Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ تفسير سورة يس يُؤْمِنُونَ (٤) إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِ يهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٥َ، وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشْرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴿٤) إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَد وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىّ إِمَامٍ ◌ُّبِينٍ ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ (٣) إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ أنها عبارة عن كفّهم عن إذاية النبي بَلّ حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر فرجع عنه فزعًا مرعوبًا، والثالث أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم، والأول أظهر وأرجح لقوله قبلها ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله بعدها: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ﴾ الذقن هي طرف الوجه حيث تنبت اللحية، والضمير للأغلال، وذلك أن الغلّ حلقة في العنق، فإذا كان واسعًا عريضًا وصل إلى الذقن فكان أشدّ على المغلول، وقيل الضمير للأيدي على أنها لم يتقدّم لها ذكر، ولكنها تُفهَم من سياق الكلام، لأن المغلول تضمّ يداه في الغلّ إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: إنا جعلنا في أيديهم أغلالاً إلى الأذقان. وهذه القراءة تدلّ على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يقال قمح البعير إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره إذا فعل به ذلك، والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع، وقيل معنى مقمحون ممنوعون من كل خير ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَنْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية: السدّ الحائل بين الشيئين، وذلك عبارة عن منعهم من الإيمان ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي غطّينا على أبصارهم وذلك أيضًا مجاز يراد به إضلالهم ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية: ذكرنا معناها وإعرابها في البقرة ﴿إنَّما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المعنى أن الإنذار لا ينفع إلاّ مَن اتّبع الذكر وهو القرآن ﴿وَخِشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ معناه كقولك إنما تنذر الذين يخشون ربّهم بالغيب وقد ذكرناه في فاطر ﴿إِنَّا نَحْنُ نُخيِي الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم يوم القيامة، وقيل إحياؤهم إخراجهم من الشرك إلى الإيمان، والأوّل أظهر ﴿ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ أي ما قدموا من أعمالهم وما تركوه بعدهم كعلم علموه أو تحبيس حبسوه، وقيل الأثر هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث ﴿إِمَام مُبِينٍ﴾ أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ أو صحائف الأعمال ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً﴾ الضمير لقريش، ومثلاً وأصحاب القرية مفعولان باضرب على القول بأنها تتعدّى إلى مفعولين، وهو الصحيح والقرية أنطاكية ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ هم من الحواريين الذين ٢٢٢ تفسير سورة يس قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَآ أَنَزَلَ ١٤ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ الْنَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلَّ الْبَغُ ﴿ قَالُواْ إِنَّا تَطَيِّرْنَا بِكُمْ لَيِن ◌َّْ تَنْتَهُواْ لَتَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِمٌ الْهَ قَالُواْ اَلْمُبِينُ ◌َِّرَّكُمْ مَعَكُمْ أَبِن ذُكِرْتُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسِْفُونَ (١) وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ ﴿ أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسَفَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (ثَ وَمَا لِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَفِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿َ ءَ أَقِّخِذُ مِن دُونِهِ= ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتْهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ) إِنْتَ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ ٢٤ إِّ إِذَّا لَّفِى ضَلَالٍ مُِينٍ ٢٣ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةُ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ (ثَ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِ مِنَ ٢٥ فَاسْمَعُونِ أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام يدعون الناس إلى عبادة الله، وقيل بل هم رسل أرسلهم الله، ويدلّ على هذا قول قومهم ما أنتم إلّ بشر مثلنا، فإن هذا إنما يقال لمَن ادّعى أن الله أرسله ﴿فَعَزِّزْنَا بِثَالث﴾ أي قوّينا الاثنين برسول ثالث، قيل اسمه شمعون ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ إنما أكدوا الخبر هنا باللام لأنه جواب المنكرين بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيِّرْنَا بِكُمْ﴾ أي تشاءمنا بكم، وأصل اللفظ من زجر الطير ليستدلّ على ما يكون من شرّ أو خير، وإنما تشاءموا بهم لأنهم جاؤوهم بدين غير دينهم وقيل وقع فيهم الجذام لمّا كفروا، وقيل قحطوا ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي قال الرُّسُل لأهل القرية شؤمكم معكم: أي إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم لا بسببنا ﴿أَئِن ذُكِّرْتُمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط وفي الكلام حذف تقديره أتطيرون أن ذكرتم ﴿يَسْعَى﴾ أي يسرع بجدّه ونصيحته، وقيل اسمه حبيب النجار ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان فلا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون معهم الاهتداء في دينكم ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى أيّ شيء يمنعني من عبادة ربّي وهذا توقيف وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه، ولذلك قال وإليه ترجعون فخاطبهم ﴿إِن يُرِذْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّ لاَ تُغْنِ عَنِّ شَفَاعَتُهُمْ﴾ هذا وصِفِ للآلهة، والمعنى كيف أتخذ من دون الله آلهة لا يشفعون ولا ينقذونني من الضرّ ﴿إنّي إذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين ﴿إنِّي آمَنِتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ خطاب لقومه أي اسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي، وقيل خطاب للرسل ليشهدوا له ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قيل هنا محذوف، يدلّ عليه الكلام، ورُوِيَ في الأثر وهو أن الرجل ٢٢٣ تفسير سورة يس ـَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَمَا كُتَّا مُنْزِلِينَ ﴿ إِن كَانَتْ اُلْمُكْرَمِينَ إِ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ (٢٦) يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ الْجَ أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (بَ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْمَنْتَةُ أَحْيَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (هـ يَأْكُلُونَ ﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ رَجَم ◌ِيَأْكُلُواْ سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا مِن ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ لَـ تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (﴾ وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم لمّا نصح قومه قتلوه فلما مات قيل له ادخل الجنة، واختلف هل دخلها حين موته كالشهداء أو هل ذلك بمعنى البشارة بالجنة ورؤيته لمقعده منها ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ تمنّى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه فيؤمنون، ولذلك ورد في الحديث أنه نصح لهم حيًّا وميتًا، وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه وينفعهم ذلك ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ من جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ المعنى أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء لأنهم أهون من ذلك، وقيل المعنى ما أنزل الله على قومه ملائكة رُسُلاً كما قالت قريش لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ما كنا الننزل جندًا من السماء إلى أحد ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ أي ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون ﴿يَا حَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ﴾ نداء للحسرة كأنه قال يا حسرة احضري فهذا وقتك، وهذا التفجّع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما فعلوا من استهزائهم بالرسل، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة أو المؤمنين من الناس، وقيل المعنى يا حسرة العباد على أنفسهم ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الضمير لقريش أو للعباد على الإطلاق والرؤية هنا بمعنى العلم ﴿وَإِنْ كُلِّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُخْضَرُون﴾ قرىء لما بالتخفيف وهي لام التأكيد دخلت على ما المزيدة وإن على هذا مخفّفة من الثقيلة، وقرىء بالتشديد وهي بمعنى إلاّ، وإن على هذا نافية ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ما معطوفة على ثمره أي ليأكلوا من الثمر وما عملته أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة، وقيل ما نافية وقرىء ما عملت من غير هاء وما على هذا معطوفة ﴿الأَزْوَاجَ﴾ يعني أصناف المخلوقات ثم فسّرها بقولهِ مما تنبت الأرض وما بعده، فمن في المواضع الثلاثة للبيان ﴿وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني أشياء لا يعلمها بنو آدم كقوله ويخلق ما لا . ٢٢٤ تفسير سورة يس مُظْلِمُونَ الْأَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ () وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَّازِلَ حَتَّى عَادَ كَأَلْعُرُجُونِ الْقَدِيمِ (ثَ لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَءَايَّةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٩) وَخَلَقْنَالَهُمْ تعلمون ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أي نجرّده منه وهي استعارة ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرَ لَّهَا﴾ أني لحدّ موقّت تنتهي إليه من فلكها وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين الشتاء والصيف، وقيل مستقرها وقوفها كل وقت زوال، بدليل وقوف الظلّ حينئذ، وقيل مستقرها يوم القيامة حين تكوّر، وفي الحديث مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها، وهذا أصحّ الأقوال لوروده عن النبي ◌َّر في الحديث الصحيح، وقرىء لا مستقر لها أي لا تستقر عن جريها ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرىء بالرفع على الابتداء أو عطف على الليل، وبالنصب على إضمار فعل، ولا بدّ في قدّرناه من حذف تقديره قدّرنا سيره منازل، ومنازل القمر ثمانية وعشرون ينزل القمر كل ليلة واحدة منها من أول الشهر ثم يستتر في آخر الشهر ليلة أو ليلتين، وقال الزمخشري وهذه المنازل هي مواضع النجوم: وهي السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف ، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوى، السماك، الغفر، الزبانى، الإكليل، القلب، الشولة، الثّعائم، البلدة، سعد بلع، سعد الذابح، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدّم، فرغ الدلو المؤخر، بطن الحوت ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم﴾ العرجون هو غصن النخلة شبّه القمر به إذا انتهى في نقصانه والتشبيه في ثلاثة أوصافَ: وهي الرقّة، والانحناء، والصفرة، ووصفه بالقديم لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف ﴿لَاَ الشَّمْسُ يَثْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ المعنى لا يمكن للشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، وهكذا قال بعضهم ويحتمل أن يريد أن سير الشمس في الفلك بطيء فإنها تقطع الفلك في سنة وسير القمر سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر والبطيء لا يدرك السريع ﴿وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني أن كل وأُخْد منهما جعل الله له وقتًا موقتًا واحدًا معلومًا لا يتعذّاه فلا يأتي الليل حتى يتفصل النهار، "كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل، ويحتمل أن يريد أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس: أي لا تجتمع معه فيكون المعنى كالذي قيل في قوله: ﴿لاَ الشَّهش يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فحصل من ذلك أن الشمس لا تجتمع مع القمر وأن القمز لا يجتمع مع الشمس ﴿وَكُلِّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُون﴾ ذكر في الأنبياءَ ﴿وَآَيَّةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْتَ ذُرَّتُهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ معنى المشحون المملوء، والفلك هنا يحتمل أن يُريد به جنس الشفن ٢٢٥ تفسير سورة يس مِّن مِثْلِهِ، مَا يَرَّكَبُونَ إِ وَإِن ◌َّشَأْ تُغْرِقْهُمْ فَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلَ هُمْ يُنقَذُونٌ (٤) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَنَعًا إِلَى ٤٢ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ٤٥ ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٤ چِينِ ءَيَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَفَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ◌ْ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا ◌ِلَِّينَ ءَامَنُواْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ أو سفينة نوح عليه السلام، وأما الذرّيّة فقيل إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح عليه السلام، وسمّى الآباء ذرّية لأنها تناسلت منهم، وأنكر ابن عطية ذلك، وقال إنه يعني النساء، وهذا بعيد، والأظهر أنه أراد بالفلك جنس السفن، فيعني جنس بني آدم، وإنما خصّ ذرّيّتهم بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة، وإن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بالذرّيّة مَن كان في السفينة، وسمّاهم ذرّيّة، لأنهم ذرّيّة آدم ونوح، فالضمير في ذرّيّتهم على هذا النوع بني آدم كأنه يقول الذرّيّة منهم ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بقوله من مثله سائر السفن التي يركبها سائر الناس، وإن أراد بالفلك جنس السفن فيعني بقوله من مثله الإبل وسائر المركوبات، فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوب لا غير، والأول أظهر، لقوله وإن نشأ نغرقهم، ولا يتصوّر هذا في المركوبات غير السفن ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي لا مغيث لهم ولا منقذ لهم من الغرق ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّ﴾ قال الكسائي نصب رحمة على الاستثناء كأنه قال إلاّ أن نرحمهم، وقال الزجّاج نصب رحمة على المفعول من أجله كأنه قال إلاّ لأجل رحمتنا إياهم ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ يعني آجالهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الضمير لقريش، وجواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدلّ عليه إلاّ كانوا عنها معرضين، والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ذنوبهم المتقدّمة والمتأخرة، وقيل ما بين أيديهم عذاب الأمم المتقدمة، وما خلفهم عذاب الآخرة ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ كان النبي ◌َّر والمؤمنون يحضّون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفّار بهذا الجواب، وفي معناه قولان: أحدهما أنهم قالوا كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم ومَن حرمهم الله نحن نحرمهم، وهذا كقولهم كن مع الله على المدبر، والآخر أن قولهم ردّ على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون إن الأمور كلها بيد الله، فكان الكفّار يقولون لهم لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء فما بالكم تطلبون إطعامهم منّا، ومقصدهم في الوجهين احتجاج لبحلهم ومنعهم الصدقات واستهزاء بمَن حضّهم على الصدقات ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يحتمل أن يكون ٢٢٦ تفسير سورة يس مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ هَا فَلَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ٤٨ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ الْ، وَنُفِخَ فِىِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٤) قَالُوا يَوَيِّلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ٥٢ إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿ فَأَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا هُمْ وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥) إِنَّ أَصْحَبَّ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِىِ شُغُلٍ فَلَكِهُونَ ! سَلَمٌ قَوْلاً مِنَ ٥١ وَأَزْوُجُهُمْ فِ ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِئُونَ (٥َ لَهُمْ فِيهَا فَلَكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَذَّعُونَ من بقية كلامهم خطابًا للمؤمنين أو يكون من كلام الله خطابًا للكافرين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون يوم القيامة أو نزول العذاب بهم: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما ينتظرون إلاّ صيحة واحدة وهي النفخة الأولى في الصور وهي نفخة الصعق ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ﴾ أي يتكلمون في أمورهم وأصلٍ يخصمون يختصمون، ثم أدغم، وقرىء بفتح الخاء وبكسرها واختلاس حركتها ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم لسرعة الأمر ﴿وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم لسرعة الأمر ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ هذه النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور، والأحداث هي القبور، وينسلون يسرعون المشي، وقيل يخرجون ﴿قَالُوا يَا وَئِلَنَا﴾ الويل. منادى أو مصدر ﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ المرقد يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان قال أُبيّ بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومة قبل الحشر، قال ابن عطية هذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم من مرقدنا: أنها استعارة وتشبيه به يعني أن قبورهم شُبّهت بالمضاجع لكونهم فيها على هيئة الرقاد، وإن لم يكن رقاد في الحقيقة ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ هذا مبتدأ وما بعده خبر وقيل إن هذا صفة لمرقدنا وما: وعد الرحمن مبتدأ محذوف الخبر وهذا ضعيف، ويحتمل أن يكون هذا الكلام من بقية. كلامهم أو من كلام الله أو الملائكة أو المؤمنين يقولونها للكفّار على وجه التقريع ﴿إن كَانَتْ إلَّ صَيْحَةً وَاحِدَةٌ﴾ يعني النفخة الثانية وهي نفخة القيام ﴿إِنَّ أَضْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي: شُغُل﴾ قيل هو افتضاض الأبكار، وقيل سماع الأوتار، والأظهر أنه عامّ في الاشتغال باللذَّات ﴿فَاكِهُونَ﴾ قُرىء بالألف ومعناه أصحاب فاكهة، وبغير ألف وهو من الفكاهة بمعنى الراحة والسرور ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾ جمع ظل، وبالضمّ جمع ظلّة، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ جمع ٢٢٧ تفسير سورة يس رَّبِّ تَّحِيمٍ ® ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا ٥٩ وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ /٥ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ (٢) وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (٤) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا جِيلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ (بَ هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ إِشَـ اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّآ أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اللَّهـ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ () وَلَوْ يَكْسِبُونَ لِ ٦٥ نَشَاءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَزَجِعُونَ (٤٦) وَمَن تُعَمِّرْهُ تُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِّ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ (٤) وَمَا عَلَّمْنَهُ الشّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُّرْءَانٌ أريكة وهي السرير ﴿وَلَهُم مَّا يَذَّعُونَ﴾ أي ما يتمنون، وقيل معناه أن ما يدعون به يأتيهم ﴿سَلاَمٌ﴾ مبتدأ، وقيل بدل مما يدعون ﴿قَوْلاً﴾ مصدر مؤكد، والمعنى: أن السلام عليهم قول من الله بواسطة الملك أو بغير واسطة ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي انفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حِدَة ﴿جِبِلاً كَثِيرًا﴾ الجبل الأمة العظيمة، وقال الضحاك: أقلّها عشرة آلاف ولا نهاية لأكثرها، وقرىء بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، ويضمّهما مع التخفيف، وبضم الجيم وإسكان الباء، وهي لغات بمعنى واحد ﴿الْيَوْمَ نِخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي نمنعهم من الكلام فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ هذا تهديد لقريش، والطمس على الأعين هو العمى، والصراط الطريق وأنّى استفهام يراد به النفي. فمعنى الآية لو نشاء لأعميناهم فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه، وقيل يعني عمى البصائر أي لو نشاء لختمنا على قلوبهم فالطريق على هذا استعارة بمعنى الإيمان والخير ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْتَاهُمْ﴾ هذا تهديد بالمسخ، فقيل معناه المسخ قردة وخنازير وحجارة، وقيل معناه لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين لا يستطيعون تصرّفًا، وقيل إن هذا التهديد كله بما يكون يوم القيامة، والأظهر أنه في الدنيا ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ المكانة المكان، والمعنى لو نشاء لمسخناهم مسخًا يُقعِدهم في مكانهم ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيَّا وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا ﴿وَمَن تْعَمِّزْهُ نُتَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي نحوّل خلقته من القوة إلى الضعف، ومن الفهم إلى البَلَه وشبه ذلك كما قال تعالى: ﴿ثُمّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفًا وشيبةً﴾ [الروم: ٥٤]، وإنما قصد بذكر ذلك هنا للاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفّار كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الضميران لمحمد صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، ٢٢٨ تفسير سورة يس أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا ٧٠ مُّبِينٌ (٤) لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْ كُونَ الَ وَهُمْ فِهَا @لا وَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُّ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ٧۴ مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌّ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ ﴿َ فَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا وذلك ردّ على الكفّار في قولهم إنه شاعر، وكان صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم لا ينظم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه، فإن قيل: قد رُوِيّ عنه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم أنه قال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ورُوِيَ أيضًا عنه وَّ: هل أنت إلاّ أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت، وهذا الكلام على وزن الشعر فالجواب أنه ليس بشعر وأنه لم يقصد به الشعر، وإنما جاء موزونًا بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل هذا يقال في مثل ما جاء في القرآن من الكلام الموزون ويقتضي قوله: ﴿وَمَا يَتْبَغِي لَهُ﴾ تنزيه النبي وَله عن الشعر لما فيه من الأباطيل وإفراط التجاوز حتى يقال إن الشعر أطيبه أكذبه، وليس كل الشعر كذلك فقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إن من الشعر لحكمة)) وقد أكثر الناس في ذمّ الشعر ومدحه، وإنما الإنصاف قول الشافعي الشعر كلام والكلام منه حسن ومنه قبيح ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾ الضمير للقرآن يعني أنه ذكر لله أو تذكير للناس أو شرف لهم ﴿لْيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ أي حيّ القلب والبصيرة ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي يجب عليهم العذاب ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَبْدِينًا أَنْعَامًا﴾ مقصد الآية تعديد النّعَم وإقامة الحجة، والأيدي هنا عند أهل التأويل عبارة عن القدرة، وعند أهل التسليم من المتشابه الذي يجب الإيمان به وعلمه عند الله ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الركوب بفتح الراء هو المركوب ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني الأكل منها والحمل عليها والانتفاع بالجلود والصوف وغيره ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني الألبان ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ الضمير في يستطيعون للأصنام، وفي نصرهم للمشركين، ويحتمل العكس، ولكن الأول أرجح فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لينصروهم: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم فخاب أملهم ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُخْضَرُونَ﴾ الضمير الأول للمشركين والثاني للأصنام يعني أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصبون لهم حتى أنهم لهم كالجند وقيل بالعكس بمعنى أن الأصنام جند محضرون لعذاب المشركين في الآخرة والأول أرجح لأنه تقبيح الحال المشركين ﴿فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ تسلية للنبي وَلّ معّلة لما بعدها ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنْسَانُ ٢٢٩ تفسير سورة يس يُعْلِنُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ (٨) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَسِىَ خَلْقَلِّ قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيٌ لِ﴿ قُلْ يُحِبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِّدُونَ اللََّ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ الْأَهَ إِنَّمَآ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهين على الحشر يوم القيامة وردّ على مَن أنكر ذلك، والنطفة هي نطفة المني التي خلق الإنسان منها ولا شك أن الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة قادر على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث، وسبب الآية أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي ◌َّ بعظم رميم فقال يا محمد مَن يُحيي هذا؟ وقيل إن الذي جاء بالعظم أُميّة بن خلف وقيل أبيّ بن خلف فقال له رسول الله وَلاير: ((الله يُحييه ويُميتك ثم يُحييك ويُدخلك جهنم)) ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي متكلّم قادر على الخصام يبين ما في نفسه بلسانه ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إشارة إلى قول الكافرين مَن يُحيي هذا العظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي الاستدلال بخلقته الأولى على بعثه والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول أو الترك ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي بالية متفتّتة ﴿قُلْ يُخْبِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ استدلال بالخلقة الأولى على البعث ﴿وَهُوَ بِكُلْ خَلْقٍ عَلِيم﴾ أي يعلم كيف يخلق كل شيء فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدرًا أو بمعنى المخلوق ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ هذا دليل آخر على إمكان البعث وذلك أن الذين أنكروه من الكفّار والطبائعيين قالوا طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حيّة. فأقام الله عليهم الدليل من الشجر الأخضر الممتلىء ماء مع مضادّة طبع الماء للنار ويعني بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار فإنه يقطع من كل واحد منهما غصنًا أخضر يقطر منه الماء فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بينهما قال ابن عباس ليس من شجرة إلاّ وفيها نار إلاّ العنّاب ولكنه في المرخ والعفار أكثر ﴿أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذا دليل آخر على البعث بأن الإله الذي قدر على خلق السموات والأرض على عظمهما وكبر أجرامهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها والضمير في مثلهم يعود على الناس ﴿وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ذكر في هذين الاسمين أيضًا استدلال على البعث وكذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لأن هذا عبارة عن قدرته على جميع الأشياء ولا شك أن الخلاّق ٢٣٠ تفسير سورةبض افَسُبْحَانَ الَّذِى بِبَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْ ءٍ قُ إِلَيْهِ ٨٢ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٣ تُرْجَعُونَ العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في هذا استدلال على البعث وتنزيه الله عمّا نسبه الكفّار إليه من العجز عن البعث فإنهم ما قدّروا الله حقّ قدره وكلّ مَن أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه وتعالى. ١٠٠ : ، سورة الضّافّات مكتّة وآياتها ١٨٢ نزلت بعد الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرََّبِ آَلـ ! فَالَّجِرَتِ زَجْرًا ﴿ فَالنَّلِيَتِ ذِكْرًا (٤) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَجِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَوَتِ ١ وَالصََّفَّتِ صَفًّا ◌ِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ (٥) إِنَا زَبَّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ (٥) وَحِفْظًامِن كُلِّ شَيْطَانٍ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿والصَّافَّاتِ صَفَّا﴾ تقديره والجماعات الصّافّات ثم اختلف فيها فقيل هي الملائكة التي تصفّ في السماء صفوفًا لعبادة الله وقيل هو من يصفّ من بني آدم في الصلوات والجهاد والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة وإنّا لنحن الصّافُون ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها وقيل الزاجرون بالمواعظ من بني آدم وقيل هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن المعاصي ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة تتلو القرآن والذكر وقيل هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم وهي كلها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ يعني مشارق الشمس وهي ثلاثمائة وستّون مشرقًا وكذلك المغارب فإنها تشرق كل يوم من أيام السنة في مشرق منها وتغرب في مغرب، واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب لأنها معادلة لها فتفهم من ذكرها ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ قرىء بإضافة الزينة إلى الكواكب والزينة تكون مصدرًا واسمًا لما يُزان به فإن كان مصدرًا فهو مضاف إلى الفاعل ٢٣٢ تفسير سورة الصّافّات أَدُخُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ فَ إِلَّا ج الَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَإِ اْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ٧ قَاردم ٨ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُمْ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿ فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمَ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن تقديره بأن زينة الكواكب اسمًا أو مضاف إلى المفعول تقديره بأن زيّنًا الكواكب وإن كانت اسمًا فالإضافة بيان للزينة وقرىء بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل ونصب الكواكب على أنها مفعول بزينة أو بدل من موضع زينة ﴿وحِفْظًا﴾ منصوب على المصدر تقديره وحفظناها حفظًا أو مفعول من أجله والواو زائدة أو محمول على المعنى لأن المعنى إنّا جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظًا ﴿مَّارِدٍ﴾ أي شديد الشرّ ﴿لَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى﴾ الضمير في يسمعون للشياطين والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة وقرىء يسمعون بتشديد السين والميم ووزنه يتفعلون والسمع طلب السماع فنفى السماع على القراءة الأولى ونفى طلبه على القراءة بالتشديد والأول أرجح لقوله: ﴿إِنّهُم عَنِ السَّمَعِ لَمَعْزُولُون﴾ [الشعراء: ٢١٢] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون لكنهم لا يسمعون شيئًا منذ بعث محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنهم يرمون بالكواكب ﴿وَيُقْذَّفُونَ﴾ أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تنقض قال النقاش ومكّي ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منّا قال ابن عطية وفي هذا نظر ﴿دُحُورًا﴾ أي طردًا وإبعادًا وإهانة لأن الدحر الدفع بعنف وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع الحال تقديره مدحورين ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم لأنهم يرجمون بالنجوم في الدنيا ثم يقذفون في جهنم، ﴿إلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ مَن في موضع رفع بدل من الضمير في قوله: ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ﴾ والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلاّ الشيطان الذي خطف الخطفة ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي شديد الإضافة ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مِّنْ خَلَقْنَا﴾ الضمير لكفّار قريش والاستفتاء نوع من السؤال وكأنه سؤال مَن يعتبر قوله ويجعل حجة لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم ومَن خلقنا يراد به ما تقدّم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب وقيل يراد به ما تقدّم من الأمم والأول أرجح لقراءة ابن مسعود أم من عددنا ومقصد الآية إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه يقول هذه المخلوقات أشدّ خلقًا منكم فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم ﴿إِنَّا خَلَقْتَاهُمْ مِّن طِينٍ لأَزِبٍ﴾ اللازب اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني ٢٣٣ تفسير سورة الصّافّات ﴿ وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذَّكُرُونَ إِ طِينٍ لََّزِبٍ الأَ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (٦َ ١٤ :. وَإِذَا رَأَوْ ءَايَّةٌ يَسْتَسْخِرُونَ ١٣ وَقَالُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينُ (٤٠) أَِذَا مِنْنَا وَكْنَا نُرَبًا وَيَعِظَامًا أَمِنَا لَمَبْعُوتُونَ (٦ْلَ أَوَ ءَابَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ النَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ الْمَ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُواْ نَوَيِلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٥) هَذَا يَوْمُ مِن دُونِ الْفَصْلِ الَّذِى كُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (٤) ﴿ أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونُ الأَ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ اثْجَ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ (٤) مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ ﴿هَ بَلْ هُ الْيَوْمَ آدم، ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي عجبت يا محمد من ضلالهم وإعراضهم عن الحق أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العِظام المذكورة وقرىء عجبت بضم التاء وأشكل ذلك على مَن يقول إن التعجّب مستحيل على الله فتأوّلوه بمعنى أنه جعله على حال يتعجب منها الناس وقيل تقديره قل يا محمد عجبت وقد جاء التعجّب من الله في القرآن والحديث كقوله ◌َّل يعجب ربك من شاب ليس له صبوة وهو صفة فعل وإنما جعلوه مستحيلاً على الله لأنهم قالوا إن التعجب استعظام خفي سببه والصواب أنه لا يلزم أن يكون خفيّ السبب بل هو لمجرد الاستعظام فعلى هذا لا يستحيل على الله ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ تقديره وهم يسخرون منك أو من البعث ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ الآية هنا العلامة كانشقاق القمر ونحوه ورُويَ أنها نزلت في مشرك اسمه ركانة أراه النبي # آيات فلم يؤمن ويستسخرون معناه يسخرون فيكون فعل واستعمل بمعنى واحد وقيل معناه يستدعي بعضهم بعضًا لأن يسخر وقيل يبالغون في السخرية ﴿أَإِذَا مِثْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية: معناها استبعادهم البعث وقد تقدّم الكلام على الاستفهامين في الرعد ﴿أَوَ آبَاؤُنَا﴾ بفتح الواو دخلت همزة الإنكار على واو العطف وقرىء بالإسكان عطفًا بأو ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي قل تبعثون والداخر الصاغر الذليل ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هي النفخة في الصور للقيام من القبور ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يحتمل أن يكون من النظر بالأبصار أو من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم. ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم مثل الذي قبله أو مما يقال لهم مثل الذي بعده ﴿أَخْشُرُوا﴾ الآية: خطاب للملائكة خاطبهم به الله تعالى أو خاطب به بعضهم بعضًا﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ يعني نساؤهم المشركات وقيل يعني أصنامهم وقرناءهم من الجنّ والإنس ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ يعني الأصنام والآدميين الذين كانوا يرضون بذلك ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي دلّوهم على طريق جهنم ليدخلوها ﴿إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ﴾ يعني إنهم يسألون عن أعمالهم توبيخًا لهم وقيل يسألون عن قول لا إله إلاّ الله والأول ٢٣٤ تفسير سورة الصّافات ، قَالُواْ بَل ◌َّْ ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ (٢َّا قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اَلْيَّمِينِ ( ٢٦ مُسْتَسْلِمُونَ أَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍّ بَلْ كُنُمْ قَوْمًا طَِينَ ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَاْ إِنَا ٢٩ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ ٣٣ ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ، فَأَغْوَيْتَّكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ ٣١ لَذَابِقُونَ إِنَّهُمْ كَانُوْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ النَّ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْ ءَالِهَتِنَّا ٣٤) بِالْمُجْرِمِينَ ◌َ إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيِمِ ◌ِّمْ وَمَهُ تُخْزَوْنَ بَلْ جََّ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِنَ الثّ ٣٦ لِشَاعِ ◌َجْنُونِ فَ فَكَةٌ وَهُم أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ٤٠ (* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ أرجح لأنه أهم ويحتمل أن يسألوا عن عدم تناصرهم على وجه التهكّم بهم فيكون مسؤولون عاملاً فيما بعده والتقدير يقال لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وقد كنتم في الدنيا تقولون نحن جميع منتصر ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي منقادون عاجزون عن الانتصار ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الضمير في قالوا للضعفاء من الكفّار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم أو للإنس خاطبوا الجنّ واليمين هنا يحتمل ثلاث معانٍ الأولى أن يراد بهما طريق الخير والصواب وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين كما أن العبارة عن الشرّ بالشمال والمعنى أنهم قالوا لهم إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدّوننا عنه والثاني أن يزاد به القوّة والمعنى على هذا أنكم كنتم تأتوننا بقوّتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان والثالث أن يراد بها اليمين التي يحلف بها أي كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدّقكم في ذلك ونتبعكم ﴿قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الضمير في قالوا للكبراء من الكفّار أو للشياطين والمعنى أنهم قالوا لأتباعهم ليس الأمر كما ذكرتم بل كفرتم باختياركم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ أي وجب العذاب علينا وعليكم، وإنا الذائقون: معمول القول وحذف معمول ذائقون تقديره وجب القول بأنّا ذائقون العذاب ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي دعوناكم إلى الغيّ، لأنّا كنّا على غيِّ ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مشتركون﴾ أي إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار ﴿وَيَقُولُونَ أَمِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ الضمير في یقولون لكفّار قریش، ویعنون شاعر مجنون: محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فردّ الله عليهم بقوله ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ أي جاء بالتوحيد والإسلام، وهو الحق ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين جاؤوا قبله: لأنه جاء بمثل ما جاؤوا به؛ ويحتمل المعنى أن يكون صدقهم لأنهم أخبروا بنبوّته فظهر صدقهم لما بعث عليه الصلاة والسلام ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع بمعنى لكن، وقرىء مخلصين بفتح اللام ٢٣٥ تفسير سورة الضّافّات بَيْضَآءَ لَذَّةٍ ٤٥ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ٤٤ أَعَلَى سُرُرٍ مُّنَقَبِلِينَ! ◌ُكْرَمُونَ اهَافِ جَنَّتِ النَّعِيم الشـ ◌َ كَّهُنَّ بَيْضُ ٤٨ أَلَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَاهُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ الْثَ وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ! لِلِشَرِبِينَ يَقُولُ أَعِنَّكَ ٥١ مَّكْنُونٌ ﴿٤) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَآءَ لُونَ ﴾ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِى كَانَ لِ قَرِينٌ ◌َ فَأَطَلَعَ فَرَءَاهُ ◌ْ قَالَ هَلْ أَنْتُم مُطَّلِعُونَ ﴿ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ جَ أَمِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَا لَمَدِينُونَ وكسرها في كل موضع، وقد تقدّم تفسيره ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ السُّرر جمع سرير، وتقابلهم في بعض الأحيان للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد بقصره ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ﴾ الذين يطوفون عليهم الولدان، حسبما ورد في الآية الأخرى، والكأس الإناء الذي فيه خمر قاله ابن عباس، وقيل الكأس إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم لا، والمعين: الجاري الكثير، ووزنه فعيل، والميم فيه أصلية، وقيل هو مشتق من العين، والميم زائدة، ووزنه مفعول ﴿لَذَّةٍ﴾ أي ذات لذّة، فوصفها بالمصدر اتّساعًا ﴿لاَ فِيها غولٌ﴾ الغول: اسم عامّ في الأذى والضير، ومنه يقال غاله يغوله: إذا أهلكه: وقيل الغول وجع في البطن، وقيل صداع في الرأس، وإنما قدّم المجرور هنا تعريضًا بخمر الدنيا، لأن الغول فيها ﴿وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُون﴾ أي لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النزيف، وهو السكران، وعن هنا سببية، كقولك فعلته عن أمرك، أي لا ينزفون بسبب شربها ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ معناه أنّهنّ قصرن أعينهنّ على النظر إلى أزواجهنّ، فلا ينظرن إلى غيرهنّ ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين في جمال ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ قيل شبّههنّ في اللون ببيض النعام، فإنه بياض خالطه صفرة حسنة، وکذلك قال امریء القيس : كَبكر مقناة البياض بصفرة وقيل إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشرة الأولى، وقيل أراد الجوهر المصون ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ هذا إخبار عن تحدّث أهل الجنة قال الزمخشري هذه الجملة معطوفة على يطاف عليهم، والمعنى أنهم يشربون فيتحدّثون على الشراب، بما جرى لهم في الدنيا ﴿إنّ كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قيل إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمن وكافر وقيل إن قرينه كان من الجنّ ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ معناه أنه كان يقول له على وجه الإنكار أتصدق بالدنيا والآخرة ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي مجازون ومحاسبون على الأعمال، ووزنه مفعول، وهو من الدین ٢٣٦ تفسير سورة الصافات اأَفَمَا @َ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ◌َ قَالَ تَلَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينِ ( ٥٥ فِىِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ لِثْلِ هَذَا نَحْنُ بِمَّيِّتِينٌ (٢٨) إِلَّ مَوْنَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ أَإِنَّهَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًّا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلْظِّلِينَ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُهُوسُ الشَّيَاطِينِ (١٥) فَإِنَهُمْ لَ كِلُونَ مِنْهَا فَمَا لِقُونَ شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىَ أَصْلِ الْجَحِيمِ الَّ ـِجَ تُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٤٦) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٤) إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ مِنْهَا الْبُطُونَ بمعنى الجزاء والحساب ﴿قَالَ هَلْ أَنتُم مُطَّلِعُونَ﴾ أي قال ذلك القائل لرفقائه في الجنّة، أو للملائكة أو لخدامه، هل أنتم مطّلعون على النار لأُربكم ذلك العزيز فيها، ورُوِيّ أن في الجنة كوى ينظرون أهلها منها إلى النار ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي في وسطها ﴿قَالَ تَاللَّهِ إن كِدتَّ لَتُزْدِينٍ﴾ أي تهلكني بإغوائك، والرّدى الهلاك، وهذا خطاب خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار ﴿مِنَ الْمُخْضَرِينَ﴾ في العذاب ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيْتِينَ﴾ هذا من كلام المؤمن، خطاب لقرينه أو خطابًا لرفقائه في الجنة ولهذا قال نحن فأخبر عن نفسه وعنهم ويحتمل أن يكون من كلامه وكلامهم جميعًا ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمن، أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة أو من كلام الله تعالى، وكذلك يحتمل هذه الوجوه في قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ والأول أرجح فيه أن يكون من كلام الله تعالى لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلاً به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقة في الدنيا ففيه تحضيض على العمل الصالح ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاَ أَمْ شَجْرَةُ الزَّقُوم﴾ الإشارةِ بذلك إلى نعيم الجنة، وكل ما ذكر من وصفها، وقال الزمخشري الإشارة إلى قوله رزق معلوم، والنّزل الضيافة، وقيل الرزق الكثير وجاء التفضيل هنا بين شيئين، ليس بينهما اشتراك، لأن الكلام تقرير وتوبيخ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةٌ لْلظَّالِمِينَ﴾ قيل سببها أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقّوم، قالوا كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، فالفتنة على هذا الابتلاء في الدنيا وقيل معناه، عذاب الظالمين في الآخرة، والمراد بالظالمين هنا الكفّار ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي تنبت في قعر جهنم وترتفع أغصانها إلى دركاتها ﴿َطَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الطلع ثمر النخل فاستعير لشجرة الزقوم وشبه برؤوس الشياطين مبالغة في قبحه وكراهته، لأنه قد تقرّر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر وجه شيطان وقيل رؤوس الشياطين شجرة معروفة باليمن، وقيل هو صنف من الحيّات ﴿لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيم﴾ أي مزاجًا من ماء حار، فإن قيل: لِمَ عطفٍ هذه ٢٣٧ تفسير سورة الضّافّات وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ (٤٠) وَلَقَدْ ٧٠ فَهُمْ عَلَى ◌َاثَرِهِمْ يُهْرَعُونَ 14 ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ ٧٢ أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنذِرِینَ وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ وَلَقَدْ نَادَنَا نُوٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ٧٤ الْمُخْلَصِين وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُ الْبَاقِينَ (١٨) وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ إِ الْعَظِيم لإـ أَسَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِىِ الْعَلَمِينَ (!) إِنَّا ٧٨ وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، ٨٢ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ٨ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (٤) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( لإِتَهِيمَ (®) إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَمِفْكًا ءَالِهَةٌ دُونَ فَتَظَرَ نَظَرَةً فِ النُّجُومِ الْ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ الْهَا فَنَوَلَّوْ ٨٧ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ الجملة بثم، فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى أنهم يملؤون البطون من شجر الزقّوم، وبعد ذلك يشربون الحميم، والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب فالمعنى أن شربهم للحميم أشدّ مما ذكر قبله ﴿يُهْرَعُونَ﴾ الإهراع الإسراع الشديد ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي دعانا فالمعنى دعاؤه بإهلاك قومه ونصرته عليهم ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ يعني الغرق ﴿وَجَعَلْنَا ذُرْيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ أهل الأرض كلهم من ذرّية نوح لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومَن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ معناه أبقينا عليه ثناءً جميلاً في الناس إلى يوم القيامة ﴿سَلاَمٌ عَلَى نُوحِ فِي الْعَالَمِينَ﴾ هذا التسليم من الله على نوح عليه السلام، وقيل إن هذه الجملة مفعول تركنا وهي محكيّة أي تركنا هذه الكلمة، تقال له يعني أن الخلق يسلّمون عليه فيبتدأ بالسلام على القول الأول، لا على الثاني والأول أظهر ومعنى في العالمين على القول الأول تخصيصه بالسلام عليه بين العالمين، كما تقول أحبّ فلانًا في الناس أي أُحبّه خصوصًا من بين الناس ومعناه على القول الثاني: أن السلام عليه ثابت في العالمين، وهذا الخلاف يجري حيث ما ذكر ذلك في هذه السورة ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ﴾ الشيعة الصنف المتّفق، فمعنى من شيعته مَن على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح وقيل على سيّدنا محمد بَّه والأول أظهر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ عبارة عن إخلاصه وإقباله على الله تعالى، بكليّته وقيل المراد المجيء بالجسد ﴿بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ أي سليم من الشرك، والشك وجميع العيوب ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ الإفك الباطل وإعرابه هنا مفعول من أجله، وآلهة مفعول به وقيل أنفكًا مفعول به وآلهة بدل منه وقيل أنفكًا مصدر في موضع الحال، تقديره آفكين أي كاذبين والأول أحسن ﴿فَمَا ظَنُكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المعنى ٢٣٨ تفسير سورة الصافات مَا لَكُمْ لَا نَنطِقُونَ الْكَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبَاً ٩١ فَرَغَ إِلَ ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ لـ عَنْهُ مُذْبِرِينَ (١٦] قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ ﴿ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُواْ أَبْنُواْ بَلْيَمِينِ ) فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِقُّونَ أي شيء تظنون برب العالمين، أن یعاقبكم به وقد عبدتم غيره أو أيّ شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره كما تقول ما ظنك بفلان إذا قصدت تعظيمه، فالمقصد على المعنى الأول تهديد وعلى الثاني تعظيم الله وتوبيخ له ﴿فَتَظَّرْ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ أَنّي سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أن قومه کان لهم عید یخرجون إلیه فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال إني سقیم ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسر أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال الأول: أنها كانت تأخذه الحمّى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى وقت الحمّى، واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمّى، والثاني أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه استدلّ بالنظر في علم النجوم أنه يسقم، فاعتذر بما يخاف من السقم عن الخروج معهم والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكّر فيما يكون من أمره معهم فقال إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم، وليست بنجوم السماء، وهذا بعيد وقوله إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون حقًّا لا كذب فيه ولا تجوز أصلاً، ويعارض هذا ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، أحدها: قوله إني سقيم، ويحتمل أن يكون كذبًا صراحًا، وجاز له ذلك لهذا الاحتمال لأنه فعل ذلك من أجل الله إذا قصد كسر الأصنام، ويحتمل أن يكون من المعاريض فإن أراد أنه سقيم فيما يستقبل لأن كل إنسان لا بدّ له أن يمرض، أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذيبهم له وهذان التأويلان أولى، لأن نفي الكذب بالجملة معارض للحديث، والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة ﴿فَوَلَّوْا عَنْهُ مُذْبِرِينَ﴾ أي تركوه إعراضًا عنه وخرجوا إلى عيدهم، وقيل إنه أراد بالسقم الطاعون وهو داء يعدي فخافوا منه وتباعدوا عنه مخافة العدوى ﴿فَرَاغُ﴾ أي مالَ ﴿فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي يمين يديه وقيل بالقوة وقيل بالحلف، وهو قوله: ﴿تَاللَّهِ لأكِيدَنْ أَضْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، والأول أظهر وأليق بالضرب وضربًا مصدر في موضع الحال ﴿يَزِفُّونَ﴾ أي يسرعون ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ أي تنجرون والنحت النجارة إشارة إلى صنعهم للأصنام من الحجارة والخشب ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ذهب قوم إلى أن ما مصدرية، والمعنى الله خلقكم وأعمالكم وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، ٢٣٩ تفسير سورة الصّافّات فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًاً لَجَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ (١٨) وَقَالَ إِ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ لَكُرُ بُنْيَنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ أَلسَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ سَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ لَا فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ إِنّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والمعنى الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها وهذا أليق بسياق الكلام وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل إنها نافية، وقيل إنها استفهامية، وكلاهما باطل ﴿قَالُوا أَبْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ قيل البنيان في موضع النار، وقيل بل كان للمنجنيق، الذي رُمِيَ عنه ﴿فَأَرَادُوا بِهِ کَیْدًا﴾ يعني حرقه بالنار ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ أي المغلوبين ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قيل إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب أي مهاجر إلى الله فهاجر إلى أرض الشام، وقيل إنه قال ذلك قبل أن يطرح في النار وأراد أنه ذاهب إلى ربّه بالموت لأنه ظن أن النار تحرقه وسيهدين على القول الأول يعني الهدى إلى صلاح الدين والدنيا، وعلى القول الثاني إلى الجنة، وقالت المتصوفة معناه إني ذاهب إلى ربّي بقلبي أي مقبل على الله بكليّتي تارِكًا سواه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني ولدًا من الصالحين ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمَ حِلِيم﴾ أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشّر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحق فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل وحجّتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((أنا ابن الذبيحين)) يعني إسماعيل عليه السلام ووالده عبد الله حين نذر والده عبد المطلب أن ينحره إن يسّر الله له أمر زمزم ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح وبشرناه بإسحق فدلّ ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه رُوِيّ أن إبراهيم جرت له قصّة الذبح بمكة وإنما كان معه بمكة إسماعيل وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحق وحجّتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحق لقوله فبشّرناها بإسحلق ومن وراء إسحلق يعقوب، والثاني أنه رُوِيّ أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله . ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل المشي وكان حينئذ ابن ثلاث عشرة سنة ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل أو أمر في المنام أنه يذبحه والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني ٢٤٠ تفسير سورة الصّافَات وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإِبْرَهِيمُ (١٠) قَدْ صَدَقْتَ الزُّؤْيَاْ إِنَّا كَذَلِكَ ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ الصَّبِينَ ) وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجٍ عَظِيمٍ (َ وَتَرَكْنَا عَلَيْهٍ فِي ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَوُّأْ الْمُّبِينُ لأَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ اُلْأَخِرِينَ ثَـ سَلَمُ عَلَى إَِّهِيمَ ﴿ كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ (١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقْ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ ١١٢ وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ [لَ وَنَجَيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ لِّنَفْسِهِ، مُّبِيٌ وَءَانْتَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَّبِينَ لَ وَهَدَيْنَهُمَا اَلْعَظِيمِ (١٠) وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ أظهر في قول افعل ما تؤمر ورؤيا الأنبياء حق فوجب عليه الامتثال على الوجهين ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ إن قيل لِمَ شاوره في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر فأجابه بأحسن جواب ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي استسلما وانقادا لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حوّل الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون جوابه تله والواو زائدة، وقال بعضهم جوابها: ناديناه والواو زائدة ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها ويحتمل أن يريد صدقتها بعملك أو وفْيت حقّها من العمل، فإن قيل إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له صدقت الرؤيا؟ فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يفده الله لذبحه ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله وقد قضى إبراهيم ما عليه ﴿الْبَلاَءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار البيّنِ الذي يُظهِر به طاعة الله أو المحنة البيّنة الصعوبة ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِنْح عَظِيم﴾ الذبح اسم لما يذبح وأراد به هنا الكبش الذي فدي به، ورُوِيَ أنه من كباش الجنة، وقيل إنه الكبش الذي قرّب به ولد آدم ووصفه بعظيم لذلك أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبّل، ورُوِيَ في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم اشدد رباطي لئلا أضطرب، واصرف بصرك عنّي لئلا ترحمني وأنه أمرٌ الشفرة على حلقه فلم تقطع فحينئذ جاءه الكبش من عند الله وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إن قيل لِمَ قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنّا، وقال في غيرها إنّا، فالجواب أنه قد تقدّم في قصة إبراهيم نفسها: إنّا كذلك فأغنى عن تكرار إنّا ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارونَ﴾ يعني بالنبوّة وغير ذلك ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ يعني الغرق أو تعذيب فرعون وإذلاله لهم ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على :