Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
تفسير سورة النجم
أَوْ أَدْنَى (٤) فَأَوْحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى (٥) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَََ (١) أَفَتُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٦) وَلَقَدْ
الجو إذ رآه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو بحِراء، وقيل معنى استوى ظهر في صورته
على ستمائة جناح قد سدّ الأُفق بخلاف ما كان يتمثّل به من الصور إذا نزل بالوحي، وكان
ينزل في صورة دحية ﴿وَهُوَ بِالأَفْقِ الأَعْلَى﴾ الضمير لجبريل وقيل لسيدنا محمد صلّى الله
عليه وآله وسلّم والأول أصحّ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَى﴾ الضميران لجبريل أي دنا من سيدنا
محمد وَ ل﴿ فتدلّى في الهواء وهو عند بعضهم من المقلوب تقديره فتدلى فدنا ﴿فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنٍ أَوْ أَذْنَى﴾ القاب مقدار المسافة أي كان جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة
والسلام في القُرْب بمقدار قوسين عربيتين، ومعناه من طرف العود إلى الطرف الآخر، وقيل
من الوتر إلى العود، وقيل ليس القوس التي يرمى بها، وإنما هي ذراع تُقاس بها المقادير
ذكره الثعلبي وقال إنه من لغة أهل الحجاز وتقدير الكلام فكان مقدار مسافة جبريل من
سيّدنا محمد عليهما الصلاة والسلام مثل أي قوسين ثم حذفت هذه المضافات، ومعنى أو
أدنى أو أقرب وأو هنا مثل قوله أو يزيدون وأشبه التأويلات فيها أنه إذا نظر إليه البشر
احتمل عنده أن يكون قاب قوسين أو يكون أدنى، وهذا الذي ذكرنا أن هذه الضمائر
المتقدمة لجبريل هو الصحيح، وقد ورد ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في
الحديث الصحيح، وقيل إنها لله تعالى، وهذا القول يردّ عليه الحديث والعقل إذ يجب تنزيه
الله تعالى عن تلك الأوصاف من الدنوّ والتدلّي وغير ذلك ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ في
هذه الضمائر ثلاثة أقوال: الأول أن المعنى أوحى الله إلى عبده محمد صلّى الله عليه وآله
وسلّم ما أوحى. الثاني أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وعاد الضمير على الله في
القولين لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدّم ذكره، فهو كقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدرِ﴾ [القدر: ١]. الثالث أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، وفي قوله ما
أوحى إبهام مُراد يقتضي التفخيم والتعظيم ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ أي ما كذب فؤاد
محمد * ما رآه بعينه بل صدق بقلبه أن الذي رآه بعينه حق والذي رأى هو جبريل يعني
حين رآه بمقدار ملأ الأفق، وقيل رأى ملكوت السموات والأرض، والأول أرجح لقوله:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ وقيل الذي رآه هو الله تعالى، وقد أنكرت ذلك عائشة، وسُئِلَ
رسول الله وَ﴿ هل رأيت ربّك؟ فقال: ((نورانيُّ أراه)) ﴿أَفَتْمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ هذا خطاب
لقريش، والمعنى أتجادلونه على ما يرى، وكانت قريش قد كذبت لما قال إنه رأى ما رأى
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نُزْلَةً أُخْرَى﴾ أي لقد رأى محمد جبريل عليهما الصلاة والسلام مرة أخرى وهو
ليلة الإسراء، وقيل ضمير المفعول لله تعالى، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت مَن زعم أن

٣٨٢٠
تفسير: سورة النجم
◌َ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىْ لِكَمَا زَاغَ
١٥
أَعِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى
١٤
عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَهَى
رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
أَقْرََّيُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى (١) وَمَنَوَةَ الثَِّئَةَ
(١٨
◌َ لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىَّ
اَلْبَصَرُ وَمَا طَفَى ◌َ
اُلْأُخْرَىّ ◌ِشَ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأَمْنَى أَ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى لَهَ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمٌَّ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ
محمدًا رأى ربّه ليلة الإسراء فقد أعظم الفرية على الله تعالى ﴿عِنْدَ سِذْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ هي
شجرة في السماء السابعة قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ثمرتها كالقلال وورقها
كآذان الفيلة)»، وسُمّيت سدرة المنتهى لأن إليها ينتهي علم كل عالم ولا يعلم ما وراءها إلاّ
الله تعالى وقيل سُمّيت بذلك لأن ما نزل من أمر الله يلتقي عندها فلا يتجاوزها ملائكة العلوّ
إلى أسفل، ولا يتجاوزها ملائكة السّفل إلى أعلى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ يعني أن الجنة التي
وعدها الله عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل هي جنة أخرى تأوي إليها أرواح الشهداء
والأول أظهر وأشهر ﴿إِذْ يَغْشَى السَّذْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ فيه إبهام لقصد التعظيم، قال ابن مسعود
غشيها فراش من ذهب، وقيل كثرة الملائكة، وفي الحديث أن رسول الله والتي قال:
(فغشيها ألوان لا أدري ما هي))، وهذا أولى أن تفسّر به الآية ﴿مّا زَاغُ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ أي
ما زاغ بصر سيدنا محمد * عمّاً رآه من العجائب بل أثبتها وتيقنها، وما طغى: أي ما
تجاوز ما رأى إلى غيره ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يعني ما رأى ليلة الإسراء من
السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك. ويحتمل أن تكون الكبرى مفعولاً أو
نعتًا لآيات ربّه، والمعنى يختلف على ذلك ﴿أَفَرَأَنْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَىِ﴾
هذه أوثان كانت تُعبَد من دون الله فخاطب الله من كان يعبدها من العرب على وجه التوبيخ
لهم، وقال ابن عطية: الرؤيا هنا رؤية العين لأن الأوثان المذكورة أجرام مرئية، فأما اللّت
فصنم كان بالطائف، وقيل كان بالكعبة، وأما العُزّى فكانت صخرة بالطائف، وقيل شجرة
فبعث إليها رسول الله ور خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو
٠٠٠١
بالويل فضربها بالسيف حتى قتلها، وقيل كانت بيتًا تعظّمه العرب وأصل لفظ العُزّى مؤنثة
الأعزّ، وأما مناة فصخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه
الأوثان، قال ابن عطية: ولذلك قال تعالى: ﴿الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ فأكدها بهاتين الصفتين،
وقال الزمخشري الأخرى ذمّ وتحقير أي المتأخرة الوضيعة القدر، ومنه وقالت أخراهم
لأُوْلاهم ﴿أَلَكُمُّ الذِّكَّرُ وَلَّهُ الأَنْثَى﴾ كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأوثان بنات الله، فأنكر
الله عليهم ذلك أي كيف تجعلون لأنفسكم الأولاد الذكور، وتجعلون لله البنات التي هي
عندكم حقيرة بغيضة، وقد ذكر هذا المعنى في النحل وغيرها، ويحتمل أن يكون أنكر

٣٨٣
تفسير سورة النجم
وَءَبَآ ؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُْ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّيِّهِمُ
اَلْهُدَىَ شَ أَمْ لِلْإِسَنِ مَا تَعَنَّى (٤) فَلِلَّهِ اٌلْآَخِرَةُ وَالْأُوْلَى ◌َ﴾وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ
٢٦
شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَّ ل
الْمَبَكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنثَى (١٦) وَمَالَهُ بِهِ، مِنْ عِلٍْ إِن يَقَبِعُونَ إِلَّا الَّنِّ وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئً
٢٨
فَأَعْرِضِ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدٍ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا أَ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن
﴿ وَلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا
ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَهْتَدَى
◌َ الَّذِينَ يَحْتَغِبُونَ كَبَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّ اللَّهُمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ
عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى!
عليهم جعل هذه الأوثان شركاء لله تعالى مع أنهنّ إناث والإناث حقيرة بغيضة عندهم ﴿تِلْكَ
إِذَا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي هذه القسمة التي قسمتم جائرة غير عادلة يعني جعلهم الذكور
لأنفسهم والإناث لله تعالى ووزن ضيزى فعلى بضم الفاء، ولكنها كُسِرَت لأجل الياء التي
بعدها ﴿إِنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ الضمير للأوثان، وقد ذكر هذا المعنى في الأعراف
في قوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ﴾ [٧١] ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ﴾ يعني أنهم يقولون أقوالاً
بغير حجة كقولهم إن الملائكة بنات الله، وقولهم إن الأصنام تشفع لهم وغير ذلك ﴿أَمْ
لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أم هنا للإنكار، والإنسان هنا جنس بني آدم: أي ليس لأحد ما يتمنى بل
الأمر بيد الله وقيل إن الإشارة إلى ما طمع فيه الكفّار من شفاعة الأصنام وقيل إلى قول
العاصي بن وائل: ﴿لأُوتِيَنّ مَالاَ وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وقيل هو تمنّي بعضهم أن يكون
نبيًّا، والأحسن حمل اللفظ على إطلاقه ﴿وَكَم مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَاتِ﴾ الآية: ردّ على
الكفّار في قولهم إن الأوثان تشفع لهم كأنه يقول الملائكة الكرام لا تُغني شفاعتهم شيئًا إلاّ
بإذن الله فكيف أوثانكم ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ ويَرْضَى﴾ معناه أن الملائكة لا
يشفعون لشخص إلاّ بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فيه ويرضى عنه ﴿لَيُسَمُونَ الْمَلائِكَةَ
تَسْمِيَّةَ الأَثْقَى﴾ يعني قولهم إن الملائكة بنات الله، ثم ردّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ
عِلْم﴾ ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْم﴾ أي إلى ذلك انتهى علمهم لأنهم علموا ما ينفع في الدنيا،
ولمّ يعلموا ما ينفع في الآخرة ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام متعلقة بمعنى ما قبلها، والتقدير أن الله ملك
أمر السموات والأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا. وقيل يتعلق بضلّ واهتدى ﴿كَبَائِرَ
الإِثْم﴾ ذكرنا الكبائر في النساء ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أنه صغائر الذنوب
فالاستثناء على هذا منقطع. الثاني أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفلتة والسقطة دون دوام

٣٨٤
تفشير سورة النجم
اُلْمَغْفِرَةَّ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَ كُمُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُزَكُواْ أَنفُسَكُمْ
وَ أَعِنْدَهُ عِلْمُ اٌلْغَيْبِ فَهُوَّ
وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَىَ إِ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ ﴿ أَفَرَيْتَ الَّذِى تَوَّى ◌َ
يَرَىّ الثَّ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْبِمَا فِى صُحُفٍ مُوسَى ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وََ ◌َ ◌َلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
جَ ◌ُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى أَّ وَأَنَّ إِلَى
وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (جَ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى!
أَ وَأَنَّمُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبَّكَى ◌ْ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا إِثَ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكْرُ
٤٢
رَبِّكَ الْمُنَّى
عليها. الثالث أنه ما ألمّوا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي: الرابع أنه الهم بالذنوعه
وحديث النفس به دون أن يفعل ﴿أَجِئَةٌ﴾ جمع جنين ﴿فَلاَ تُزَكُوا أَنْفُسَكُم﴾ أي لا تنسبوا
أنفسكم إلى الصلاح والخير، قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهى عن أن يزكّي بعض
الناس بعضًا وهذا بعيد لأنه تجوز التزكية في الشهادة وغيرها ﴿أَفَرَأَنْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ الآية :.
نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل نزلت في العاصي بن وائل ﴿وَأَكْدَى﴾ أي قطع العطاء
وأمسك ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قيل وفى طاعة الله في ذبح ولده، وقيل وفى تبليغ الرسالة،.
وقيل وفى شرائع الإسلام، وقيل وفى الكلمات التي ابتلاه الله بهنّ، وقيل وفى هذه العشر
الآيات ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى﴾ ذكر فيما تقدّم، وهذه الجملة تفسير لما في صحف
إبراهيم وموسى عليهما السلام ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ السعي هنا بمعنى العمل،
وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجّة لمالك في قوله لا يصوم أحد عن وليّه
إذا مات وعليه صيام، واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعتق يجوز أن
يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى مَن فعلت عنه، واختلفوا في الأعمال البدنية
كالصلاة والصيام وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِم ذُرِّيَّتَهُم﴾ [الطور: ٢٩]
والصحيح أنها محكمة لأنها خبر والأخبار لا تنسخ وفي تأويلها ثلاثة أقوال: الأول أنها
إخبار عمّا كان في شريعة غيرنا فلا يلزم في شريعتنا الثاني أن للإنسان ما عمل بحق ولة ما
عمل له غيره بهبة العامل له فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها الثالث أنها في
الذنوب وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدلّ على هذا قوله بعدها: ﴿أَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾ وكأنه يقول لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلاّ بذنب نفسه ﴿وَأَنَّ سَغْيَةُ
سَوْفَ يُرَى﴾ قيل معناه يراه الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحبه لقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يُرَه﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ فيه قولان أحدهما أن معنَاهُ
إلى الله المصير في الآخرة، والآخر أن معناها أن العلوم تنتهي إلى الله ثم يقف العلماء عند
:
:

٣٨٥
تفسير سورة النجم
وَأَنَُّ هُوَ رَبُّ
٤٨
وَأَنَّمُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى
٤٧
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّثْأَةَ الْأُخْرَى
٤٦
مِن نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى
٤٥
وَآلْأُنثَى
) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌّ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظَمَ
٥١
◌َ وَثَمُودَا فَمَآَ أَبَقَ
٥٠
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى
٤٩
الشّعْرَى
فَفَشَّنْهَا مَا غَتَّى ﴿ فَأَتِيِّ ءَالَاءِ رَبِّكَ نَتَمَارَىَ ﴿ هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ
٥٣
وَأَطْفَى جَّ وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
ذلك، ورُوِيَ أن رسول اللهِ وَ ◌ّ قال: ((لا فكرة في الربّ)) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَنْكَى﴾ قيل
معناه أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار، وهذا تخصيص لا دليل عليه وقيل أبكى السماء
بالمطر وأضحك الأرض بالنبات، وهذا مجاز وقيل خلق في بني آدم الضحك والبكاء
والصحيح أنه عبارة عن الفرح والحزن لأن الضحك دليل على السرور والفرح كما أن البكاء
دليل على الحزن فالمعنى أن الله تعالى أحزن مَن شاء من عباده، وأسرّ مَن شاء ﴿وَأَمَاتَ
وَأَخْيَا﴾ يعني الحياة المعروفة والموت المعروف وقيل أحيا بالإيمان وأمات بالكفر والأول
أرجح، لأنه حقيقة ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ يعني المنيّ ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ من قولك أمنى الرجل إذا خرج منه
المنيّ ﴿النَّْأَةَ الأُخْرَى﴾ يعني الإعادة للحشر وتُمْنَى يعني أكسب عباده المال، وهو من قنية
المال وهو كسبه وادخاره وقيل معنى أقنى أفقر وهذا لا تقتضيه اللغة، وقيل معناه أرضى
وقيل قنع عبده ﴿الشُّغْرَى﴾ نجم في السماء وتسمّى كلب الجبّار وهما شعريان وهما
الغميصاء والعبور وخصّها بالذكر دون سائر النجوم لأن بعض العرب كان يعبدها ﴿عَادًا
الأُولَى﴾ وصفها بالأولى لأنها كانت في قديم الزمان، فهي الأولى بالإضافة إلى الأمم
المتأخرة، وقيل إنما سُمّيت أولى لأن ثم عادًا أُخرى متأخرة وهذا لا يصحّ وقرأ نافع عادًا
الأولى بإدغام تنوين عاد في لام الأولى بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام وضعّف
المزني والمبرّد هذه القراءة وهمز قالون الأولى دون ورش وقرأ الباقون على الأصل بكسر
تنوين عادًا وإسكان لام الأولى ﴿وَثَمُودَا فَمَا أَبْقَى﴾ أي ما أبقى منهم أحدًا وقيل ما أبقى
عليهم ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىْ فَفَشَّاهَا مَا غَشَى﴾ هي مدينة قوم لوط، ومعنى أهوى طرحها من
علو إلى أسفل وفي قوله ما غشى تعظيم للأمر ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ هذا مخاطبة
للإنسان على الإطلاق معناه بأيّ نِعَم رَبّك تشكّ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ يعني القرآن
أو النبي وََّ، ومعنى من النذر الأولى من نوعها وصفتها ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أي قربت القيامة
﴿كَاشِفَةٌ﴾ يحتمل لفظه ثلاثة أوجه: أن يكون مصدرًا كالعافية أي ليس لها كشف وأن يكون
بمعنى كاشف والتاء للمبالغة كعلامة وأن يكون صفة لمحذوف تقديره نفس كاشفة أو جماعة
كاشفة ويحتمل معناه وجهين: أحدهما أن يكون من الكشف بمعنى الإزالة أي ليس لها مَن
يُزيلها إذا وقعت والآخر أن يكون بمعنى الاطلاع أي ليس لها مَن يعلم وقتها إلاّ الله ﴿أَفَمِنْ

٣٨٦
تفسير سورة الحجرة
أَفَنُ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
٥٨
أَ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اَللَّهِ كَاشِفَةُ
النُّذُرِ الْأُولَىَّ ◌َ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ !
(٦٢
ثَ فَاسْجُدُ واْ لِلّهِ وَأَعْبُدُوا ها
وَتَصْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (١٥) وَأَنْتُمْ سُمِدُونَ
هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجِبُونَ﴾ الإشارة إلى القرآن وتعجّبهم منه إنكاره ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ أي
لاعبون لاهون، وقيل غافلون مفرطَونَ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ هذا موضع سجدة عند
الشافعي وغيره، وقد قال ابن مسعود قرأها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فَسجد
وسجد کلّ مَن كان معه.
١٠١٠٠
٦
:

سورة القمر
مكيّة إلاّ الآيات ٤٤ و٤٥
و٤٦ فمدنيّة وآياتها ٥٥ نزلت بعد الطارق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمٌِ (3) وَكَذَّبُواْ
وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُذَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَهُ إِ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان قليل بالنسبة
إلى ما مضى ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين))
وأشار بالسبابة والوسطى ﴿وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم وذلك أن قريشًا سألنه آية فأراهم انشقاق القمر فقال صلّى الله عليه وآله
وسلّم: ((اشهدوا)»، وقال ابن مسعود انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى
دونه، وقيل معنى انشقّ القمر أنه ينشقّ يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث
الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك وعلى تفسير الآية بذلك
إلاّ مَن لا يعتبر قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِخْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ هذه الضمائر لقريش
والآية المُشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش سحر محمد القمر ومعنى مستمر
دائم وقيل معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي

٣٨٨
تفسير سورة القمر
◌َ فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ ( خُشَّعًا
حِكْمَةٌ بَلِمَّةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُّ
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمَّ
أَبْصَرُهْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنَشِّرُ (
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ مَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ
٨
عَسِرُ
فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمٍِ ﴾ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَ أَمْرٍ قَدْ
١٠
فَانتَصِرْ
◌َتَجْرِى ◌ِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١) وَلَقَد تَّرَكْتَهَآ ءَايَةٌ فَهَلْ
قُدِرَ ﴿ وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرِ الَّـ
القوة ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُنْتَقِرٌ﴾ أي كل شيء لا بدّ له من غاية فالحق يحقّ والباطل يبطل ﴿وَلَقَدْ
جَاءَهُم مِّنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ الأنباء هنا يراد بها ما ورد في القرآن من القصص
والبراهين والمواعظ ومزدجر اسم مصدر بمعنى الازدجار أو اسم موضع بمعنى أنه مظنّة أن
يزدجر به ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ بدل من ما فيه أو خبر ابتداء مضمر ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يحتمل أن
تكون ما نافية أو استفهامية لمعنى الاستبعاد والإنكار ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عنهم
لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ العامل في يوم مضمر تقديره
اذكر أو قوله يخرجون بعد ذلك وليس العامل فيه تولّ عنهم لفساد المعنى فقد تمّ الكلام في
قوله تولَّ عنهم فيوقف عليه وقيل المعنى تولَّ عنهم أي يوم يدعُ الدَّاعِ والأول أظهر وأشهر
والدّاعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في الصور والشيء النكر الشديد الفظيع وأصله من
الإنكار أي هو منكور لأنه لم يرَ قطّ مثله والمراد به يوم القيامة ﴿خُشِّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ كناية عن
الذلّة وانتصب خُشّعًا على الحال من الضمير في يخرجون ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ ﴾ أيّ
من القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنْتَشِرٌ﴾ شبههم بالجراد في خروجهم من الأرض فكأنه استدلال
على البعث كالاستدلال بخروج النبات وقيل إنما شبههم بالجراد في كثرتهم وأن بعضهم
يموج في بعض ﴿مُّهْطِعِينَ﴾ أي مسرعين وقيل ناظرين إلى الدّاعِ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ يعني نوح
عليه السلام ووصفه هنا بالعبودية تشريفًا له واختصاصًا ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي زجروه بالشتم
والتخويف وقالوا له لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ
فَانتَصِرْ﴾ أي قد غلبني الكفّار فانتصر لي وانتصر لنفسك، وقالت المتصوّفة معناه قد غلبتني
نفسي حين دعوت على قومي فانتصر منّي وهذا بعيد ضعيف ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَّاءٍ
مُنْهَمِرٍ﴾ عبارة عن كثرة المطر فكأنه يخرج من أبواب، وقيل فتحت في السماء أبواب يومئذ
حقيقة والمنهمر الكثير ﴿فَالْتَقَّى الْمَاءُ﴾ ماء السماء وماء الأرض ﴿عَلَى أَمْرَ قَدْ قُدِرَ﴾ أي قد
قضي في الأزل ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدّر بمقدار معلوم، ورُوِيّ في ذلك أنه علا
فوق الأرض أربعين ذراعًا ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحِ وَدُسُرٍ﴾ يعني السفينة والدسر هي

٣٨٩
تفسير سورة القمر
كَذَّبَتْ عَادٌ
١٧
◌َ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرِ () وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
١٥
مِن مُذَّكِرِ !
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿وَ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمِرٍ () تَنِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْفَعِرِ ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (٦) كَذَّبَتْ
المسامير واحدها دسار، وقيل هي مقادم السفينة، وقيل أضلاعها والأول أشهر ﴿تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا﴾ عبارة عن حفظ الله ورعيه لها ﴿جَزَاءٌ لْمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أي جزاء لنوح: وقيل جزاء
الله تعالى والأول أظهر وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله والعامل فيه ما تقدّم من فتح
أبواب السماء وما بعده من الأفعال أي جعلنا ذلك كله جزاء لنوح ويحتمل أن يكون قوله
كفر من الكفر بالدين والتقدير لمَن كفر به فحذف الضمير أو يكون من الكفر بالنعمة لأن
نوحًا عليه السلام نعمة من الله كفرها قومه فلا يحتاج على هذا إلى الضمير المحذوف
﴿وَلَقَدْ تَّرَكَتَاهَا آيَةً﴾ الضمير للقصة المذكورة أو الفعلة أو السفينة ورُوِيَ في هذا المعنى أنها
بقيت على الجودي حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ تحضيض على الاذكار
فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده ووزن مذكر مفتعل وأصله مدتكر ثم أبدل من التاء دالاً
وأُدغمت فيها الدال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ﴾ توقيف فيه تهديد لقريش والنذر جمع نذير
﴿وَلَقَدْ يَسِّزْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي يسرناه للحفظ وهذا معلوم بالمشاهدة فإنه يحفظه الأطفال
الأصاغر وغيرهم حفظًا بالغًا بخلاف غيره من الكتب وقد رُوِيّ أنه لم يحفظ شيء من كتب
الله عن ظهر قلب إلاّ القرآن وقيل معنى الآية سهّلناه للفهم والاتّعاظ به لما تضمن من
البراهين والحِكَم البليغة وإنما كرّر هذه الآية البليغة وقوله فذوقوا عذابي ونذر لينبّه السامع
عند كل قصة فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة فختم كل واحدة
بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله فكيف كان عذاب ونذر ومن الملاطفة في قوله ولقد
يسّرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي مصوّتة فهو من الصرير بمعنى
الصوت وقيل معناه باردة فهو من الصرّ ﴿يَوْم نَخْسٍ مُسْتَمِرٌ﴾ رُوِيَ أنه كان يوم أربعاء حتى
رأى بعضهم أن كل يوم أربعاء نحس ورُوِيَ أَن رسول الله وَ ليل قال آخر أربعاء من الشهر يوم
نحس مستمر ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ أي تقلعهم من مواضعهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ﴾ أعجاز
النخل هي أُصولها والمنقعر المنقطع فشبّه الله عادًا لمّا هلكوا بذلك لأنهم طوال عِظام
الأجساد كالنخل وقيل كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى الأجساد بلا رؤوس فشبههم
بأعجاز النخل لأنها دون أغصان وقيل كانوا حفروا حُفَرًا يمتنعون بها من الريح فهلكوا فيها
فشبّههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها ﴿أَبَشَرًا﴾ هو صالح عليه السلام، وانتصب بفعل

٣٩٠
تفسير سورة القمر
ثَمُودُ پِالنُّذُرِ
فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَِدًا تَتَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَثَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِمِنْ بَيْنَا
٢٣
بَّ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (١٢) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْبَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ
فَادَوْ صَاِبَهٌ فَغَاطَى فَعَقَرَ (َ) فَكَيْفَ
٢٨
وَأَصْطَِّرْ (٣٦ـا وَنَبِّتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بََّهُمْ كُلُّ شِرْءٍ تُخْتَضَرٌ
كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُخْتَظِرِ !
٣١
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
◌ِلذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّکِرِ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالتُّذُرِ !
إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَصِّبً إِلَّ ءَالَ لُوطٍتَبْتَهُم
بِسَخَرٍ (٦ نِعْمَةُ مِنْ عِندِنَا كَذَلِكَ تَجْرِى مَن شَكْرٌ ﴿ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشُتَنَا فَتَمَارَواْ بِلنَّذُرِ:
(٣٦
وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَّكْرَةً عَذَابٌ
وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَآَ أَعَيَُّهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُّذُرٍ
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ (١٨) وَلَقَدْ جََّ مَالَ فِرْعَوْنَ
٣٩
تُسْتَفِرٌ ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ؟
مَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَبِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ
التُّذُرُ ﴿ كَذَّبُواْ بِثَيَقِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَيِرٍ مُّقْنَدِرٍ !!
مضمر والمعنى أنهم أنكروا أن يتّبعوا بشرًا وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة ثم زادوا
أن أنكروا أن يتبعوا واحدًا وهم جماعة كثيرون ﴿وَسُمُرٍ﴾ أي عناد، وقيل معناه جنون،
وقيل معناه همّ وغمّ وأصله من السعير بمعنى النار وكأنه احتراق النفس بالهمّ ﴿آأَلْقِيَ الذُّنْرُ
عَلَيْهِ مِن بَيْنِتَا﴾ أنكروا أن يخصّه الله بالنيوّة دونهم، وذلك جهل منهم، فإن الفضل بيد الله
يُؤتيه مَن يشاء ﴿أَشِرٌ﴾ بَطِرٌ مُتَكبّر ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي لهم يوم وللناقة يوم
من غير أن يتعدّوا على الناقة فالضمير في نبّئهم يعود على ثمود وعلى الناقة تغليبًا للعقلاء،
وقيل إن الضمير لثمود، والمعنى لا يتعدّى بعضهم على بعض ﴿كُلِّ شِرْبٍ مُخْتَضَرْ﴾ أي
مشهود ﴿فَتَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ يعني عاقر الناقة واسمه قدار وهو أُحَيمر ثمود وأشقاها
﴿فَتَعَاطَى﴾ أي اجترأ على أمر عظيم، وهو عقر الناقة وقيل تعاطى السيف ﴿صَيْحَةٌ وَاحِدَةَ﴾
صاح بها جبريل صيحة فماتوا منها ﴿فَكَانُوا كَهَشِيم الْمُخْتَظِرِ﴾ الهشيم هو ما تكسّر وتفتّت
من الشجر وغيرها والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو
ذلك، أو يكون تحليقًا للمواشي أو السكنى فشبّه الله ثمود لمّا هلكوا بما يتفتّت من الحظيرة
من الأوراق وغيرها، وقيل المحتظر المحترق ﴿حَاصِبًا﴾ ذكر فِي العنكبوت ﴿فَتَمَارُوْا
بِالنُّذُرِ﴾ تشكّكوا ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُتَهُمْ﴾ الضيف هنا هم الملائكة الذين
أرسلهم الله إلى لوط ليُهلِكوا قومه وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم وأرادوا منهم
الفاحشة فطمس الله على أعينهم فاستوت مع وجوههم، وقيل إن الطمين عبارة عن عدم
رؤيتهم لهم وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحدًا ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوَ لاَئِكُمْ﴾ هذا

٣٩١
تفسير سورة القمر
بَلِ السَّاعَةُ مَوِْدُهُمْ
سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ةِ
٤٤
فِيِ الزُّبُرِ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْنَصِرٌ
وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ
وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمِيجِ بِالْبَصَرِ ◌ّ وَلَقَدْ
٤٩
◌َ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
٤٨
مَسَّ سَقَرَ لا
◌َ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ (٦) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرِ
أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّذَكِرٍ أ
٥٥
ج) فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ
٥٤
مُسْتَطَرُ ﴿ إِنَّ الْتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَنَهَرٍ !
خطاب لقريش على وجه التهديد والهمزة للإنكار ومعناه: هل الكفّار منكم خير عند الله من
الكفّار المتقدّمين المذكورين بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم
رسلكم، بل الذي أهلكهم يهلككم ﴿أَم لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبْرِ﴾ معناه أم لكم في كتاب الله
براءة من العذاب ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحنُ جَمِيعٌ مُنتَصِرْ﴾ أي نحن نجتمع وننتصر لأنفسنا بالقتال
﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الذُّبُرَ﴾ هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش وقد ظهر
ذلك يوم بدر وفتح مكة ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ المراد بالمجرمين هنا الكفّار
وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق، وقيل أراد بالمجرمين القدرية
لقوله في الردّ عليهم إنّا كل شيء خلقناه بقدر والأول أظهر ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾ أي يُجَرّون
فيها ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ المعنى أن الله خلق كل شيء بقدر أي بقضاء معلوم سابق
في الأزل ويحتمل أن يكون معنى بقدر بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك والأول أرجح
وفيه حجة لأهل السُّنّة على القدرية وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسّره خلقناه ﴿وَمَا أَمْرُنَا
إلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصْرِ﴾ عبارة عن سرعة التكوين ونفوذ أمر الله والواحدة يراد بها الكلمة
وهي قوله: كُنَّ ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني أشياءكم من الكفّار ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي
الزُّبُرِ﴾ أي كل ما فعلوه مكتوب في صحائف الأعمال ﴿مُسْتَطَرْ﴾ أي مكتوب وهو من
السطر تقول سطّرت واستطرت بمعنى واحد والمراد الصغير والكبير من أعمالهم وقيل
جميع الأشياء ﴿وَنَّهَرٍ﴾ يعني أنهار الماء والخمر واللبن والعسل واكتفى باسم الجنس ﴿في
مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾ أي في مكان مرضي.

:
سورة الرحمن
مدنية وآیاتها ٧٨ نزلت بعد الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّعَنِ ا
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
أَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ:
٣
خَلَقَ الْإِنِسَنَ
٢
عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
الرَّحْمَنُ
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعُ اَلْمِيْزَّانَ أَلَا تَظْقَوْا فِ
٥
بِحُسْبَانٍ (
٠٠٠
بِسْم اللّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنُ﴾ هذا تعديد نعمة على مَن علّمه الله القرآن وقيل معتى علّم
القرآن جعله علامة وآية لسيدنا محمد * والأول أظهر وارتفع الرحمن بالابتداء والأفعال
التي بعده أخبار متوالية ويدلّ على ذلك مجيئها بدون حرف عطف ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ﴾ قيل
جنس الناس وقيل يعني آدم وقيل يعني سيدنا محمد بقليل ولا دليل على التخصيص والأول
أرجح ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ يعني النطق والكلام ﴿الشّمْسُ وَالْقَمْرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي يجريان في الفلك
بحسبان معلوم وترتيب مقدّر وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير ﴿وَالنِّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانٍ﴾ النجم عند ابن عباس النبات الذي لا ساق له كالبقول، والشجر النبات
الذي له ساق وقيل النجم جنس نجوم السماء، والسجود عبارة عن التذلّل والانقياد لله تعالى
وقيل سجود الشمس غروبها وسجود الشجر ظلّه ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يعني الميزان المعروف
الذي يوزن به الطعام وغيره وكرّر ذكره اهتمامًا به وقيل أراد العدل ﴿وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾
:

٣٩٣
تفسير سورة الرحمن
آڵمیزانِ
١٠
أَوَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ
٩
أَوَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ
٨
فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا
فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ (٠َ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّتْحَانُ هـ
وَخَلَقَ الْجَآَنَّ مِن مَّارِچٍ مِّن
تُكَذِّبَانِ
١٤
خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَارِ
١٣
ثَّارٍ ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ (١) رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ (١٦) فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٨
﴿ يَرْجُ مِنْهُمَا الأُؤْلُؤُ
جَ فَأَيِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
) يَتَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَغِيَانِ
19
مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلْيَقِيَانِ
أي لا تنقصوا إذا وزنتم ﴿لِلأَنَام﴾ أي للناس وقيل الإنس والجنّ وقيل الحيوان كله ﴿الأكْمَام﴾
يحتمل أن يكون جمع كمّ بالضم وهو ما يغطّي ويلف النخل من الليف وبه شبّه كمّ القميص
أو يكون جمع كمّ بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة ﴿الْعَضْفِ﴾ ورق الزرع وقيل التين
﴿وَالرَّنِحَانُ﴾ قيل هو الريحان المعروف وقيل كل مشموم طيّب الريح من النبات وقيل هو
الرزق ﴿فَبِأَيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الآلاء هي النِّعَم واحدها إلى على وزن معى وقيل إلى
على وزن قضى وقيل ألى على وزن أمد أو على وزن حصر والخطاب للثقلين الإنس والجنّ
بدليل قوله سنفرغ لكم أيّها الثقلان رُوِيَ أن هذه الآية لمّا قرأها رسول الله وَلتر سكت
أصحابه فقال جواب الجنّ خير من سكوتكم إني لمّا قرأتها على الجنّ قالوا لا نكذب بشيء
من آلاء ربّنا وكرّر هذه الآية تأكيدًا ومبالغةً وقيل إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية
التي قبله فليس بتأكيد لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرّات ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ
كَالْفَخَّارِ﴾ الإنسان هو آدم والصلصال الطّين اليابس فإذا طبخ فهو فخّار ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن
مَّارِج مِّن نَّارٍ﴾ الجانّ الجنّ يعني إبليس والد الجنّ والمارج اللهيب المضطرب من النار
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يريد مشرق الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر وقيل
مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما ﴿مَرَجَ الْبَخْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ذكر في الفرقان، أي يلتقي ماء
هذا وماء هذا وذلك إذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر، وأما
على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما بانصباب الأنهار في البحر،
وأما على قول من قال إن البحرين بحر فارس وبحر الروم، أو بحر القلزم واليمن فضعيف
لقوله في الفرقان: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أَجَاجٌ﴾ [٥٣] وكل واحد من هذه أجاج،
والمراد بالبحرين في هذه السورة ما أراد في الفرقان ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ أي حاجز يعني جرم
الأرض، أو حاجز من قدرة الله ﴿لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالاختلاط،
وقيل لا يبغيان على الناس بالفيض ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ اللؤلؤ كبار الجوهر
والمرجان صغاره، وقيل بالعكس وقيل إن المرجان أحجار حُمْر، قال ابن عطية: وهذا هو

٣٩٤
تفسير سورة الرحمن
أنَِّيِ وَالَّهِ
٢٤
فَبِأَعِّ ءَالَاءِ رَيَكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ وَلَهُ الْخَوَارِ الْمُنْشَاتُ فِ اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ
(٢٢
وَاَلْمَرْحَانُ
فَبِأَقِيِّ ◌َلَاءِ وَبِكُهَا
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (١٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَاَلْإِكْرَاِ لَـ
٢٥
رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
استقرح
تُكَذِّبَانِ ﴿٣)، يَسْتَلُ مَنْ فِىِ السَّوَتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ (٦) فَأَتِّءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ
لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَنِ ﴿ فَأَتِيّءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿ بَعْشَرَ الْجِنِّ وَاْإِ إِنِ أَنْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْهُذُواْ مِنْ
الصواب، وأما قوله منهماً ولا يخرج إلاّ من أحدهما، فقد تكلمنا عليه في قاطر ﴿وَلَةُ
الْجَوّارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَخْرِ كَالأَعْلاَم﴾ يعني السفن وسمّاها منشآت لأن الناس ينشؤونها*
وقرىء بكسر الشين بمعنى أنها تنشىء السير أو تنشىء الموج، والأعلام الجبال شيّه السفن
بها ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الضمير في عليها للأرض يدلّ على ذلك سياق الكلام، وإن لم
يتقدّم لها ذكر ويعني بمَن عليها بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلب العقلاء ﴿وَبَيْقَى
وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ﴾ الوجه هنا عبارة عن الذات، وذو الجلال صفةٍ للذات لأن
من أسمائه تعالى الجليل ومعناه يقرب من معنى العظيم، وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن
يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾ أو بمعنى أن عباده يكرمونه
بتوحيده وتسبيحه وعبادته ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ المعنى أن كل مَن في
السموات والأرض يسأل حاجته من الله، فمنهم مَن يسأله بلسان المقال، وهم المؤمنون
ومنهم مَن يسأله بلسان الحال لافتقار الجميع إليه ﴿كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَبَأْنٍ﴾ المعنى أنه تعالى
يتصرّف في ملكوته تصوّفًا يظهر في كل يوم من العطاء والمنع، والإماتة والإحياء وغير ذلك
ورُويَ أن رسول الله وَ إ قرأها فقيل له وما ذلك الشأن؟ قال: ((من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرح
کربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين)) وسئل بعضهم كيف قال كل يوم هو في شأن والقلم قد حقّ
بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال هو في شأن يبديه لا في شأن يبتديه ﴿سَتَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ
الثَّقَلاَنِ﴾ معناه الوعيد كقولك لمَن تهدده سأفرغ لعقوبتك وليس المراد التفرغ من شغلى
ويحتمل أن يريد انتهاء مدة الدنيا، وإنه حينئذ ينقضي شأنها فلا يبقى إلاّ شأن الآخرة فعبّر
عن ذلك بالتفرّغ قال جعفر بن محمد سمّى الإنس والجنّ ثقلين كأنهما تُقّلا بالذنوب ﴿ان
اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَاتْفُذُوا﴾ هذا كلام يقال للجنّ والإنس يوم
القيامة أي إن قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا،، ورُوِيَ
أنهم يفرّون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد
أحاطت بالأرض فيرجعون وقيل بل خوطبوا بذلك في الدنيا والمعنى إن استطعتم الخروج
عن قهر الله. وقضائه عليكم فافعلوا وقوله فانفذوا أمر يراد به التعجيز ﴿لاَ تَنفُذُونَ إلاَّ

٣٩٥
تفسير سورة الرحمن
أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُ واْلَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنِ
يُرْسَلُ
٣٤
فَبِأَمِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٣
عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن ثَارٍ وَتُحَاسُ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴿ فَأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿ فَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ
فَوَمَِّذٍ لَّا يُثَلُ عَن ذَلْيِهِ: إِنسُ وَلَا
٣٨
فَكَانَتْ وَرْدَةً كَأَلْدِّهَانِ (جـ) فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى
٤٠
فَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
جَانٌّ س
◌َِ هَذِهِ جَهَمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (١٢) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
وَاْأَقْدَاعِ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ !
حمیمِ ءَانِ
(٤٤
◌َ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ٥
◌َ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّنَانِ ﴿ فَأَقِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٧
بِسُلْطَانٍ﴾ أي لا تقدرون على النفوذ إلاّ بقوة وليس لكم قوة ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَّارِ
وَنُحَاسٌ﴾ الشواظ لهيب النار والنحاس الدخان وقيل هو الصفر يذاب ويصب على رؤوسهم
وقرىء شواظ بضمّ الشين وكسرها وهما لغتان وقرىء نحاس بالرفع عطف على شواظ
وبالخفض عطف على نار ﴿فَإِذَا أَنَّشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ جواب إذا قوله فيومئذ وقال ابن عطيّة
جوابها محذوف ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانٍ﴾ معنى وردة حمراء كالوردة، وقيل هو من الغرس
الورد، قال قتادة السماء اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء، والدهان جمع دهن كالزيت
وشبهه شبه السماء يوم القيامة به لأنها تُذاب من شدّة الهول، وقيل يشبّه لمعانها بلمعان
الدهن، وقيل إن الدهان هو الجلد الأحمر ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إنسٌ وَلاَ جَانٌّ﴾
السؤال المنفي هنا هو على وجه الاستخبار وطلب المغفرة إذ لا يحتاج إلى ذلك لأن
المجرمين يعرفون بسيماهم ولأن أعمالهم معلومة عند الله مكتوبة في صحائفهم، وأما
السؤال الثابت في قوله: ﴿فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنْهم أَجْمَعِين﴾ [الحجر: ٩٢] وغيره، فهو سؤال
على وجه الحساب والتوبيخ فلا تعارض بين المنفي والمثبت وقيل: إن ذلك باختلاف
المواطن والأول أحسن ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني بعلامتهم وهي سواد الوجوه
وغير ذلك، والمجرمون هنا الكفّار بدليل قوله هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَام﴾ قيل معناه: يؤخذ بعض الكفّار بناصيته وبعضهم بقدميه، وقيل
بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه فيطوى ويطرح في النار ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾
الحميم الماء السخن والآن الشديد الحرارة، وقيل الحاضر من قولك آن الشيء إذا حضر
والأول أظهر ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَتْتَانٍ﴾ مقام ربه القيام بين يديه للحساب ومنه يوم يقوم
الناس لربّ العالمین، وقیل قیام الله بأعماله، ومنه أفمن هو قائم علی کل نفس بما كسبت،
وقيل معناه لمَن خاف ربّه وأقحم المقام، كقولك خفت جانب فلان واختلف هل الجنتان

٣٩٩
تفسير سورة الرحمن
◌َفِهِمَا عَيْنَانِ تَّجْرِيَانِ
٤٩
ذَوَاتَآَ أَفْتَانٍ ﴿ فَأَمِّ ءَالَآءِ رَيُّكُمَا تُكَذِبَانِ
إِفِهِمَا
فَأَتِّ ءَالَآءِرَ بَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٥٠
◌َ مُتَّكِينَ عَلَى فُرُسٍُ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفَّ وَى
٥٣
مِنْ كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿ فَأَتِيّ ءَالَآَءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤- فِنَّ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ لَّمْ يَطْمِنْهُنَّ إِسٌْ قَبْلَهُمْ وَلَا
◌َ فَبِأَِّّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ (
٥٤
الجنّئینِ دانِ
كَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَاَلْمَرْجَانُ (٨) فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّ بَانِ
٥٧
جَنٌ ﴿ فَبَأَقِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٦٢
وَمِن دُونِمَا جَنََّانِ
هَلْ جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ () فَأَيْ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ !
لكل خائف على انفراده، أو للصنف الخائف وذلك مبني على قوله لمّن خاف مقام ربّه هل
يراد به واحد أو جماعة، وقال الزمخشري: إنما قال جنتان لأنه خاطب الثقلين فكأنه قال
جنة للإنس وجنة للجن، ﴿ذُوَاتَا أَقْتَانٍ﴾ ثنى ذات هنا على الأصل لأن أصله ذوات، قاله
ابن عطية، والأفنان جمع فنن وهو الغصن أو جمع فنّ وهو الصنف من الفواكه وغيرها
﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانٍ﴾ أي نوعان ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ الجنا هو ما يُجتَّنى من الثمار
ودانٍ قريب، ورُوِيّ أن الإنسان يجتني الفاكهة في الجنة على أيّ حال أكان من قيام أو قعود
أو اضطجاع لأنها تتدلّى له إذا أرادها وفي قوله جنا الجنتين ضرب الم ضروب التجنيس
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ذكر في الصّافات ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ﴾، المعنى أنهنّ
أبكار، ولم يطمثهنّ معناه لم يفتضّهنّ. وقيل الطمث الجماع سواء كان لبكر أو غيرها،
ونفى أن يطمثهنّ إنس أو جانٌ، مبالغة وقصدًا للعموم فكأنه قال لم يطمثهنّ شيء، وقيل
أراد لم يطمث نساء الإنس إنس ولم يطمث نساء الجنّ جنّ، وهذا القول بأن الجن يدخلون
الجنة ويتلذّذون فيها بما يتلذّذ البشر ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ شبه النساء بالياقوت
والمرجان في الحُمرة والجمال، وقد ذكرنا المرجان في أول السورة، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحسَانِ
إلاَّ الإخسَانُ﴾ المعنى أن جزاء من أحسن بطاعة الله أن يُحسِن الله إليه بالجنة، ويحتمل أن
يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل رسول الله والتر فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه
فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وذلك هو مقام المراقبة والمشاهدة فجعل جزاء ذلك الإحسان
بهاتين الجنتين ويقوّي هذا أنه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا! لأهل المقام العليّ،
وجعل جنّتين دونها لمَن كان دون ذلك، فالجنّتان المذكورتان أولاً للسابقين، والجنتان
المذكورتين ثانيًا بعد ذلك لأصحاب اليمين حسبما ورد في الواقعة، وانظر كيف جعل
أوصاف هاتين الجنتين، أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما فقال هناء عينان تجريان
وقال في الآخرتين عينان نضّاختان، والجري أشدّ من النضخ وقال هنالك من كل فاكهة
زوجان، وقال هنا فاكهة ونخل ورمّان، وكذلك صفة الحور هنا أبلغ من صفتها هنالك

٣٩٧
تفسير سورة الرحمن
فِيهِمَا عَيْنَانِ
٦٥
فَبِأَبِيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٦٤
مُدْهَآمَتَانِ
٦٣
SO
فَأَيِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فَبِأَِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا
٦٨
فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
٦٧
نَضَّاخَتَانِ ﴿ فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
تَكَذِّبَانِ ◌ِ
٦٩
فِيهِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ
٧٠
◌َ فَبِأَتِّ ءَلَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ
٧١
حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِىِ الْخِيَامِ
٧٢
٧٥
فَأَبِيّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
(٧٤
◌َ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِسُرُ قَبَلَهُمْ وَلَا جَانٌ
٧٣
فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ؟
◌َ نَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلَلِ
مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ (٩) فَأَمِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
وَاْإِكْرَامِ
٧٨
وكذلك صفة البسط ويفسّر ذلك قول رسول الله وَ ل﴿ل جنّتان من ذهب آنيتهما وكلّ ما فيهما
وجنتان من فضة آنيتهما وكلّ ما فيهما ﴿مُذْهَامَّتَانِ﴾ أي تضربان إلى السواد من شدّة الخضرة
﴿عَيْتَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي تفوران بالماء والنضخ بالخاء المعجمة أشدّ من النضح بالحاء المهملة
﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ خصّ النخل والرمّان بالذكر بعد دخولهما في الفاكهة تشريفًا لهما
وبيانًا لفضلهما على سائر الفواكه وهذا هو التجريد ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ خيرات جمع خيرة
وقال الزمخشري وغيره أصله خيرات بالتشديد ثم خفّف كميت وقرىء بالتشديد، قالت أُمّ
سلمة يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى خيرات حسان قال خيرات الأخلاق حِسَان
الوجوه ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ الحور جمع حوراء والمقصورات المحجوبات لأن
النساء يمدحن بملازمة البيوت ويذممن بكثرة الخروج والخيام هي البيوت التي من الخشب
والحشيش ونحو ذلك، وخيام الجنة من اللؤلؤ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ الرفرف
البسط، وقيل الوسائد وقيل رياض الجنة ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ العبقري الطنافس، وقيل
الزرابي، وقيل الديباج الغليظ، وهو منسوب إلى عبقري وتزعم العرب أنه بلد الجنّ فإذا
أعجبتها شيء نسبته إليه ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ ذكر تبارك في الفرقان وغيرها والاسم هنا يراد
به المسمّى على الأظهر وقرأ الجمهور ذي الجلال بالياء صفة لربك وقرأ ابن عامر بالواو
صفة للاسم وقد ذكر معنى ذي الجلال والإكرام.

سورة الواقعة
مكتبة إلاّ آيتي ٨١ و٨٢ فمدنيتان وآياتها ٩٦ نزلت بعدطه
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّ
٠
:٠٠
خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ ( إِذَا رُخَّتِ إِلَأَرْضُ رَجَّا لِهَا وَ يُنَّهـ
لَيَّسُ لِوَفْعَنِهَا كَاذِبَةٌ
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآَ أَصْحَبُ
٧
وَكُمْ أَزْوَجًا ثَلَاثَةً
◌َ فَكَانَتْ هَبَاءَ مْبَثًاً
اُلْجِبَالُ بَسًا
١٠٠
بِسْم اللهِ الرَّحمن الرّحيم.
... لنا:
بشك ساب
روى ابن مسعود أن رسول الله * قلل من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا ولما
حضرت ابن مسعود الوفاة قيل له ما تركت لبناتك، قال: تركت لهنّ سورة الواقعة ﴿إذًا.
وَقَعَتِ الْوَاقِعَةِ﴾ يعني إذا قامت القيامة فالواقعة اسم من أسماء القيامة، تدلّ على هولها.
كالطامّة والصاخّة وقيل الواقعة الصيحة وهي النفخة في الصور وقيل الواقعة صخرة بيت
:
المقدس، تقع يوم القيامة وهذا بعيد ﴿لَیْس پوڤعتها کاذِبٌ﴾ یحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن
تكون الكاذبة مصدر كالعافية والمعنى ليس لها كذب ولا ردّ. الثاني أن تكون كاذبة صفة
محذوف كأنه قال ليس لها حال كاذبة أي هي صادقة الوقوع ولا بدّ وهذا المعنى قريب من
الأول. الثالث أن يكون التقدير ليس لها نفس كاذبة أي تكذيب في إنكار البعث لأن كل
نفس تؤمن حينئذ ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ تقديره هي خافضة رافعة، فينبغي أن يوقف على ما قبله
لبيان المعنى والمراد بالخفض والرفع أنها تخفض أقوامًا إلى النار وترفع أقوامًا إلى الجنة،

٣٩٩
تفسير سورة الواقعة
الْمَيْمَنَةِ (٤)، وَأَصْحَبُ المَشْئَمَةِ مَا أَصْحَبُ اَلْمَشْئَمَةِ (٥)، وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (٥) فِ
١٥) مُتَّكِينَ عَلَّهَا
جَنَتِ النَّعِيمِ (١)، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١١) وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ (١) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ
وقيل ذلك عبارة عن هولها لأن السماء تنشقّ والأرض تتزلزل وتمرّ والجبال تنسف فكأنها
تخفض بعض هذه الأجرام وترفع بعضها ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًا﴾ أي زلزلت وحرّكت
تحريكًا شديدًا وإذا هنا بدل من إذا وقعت ويحتمل أن يكون العامل فيه خافضة رافعة
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا﴾ أي فتْتت وقيل سُيِّرت ﴿هَبَاءٌ مُّنبًَا﴾ الهباء ما يتطاير في الهواء من
الأجزاء الدقيقة، ولا تكاد تُرَى إلاّ في الشمس إذا دخلت على كُوّة قاله ابن عباس وقال
عليّ بن أبي طالب هو ما تطاير من حوافر الدواب من التراب، وقيل ما تطاير من شرر
النار، فإذا طفى لم يوجد شيئًا والمنبث المتفرّق ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ هذا خطاب لجميع
الناس لأنهم ينقسمون يوم القيامة إلى هذه الأصناف الثلاثة وهم السابقون، وأصحاب
اليمين، وأصحاب الشمال، فأما السابقون فهم أهل الدرجات العُلا في الجنة، وأما أصحاب
اليمين فهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هذا ابتداء خبر فيه معنى التعظيم، كقولك زيد ما زيد، والميمنة يحتمل
أن تكون مشتقّة من اليمن وهو ضدّ الشؤم وتكون المشأمة به مشتقّة من الشؤم أو تكون
الميمنة من ناحية اليمين والمشأمة من ناحية الشمال، واليد الشؤمى هي الشمال وذلك لأن
العرب تجعل الخير من اليمين والشرّ من الشمال، أو لأن أهل الجنة يحملون إلى جهة
اليمين، وأهل النار يحملون إلى جهة الشمال أو يكون من أخذ الكتاب باليمين أو الشمال
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الأول مبتدأ والثاني خبره على وجه التعظيم كقولك أنت أنت أو
على معنى أن السابقين إلى طاعة الله هم السابقون إلى الجنة، وقيل إن السابقون الثاني صفة
للأول أو تأكيد، والخبر أولئك المقربون، والأرجح أن يكون الثاني خبر الأول لأنه في
مقابلة قوله أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة،
وعلى هذا يوقف على السابقون الثاني ويبتدىء بما بعده ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ
الآخِرِينَ﴾ الثّة الجماعة من الناس، فالمعنى أن السابقين من الأوّلين أكثر من السابقين من
الآخرين، والأوّلون هم أول هذه الأمة والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، والدليل على
ذلك ما رُوِيّ أن رسول الله بَّر قال: ((الفرقتان في أمتي)) وذلك لأن صدر هذه الأمة خير
ممّن بعدهم فكثر السابقون من السلف الصالح، وقلّوا بعد ذلك ويشهد لذلك قوله مَلتر خير
القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقيل إن الفرقتين في أمة كل نبيّ
. =

٤٥٠٠
تفسير سورة الواقعة
◌َ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَ
١٨
ب)پاكوابٍ وَآبَارِيقَ وَكَأْسِمِنْ مَعِينٍ
مُتَقَِّلِينَ لا يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ
كَمْتَلِ الُولِ
٢٢
وَحُورُ عِينٌ
٢١
وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَّونَ ﴿ وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ
١٩
يُتْرِفُونَ
٢٦
لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا (٥) إِلَّ قِيلًا سَلَمًا سَلَمًا
٢٤
جَزَآءْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ
٢٣
الْمَكْتُونِ
في سِدْرٍ تَخْضُودِ !
٢٧
وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ:
3) وَمَآءٍ
) وَظِلٍ تَمْدُودٍ
وَطَلْحِ مَّنْضُوبٍ لا
٢٨
فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ويقّون في آخرها، وقيل إن الأوّلين هم مَن كان
قبل هذه الأمة والآخرين هم هذه الأمة فيقتضي هذا أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من)
السابقين من هذه الأمة وهذا بعيد، وقيل إن السابقين يُراد بهم الأنبياء، لأنهم كانوا في أول
الزمان أكثر مما كانوا في آخره ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ السُّرُر جمع سرير والموضونة
المنسوجة وقيل المشبكة بالدر والياقوت، وقيل معناه متواصلة قد أدنى بعضها من بعض
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الولدان صغار الخدم
والمخلدون الذين لا يموتون، وقيل المقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط، والأول
أظهر ﴿بَأْكْوَابِ وَأَبَارِيقَ﴾ الأكواب جمع كوب وهو الإناء وهو الذي لا أُذُن له ولا خرطومِ!
يمسك به والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم أو أُذُن يمبك ﴿وَكَأْسِ مِنأ
مَّعِينٍ﴾ ذكر في الصّافَات ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا، وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ أي لا يلحق رؤوسهم الصداع
الذي يصيب من خمر الدنيا وقيل لا يفرقون عنها فهو من الصدع وهو الفرقة، ومعنى لا
ينزفون لا يسكرون ﴿وَفَاكِهَةٍ مُّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ قيل يتخيّرون ما شاءوا لكثرتها، وقيل مخيّرة.
مرضيّة ﴿وَحُورٌ عِينَ﴾ قدّمنا- معناه، وقرىء بالرفع على تقدير فيها حور أو عطف على:
الضمير في متكثين، أو على ولدان، وبالخفض عطف على المعنى كأنه قال ينعمون بهذا
كله وبحور عين، وقيل خفض على الجوار ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤِ المَكْتُونِ﴾ شبهھنّ باللؤلؤ في
البياض ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حُسْنه وسألت أُمّ سلمة رسول الله وَله عن هذا:
التشبيه فقال: ((صفاؤهنّ كصفاء الدرّ في الأصداف الذي لا تمسّه الأيدي)) ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا
لَغْوَا وَلاَ تَأْثِيمًا﴾ اللغو الكلام الساقط كالفحش وغيره والتأثيم مصدر بمعنى لا يؤثم أحد
هناك نفسه ولا غيره ﴿إلاَّ قِيلاً سَلاَمَا سَلاَمًا﴾ انتصب سلامًا على أنه بدل من قيلاً أو صفةٍ له،
أو مفعول به لقيلا، لأن معناه قولاً، ومعنى السلام على هذا التحيّة، والمعنى أنهم يفشوت
السلام فيسلّمون سلامًا بعد سلام، ويحتمل أن يكون معناه السلامة، فينتصب بفعلٍ مضمير
تقديره أسلموا سلامَلٍ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ هذا مبتدأ وخبره قصد به
التعظيم فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده ويحتمل أن يكون الخبر في سدر، ويكون ما أصحاب