Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة ص
وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ
٨٨
يتصنعون ويتحيّلون بما ليسوا من أهله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَّهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ هذا وعيد أي لتعلمنّ
صدق خبره بعد حين والحين يوم القيامة أو موتهم أو ظهور الإسلام يوم بدر وغيره.

الييسى
سورة الزّمر
مكتّة إلا الآيات ٥٢ و٥٤
فمدنية وآياتها ٧٥ نزلت بعد سيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٥) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا
لَّهُ الدِّينَ ﴿وَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
تنزيل مبتدأ وخبره من الله أو خبر ابتداء مضمر تقديره هذا تنزيل،
تَنْزيل الكِتَاب﴾
ومن الله على هذا الوجه يتعلق بتنزيل أو يكون خبرًا بعد خبر أو خبر مبتدأ آخر محذوف
والكتاب هنا القرآن أو السورة واختار ابن عطية أن يراد به جنس الكتب المنزلة وأما الكتاب
الثاني فهو القرآن باتفاق ﴿بِالْحَقِّ﴾ يحتمل معنيين أحدهما أن يكون معناه متضمنًا الحق،
والثاني أن يكون معناه بالاستحقاق والوجوب ﴿مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ أي لا يكون فيه شرك
أكبر ولا أصغر وهو الرياء ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قيل معناه من حقّه ومن واجبه أن يكون
له الدين الخالص ويحتمل أن يكون معناه إن الدين الخالص هو دين الله وهو الإسلام الذي
شرعه لعباده ولا يقبل غيره ومعنى الخالص الصافي من شوائب الشرك، وقال قتادة الدين
الخالص شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقال الحسن هو الإسلام وهذا أرجح لعمومه ﴿وَالَّذِينَ
أَتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يريد بالأولياء الشركاء المعبودين، ويحتمل أن يريد بالذين اتخذوا

٢٦٣
تفسير سورة الزمر
لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ
كَذِبُ كَفَّارُ ثَ لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّ صْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَنَةٌ هُوَ
اُللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ أَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَنِّ يُكَوِّرُ الَّتْلَ عَلَى النَّهَارِ وَبُكَوِّرُ
الكفّار العابدين لهم أو الشركاء المعبودين والأول أظهر لأنه يحتاج على الثاني إلى حذف
الضمير العائد على الذين تقديره الذين اتخذوهم ويكون ضمير الفاعل في اتخذوا عائدًا على
غير مذكور وارتفاع الذين على الوجهين بالابتداء وخبره إما قوله إن الله يحكم بينهم أو
المحذوف المقدّر قبل قوله ما نعبدهم لأن تقديره يقولون ما نعبدهم والأول أرجح لأنّ
المعنى به أكمل ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذه الجملة في موضع معمول قول
محذوف والقول في موضع الحال أو في موضع بدل من صلة الذين، وقرأ ابن مسعود قالوا
ما نعبدهم بإظهار القول أي يقول الكفّار ما نعبد هؤلاء الآلهة إلاّ ليقرّبونا إلى الله ويشفعوا
لنا عنده ويعني بذلك الكفّار الذين عبدوا الملائكة أو الذين عبدوا الأصنام أو الذين عبدوا
عيسى أو عزير فإن جميعهم قالوا هذه المقالة ومعنى زلفى قُربى فهو مصدر من يقرّبونا ﴿إنّ
اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم ليقرّبونا إلى الله وقوله لا
يهدي في تأويله وجهان: أحدهما لا يهديه في حال كفره والثاني أن ذلك مخصص بمَن
قضى عليه بالموت على الكفر أعاذنا الله من ذلك وهذا تأويل: لا يهدي القوم الظالمين
والكافرين حيثما وقع ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدَا لِأَضْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ الولد يكون
على وجهين أحدهما بالولادة الحقيقية وهذا مُحال على الله تعالى لا يجوز في العقل والثاني
التبنّي بمعنى الاختصاص والتقريب كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولدًا لإفراط محبته له وذلك
ممتنع على الله بإخبار الشرع فإن قوله وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا يعمّ نفي الوجهين
فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا على وجه التبنّي لاصطفى
لذلك مما يخلق من موجوداته ومخلوقاته ولكنه لم يرد ذلك ولا فعله، وقال الزمخشري
معناه: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك ولكنه يصطفي من عباده ما يشاء على وجه
الاختصاص والتقريب لا على وجه اتخاذه ولدًا فاصطفى الملائكة وشرّفهم بالتقريب فحسب
الكفّار أنهم أولاده ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثًا فأفرطوا في الكفر والكذب على الله
وملائكته ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ نزّه تعالى نفسه من اتخاذ الولد ثم وصف نفسه
بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه ولا جنس له
لأنه واحد ووصف نفسه بالقهار ليدل على نفي الشركاء والأنداد لأن كل شيء مقهور تحت

٢٦٤
تفسير سورة الزمر
النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلٌ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفَُّ أَ خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجُ
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ تُلُّمَتٍ ثَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ
لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن
قهره تعالى فكيف يكون شريكًا له ثم أتبع ذلك بما ذكره من خلقة السموات والأرض وما
بينهما ليدلّ على وحدانيته وقدرته وعظمته ﴿يُكَوَّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ التكوير اللفّ واللّيّ
ومنه كوّر العمامة التي يلتوي بعضها على بعض وهو هنا استعارة، ومعناه: على ما قال ابن
عطية يعيد من هذا على هذا، فكان الذي يُطيل من النهار أو الليل يصير منه على الآخر
جزءًا فيستره وكأن الذي ينقص يدحل في الذي يطول فيستتر فيه ويحتمل أن يكون المعنى
أن كل واحد منهما يغلب الآخر إذا طرأ عليه فشبّه في ستره له بثوب يلفّ على الآخر
﴿لَأَجَلٍ مُسَمَّى﴾ يعني يوم القيامة ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿ثُمَّ
جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حوّاء خلقها من ضلع آدم، فإن قيل: كيف عطف قوله ثم جعل
على خلقكم بثمّ التي تقتضي الترتيب والمهلة ولا شك أن خلقة حوّاء كانت قبل خلقة بني
آدم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول وهو المختار أن العطف إنما هو على معنى قوله
واحدة لا على خلقكم كأنه قال خلقكم من نفس كانت واحدة ثم خلق منها زوجها بعد
وحدتها الثاني أن ثمّ لترتيب الأخبار لا لترتيب الوجود. الثالث أنه يعني بقوله خلقكم
إخراج بني آدم من صلب أبيهم كالذرّ وكان ذلك قبل خلقه حوّاء ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ
ثَمَانِيَّةَ أَزْوَاجٍ﴾ يعني المذكورة في الأنعام من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين
ومن البقر اثنين وسمّاها أزواجًا لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر وأما أنزل ففيه
ثلاثة أوجه: الأول أن الله خلق أول هذه الأزواج في السماء ثم أنزلها. الثاني أن معنى أنزل
قضى وقسم، فالإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه. الثالث أنه أنزل المطر الذي ينبت به
نبات فتعيش منه هذه الأنعام فعبّر بإنزالها عن إنزال أرزاقها وهذا بعيد ﴿خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾
يعني أن الإنسان یکون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلی أن یتمّ خلقه ثم ينفخ فيه الروح ﴿في
ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾ هي البطن والرحم والمشيمة، وقيل صلب الأب والرحم والمشيمة والأول
أرجح لقوله بطون أمهاتكم ولم يذكر الصّلب ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَبْكُمْ﴾ أي لا يضِرّهِ
كفركم ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ تأوّل الأشعرية هذه الآية على وجهين: أحدهما أن الرضا
بمعنى الإرادة ويعني بعباده مَن قضى الله له بالإيمان والوفاة عليه، فهو كقوله: ﴿إن عِبَادِي

٢٦٥
تفسير سورة الزمر
تَشْكُرُوا يَضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَتِّئُكُم بِمَا كُنُمْ
﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنِسَنَ ضُرِّ دَعَا رَبَّكُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ
تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (
نِعْمَةٌ مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَحَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ
رَحْمَةَ رَبِّهُِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِذَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴿ قُلْ يَعِبَادِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِىِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةُ إِنَّمَا يُؤَنَّى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطان﴾ [الحجر: ٤٢] والآخر أن الرضا غير الإرادة والعباد على هذا على
العموم أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم فهو لم
يرضه دينًا ولا شرعًا وأراده وقوعًا ووجودًا وأما المعتزلة فإن الرضا عندهم بمعنى الإرادة
والعباد على العموم جريًا على قاعدتهم في القدر وأفعال العباد ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾
هذا عموم والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ذكر في الإسراء ﴿وَإِذَا مَسَّ
الإِنسَانَ ضُرّ﴾ الآية: يراد بالإنسان هنا الكافر بدليل قوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾
[سبأ: ٣٣]، والقصد بهذه الآية عتاب وإقامة حجة، فالعتاب على الكفر وترك دعاء الله
وإقامة الحجّة على الإنسان بدعائه إلى الله في الشدائد، فإن قيل لِمَ قال هنا وإذا مسَّ
بالواو وقال بعدها فإذا مسّ بالفاء؟ فالجواب: أن الذي بالفاء مسبّب عن قوله اشمأزّت
قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فجاء بفاء السببية قاله الزمخشري وهو بعيد ﴿ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ
نِعْمَةً مِّنْهُ﴾ خوّله أعطاه والنعمة هنا يحتمل أن يريد بها كشف الضرّ المذكور أو أيّ نعمة
كانت ﴿فَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية أي نسي دعاء أو
تكون بمعنى الذي والمراد بها الله تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ بتخفيف الميم على إدخال همزة
الاستفهام على من وقيل هي همزة النداء والأول أظهر، وقرىء بتشديدها على إدخال أم على
من ومن مبتدأ وخبره محذوف وهو المعادل للاستفهام تقديره أم مَن هو قانت كغيره وإنما
حذف لدلالة الكلام عليه وهو ما ذكر قبله وما ذكر بعده وهو قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ﴾ والقنوت هنا بمعنى الطاعة والصلاة بالليل، وآناء الليل ساعاته.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا
على الهجرة إلى أرض الحبشة ومعناها التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة ﴿لِلَّذِينَ أَخْسَنُوا
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يحتمل أن يتعلق في هذه الدنيا بأحسنوا والمعنى الذين أحسنوا في

٢٠٦٦
تفسير سورة الزمر:
اُلِقَّهِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ (١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
اُلْمُسْلِمِينَ ﴿َ قُلْ إِّ أَخَافُِّ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّ عَذَابَ يَوْم ◌َعَظِيمِ ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُرِ دِينِ لَ فَأَعْبُدُوا
مَا شِئْتُم مِنْ دُونِمٌ قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَيِرُوَاْ لَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْمُسْرَانُ
الْمُبِينُ (9): لَهُمْ مِنِ فَوْقِمْ طَلَلٌ مِّنَ النَّبَارِ وَ مِن تَحْهِمْ تُطَلٌ ذَلِكَ يُضَوُِّ اللَّهُ بِهِء ◌ِعِبَادَهُ يَِّهَادٍ
فَأَتَّقُونِ ﴿ وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ اللَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُ وِهَا وَأَنَبُواْ إِلَى الَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ فَبَشِّرْ عِبَادٍ (١٦) الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ (١٠) أَفَعَنْ
الدنيا لهم حسنة في الآخرة، أو يتعلق بحسنة والحسنة على هذا حُسنَ الحال والعافية لفي
الدنيا والأَوُّل أرجح ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ يُراد البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منّها
والمقصود من ذلك الحضَِّ على الهجرة ﴿إِنَّمَّا يُؤَنَّى الصَّابِرُونَ أَجْرُهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ هذا
يحتمل وجهين أحدهما أن الصابر يوفّى أَجْرِه ولا يحاسب على أعماله فَهو مَنْ الَّذِينُ
يدخلون الجنة بغير حساب والثاني أن أجر الصابرين بغير حصر بلُّ أكثر من أنّ يحصر بعدد
أو وزن وهذا قول الجمهور ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللامُ هَنَّا يجوز أن تكون
زائدة أو للتعليل ويكون المفعول على هذا محذوف، فإن قيل: نحيف عطف أمرت على
أمرت والمعنى واحد؟ فالجواب أن الأول أمر بالعبادة والإخلاص والثاني أمر بالسّبق إلى
الإسلام فهما معنيّان اثنان وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٢٤] ليس تكرارًا لقوله
أمرت أن أعبد الله لأن الأول إخبار بأنه مأمور بالعبادة والثاني إخبار بأنه يفعل العبادة وٍقَدْم
اسم الله تعالى للحصر واختصاص العبادة به وحده ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ﴾ هُذَا تَهدَّيَّدٌ
ومبالغة في الخذلان والتخلية لهم على ما هم عليه ﴿ظُلّلٌ﴾ جمع ظلّةٌ بالضم وهو ما غشي
من فوق كالسقف فقوله من فوقهم بين وأما من تحتهم فسمّاه ظلّةَ لأنه سَقَفْ لَمَّنَ تُحَتَهَم
فإن جهنم طبقات وقيل سماه ظلّةٌ لأنه يلتهب ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم ﴿وَالَّذِينَ
اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قيل إنها نزلت في عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف
وسعد وسعيد وطلحة والزبير إذ دعاهم أبو بكر الصدّيق إلى الإيمان فآمنوا وقيل نزلت في
أبي ذرّ وسلمان وهذا ضعيف لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة والآية مكيّة والأظهر أنها عامّةُ،أ
والطاغوت كل ما عبد من دون الله، وقيل الشياطين ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ إِلْقَوْلَ فَهَتَّبِعُونَ
أَحِسَتَهُ﴾ قِيل يستمعون القول على العموم فيتبعون القرآن لأنه أحسن الكلام وقيل يستمعون
القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار وشبه ذلك وقيل هو

٢٦٧
تفسير سورة الزمر
لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفُ مِّن فَوْقِهَا
١٩
حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِ النَّارِ
غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللّهِ لَ يُخْلِفُ اَللَّهُ الْمِيعَادَ (٥) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءَ فَسَلَكَهُ, يَنَهِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ
يَجْعَلُ حَُمَاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى
﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
نُورٍ مِّن رَّبِّهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَكَ فِ ضَلٍَ مُّبِينٍ
اْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِيَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ
الذي يستمع حديثًا فيه حسن وقبيح فيتحدّث بالحسن ويكفّ عمّا سواه وهذا قول ابن عباس
وهو الأظهر وقال ابن عطيّة هو عامّ في جميع الأقوال والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر
ونظر سديد يفرّقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من
ذلك، وقال الزمخشري مثل هذا المعنى ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي
النَّارِ﴾ فيها وجهان: أحدهما أن يكون الكلام جملة واحدة تقديره: أفمن حقّ عليه كلمة
العذاب أأنت تنقذه، فموضع مَن في النار موضع المضمر، والهمزة في قوله أفأنت هي
الهمزة التي في قوله أفمَن وهي همزة الإنكار كرّرت للتأكيد، والثاني أن يكون التقدير أفمّن
حقّ عليه كلمة العذاب تتأسف عليه فحذف الخبر ثم استأنف قوله أفأنت تنقذ مَن في النار،
وعلى هذا يوقف على العذاب، والأول أرجح لعدم الإضمار ﴿فَسَلَكَهُ يَتَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾
معنى سلكه أدخله وأجراه والينابيع جمع ينبوع وهو العين، وفي هذا دليل على أن ماء
العيون من المطر ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي أصنافه كالقمح والأرز والفول وغير ذلك، وقيل
ألوانه الخضرة والحمرة وشبه ذلك، وفي الوجهين دليل على الفاعل المختار وردّ على أهل
الطبائع ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ تقديره أفَمَن شرح الله صدره كالقاسي قلبه،
ورُوِيَ أن الذي شرح الله صدره للإسلام عليّ بن أبي طالب وحمزة، والمراد بالقاسية
قلوبهم أبو لهب وأولاده، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال الزمخشري من هنا
سببية أي قلوبهم قاسية من أجل ذكر الله، وهذا المعنى بعيد، ويحتمل عندي أن يكون
قاسية تضمن معنى خالية، فلذلك تعدّى بمن، والمعنى أن قلوبهم خالية من ذكر الله ﴿اللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿كِتَابًا﴾ بدل من أحسن أو حال منه ﴿مُتَشَابِهَا﴾ معناه هنا
أنه يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والنطق بالحق، وأنه ليس فيه تناقض ولا اختلاف
﴿مَّثَانِيَ﴾ جمع مثانٍ أي تثنى فيه القصص وتكرر، ويحتمل أن يكون مشتقًّا من الثناء، لأنه

٢٦٨
تفسير سورة الزمر
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
(أَفَمَنْ يَنَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَقِيلَ لِّلِينَ ذُوقُواْمَا كُ تَكْسِبُونَ (٦) كَذَّبَ
) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِرْىَ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَّ
٢٥
أَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَنَّهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلِ
ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلَكَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَّءُ
٢٨
﴿ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
يثني فيه على الله، فإن قيل: مثاني جمع فكيف وصف به المفرد؟ فالجواب: أن القرآن
ينقسم فيه إلى سور وآيات فهو جمع بهذا الاعتبار، ويجوز أن يكون كقولهم برمة أعشار،
وثوب أخلاق، أو يكون تمييزًا من متشابهًا كقولك حسن شمائل ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف تعدّى تلين بإلى؟ فالجواب أنه تضمن معنى فعل تعدّى بإلى
كأنه قال تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله. فإن قيل: لِمَ ذَكَرت الجلود أولاً
وحدها ثم ذكرت القلوب بعد ذلك معها؟ فالجواب: أنه لما قال أولاً تقشعر ذكر الجلود
وحدها، لأن القشعريرة من وصف الجلود لا من وصف غيرها، ولما قال ثانيًا تلين ذكر
الجلود والقلوب، لأن اللين توصف به الجلود والقلوب: أما لين القلوب فهو ضدّ قسوتها
وأما لين الجلود فهو ضدّ قشعريرتها فاقشعرّت أولاً من الخوف، ثم لانت بالرجاء ﴿ذَلِكَ
هُدَى اللَّهِ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة إلى القرآن أو إلى الخشية واقشعرار الجلود ﴿أَفَمِّن
يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ الخبر محذوف كما تقدم في نظائره تقديره أفمَن يتّقي بوجهه.
سوء العذاب كمَن هو آمن من العذاب، ومعنى يتّقي يلقى النار بوجهه ليكفّها عن نفسه،
وذلك أن الإنسان إذا لقي شيئًا من المخاوف استقبله بيديه، وأيدي هؤلاء مغلولة، فاتّقوا
النار بوجوههم ﴿قُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون من الكفر
والعصيان ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الحال أو بفعل مضمر على المدح ﴿غَيْرَ ذِي هِوَچٍ﴾ أي
ليس فيه تضاد ولا اختلاف ولا عيب من العيوب التي في كلام البشر، وقيل معناه غير
مخلوق وقيل غير ذي لحن، فإن قيل: لِمَ قال غير ذي عوج ولم يقل غير معوجٌ؟
فالجواب: أن قوله غير ذي عوج أبلغ في نفي العوج عنه كأنه قال ليس فيه شيء من العوج
أصلاً ﴿رَّجُلاَ فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي متنازعون متظالمون، وقيل متشاجرون وأصله من
قولك رجل شكس إذا كان ضيق الصدر، والمعنى ضرب هذا المثل لبيان حال مَن يشرك
بالله ومَن يوحّده، فشبّه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء يتنازعون فيه، والمملوك
بينهم في أسوإ حال وشبه مَن يوحّد الله بمملوك لرجل واحد، فمعنى قوله: ﴿سَالمًا

٢٦٩
تفسير سورة الزمر
◌َّ إِنَّكَ مَسِتُ
٢٩
مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً اَلْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
* فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن
٣١
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْصِمُونَ
وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ
كَذَبَ عَلَى اَللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ، أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْكَافِرِينَ (ثَ وَلَّذِى جَآءَ
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَيْهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ
٣٣
بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ أُوْلَتِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
ـ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَبَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ بِأَحْسَنِ الَّذِى
الْمُحْسِنِينَ
◌َ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ
٣٥
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى أَنِقَاءِ الْجَّ وَلَيِنِ
سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ
أَرَدَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوْءٍ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ
الْرَجُلٍ﴾ أي خالصًا له وقرىء سلمًا بغير ألف والمعنى واحد ﴿إِنَّكَ مَيِّتْ وإنَّهُم مِّيْتُونَ﴾ في
هذا وعد للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ووعيد للكفّار فإنهم إذا ماتوا جميعًا وصاروا إلى
الله فاز مَن كان على الحق وهلك مَن كان على الباطل وفيه أيضًا إخبار بأنه وَ® سيموت
لئلا يختلف الناس في موته كما اختلفت الأمم في غيره وقد جاء أنه لمّا مات وَّ أنكر
عمر بن الخطاب رضي الله عنه موته حتى احتجّ عليه أبو بكر الصدّيق بهذه الآية فرجع إليها
﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ قيل يعني الاختصام في الدماء وقيل في الحقوق والأظهر أنه اختصام
النبي ◌ّير مع الكفّار في تكذيبهم له فيكون من تمام ما قبله ويحتمل أن يكون على العموم
في اختصام الخلائق فيما بينهم من المظالم وغيرها ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾
المعنى لا أحد أظلم ممّن كذب على الله ويريد بالكذب على الله هنا ما نسبوا إليه من
الشركاء والأولاد ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّذْقِ﴾ أي كذب بالإسلام والشريعة ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قيل الذي جاء بالصدق النبي وَال # والذي صدق به أبو بكر وقيل الذي جاء
بالصدق جبريل والذي صدق به محمد 4# وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء والذي صدق به
المؤمنون واختار ابن عطية أن يكون على العموم وجعل الذي للجنس كأنه قال الفريق الذي
لأنه في مقابلة مَن كذب على الله وكذب بالصدق والمراد به العموم ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ پِکَافٍ
عَبْدَهُ﴾ تقوية لقلب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وإزالة للخوف الذي كان الكفّار
يخوفونه ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم﴾ الآية احتجاج على التوحيد وردّ على المشركين ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ
ضُرِّهِ﴾ الآية ردّ على المشركين وبرهان على الوحدانية ورأى أن سببها أن المشركين خوّفوا

٢٧٢
تفسير لسورة الزمر
"حَسْىَ اَللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوْكَلُونَ (٦) قُلْ يَنْقَوْمِ أَعْمُلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِلَى عَمِلُ
فَتَوْقَ تَعْلَمُورٌ (٦) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمُ (٥) إِنَّا أَنزَلْنَا عَيْكَ
: الْكِتَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يُضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ
:٦
عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ◌َ اللَّهُ يَتَوَنَى الْأَنفُسُ حِينَ مَوْرُهَا وَلَّتِى لَّمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ
(الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَّ إِلَى أَجَلِ مُسَقَّىَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
( أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَةُ قُلْ أَوْلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَّبًا وَلَا
يَتَفَكَّرُونَ (®
يَعْقِلُونَ ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُؤْتَغُونَب
٤٤
وَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ أَسْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ:
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم من آلهتهم فنزلت الآية مبيّنة أنهم لا يُقْطُرُون
· على شيء، فإن قيل: كيف قال كاشفات وممسكات بالثأنيث؟ فالجواب أنها لا تعقل
فعلملها معاملة المؤنثة وأيضًا ففي تأنيئها تحقير لها وتهكّم بمَّنَ عبدُها ﴿اعْمَلُوا عَلَى
مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديد ومسالمة منسوخة بالسيف، ﴿بَالْحَقٌ﴾ ذكر في أولىُ السورة ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّىّ
الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا وَالَّتِيَ لَمْ تَمُتْ فِي مَتَّامِهَا﴾ هذه الآية اعتبار ومعناها أَن الله يُتَوقّى النفوس
على وجهين: أحدهما وفاة كاملة حقيقية لوهي الموت، والآخر وفاة النوم لأن الكتاثم
كالميت في كونه لا يُصِر ولا يسمع ومنه قوله: ﴿وَهُوَ لَّذِي يَتَوَنَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾
[الأنعام: ٦٣] وتقديرها ويتوفّى الأنفس التي لم تمت في مناخها ﴿فَيُسِكُ الَّي قَضَىّ عَلَيْها
الْمَوْتَ﴾ أي يمسك الأنفس التي قضى عليها الهوت الحقيقي ومعنى إمساكها أنها لا،يردها
إلى الدنيا ﴿وَيُرْسِلُ الأَخْرَى إِلَى أَجْلٍ مُسَمَّى﴾ أي يرسل الأنفس الناعمة وإرسالها هو ردها
إلى الدنيا، والأجل المسمّى هو أجل الموت الحقيقي، وقد تكلم الناس في النفس والروح
وأكثروا القول في ذلك بالظن دون تحقيق، والصحيح أن هذا مما استأثر الله تعلمه مقولة:
﴿قُلِ الرُّوحِ مِن أَمْرِ رَبّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ أُم هنا بمعنى
بل وهمزة الإنكار والشفعاء هم الأصنام وغيرها، لقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿قُلْ أَوَسَلَوْ
كَانُوا﴾ دخلت همزة الاستفهام على واو الحال تقديره يشفعون وعتم لا يملكون شيئاً ولا
يعقلون ﴿قُلْ لَّأَِّ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي:هو مالكها، فلا يشفع أحد إليه إلا بإذنه وفي هذا بردّ
على الكفّار في قولهم إن الأصنام تشفع لهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْذَهُ﴾ الآية : مَعثَاها أَنْ الْكَفَّارِ

٢٧١
تفسير سورة الزمر
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
بَيْنَ عِبَادِكَ فِىِ مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ.
مَعَهُ لَأَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوَّهِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ (٥) وَبَدَا
◌َهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ (٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنِسَنَ ضُرٌ دَعَانًا
ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) فَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٢) فَأَصَابَهُمْ سَبِئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يكرهون توحيد الله ويحبّون الإشراك به، ومعنى اشمأزّت انقبضت من شدّة الكراهة، ورُوِيَ
أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سورة النجم، فألقى
الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في الحج، فاستبشر الكفّار بما ألقى الشيطان من تعظيم
اللّت والعُزّى، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا
لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي ظهر لهم يوم القيامة خلاف ما كانوا يظنون ظنونًا كاذبةً. قال
الزمخشري: المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم أي ظهر لهم من عذاب الله ما لم
يكن في حسابهم فهو كقوله في الوعد: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْس مَا أُخْفِي لَهُم مِن قُرّة أَعْيُن﴾
[السجدة: ١٧] وقيل معناه عملوا أعمالاً حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات وقال الحسن:
ويل لأهل الربا من هذه الآية وهذا على أنها في المسلمين والظاهر أنها في الكفّار ﴿وَحَاقَ
بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ معنى حاق حلّ ونزل وقال ابن عطية وغيره إن هذا على حذف
مضاف تقديره حاق بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون، ويحتمل أن يكون الكلام دون حذف
وهو أحسن، ومعناه حاق بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون لأنهم كانوا في الدنيا
يستهزئون، إذا خوفوا بعذاب الله، ويقولون متى هذا الوعد ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾
يحتمل وجهين أحدهما وهو الأظهر: أن يريد على علم مني بالمكاسب والمنافع، والآخر
على علم الله باستحقاقي لذلك وإنما هنا تحتمل وجهين: أحدهما وهو الأظهر: أن تكون ما
كافّة وعلى علم في موضع الحال، والآخر أن تكون ما اسم إن وعلى علم خبرها وإنما قال
أُوتيته بالضمير المذكر وهو عائد على النعمة للحمل على المعنى ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ رد على
الذي قال إنما أُوتيته على علم ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ يعني قارون وغيره.

٣٧٢
تفسير سورة الزمر
أَشْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنِيبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ
وَأَتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةُ وَأَنْتُمْ لَا
◌َ أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرََ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
٥٥
تَشْعُرُونَ لإ
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْتَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ قال علي بن أبي
طالب وابن مسعود هذه أرجى آية في القرآن، ورُوِيَ أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله
وسلّم قال: ((ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها» بهذه الآية، واختلف في سببها فقيل نزلت في
وحشي قاتل حمزة، لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة وقيل
نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا، ففتنوا فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم، وهذا
قول عمر بن الخطاب: وقد كتب بها إلى هشام بن العاصي، لمّا جرى له ذلك وقيل نزلت
في قوم من أهل الجاهلية، قالوا: ما ينفعنا الإسلام لأننا قد زنينا، وقتلنا النفوس فنزلت
الآية فيهم ومعناها مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيل نذكره
وذلك أن الذين أسرفوا على أنفسهم إن أراد بهم الكفّار فقد اجتمعت الأمة على أنهم إذا
أسلموا غفر لهم کفرهم وجمیع ذنوبهم لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم الإسلام يجب ما
قبله، وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم بل يخلدهم في النار وإن أراد به
العصاة من المسلمين فإن العاصي إذا تاب غفر له ذنوبه، وإن لم يتب فهو في مشيئة الله إن
شاء عذّبه وإن شاء غفر له فالمغفرة المذكورة في هذه الآية، يحتمل أن يريد بها المغفرة
للكفّار إذا أسلموا أو للعصاة إذا تابوا أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضّل الله عليهم
بالمغفرة، والظاهر أنها نزلت في الكفّار وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا والدليل
على أنها في الكفّار ما ذكر بعدها إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ
وكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِين﴾ ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبَّكُم﴾ يعني اتبعوا القرآن وليس
المعنى أن بعض القرآن من بعض لأنه حسن كله. إنما المعنى أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من
الأوامر، ويجتنبوا ما فيه من النواهي فالتفضيل الذي يقتضيه أحسن إنما هو في الاتباع وقيل
يعني اتّبعوا الناسخ دون المنسوخ وهذا بعيد ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ﴾ في موضع مفعول من أجله
تقديره كراهة أن تقول نفس وإنما ذكر النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفّار
﴿فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أي في حق الله وقيل في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى الجانب ثم
استعير لهذا المعنى ﴿السَّاخِرِينَ﴾ أي المستهزئين ﴿بَلَى﴾ جواب للنفس التي حكى كلامها
:

٢٧٣
تفسير سورة الزمر
◌َ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ
٥٧
أَوْ تَقُولَ لَوْأَنَّ اللَّهَ هَدَنِ لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
◌ِ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ !
بَلَى قَدْ جَاءَتَكَ ءَايَتِىِ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ
٥٨
مِنَ الْكَفِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْمُتَكَّبِينَ ﴿ وَيُنَجِّى اَللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَا هُمْ
جَ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ
يَحْزَنُونَ ﴿ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ
وَاَلْأَرْضِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اَللَّهِ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٤) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّ
جَ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
ولا يجاوب بيلى إلاّ النفي وهي هنا جواب لقوله لو أن الله هداني لكنت من المتّقين لأنه في
معنى النفي لأن لو حرف امتناع وتقرير والجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرُّسُل
وإنزاله الكتب وقال ابن عطية هي جواب لقوله لو أن لي كَرّة فإن معناه يقتضي أن العمر
يتّسع للنظر فقيل له بلى على وجه الردّ عليه والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله قد جاءتك
آياتي تفسير لما تضمنته بلى ﴿وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون
عبارة عن شدّة الكرب ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم وقيل معناه
بفضائلهم ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي قائم بتدبير كل شيء ﴿مَقَالِيدُ﴾ مفاتيح وقيل
خزائن واحدها مقليد وقيل إقليد وقيل لا واحد لها من لفظها وأصلها كلمة فارسية. وقال
عثمان بن عفّان سألت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن مقاليد السموات والأرض
فقال هي لا إله إلاّ الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله وأستغفر
الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يُحيي ويُميت وهو على كل شيء قدير
فإن صحّ هذا الحديث فمعناه أن مَن قال هذه الكلمات صادقًا مخلصًا نال الخيرات
والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك فكأنها مفاتيح له
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية قال الزمخشري إنها متصلة بقوله ويُنجي الله الذين اتقوا بمفازتهم وما
بينهما من الكلام اعتراض ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ﴾ منصوب ﴿تَأْمُرُونَي﴾ حذفت إحدى النونين تخفيفًا
وقرىء بإدغام إحدى النونين في الأخرى ﴿لَئِنْ أَشْرَكَتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ دليل على إحباط
عمل المرتدّ مطلقًا خلافًا للشافعي في قوله لا يحبط عمله إلاّ إذا مات على الكفر فإن قيل
الموحى إليهم جماعة والخطاب بقوله لئن أشركت لواحد: فالجواب أنه أوحى إلى كل
واحد منهم على حِدَته، فإن قيل: كيف خوطب الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك،

٢٧٤
تشير مهورة الزخر
مِنَ اْخَسِرِينَ (٥َ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهُ وَاْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبَضَتُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتْ بَحِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ () وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ الَه ◌ُمَّ نُفِخَ
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَبِلْقَةَ
٦٨
فِيهِ أُخْرَى فَإِذَ هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (
أَوَوُقِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِّلَتُ وَهُّوَ
79
بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
أَوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا خَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَنْوَبُّهَا
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ اثِ
فالجواب أن ذلك على وجه الفرض والتقدير أي لو وقع منهم شرك لحبطت أعمالهم لكنهم
لم يقع منهم شرك بسبب العصمة ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم وخوطيوا هم ليدلّ
المعنى على غيرهم بالطريق الأولى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموه حق تعظيمه
ولا وصفوه بما يجب له ولا نزّهوه عمّا لا يليق به والضمير في قدروا لقريش وقيل لليهود
﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مطويّاتٍ بيمينه﴾ المقصود بهذا تعظيم
جلال الله والردّ على الكفّار الذين ما قدّروا الله حقٌ قدره ثم اختلف الناس فيها كاختلافهم
في غيرها من المشكلات فقالت المتأوّلة إن القبضة واليمين عبارة عن القدرة وقال ابن
الطّب إنها صفة زائدة على صفات الذات وأما السلف الصالح فسلّموا علم ذلك إلى الله
ورأوا أن هذا من المتشابه الذي لا يعلم علم حقيقته إلاّ الله وقد قال ابن عباس ما معناه إن
الأرض في قبضته والسموات مطويّات كل ذلك بيمينه، وقال ابن عمر ما معناه: إن الأرض
في قبضة اليد الواحدة والسموات مطويّات باليمين الأخرى لأن كلتا يديه يمين ﴿وَنُفِخَ فني
الصورِ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وهذه النفخة نفخة الصعق وهو الموت وقد قيل
إن قبلها نفخة الفزع ولم تذكر في هذه الآية ﴿إِلاّ مَن شاء الله﴾ قيل يعني جبريل وإسرافيل
وميكائيل وملك الموت ثم يُميتهم الله بعد ذلك وقيل استثناء الأنبياء وقيل الشهداء ﴿ثُمَّ نُفِخَ
فِيهِ أُخِرَى﴾ هي نفخة القيام ﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ قيل إنه من النظر وقيل من الانتظار أي ينتظروزن
ما يفعل بهم ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني صحائف الأعمال وإنما وحدها لأنه أراد الجنس وقيل
هو اللوح المحفوظ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليشهدوا على قومهم ﴿والشُّهَدَاءِ﴾ يحتمل أن يكون
جمع شاهد أو جمع شهید في سبيل الله والأول أرجح لأن غیه الوعید معتی ولأنه ألیقربذكر
الأنبياء الشاهدين والمراد على هذا أمة محمد لتر لأنهم يشهدون على الناس وقيل يعني
الملائكة الحَفَظَة ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ الضمير لجميع الخلق ﴿زُمَرًا﴾ في الموضعين جمع + زمرة

:٠
٢٧٥
تفسير سورة الزمر
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيْكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ (٨) قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيهَاً فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ (٨) وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَتَّى إِذَا
جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ
(٧٣
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَثَنَا الْأَرْضَ نَنَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ
وتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم
٧٤
أَجْرُ الْعَمِلِينَ لـ
بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٧٥
وهي الجماعة من الناس وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أول زمرة يدخلون الجنة
وجوههم على مثل القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على مثل أشدّ نجم في السماء إضاءة ثم
هم بعد ذلك منازل ﴿خَزَنَتُهَا﴾ جمع خازن حيث وقع ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني القضاء السابق
بعذابهم ﴿وَفْتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ إنما قال في الجنة وفتحت أبوابها بالواو وقال في النار فتحت
بغير واو لأن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها والمعنى حتى إذا جاؤوها وأبوابها
مفتّحة فالواو واو الحال وجواب إذا على هذا محذوف وأما أبواب النار فإنها فتحت حين
جاؤوها فوقع قوله فتحت جواب الشرط فكأنه بغير واو وقال الكوفيون الواو في أبواب
الجنة واو الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانية وقيل الواو زائدة وفتحت هو الجواب ﴿وَأَوْرَثَنَا
الأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة والوراثة هنا استعارة كأنهم ورثوا موضع مَن لم يدخل الجنة
﴿نَتَبَوَّأْ﴾ أي ننزل من الجنة حيث نشاء ونتّخذه مسكنًا ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أي
محدقين به دائرين حوله ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ الضمير لجميع الخلق كالموضع الأول، ويحتمل
هنا أن يكون للملائكة والقضاء بينهم توفية أجورهم على حسب منازلهم ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل أن يكون القائل لذلك الملائكة أو جميع الخلق أو أهل الجنة: لقوله
﴿وَآخرِ دَعْوَاهم أنَّ الحَمْد لِلَّهِ ربّ العالَمِين﴾ [يونس: ١٠].

سورة غافر
مکتة إلاّ آيتي ٥٦ و٥٧
فمدنيتان وآياتها ٨٥ نزلت بعد الزمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ
حَمَ ﴿ْ تَنِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَّابِ ذِی
الطَّوْلْ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ◌َ مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَِّنَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ
بِسْم اللّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿حم﴾ تقدّم الكلام على حروف الهجاء، وتختصّ حم بأن معناها: حم الأمر، أي
قضي، وقال ابن عباس ((الر)) و((حم)) و(ن)) هي حروف الرحمن ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذکر في
الزّمر ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي ذي الفضل والإنعام، وقيل الطول الغنى والسّعة ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلْبُهُمْ
فِي الْبِلاَدِ﴾ جعل لا يغررك بمعنى لا يحزنك ففيه تسلية للنبي صل* ووعيد للكفار
﴿وَالأَخْزَابُ﴾ يراد بهم عاد وثمود وغيرهم ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي ليقتلوه ﴿لِيُذْحِضُوا﴾ أي ليبطلوا
به الحق ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي وجب قضاؤه ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عطف علی الذین یحملون
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إن قيل ما فائدة قوله ويؤمنون به، ومعلوم أن جَمَلَة العرش ومَن حوله
يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه، قال ذلك الزمخشري، وقال
إن فيه فائدة أخرى وهي أن معرفة حَمَلَة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال
كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله ﴿وَسِعْتَ كُلَّ

٢٧٧
تفسير سورة غافر
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَاَلْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ
٤
فِي الْبِلَدِ
لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ﴾ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ
كَلِمَتُ رَّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ جَ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا
◌َ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى
فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ اَلْجَيِ
٨
وَعَدَنَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (٥) إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى
قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
١٠
اُلْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ
شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أصل الكلام وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فالسعة في المعنى
مسندة إلى الرحمة والعلم وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله
تعالى بهما كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يحتمل أن يكون
المعنى قِهِم السيئات نفسها بحيث لا يفعلونها أو يكون المعنى قهم جزاء السيئات فلا
تؤاخذهم بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ المقت البغض
الذي يوجبه ذنب أو عيب وهذه الحال تكون للكفّار عند دخولهم النار فإنهم إذا دخلوها
مقتوا أنفسهم أي مقت بعضهم بعضًا ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه فتناديهم
الملائكة وتقول لهم مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم فقوله
لمقت الله مصدر مضاف إلى الفاعل وحذف المفعول لدلالة مفعول مقتكم عليه وقوله إذ
تدعون ظرف العامل فيه مقت الله عامًّا من طريق المعنى ويمتنع أن يعمل فيه من طريق
قوانين النحو لأن مقت الله مصدر فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته فيحتاج أن يقدّر
للظرف عامل وعلى هذا أجاز بعضهم الوقف على قوله أنفسكم والابتداء بالظرف وهذا
ضعيف لأن المُراعَى المعنى وقد جعل الزمخشري مقت الله عامًّا في الظرف ولم يعتبر
الفصل ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَثَنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هذه الآية كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمّ
يُمِيتُكُم ثُمّ يُخْبِيكُم﴾ [البقرة: ٢٨] فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدمًا أو كونهم في
الأصلاب أو في الأرحام، والموتة الثانية الموت المعروف والحياة الأولى حياة الدنيا،
والحياة الثانية حياة البعث في القيامة وقيل الحياة الأولى حياة الدنيا والثانية الحياة في القبر،

٢٧٨
تفسير سورة غافر
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكَ بِهِ، تُؤْمِنُواْ
0
خُرُوچٍ مِّن سَبِيلٍ
هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقَأْ وَمَا
١٢
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ
فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهِ الْكَِّفُرُونَ لَّرَضِيعُ
١٣
يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ
الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِسُذِرَ يَوْمَ النَّلاَقِ ◌ّ يَوْمَ هُم
بَرِزُونَ لَ يَخْقَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ ﴿ اَلْيَوْمَ تُحْزَى كُلُّ نَفْسِ
والموتة الأولى الموت المعروف، والموتة الثانية بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد لأنه لا بدّ
من الحیاة للبعث فتجيء الحياة ثلاث مرات فإن قیل کیف اتصال قولهم أمتنا اثنتين وأحيتها
اثنتين بما قبله فالجواب أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم
على ذلك فأقرّوا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم حينئذ فقولهم أمَتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين إقرار
بالبعث على أكمل الوجوه طمعًا منهم أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله إذا كانوا
يدعون إلى الإسلام فيكفزون ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ الفاء هنا رابطة معناها التسبّب، فإن قيل
كيف يكون قولهم أمَتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين سببًا لاعترافهم بالذنوب؟ فالجواب أنهم كانوا
كافرين بالبعث فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّر عليهم علموا أن الله قادر على البعث
فاعترفوا بذنوبهم وهي إنكار البعث وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي فإن مَن لم يؤمن
بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ ◌َفَرْتُمْ﴾ الباء سببية
للتعليل والإشارة بذلك يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه أو إلى مقت الله لهم أو مقتهم
لأنفسهم والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه سياق الكلام وذلك أنهم لمّا قالوا فهل إلى
خروج من سبيل كأنهم قيل لهم لا سبيل إلى الخروج فالإشارة بقوله ذلكم إلى عدم
خروجهم من النار ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يعني العلامات الدالّة عليه من مخلوقاته ومعجزات رُسُله
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًّا﴾ يعني المطر: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ يحتمل أن يكون المعنى
مرتفع الدرجات فيكون بمعنى العالي أو رافع درجات عباده في الجنة وفي الدنيا ﴿يُلْقِي
الرُّوحَ﴾ يعني الوحي ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ يحتمل أن يريد الأمر الذي هو واحد الأمور أو الأمر
بالخبر فعلى الأول تكون من للتبعيض أو لابتداء الغاية وعلى الثاني تكون لابتداء الغاية أو
بمعنى الباء ﴿يَوْمَ الثَّلاَقِ﴾ يعني يوم القيامة وسُمّي بذلك لأن الخلائق يلتقون فيه وقيل لأنه
يلتقي فيه أهل السموات والأرض وقيل لأنه يلتقي الخلق مع ربّهم، والفاعل في ينذر ضمير
يعود على مَن يشاء أو على الروح أو على الله ﴿لَمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هذا من كلام الله تعالى
تقريراً للخلق يوم القيامة فيجيبونه ويقولون لله الواحد القهار وقيل بل هو الذي يجيب نفسه

٢٧٩
تفسير سورة غافر
بِمَا كَسَبَتْ لَاأُظُلْمَ الْيَّوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ () وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ آلْأَزِفَةِ إِذِالْقُلُوبُ لَدَى
اَلْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ (٨) يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى
الصُّدُورُ (١٩) وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ
﴿ أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ
الْبَصِيرُ (٥)
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَانَارًا فِىِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِدُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (٢٦)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَكَفَرُواْ فَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ (*) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَا وَسُلْطَنِ مُبِينٍ (٢) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ
فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُوْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ ﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيّ
أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ (٣) وَقَالَ
لأن الخلق يسكتون هيبة له وقيل إن القائل لمن الملك اليوم ملك ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يعني
القيامة ومعناه القريبة ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور
لشدّة الخوف حتى بلغت الحناجر فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبّر به عن شدّة
الخوف والحناجر جمع حنجرة وهي الحلق ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي محزونين حزنًا شديدًا كقوله
فهو كظيم وقيل معناه يكظمون حزنهم أي يطمعون أن يخفوه والحال تغلّهم وانتصابه على
الحال من أصحاب القلوب لأن معناه قلوب الناس أو من المفعول في أنذرهم أو من
القلوب وجمعها جمع المذكّر لما وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي صديق مشفق ﴿وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ يحتمل أن يكون نفي الشفاعة وطاعة
الشفيع أوّ نفي طاعة الشفيع خاصّة، كقولك ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح وإن كان
قد جاءك رجل غير صالح، والأول أحسن لأن الكفّار ليس لهم مَن يشفع فيهم ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأَعْيُنِ﴾ أي استراق النظر والخائنة مصدر بمعنى الخيانة أو وصف للنظرة وهذا الكلام
متصل بما تقدّم من ذكر الله واعتراض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله
لينذر يوم التلاق ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجّة ظاهرة وهي المعجزات ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ﴾ هذا القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولاً قبل ميلاد موسى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنَ
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ المعنى أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك

٢٨٠
تفسير سورة غافر
وَقَالَ رَجُلٌ.
مُوسَى إِنِّ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبٍِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ
مُؤْ مِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَبُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَ كُمْ يِالْبَغِنَتِ
مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ
يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِ اُلْأَرْضِ فَمَنْ
٢٨
اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّبٌ
يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّ سَيِلَ
الرَّشَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَّوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (ج)، مِثْلَ دَأَبٍ قَوْمِ نُوحٍ
إن قتله، ويظهر من قوله ذروني أنه كان في الناس مَن ينازعه في قتل موسى، وذلك يدلّ.
على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ
الْفَسَادَ﴾ يعني فساد أحوالهم في الدنيا، وقرىء وأن يظهر بالواو وبأو ويظهر بفتح الياء ورفع
الفساد على الفاعلية وبضمّ الياء ونصب الفساد على المفعولية ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾
الآية لما سمع موسى ما همّ به فرعون من قتله استعاذ بالله فعصمه الله منه، وقال من كل
متكبّر ليشمل فرعون وغيره وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح ﴿وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ قیل اسم هذا الرجل حبيب وقيل حزقيل، وقيل شمعون بالشين
المعجمة، ورُوِيَ أن هذا الرجل المؤمن كان ابن عمّ فرعون، فقوله من آل فرعون صفة
للمؤمن، وقيل كان من بني إسرائيل، فقوله من آل فرعون على هذا يتعلق بقوله يكتم
إيمانه، والأول أرجح لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسٍ
اللَّهِ﴾ لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء بحيث لا يتكلم أحد
منهم بمثل هذا الكلام، و﴿أَن يَقُولَ﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره أتقتلونه من أجل
أن يقول ربّي الله ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ کَذِبُهُ﴾ أي إن کان موسی کانبًا في دعوى الرسالة
فلا يضرّكم كذبه، فلأيّ شيء تقتلونه، فإن قيل: كيف قال وإن يكُ كاذبًا بعد أن كان قد
آمن به؟ فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له وإنما قاله على وجه الفرض
والتقدير، وقصد بذلك المَحاجّة لقومه، فقسم أمر موسى إلى قسمين، ليُقيم عليه الحجّة
في ترك قتله على كل وجه من القسمين ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ قيل
إن بعض هنا بمعنى كل وذلك بعيد، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو
كل ما يعدهم ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصّب لموسى، ويُظهِر النصيحة لفرعون
وقومه، فيُرتَجَى إجابتهم للحق ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ هو المؤمن المذکور أولاً وقيل هو موسى