلم
كَذَلِكَ الْعَذَابِّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونُ (٤) إِنَّ لِلْمُنَّقِينَ عِنْدَ رَيْهِمْ
٣٢
خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ
٣٧
) أَفَنَجْعَلُ اُلْلِمِينَ كَِْمِينَ (٥جَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَكُمُونَ (٢٦) أَمَ لَكُمْ كِنَبُّ فِيهِ نَدْرُسُونَ
٣٤
جَنَّتِ التَعِيمِ (
أَّ لَكُمْ أَيْمَنُّ عَلَيْنَا بَلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٠َ سَلْهُمْ أَيُّهُم
٣٨
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَا تَخَّرُونَ
بِذَلِكَ زَعِيمٌ (َْ أَمْ لَهُمْ شُرَكَهُ فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكآِهِمْ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (٤) يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي مثل هذا العذاب الذي ينزل بأهل الجنة ينزل بقريش ﴿أَفَتَجْعَلُ
الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ الهمزة للإنكار أي کیف یسوّي الله بين المسلمين والمجرمين بل
يجازي كل أحد بعمله والمراد بالمجرمين هنا الكفّار ﴿مَا لَكُمْ﴾ توبيخ للكفّار وما مبتدأ
ولكم خبره وتمّ الكلام هنا فينبغي أن يوقف عليه ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ توبيخ آخر أي كيف
تحكمون بأهوائكم وتقولون ما ليس لكم به علم ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ هذه الجملة
معمول تدرسون وكان أصل إن الفتح وكسرت لأجل اللام التي في خبرها وتخيرون معناه
تختلرون لأنفسكم ومعنى الآية هل لكم كتاب من عند الله تدرسون فيه أن لكم ما تختارونه
لأنفسكم ﴿أَم لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ المعنى هل
حلفنا لكم أيمانًا أن لكم ما تحكمون ومعنى بالغة ثابتة واصلة إلى يوم القيامة، وقوله إن
لكم هو جواب القسم الذي يقتضيه الأيمان ولذلك أكده بإن واللام وما تحكمون هو اسم
إن دخلت عليه اللام المؤكّدة ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي یا محمد اسأل قريشًا أيهم
زعيم بهذه الأمور، والزعيم هو الضامن للأمر القائم به ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾
هذا تعجيز للكفّار، ومعناه إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء فأتوا بهم، واختلف هل
قوله فليأتوا بهم في الدنيا، أي أحضروهم حتى يرى حالهم أو يقال لهم ذلك يوم القيامة:
والشركاء هم المعبودون من الأصنام وغيرها وقال الزمخشري معناه أم لكم ناس يشاركونكم
في هذا القول، ويوافقونكم عليه فأتوا بهم يعني أنهم لا يوافقهم أحد عليه، والأول أظهر
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنِ سَاقٍ﴾ قال المتأوّلون ذلك عبارة عن هول يوم القيامة وشدّته، وفي
الحديث الصحيح عن رسول الله وَّر أنه قال: ((ينادي مُنادٍ يوم القيامة لتتبع كل أُمة ما كانت
تعبد فيتبع الشمس مَن كان يعبد الشمس ويتبع القمر مَن كان يعبد القمر ويتبع كل أحد ما
كان يعبد ثم تبقى هذه الأمة وغبرات من أهل الكتاب معهم مُنافقوهم فيقال لهم ما شأنكم
فيقولون ننتظر ربّنا قال فيجيئهم الله في غير الصورة التي عرفوه فيقول أنا ربّكم فيقولون نعوذ
بالله منك، قال فيقول أتعرفونه بعلامة ترونها فيقولون نعم فيكشف لهم عن ساق فيقولون
نعم أنت ربّنا ويخرّون للسجود فيسجد كل مؤمن وترجع أصلاب المنافقين عظمًا واحدًا فلا

٤٧٦
تفسير سورة القلم
﴿ فَذَرْنِ
جَ خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُ تَرْهَقُهُمْ ذِلٌَّ وُقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ
السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْمَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٢٤) وَأُمَلِ لَهُمْ إِنَّ كَّدِى مَتِينُ (٤٥) أَمْ قَتْتَلُهُمْ
)قاضِر ◌ِحُكْمِرَیْكَ وَلا تَگُن گَصَاحِبٍ
أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّشْقَلُونَ (٥) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ◌َ
◌ْجَ فَأَجْتَبَهُ رَبُّهُ
أَوْلَا أَنْ تَدَرَّكَهُمْ نِعْمَةٌ مِن رَّيِّهِ، لَنُهِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مُذْمُومٌ
٤٨
الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
فَجَعَلَهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وَ وَمَا
أَ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَيُِّقُونَكَ بِأَبْصَرِهِ لَمَّا سَمِعُوْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ ◌َجْنُنٌ
٥٠
يستطيعون سجودًا)) وتأويل الحديث كتأويل الآية ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ تفسيره في الحديثِ
الذي ذكرنا، فإن قيل كيف يدعون في الآخرة إلى السجود وليست الآخرة دار تكليف؟
فالجواب: أنهم يدعون إليه على وجه التوبيخ لهم على تركهم السجود في الدنيا لا على
وجه التكليف والعبادة ﴿وَقَدْ كَانُوا يُذْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ أي قد كانوا في الدنيا
يدعون إلى السجود فيمتنعون منه وهم سالمون في أعضائهم قادرون عليه ﴿فَذَرْنِي وَمَن
يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ تهديد للمكذبين بالقرآن وإعراب من يكذب مفعول معه أو معطوفب،
وقد ذكرنا في الأعراف سنستدرجهم وما بعده ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ معناه أنت لا تسألهم أُجرة
على الإسلام فتثقل عليهم فلا عذر لهم في تركهم الإسلام، وقد فسّرتا هذا وما بعده في
الطور ﴿فَأَضْبِرْ﴾ يقتضي مسالمة للكفّار، نسخت بالسيف ﴿وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ هو
يونس عليه السلام وسمّاه صاحب الحوت لأن الحوت ابتلعه وهو أيضًا ذو النون والنون هو
الحوت، وقد ذكرنا قصته في الأنبياء والصّافّات، فنهى الله محمدًاً وَ ر أن يكون مثله في
الضجر والاستعجال حتى ذهب مغاضبًا، ورُوِيَ أن هذه الآية نزلت:لمّا همّ النبي ◌َ و أن
يدعو على الكفّار ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْثُومٌ﴾ هذا آخر ما جرى ليونس ونداؤه هو قوله في بطن
الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، والمكظوم الشديد الحزن ﴿لَنْبِذَ
بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ هو جواب لولا والمنفي هو الذم لا نبذه بالحراء فإنه قد قال، في
الصّافات فنبذناه بالعراء فالمعنى لولا رحمة الله لنبذ بالعراء وهو مذموم لكنه نبذ وهو غير
مذموم وقد ذكرنا العراء في الضّافَات ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِ هِمْ﴾ عبارة
عن شدّة عداوتهم وإن مخفّفة من الثقيلة بدليل دخول اللام وليزلقونك معناه يهلكونك
كقولك نظر فلان إلى عدوّه نظرة كاد يصرعه وأصله من زلق القدم، وقرىء بفتح الياء
وضمّها وهما لغتان وقيل إن المعنى يأخذونه بالعين وكان ذلك في بني أسد كان الرجل
منهم يجوع ثلاثة أيام فلا يتكلم على شيء إلاّ أصابه بالعين فأراد بعضهم أن يصيب

٤٧٧
تفسير سورة القلم
هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
٥٢
النبي ◌َّ فعصمه الله من ذلك، وقال الحسن دواء مَن أُصيب بالعين قراءة هذه الآية ﴿وَمَا
هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لْلْعَالَمِينَ﴾ يعني القرآن أو هو موعظة وتذكير للخلق.

سورة الحاقّة
مكيّة وآياتها ٥٢ نزلت بعد الملك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّ
◌َ فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ
أَوَمَآ أَذْرَئِكَ مَا الْخَاقَّةُ (َ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
٢
مَا اُلْحَاقَّةُ
اُلْآَقَّةُ
◌َ وَأَمَا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصٍَ عَاِيَةٍ (١) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ
بِالطَّاغِيَةِ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الْحَاقَّةُ﴾ هي القيامة ووزنها فاعلة سمّيت الحاقّة لأنها تحقّ أي يصحّ وجودها،
ولا ريب في وقوعها ولأنها حقّت لكل أحد جزاء عمله أو لأنها تبدىء حقائق الأمور ﴿مَا
الْحَاقَّةُ﴾ ما استفهامية يراد بها التعظيم وهي مبتدأ وخبرها ما بعده والجملة خبر الحاقّة،
وكان الأصل الحاقّة ما هي ثم وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم والتهويل،
وكذلك و﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ لفظه استفهام والمراد به التعظيم والتهويل ﴿بِالْقَارِعَةِ﴾
هي القيامة سُمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها ﴿بِالطَّافِيَّةِ﴾ يعني الصيحة التي أخذت
ثمود وسُمّيت بذلك لأنها جاوزت الحدّ في الشدّة، وقيل الطاغية مصدر فكأنه قال أهلكوا
بطغيانهم، فهو كقوله كذبت ثمود بطغواها وقيل هي صفة لمحذوف تقديره أهلكوا بسبب
الفعلة الطاغية أو الفئة الطاغية والباء على هذين القولين سببية وعلى القول الأول كقولك
قتلت زيدًا بالسيف ﴿بِرِيحِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ذكر في فصّلت، وعاتية أي شديدة وسُمّيت بذلك

٤٧٩
تفسير سورة الحاقّة
٨
فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ
٧
أَيَّامٍ حُسُومَا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةٍ
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ (٥) فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّبِيَةً (٥) إِنَّا لَمَّا طَغَا
اَلْعَامُ حَمَلْنَكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿َ لِنَجْعَلَهَا لَكُ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنَّ وَعِيَةٌ (١) فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ
١٣
لأنها عتت على عادٍ، وقيل عتت على خزّانها فخرجت بغير إذنهم ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ
لَيَالٍ﴾ رُوِيَ أنها بَدَت صبيحة يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من شوّال، وتمادت بهم إلى آخر يوم
الأربعاء تكملة الشهر ﴿حُسُومًا﴾ قال ابن عباس معناه كاملة متتابعة لم يتخلّلها غير ذلك،
وقيل معناه شؤمًا وقيل هو جمع حاسم من الحسم وهو القطع أي قطعتهم بالإهلاك فحسومًا
على القول الأول والثاني مصدر في موضع الحال، وعلى الثالث حال أو مفعول من أجله
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ جمع صريع وهو المطروح بالأرض، والضمير المجرور يعود
على منازلهم لأن المعنى يقتضيها وإن لم يتقدّم ذكرها أو على الأيام والليالي، أو على الريح
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ تقدّم في القمر معنى تشبيههم بأعجاز النخل، والخاوية هي
التي خَلَت من طول بلائها وفسادها ﴿مَّن بَاقِيَةٍ﴾ أي من بقية، وقيل من فئة باقية وقيل إنه
مصدر بمعنى البقاء ﴿وَمَن قَبْلَهُ﴾ يريد مَن تقدّم قبله من الأمم الكافرة وأقربهم إليه قوم
شعيب، والظاهر أنهم المراد لأن عادًا وثمود قد ذكرا وقوم لوط هم المؤتفكات وقوم نوح
قد أُشير إليهم في قوله لما طغى الماء حملناكم في الجارية، وقرىء بكسر القاف وفتح الباء
ومعناه جنده وأتباعه ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ إما أن يكون مصدرًا بمعنى الخطيئة أو صفة لمحذوف
تقديره بالفعلة الخاطئة ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ إن عاد الضمير على فرعون وقومه، فالرسول
موسى عليه السلام، وإن عاد على المؤتفكات: فالرسول لوط عليه السلام، وإن عاد على
الجميع، فالرسول اسم جنس أو بمعنى الرسالة ﴿رَّابِيَةً﴾ أي عظيمة وهي من قولك ربا .
الشيء إذا كثر ﴿طَغَى أَلْمَاءُ﴾ عبارة عن كثرته، فيحتمل أن يريد أنه طغى على أهل الأرض:
أو على خزّانه وقت طوفان نوح عليه السلام ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِبَةِ﴾ هي السفينة، فإن أراد
سفينة نوح فمعنى حملناكم حملنا آباءكم لأن كل مَن على الأرض من ذرّية نوح وأولاده
الثلاثة الذين كانوا معه في السفينة، وإن أراد جنس السفن فالخطاب على حقيقته ﴿لِتَجْعَلَهَا
لَكُمْ تَذْكِرَةٌ﴾ الضمير للفعلة وهي الحمل في السفينة وقيل للسفينة، فإن أراد جنس السفن:
فالمعنى أنها تذكرة بقدرة الله ونعمته لمَن ركب أو سمع بها وإن أراد سفينة نوح فقد قيل إن
الله أبقاها حتى رأى بعض عيدانها أول هذه الأمة ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنْ وَاعِيَةٌ﴾ الضمير يعود على ما
عاد عليه ضمير لنجعلها، وهذا يقوي أن يكون للفعلة، والأُذُن الواعية هي التي تفهم ما

٤٨٠
تفسير سورة الحاقة
﴿أَ فَيَؤْمَيٍِ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَأَنْشَقَتِ السَّمَآءُ فَهِىَ بَوْمَيَذٍِ
وَحُمِلَتِ آلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَذُكَّنَا دَلَّةُ وَحِدَةً
جَ يَوْظِذٍ تُعْرَضُونَ لَا يَحْفَى
وَإِهِيَةٌ () وَالْمَلَكُ عَ أَرْجَابِهَاً وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَّةٌ
مِنْكُرْ خَافِيَةٌ ٨َ فَأَّمَّا مَنْ أُوتِىَ كِنَبَهُ بِسَمِينِ، فَقُولُ هَاؤُمُ أَفْرَءُواْ كِنَبِيَةِ إِلَ إِ ◌َبَنْتُ أَنِّ مُكٍَّ
تسمع وتحفظه، يقال وعيت العلم إذا حصّلته، ولذلك عبّر بعضهم عنها بأنها التي عقلت
عن الله، ورُوِيّ أن رسول الله وَّر قال لعليّ بن أبي طالب: ((إني دعوت الله أن يجعلها
أُذنك يا عليّ))، قال عليّ فما نسيت بعد ذلك شيئًا سمعته، قال الزمخشري: إنما قال أُذن
واعية بالتوحيد والتنكير للدلالة على قلّة الوعاة ولتوبيخ الناس بقّة مَن بقي منهم، وللدلالة
على أن الأَذْن الواحدة إذا عقلت عن الله تعالى فهي المعتبرة عند الله دون غيرها. ﴿نَفْخَةٌ
وَاحِدَةٌ﴾ يعني نفخة الصور وهي الأولى ﴿فَدُكَّتَا﴾ الضمير للأرض والجبال، ومعنى دُكّتا
ضرب بعضها ببعض حتى تندقّ، وقال الزمخشري: الدك أبلغ من الدق، وقيل معناه
بسطت حتى تستوي الأرض والجبال ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي قامت القيامة، وقيل وقعت
صخرة بيت المقدس وهذا ضعيف ﴿وَاهِيَةٌ﴾ أي مسترخية ساقطة القوة، ومنه قولهم دار
واهية أي ضعيفة الجدران ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الملك هنا اسم جنس والأرجاء الجوانب
واحدها رجا مقصور، والضمير يعود على السماء، والمعنى أن الملائكة يكونون يوم القيامة
على جواب السماء لأنها إذا وهيت وقفوا على أطرافها، وقيل يعود على الأرض لأن المعنى
يقتضيه وإن لم يتقدّم ذكرها، ورُوِيَ في ذلك أن الله يأمر الملائكة فتقف صفوفًا على
جوانب الأرض والأول أظهر وأشهر ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال ابن
عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدّتهم وقيل ثمانية أملاك رؤوسهم تحت
العرش وأرجلهم تحت الأرض السابعة، ويؤيّد هذا ما رُوِيَ عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال:
((هو اليوم أربعة))، فإذا كان يوم القيامة قوّاهم الله بأربعة سواهم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ خطاب
لجميع العالم والعرض البعث أو الحساب ﴿خَافِيَةٌ﴾ أي حال خافية من الأعمال والسرائر
ويحتمل المعنى لا يخفى من أجسادهم لأنهم يحشرون حُفاة عُراة ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بِيَمِينِهِ﴾ الكتاب هنا صحائف الأعمال ﴿هَاؤُمُ آقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ هاؤم اسم فعل، قال ابن عطيّة
معناه تعالوا وقال الزمخشري هو صوت يُفهَم منه معنى خذ، وكتابيه مفعول يطلبه هاؤم
واقرءوا من ضمير المعنى تقديره هاؤم كتاب اقرءوا كتابي ثم حذفٍ لدلالة الآخر عليه وعمل
فيه العامل، الثاني وهو اقرءوا عند البصريين، والعامل الأول هو هاؤم عند الكوفيين))
والدليل على صحة قول البصريين أنه لو عمل الأول لقالى اقرؤوه، والهاء في كتابيه للوقف