Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة القصص
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَهُ
١٣
تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ
١٤
وَأَسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَاً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّوٌَّ فَأَسْتَغَثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى
الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَُّ عَدُوٌّ مُّصِلٌ مُبِينٌ (٥)قَالَ رَبِّ
إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ
فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ خَابِفًا يَتَرَقَبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ
أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ
١٧
ج
) فَلَّآ أَنْ أَرَادَ أَنْ يَطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ
(١٨
يَسْتَصْرِخُ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ
أنت منه فما قبل ثدي امرأة إلاّ ثديك؟ فقالت إني امرأة طيّبة اللبن، فذهبت به إلى بيتها
وقرّت عينها بذلك وعلمت أن وعد الله حق في قوله: ﴿إِنَّا رَادُوه إلَيْكِ﴾ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ذكر
في يوسف ﴿وَاسْتَوَى﴾ أي كمل عقله، وذلك مع الأربعين سنة ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ يعني
مصر وقيل قرية حولها، والأول أشهر ﴿عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ﴾ قيل في القائلة وقيل بين
العشاءين، وقيل يوم عيد، وقيل كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل مختفيًا متخوّفًا
﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ الذي من شيعته من بني إسرائيل، والذي من عدوّه من القبط ﴿فَوَكَزَهُ
مُوسَى﴾ أي ضربه، والوكز الدفع بأطراف الأصابع وقيل بجمع الكفّ ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي
قتله، ولم يُرِد أن يقتله ولكن وافقت وكزته الأجل، فندم وقال هذا من عمل الشيطان أي إن
الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له، فإن قيل:
كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافرًا؟ فالجواب أنه لم يؤذّن له في قتله ولذلك يقول
يوم القيامة إني قتلت نفسًا لم أُؤْمر بقتلها ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
لْلْمُجْرِمِينَ﴾ الظهير المعين، والباء سببية، والمعنى بسبب إنعامك عليّ لا أكون ظهيرًا
للمجرمين، فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربّه، وقيل الباء باء القسم وهذا ضعيف لأن
قوله فلن أكون لا يصلح لجواب القسم، وقيل جواب القسم محذوف تقديره وحق نعمتك
لأتوبنّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين، وقيل الباء للتحليف: أي اعصمني بحق نعمتك عليّ
فلن أكون ظهيرًا للمجرمين ويحتجّ بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجور ﴿يَتَرَقَّبُ﴾
في الموضعين أي يستحسّ هل يطلبه أحد ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي يستغيث به، لقي موسى
الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلاً آخر من القبط فاستغاث بموسى لينصره
كما نصره بالأمس فعظم ذلك على موسى وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين﴾ ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن

١٤٢
تفسير سورة القصص
يَمُوسَىَ أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِىِ كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا بِآلْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبََّا فِ الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنَ
تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ أَ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَ الْمَلَأَ يَأَتَّمِرُونَ بَِ
◌َجَ مِنْهَا خَبِفًا يَرَقَّبِّ قَالَ رَّبِّ نَِّ مِنَ الْقَوِْ
لِيَقْتُلُوَكَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
الظَّالِمِينَ () وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّ أَن يَهْدِيَنِ سَوَآءَ التََّبِيلِ () وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ
مَدْيَرَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ قَالَ مَا
خَطِبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ لَّا فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى
يَبْطِشَ بِالَّذِي هُو عَدُوْ لَّهُمَا﴾ الضمير في أراد وفي يبطش لموسى، وفي قال للإسرائيلي،
والمعنى لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدوّ له وللإسرائيلي: ظن الإسرائيلي
أنه يريد أن يبطش به إذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين﴾، فقال الإسرائيلي لموسى: ﴿أتريد أن
تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس﴾، وقيل الضمير في أراد للإسرائيلي، والمعنى فلما أراد
الإسرائيلي أن يبطش موسى بالقبطي ولم يفعل موسى ذلك لندامته على قتله الآخر بالأمس
فنصح الإسرائيلي، فقال له أتريد أن تقتلني فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قيل إنه مؤمن آل فرعون، وقيل غيره ﴿يَسْعَى﴾ أي يسرع في مشيه ليدوك
موسى فينصحه ﴿إِنَّ الْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون وقيل يأمر بعضهم بعضًا بقتلك كما
قتلت القبطي ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَذْيَنَ﴾ أي قصد بوجهه ناحية مَذْيَنَ وهي مدينة شعيب عليه
السلام ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي وسط الطريق يعني طريق مَدْيَنَ إذ كان
قد خرج فارًّا بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومَذْيَنَ مسيرة ثمانية أيام وقبل أراد
سبيل الهدى وهذا أظهر، ويدلّ كلامه هذا على أنه كان عارفًا بالله قبل نبوّته ﴿وَلَمَّا وَرَدَّ مَاءَ
مَذْیَنَ﴾ أي وصل إليه وکان بئرًا ﴿يَسْقُونَ﴾ أي يسقون مواشيهم ﴿امرأتينِ﴾ رُوِيَ أن اسمهما
ليّا وصفوريا، وقيل صفيرا وصفرا ﴿تَذُودَانِ﴾ أي تمنعان الناس عن غنمهما، وقيل تذودان
غنمهما عن الماء حتى يسقي الناس، وهذا أظهر لقولهما: ﴿لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرَّعَاءُ﴾:
أي كانت عادتهما ألاّ يسقيا غنمهما إلاّ بعد الناس لقوّة الناس ولضعفهتما، أو لكراهتهما
التزاحم مع الناس: ﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال فعل متعدٍّ، والمفعول محذوف تقديره
حتى يصدر الرعاء مواشيهم، وقرىء بفتح الياء وضمّ الدال أي ينصرفون عن الماء ﴿وَأَبُونَا
شَيْخْ كَبِيرٌ﴾ أي لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ هو شعيب عليه السلام في
قول الجمهور، وقيل ابن أخيه، وقيل رجل صالح ليس من شعيب بنسب ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي

١٤٣
تفسير سورة القصص
◌َاءَتْهُ إِحْدَنهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ
٢٤
اَلِظِّلٍ فَقَالَ رَبٍ إِنِّي لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَفَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ قَالَ لَا
تَّخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٥) قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَتَأَبَتِ أُسْتَعْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَعْجَرْتَ
الْقَوِىُّ الْأَمِينُ أَ قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنّ
أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
أدركته شفقته عليهما فسقى غنمهما، ورُوِيَ أنه كان على فم البئر صخرة لا يرفعها إلاّ
ثلاثون رجلاً فرفعها وحده ﴿تَوَلَّى إِلَى الظُّلِ﴾ أي جلس في الظلّ، ورُوِيّ أنه كان ظلّ
سمرة ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرِ فَقِيرٌ﴾ طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتدّ عليه الجوع
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قبل هذا كلام محذوف تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت
عادتهما الإبطاء في السقي فأخبرتاه بما كان من أمر سقي الرجل لهما فأمر إحداهما أن
تدعوه له فجاءته، واختلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى ﴿عَلَى أَسْتِخِيَاءٍ﴾ رُوِيَ أنها
سترت وجهها بكمّ درعها والمجرور يتعلق بما قبله وقيل بما بعده وهو ضعيف ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ
اٌلْقَصَصَ﴾ أي ذكر له قصته ﴿لاَ تَخَفْ﴾ أي قد نجوت من فرعون وقومه لأن بلد مَذْيَنَ لم
يكن من مُلْك فرعون ﴿أَسْتَأْجِزْهُ﴾ أي اجعله أجيرًا لك ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ
الأَمِينُ﴾ هذا الكلام حِكمة جامعة بليغة، رُوِيّ أن أباها قال لها من أين عرفت قوّته وأمانته،
قالت أما قوّته ففي رفعه الحجر عن فم البئر: وأما أمانته فإنه لم ينظر إليّ ﴿قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْتَتَيَّ﴾ زوجته التي دعته، واختلف هل زوجه الكبرى أو الصغرى، واسم
التي زوّجه صفور، وقيل صفوريا، ومن لفظ شعيب حسن أن يقال في عقود الأنكحة:
أنكحه إيّاها أكثر من أن يقال أنكحها إياه ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي ◌ُزوّجك بنتي
على أن تخدمني ثمانية أعوام، قال مكّي: في هذه الآية خصائص في النكاح منها أنه لم
يعيّن الزوجة، ولا حدّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة، قلت فأما التعيين فيحتمل أن يكون
عند عقد النكاح بعد هذه المراودة، وقد قال الزمخشري إن كلامه معه لم يكن عقد نكاح،
وإنما كان مواعدة وأما ذكر أول الأمد، فالظاهر أنه من حين العقد، وأما النكاح بالإجارة
فظاهر من الآية، وقد قرّره شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله وَّ للرجل قد
زوّجتكها على ما معك من القرآن: أي على أن تعلّمها ما عندك من القرآن، وقد أجاز
النكاح بالإجارة الشافعي وابن حنبل وابن حبيب للآية والحديث، ومنعه مالك ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ
عَشْرَا فَمِنْ عِندِكَ﴾ جعل الأعوام الثمانية شرطًا، ووكّل العامين إلى مروءة موسى، فوفى له

١٤٤
تفسير سورة القصص
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَىّ وَاَللّهُ عَلَى مَا تَقُولُ
٢١
الصَّالِحِينَ
وَكِيلُ ثَ﴾ فَلَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الْتُطُورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ
أُمْكُنُوَاْ إِنِّ ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلِّ ◌َتِكُمْ مِنْهَا ◌ِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ
(٢٩
فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىَ إِنّى
أَنَا اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكْ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَرُ كَنَّهَا مَنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَ
يَمُوسَىَّ أَقْبِلْ وَلَا تَّخَفَّ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ ﴿ أَسْلُكْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْمٍ
وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ: إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَفْسُلُونِ ﴿ وَأَخِى هَرُونُ
(ج) قَالَ سَنَشُدُ
هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ
عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِتَابَتِنَّأْ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا
الْغَلِبُونَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْمَا هَذَا إِلََّ سِحْرٌ مُّفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا
العشر، وقيل وفى العشرة وعشرًا بعدها، وهذا ضعيف لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجْلَ﴾
أي الأجل المذكور ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ الأهل هنا الزوجة مشى بها إلى مصر ﴿جَذْوَةٍ﴾ أي
قطعة، ويجوز كسر الجيم وضمّها، وقد ذكر آنس، والطور، وتصطلون ﴿شَاطِىءَ الْوَادِ﴾
جانبه والأيمن صفة للشاطىء اليمين، ويحتمل أن يكون من اليمن فيكون صفة للوادي ﴿مِنَ
الشَّجَرَةِ﴾ رُوِيَ أنها كانت عوسجة ﴿جَانٌ﴾ ذكر في النمل ﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي
أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من حيث يخرج الإنسان رأسه ﴿واضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾
الجناح اليد أو الإبط أو العضد أمره الله لما خاف من الحية أن يضمّه إلى جنبه ليخفّ بذلك
خوفه فإن من شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخفّ خوفه، وقبل ذلك على
وجه المجاز، والمعنى أنه أمر بالعزم على ما أمر به: كقوله اشدد حيازمك واربط جأشك
﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي من أجل الرهب، وهو الخوف، وفيه ثلاثة لغات فتح الراء والهاء، وفتح
الراء وإسكان الهاء، وضمّ الراء وإسكان الهاء ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ أي حجّتان والإشارة إلى
العصا واليد ﴿إِلَى فَرْعَوْنَ﴾ يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام ﴿رِذًا﴾ أي مُعِينًا، وقرىء
بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز أو يكون من أرديت أي زدت ﴿سَتَشُدُّ عَضُدَكَ
بِأَخِيكَ﴾ استعارة في المعونة ﴿بَآيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله نجعل أو بيصلون أو بالغالبون

١٤٥
تفسير سورة القصص
فِيّ ◌َابَآَمِنَا الْأَوَّلِينَ (٢) وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَلِقِبَةُ
الدَّارِّ ◌ِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (*) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى
فَأَوْقِدْ لِى يَنْهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِلِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُنُهُ مِن
وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا
اُلْكَذِبِينَ
٣٨
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِىِ الْبَوِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
يُرْجَعُونَ
٣٩
الظَّالِمِينَ (٤) وَجَعَلْنَهُمْ أَسِعَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَ يُصَرُونَ
٤١
وَأَتْبَعْنَّهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ هُم مِّنَ اُلْمَقْبُوحِينَ (٤) وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ (٤) وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِين
(٤٤ ))
وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطّينِ﴾ أي اصنع الآجر لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى
السماء، ورُوِيّ أنه أول مَن عمل الآجر، وكان هامان وزير فرعون وانظر ضعف عقولهما
وعقول قومهما وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصّرح،
وقد رُوِيّ أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع مخضوبًا بدم وذلك فتنة له
ولقومه وتهكّم بهم، ثم قال: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني في دعوى الرسالة، والظن
هنا يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين ﴿أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي كانوا يدعون
الناس إلى الكفر الموجب للنار ﴿مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي من المطرودين المبعدين، وقيل
قبحت وجوههم، وقيل قبح ما يفعل بهم وما يقال لهم ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ خطاب
لسيدنا محمد وَل# والمراد به إقامة حجة لإخباره بحال موسى وهو لم يحضره والغربي
المكان الذي في غربي الطور، وهو المكان الذي كلّم الله فيه موسى والأمر المقضي إلى
موسى هو النبوّة ومن الشاهدين معناه من الحاضرين هنالك ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونَا فَتْهَاوَلَ
عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ المعنى لم تحضر يا محمد للاطّلاع على هذه الغيوب التي تخبر بها، ولكنها
صارت إليك بوحينا فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك، ولكن تطاول
الأمر على القرون التي أنشأناها فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم فكفروا بك، وقيل
المعنى لكنّا أنشأنا قرونّا بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر وطالت الفترة فأرسلناك على

١٤٦
تفسير سورة، القصص
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْتُطُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَّحْمَةٌ مِّن
٤٥
ءَيَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
زَّيِِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَتُهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَحَرُونَ الْمَ وَلَوْلَا أَنْ
تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكُ
وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤) فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُو ◌ْلَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَآ أُوتِى مُوسَىَّ
أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوْنَِ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَا وَقَالُواْإِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ (٨) قُلْ فَأَتُواْ
بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٦) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ
فَأُعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا
فترة من الرّسل ﴿ثَاوِيًا﴾ أي مقيمًا ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ يعني تكليم موسى، والمراد بذلك إقامة حجة
سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضرًا حينئذ
﴿وَلَكِن رَّحْمَةً﴾ انتصب على المصدر، أو على أنه مفعول من أجله والتقدير: ولكن
أرسلناك رحمة منّا لك ورحمة للخلق بك ﴿وَلَوْلاَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ﴾ لو هنا حرف امتناع
ولولا الثانية عرض وتحضيض، والمعنى لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرُّسُلّ،
وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ
إِلَيْنَا رَسُولاً فَتَتَبعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.س.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني القرآن ونبوّة محمد ◌ِِّ ﴿قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا
أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعنون إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، وقلب العصا حيّة وفلق
البحر وشبه ذلك ﴿أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوْشَى مِن قَبْلُ﴾ هذا ردّ عليهم فيما طلبوه،
والمعنى أنهم كفروا بما أوتني موسى فلو آتينا محمدًا مثل ذلك لكفروا به، ومن قبل على
هذا يتعلق بقوله أُوتي موسى، ويحتمل أن يتعلق بقوله أو لم يكفروا، إن كانت الآية في بني
إسرائيل، والأول أحسن ﴿قَالُوا سِخْرَانِ تَظَاهرًا﴾ یعنون موسى وهارون، أو موسى
ومحمدًا وَليه والضمير في أو لم يكفروا وفي قالوا لكفّار قريش وقيل لآبائهم، وقيل لليهود
والأول أظهر وأصحّ لأنهم المقصودون بالردّ عليهم ﴿فَأَتُوا بِكِتَابِ﴾ أمر على وجه التحجيز
لهم ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب سيدنا محمد بَارٍ ﴿فَإِن لَّمْ
يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ قد علم أنهم لا يستجيبون للإتيان بكتاب هو أهدى منهما أبدًا، ولكنه ذكره
بحرف إن مبالغة في إقامة الحجة عليهم: كقوله: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، فاعلم أنما

١٤٧
تفسير سورة القصص
الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ
٥٠
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ
يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْءَامَنَّا بِهِ: إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّامِن قَبْلِهِ،
مُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ
يُنفِقُونَ (ثَ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا
إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
٥٥
نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
بِلْمُهْتَدِينَ (*) وَقَالُواْ إِن نَّشَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمَا ءَامِنَّا
يتبعون أهواءهم: المعنى إن لم يأتوا بكتاب فاعلم أن كفرهم عناد واتّباع أهوائهم لا بحجة
وبرهان ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الضمير الكفّار قريش، وقيل لليهود والأول أظهر؛ لأن
الكلام من أوله معهم، والقول هنا القرآن، ووصلنا لهم: أبلغناه لهم، أو جعلناه موصلاً
بعضه ببعض ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ﴾ يعني مَن أسلم من اليهود، وقيل النجاشي
وقومه، وقيل نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة
وهم عشرون رجلاً فآمنوا به، والضمير في قبله للقرآن، وقولهم إنه الحق: تعليل لإيمانهم،
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: بيان لأن إسلامهم قديم لأنهم وجدوا ذكر سيدنا
محمد رَّ في كتبهم قبل أن يبعث ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنٍ﴾ قال رسول الله وَلٍِّ:
(ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب ثم آمن بمحمد صلّى الله عليه وآله
وسلّم، ورجل مملوك أدى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل كانت له أمَة فأعتقها وتزوّجها)»
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يعني صبرهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا أو غير ذلك من أنواع الصبر
﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيْئَةَ﴾ أي يدفعون، ويحتمل أن يريد بالسيئة ما يقال لهم من الكلام
القبيح، وبالحسنة ما يجاوبون به من الكلام الحسن، أو يريد سيئات أعمالهم وحسناتها
كقوله: ﴿إِنّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يعني ساقط
الكلام ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ هذا على وجه التبرّي والبعد من القائلين للغو ﴿سَلاَمٌ
عَلَيْكُمْ﴾ معناه هنا المتاركة والمباعدة لا التحية أو كأنه سلام الانصراف والبعد ﴿لاَ نَبْتَغِي
الْجَاهِلِينَ﴾ أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ نزلت
في أبي طالب إذ دعاه النبي ◌َّ أن يقول عند موته لا إله إلاّ الله فقال لولا أن يعايرني بها
قريش لأقررت بها عينك ومات على الكفر، ولفظ الآية مع ذلك على عمومه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ لفظ عامٌ، وقيل أراد به العباس بن عبد المطلب ﴿وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى

١٤٨
تفسير سورة القصص
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن
يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَ تُتْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِلًا وَكُنَّا نَحْنُ
اَلْوَرِثِن ◌َاوَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُمِّهَا رَسُولًا يَشْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاً وَمَا
◌َ وَمَآ أُوْتِتُم مِّن شَىءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا
٥٩
كُنَا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ
وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَّ أَفَلَا تَعْفِلُونَ ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ
مَّتَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الذُّنْيَا ثُمَ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (®) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَتْنَ شُرَّكَآءِىَ
مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ القائلون لذلك قريش، ورُوِيَ أن الذي قالها منهم الحارث بن
عامر بن نوفل، والهدى هو الإسلام، ومعناه الهدى على زعمك، وقيل إنهم قالوا قد علمنا
أن الذي تقول حق، ولكن إن اتبعناك تخطفتنا العرب: أي أهلكونا بالقتال لمخالفة دينهم
﴿أَوَ لَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ هذا ردّ عليهم فيما اعتذروا به من تخطف الناس لهم،
والمعنى أن الحرم لا تتعرض له العرب بقتال ولا يمكّن الله أحدًا من إهلاك أهله فقد كانت
العرب يُغير بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون من ذلك ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ
شَيْءٍ﴾ أي تجلب إليه الأرزاق مع أنه وادٍ غير ذي زرع ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى بطرت
طغت وسفهت، ومعيشتها: نصب على التفسير مثل سفه نفسه، أو على إسقاط حرف الجرّ
تقديره بطرت في معيشتها أو يتضمن معنى بطرت كفرت ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يعني قليلاً من
السكنى، أو قليلاً من الساكنين: أي لم يسكنها بعد إهلاكها إلاّ مارًا على الطريق ساعة
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾ أُمّ القرى مكة لأنها أول ما خلق
الله من الأرض، ولأن فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث
سيدنا محمدًا وَلّفي أُمّ القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة
عليهم ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية: تحقير للدنيا وتزهيد فيها وترغيب في الآخرة ﴿أَفَمَن
وَعَدْنَاهُ﴾ الآية: إيضاح لما قبلها من البون بين الدنيا والآخرة، والمراد بمَن وعدناه
المؤمنين، وبمَن متّعناه الكافرين، وقيل سيدنا محمدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبو جهل؛
وقيل حمزة وأبو جهل، والعموم أحسن لفظًا، ومعنى من المحضرين أي من المحضرين في
العذاب ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ العامل في الظرف مضمر وفاعل ينادي الله تعالى، ويحتمل أن
يكون نداؤه بواسطة أو بغير واسطة، والمفعول به المشركون ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخ
للمشركين ونسبهم إلى نفسه على زعمهم، ولذلك قال الذين كنتم تزعمون، فحذف

١٤٩
تفسير سورة القصص
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيِّناً
٦٢٠
الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ
تَبَّأْنَآ إِلَيْكٌَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (١٠) وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكََّكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوَأْ
فَعَمِيَتْ عَلَیِهِمُ
٦٥
٢) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (
٦٤
الْعَذَابُّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ
اُلْأَنْبَآءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ (٤٦) فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ
ج
اُلْمُفْلِحِينَ () وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَلَى
المفعول وتقديره تزعمون أنهم شركاء لي أو تزعمون أنهم شفعاء لكم ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ معنى حق عليهم القول وجب عليهم العذاب،
والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم، والإشارة بقولهم هؤلاء الذين أغوينا: إلى
أتباعهم من الضعفاء، فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم أغوينا وبين قولهم تبرّأنا إليك،
فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرؤوا مع ذلك منهم؟ فالجواب أن إغواءهم لهم هو أمرهم لهم
بالشرك، والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه ولكن لم يكونوا يعبدوننا
إنما كانوا يعبدون غيرنا من الأصنام وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا، فتحصل من كلام
هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء وتبرؤوا من أن يكونوا هم آلهتهم فلا تناقض
في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلّف بعيد ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُون﴾
فيه أربعة أوجه: الأول أن المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام،
والثاني لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلة
يدفعون بها العذاب لفعلوا فلو على هذا الأقوال حرف امتناع وجوابها محذوف، والرابع أن
يكون لو للتمنّي: أي تمنّوا لو كانوا مهتدين ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ أي أهل صدقتم
المرسلين أو كذّبتموهم ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ عميت عبارة عن حيرتهم، والأنباء
الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور فلم يعرفوا ما يقولون ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يسأل
بعضهم بعضًا عن الأنباء لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ ويَخْتَارُ﴾ قيل سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم
بالنبوّة، فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته مَن يشاء من عباده، ولفظها أعمّ من
ذلك، والأحسن حمله على عمومه: أي يختار ما يشاء من الأمور على الإطلاق، ويفعل ما
يريد ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيرَةُ﴾ ما نافية، والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار والإرادة لله
وحده. فالوقف على قوله ويختار، وقيل إن ما مفعولة بيختار، ومعنى الخيرة على هذا
الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة، وذلك ضعيف لرفع الخيرة على أنها

١٥٠
تفسير سورة القصص
٠٠٠
جَ وَهُوَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَّ
جَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ!
٦٨
عَمَّا يُشْرِكُونَ
لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اَللّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ
سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنِ
جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيِّرُ الَّهِ يَأْتِيِكُمْ بِلَيْلٍ
تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٨) وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَاَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ
وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ
٧٣
مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
تَزْعُمُونَ (٣)، وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَلنَّكُمْ فَعَلِسُواْأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ
﴿ إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ
٧٥
عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اسم كان، ولو كانت ما مفعولة: لكان اسم كان مضمرًا يعود على ما؛ وكانت الخيرة
منصوبة على أنها خبر كان، وقد اعتذر عن هذا مَن قال إن ما مفعولة بأن يقال تقدير الكلام
يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف، وقال ابن عطية
يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدّرنا كان تامّة، ويوقف على قوله ما كان: أي يختار كل
كائن، ويكون ﴿لَهُمُ الْخِيرَةُ﴾ جملة مستأنفة، وهذا بعيد جدًا ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي
ما تخفيه قلوبهم وعبر عن القلب بالصدر، لأنه يحتوي عليه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى
والآخِرَةِ﴾ قيل إن الحمد في الآخرة قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعدها أو قولهم الحمد لله
الذي أذهب عنّا الحزن، وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة ﴿سَرْمَدًا﴾ أي دائمًا، والمراد
بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك، فإن قيل كيف قال يأتيكم بضياء، وهلاً قال يأتيكم
بنهار في مقابلة قوله يأتيكم بليل؟ فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع والعبّر
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أي في النهار، ففي الآية لفّ ونشر
﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي أخرجنا من كل أمة شهيدًا منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو
نبيهم، لأن كل نبي يشهد على أمته ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه
من الكفر، وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْم مُوسَى﴾ أي من بني
إسرائيل، وكان ابن عم موسى وقيل ابن عمته، وقيل ابن خالته ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي تكبّر
وطغى ومن ذلك كفره بموسى عليه السلام ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُتُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوهُ بِالْعُصْبَةِ﴾
المفاتح هي التي يفتح بها، وقيل هي الخزائن، والأول أظهر، والعصبة جماعة الرجال من

١٥١
تفسير سورة القصص
الْفَرِحِينَ (٢) وَابْتَغْ فِيمَاَ ءَاتَئِكَ اَللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاً وَأَحْسِن
قَالَ إِنَّمَا
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ الثَّ
أُوِبِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىٌّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ
العشرة إلى الأربعين، وتنوء معناه تثقل، يقال ناء به الحمل: إذا أثقله، وقيل معنى تنوء
تنهض بتحامل وتكلّف والوجه على هذا أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح لكنه قلب كما جاء
قلب الكلام عن العرب كثيرًا، ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول ﴿لاَ تَفْرَحْ﴾ الفرح هنا
هو الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان، ولذلك قال إن الله لا يحب الفرحين، وقيل السرور
بالدّنيا، لأنه لا يفرح بها إلاّ مَن غفل عن الآخرة ويدلّ على هذا قوله: ﴿وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا
آتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٣] ﴿وَابْتَغْ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله
من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ﴿وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي لا تضيع
حظك من دنياك وتمتّع بها مع عملك للآخرة، وقيل معناه لا تضيع عمرك بترك الأعمال
الصالحات، فإن حظّ الإنسان من الدنيا إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا
وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتّع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة ﴿وَأَحْسِنِ كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم
عِندِي﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الردّ عليهم والروغان عمّا ألزموه من
الموعظة، والمعنى أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي
استوجبته به واختلف في هذا العلم فقيل إنه علم الكيمياء، وقيل التجارب للأمور والمعرفة
بالمكاسب، وقيل حفظه التوراة، وهذا بعيد، لأنه كان كافرًا، وقيل المعنى إنما أُوتيته على
علم من الله وتخصيص خصّني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي ﴿أَوَ
لَمْ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه
للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر ﴿وَلاَ يُسألُ عَن ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ في معناه قولان:
أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة والمجرمون من
بعدهم أي لا يسأل المجرمون عن ذنوب مَن تقدمهم من الأمم الهالكة لأن كل أحد إنما
يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون
عن ذنوبهم لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم

١٥٢
تفسير سورة القصص
وَقَالَ
يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْقَِ قَدِرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ لَّ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ تَوَبُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًاً وَلَا يُلَقَّتِهَا إِلَّا
◌َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
الضََّبِرُونَ
٨٠
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ أَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيُكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّأْ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ
تِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
٨١
اُلْكَفِرُونَ
لِلْمُتَّقِينَ ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَّةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَن ◌َجَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ
ويسألون عنها لقوله: ﴿فَوَرَبّك لَنَسْأَلَنْهم أجْمَعِينَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وأن
هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم
على هذا الوجه لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في
الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار
والتعريف، ومنه قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جانٌ ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِيتَتِهِ﴾
في ثياب حمر، وقيل في عبيده وحاشيته، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَيْلَكُمْ﴾ زجر للذين تمثّوا
مثل حال قارون ﴿وَلاَ يُلْقَّاهَا إلَّ الصَّابِرُونَ﴾ الضمير عائد على الخصال التي دلّ عليها
الكلام المتقدّم، وهي الإيمان والعمل الصالح، وقيل على الكلمة التي قالها الذين أُتُوا
العلم: أي لا تصدر الكلمة إلاّ عن الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ رُوِيَ أَن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعا
موسى عليه السلام عليه فأوحى الله إليه أن قد أمرت الله أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال
موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال يا أرض خذيهم حتى
تمّ بهم الخسف ﴿مَكَانَهُ﴾ أي منزلته في المال والعزّة ﴿بِالأَمْسِ﴾ يحتمل أن يريد به اليوم
الذي کان قبل ذلك اليوم أو ما تقدّم من الزمان القريب ﴿وَيْكَانَهُ﴾ مذهب سيبويه أن ويّ
حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم يا ليت
لنا مثل ما أُوتي قارون، ثم قالوا كأن الله يبسط الرزق لمَن يشاء ويقدّر: أي ما أشبه الحال
بهذا، وقال الكوفيون ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها
أن، والمعنى ألم يعلموا أن الله وقيل ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم ﴿عُلُوا فِي
الأَرْضِ﴾ أي تكبّرًا وطغيانًا لا رِفعة المنزلة، فإن إرادتها جائزة.

١٥٣
تفسير سورة القصص
إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿٨) إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَّاذُكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّ أَعْلَمُ مَن جَآءَ
ـَ وَمَا كُنْتَ تَرَجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن
٨٥
بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ
رَّبِّكٌّ فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَأَدْعُ إِلَى
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرُّلَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ
٨٧
رَبِّكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (
هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَتْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(٨٨
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي أنزله عليك وأثبته، وقيل المعنى أعطاك القرآن، والمعنى
متقارب، وقيل فرض عليك أحكام القرآن، فهي على حذف مضاف ﴿لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾
المعاد الموضع الذي يعاد إليه، فقيل يعني مكة، والآية نزلت حين الهجرة، ففيها وعد
بالرجوع إلى مكة وفتحها، وقيل يعني الآخرة فمعناها إعلام بالحشر، وقيل يعني الجنة
﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي ما كنت تطمع أن تنال النبوّة، ولا أن ينزل
عليك الكتاب ولكن الله رحمك بذلك ورحم الناس بنبوّتك، والاستثناء بمعنى لكن فهو
منقطع. ويحتمل أن يكون متصلاً. والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلاّ رحمة من ربك لك
ورحمة للناس، ورحمة على هذا مفعول من أجله أو حال، وعلى الأول منصوب على
الاستثناء ﴿وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون من الدعاء بمعنى الرغبة، أو من دعوة الناس
إلى الإيمان بالله، فالمفعول محذوف على هذا تقديره ادع الناس ﴿وَلاَ تَدْعُ﴾ أي لا تعبد
﴿مَعَ اللَّهِ إلَهَا آخَرَ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّ وَجْهَهُ﴾ الآية. أي إلّ إياه والوجه هنا
عبارة عن الذات.
:-

سورة العنكبوت
مكتبة إلا من آية ١ إلى غاية ١١
فمدنيّة وآياتها ٦٩ نزلت بعد الروم
شـ
مِ اللَّهِ الََّنِ
الَّمَ أَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَأْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٤) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ (﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَاً
٢٠٠
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الم﴾ ذكر في البقرة ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾ نزلت في قوم من المؤمنين كانوا
بمكة مستضعفين منهم عمّار بن ياسر وغيره، وكان كفّار قريش يؤذونهم ويعذّبونهم على
الإسلام فضاقت صدورهم بذلك فآنسهم الله بهذه الآية ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار
ليوطّنوا أنفسهم على الصبر على الأذى والثبوت على الإيمان فأعلمهم الله تعالى أن تلك
سيرته في عباده يسلّط الكفّار على المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من
الكاذب، ولفظها مع ذلك عامّ، فحكمها على العموم في كل مَن أصابته فتنة من مصيبة أو
مضرّة في النفس والمال وغير ذلك، ومعنى حسب ظنّ، وأن يتركوا مفعولها، والهمزة
للإنكار وهم لا يفتنون في موضع الحال من الضمير في يتركوا تقديره غير مفتونين، وأن
يقولوا: تعليل في موضع المفعول من أجله ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي يعلم صدقهم
علمًا ظاهرًا في الوجود، وقد كان علمه في الأزل والصدق والكذب في الآية يعني بهما

١٥٥
تفسير سورة العنكبوت
حَ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَأَنَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ (٥) وَمَنْ
سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٤
جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ (٤) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اُلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (*) وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن
جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْبِّئُكُم بِمَا كُتُمْ
تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِيِ الصَّلِحِينَ (١) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ
ءَامَنَا ◌ِلَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اَللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الَّهِ وَلَيِنِ جَآَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا
كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورِ الْعَلَمِينَ (٤) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ
وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ
صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضدّ ذلك ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾
أم معادلة لقوله أحسب الناس، والمراد بالذين يعملون السيئات الكفّار الذين يعذبون
المؤمنين، ولفظها مع ذلك عامّ في كل كافر أو عاصٍ، ومعنى يسبقونا يفوتون من عقابنا
ويعجزوننا، فمعنى الكلام نفي سبقهم كما أن معنى الآية قبلها نفي ترك المؤمنين بغير فتنة
﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الآية: تسلية للمؤمنين، ووعد لهم بالخير في الدار الآخرة،
والرجاء هنا على بابه، وقيل هو بمعنى الخوف، وأجل الله هو الموت، ومعنى الآية مَن
كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله فيجازيه فإن
لقاء الله قريب الإتيان وكل ما هو آتٍ قريب ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي منفعة
جهاده فإنما هي لنفسه، فإن الله لا تنفعه طاعة العباد، والجهاد هنا يحتمل أن يراد به القتال،
أو جهاد النفس ﴿حُسْنًا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره ووصّينا الإنسان أن يفعل بوالديه
حسنًا، أو مصدرًا من معنى وصّينا أي وصية حسنة ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الآية نزلت
في سعد بن أبي وقاص، وأنه لما أسلم حلفت أمه أن لا تستظلّ بظلّ حتى يكفر، وقيل
نزلت في غيره ممّن جرى له مثل ذلك فأمرهم الله بالثبات على الإسلام وألا يطيعوا الوالدين
إذا أمروهم بالكفر، وعبّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾
نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذّبهم الكفّار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله
المؤمنين قالوا إنا كنّا معكم، فمعنى أُوذي في الله أُوذي بسبب إيمانه بالله، وفتنة الناس،
تعذيبهم وقيل نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأُمه ﴿أَتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أي قال
الكفّار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان، ورُوِيَ أن

١٥٦
تفسير سورة العنكبوت
ـ) وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَالَمْ
١٢٠
خَطَيَكُمْ وَمَاهُمْ بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
وَأَنْقَالَا مَعَ أَنْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ () وَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَمَا فَأَخَذَهُمُ اُلْتُوفَاتُ وَهُمْ تَلِمُونَ (١) فَأَنْتَهُ
ـا وَإِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوةٌ
وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ لـ
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَخْلُقُونَ
١٦
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
إِفْكَاْ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ
وَأَشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٦) وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَهُ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ
إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِيثُ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْأْ كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ
قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة حكاه المهدوي، وقولهم: ﴿وَلْتَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: جزاء
قولهم: ﴿اَتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر للمبالغة ولما كان معنى الخبر
صحة تكذيبهم فيه أخبره الله أنهم كاذبون: أي لا يحملون أوزار هؤلاء، بل يحملون أوزار
أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفّار ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ الظاهر أنه لبث
هذه المدة بعد بعثه، ویحتمل أن یکون ذلك من أول ولادته، ورُوي أنه بعث وهو ابن
أربعين سنة، وأنه عمّر بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن قيل: لِمّ قال ألف سنة، ثم
قال إلاّ خمسين عامًا، فاختلف اللفظ مع اتّفاق المعنى؟ فالجواب أن ذلك كراهة لتكرار لفظ
السّنّة، فإن التكرار مكروه إلاّ إذا قصد به تفخيم أو تهويل ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ يحتمل أن يعود
الضمير على السفينة، أو على النجاة، أو على القصة بكمالها ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ هو من
الخلقة يريد به نحت الأصنام فسمّاه خلقة على وجه التجوّز، وقيل هو من اختلاق الكذب
﴿لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ الآية: احتجاج على الوحدانية ونفي الشركاء، فإن قيل: لِمَ نكْر
الرزق أولاً، ثم عرّفه في قوله فابتغوا عن الله الرزق؟ فالجواب: أنه نكّره في قوله لا
يملكون لكم رزقًا لقصد العموم في النفي فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم ثم عرّفه
بعد ذلك لقصد العموم في طلب الرزق كله من الله، لأنه لا يقتضي العموم، في سياق
الإثبات إلا مع التعريف فكأنه قال ابتغوا الرزق كله عند الله ﴿وَإِن تُكَذَّبُوا﴾ الآية يحتمل أن
تكون من كلام إبراهيم أو من كلام الله تعالى، ويحتمل مع ذلك أن يراد به وعيد الكفّار
وتهديدهم، أو يراد به تسلية النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن تكذيب قومه له بالتأسّي
بغيره من الأنبياء الذين كذبهم قومهم ﴿أَوَ لَم يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىءُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يقال بدأ الله

١٥٧
تفسير سورة العنكبوت
يَسِيرٌ (٤) قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنِشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرَّحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ () وَمَآ أَنْتُم
بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَإِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الْهَ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بِشَايَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ: أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن زَحْمَقِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَن قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنُهُ اَللَّهُ مِنَ النَّارِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْ ثُمَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْ وَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم
مِّن نَّصِرِينَ ﴿٨)﴾ فَامَنَ لَكُ لُوطٌ وَقَالَ إِّ مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٢٦
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِىِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى
الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة، والمعنى أوَ لم يرَ الكفّار
أن الله خلق الخلق فيستدلّون بالخلقة الأولى على الإعادة في الحشر، فقوله ثم يعيده ليس
بمعطوف على يبدأ، لأن المعنى فيهما مختلف لأن رؤية البداءة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة
فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها وقد قيل إنه يريد إعادة
النبات، وإبدائه، وعلى هذا يكون ثم يعيده عطفًا على يبدىء لاتفاق المعنى، والأول
أحسن وأليق بمقاصد الكرم ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني إعادة الخلق وهي حشرهم ثم
أمرهم بالسير في الأرض ليروا مخلوقات الله فيستدلّوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك
ختمها بقوله إن الله على كل شيء قدير ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي ترجعون ﴿وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾
أي لا تفوتون من عذاب الله وليس لكم مهرب في الأرض ولا في السماء ﴿أُولَئِكَ بَيِسُوا مِن
رَحمَتِي﴾ يحتمل أن يكون يأسهم في الآخرة، أو يكون وصف لحالهم في الدنيا، لأن
الكافر يائس من رحمة الله، والمؤمن راج خائف، وهذا الكلام من قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا﴾،
إلى هنا: يحتمل أن يكون خطابًا لمحمد وَلّ معترضًا بين قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون
خطابًا لإبراهيم وبعد ذلك ذكر جواب قومه له ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصب مودّة على أنها مفعول
من أجله أو مفعول ثانٍ لاتخذتم، ورفعها على أنها خبر ابتداء مضمر أو خبر إن وتكون ما
موصولة ونصب بينكم على الظرفية، وخفضه بالإضافة ﴿فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تضمن آمن معنى
انقاد، ولذلك تعدّى باللام ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ القائل لذلك إبراهيم، وقيل لوط،
وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ التّهُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أكثر الأنبياء

١٥٨
تفسير سورة العنكبوت
:
اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ الثَّ وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم
بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ (٨) أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ
نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرُّ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُوا أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ
ج) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِين
إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ الِثَ قَالَ
إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَّا لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ
اُلْغَيِينَ (*) وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا مِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ فَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا
تَحْزَنٌ إِنَّا مُتَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَرِيِنَ الثّ ◌ِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَ أَهْلِ
هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٦) وَلَقَد تَّرَحْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيِّنَةٌ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ
اُلَآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ اأَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى
أَ وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيََّ
٣٧
دَارِهِمْ جَثِينَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ (٨) وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ
من ذرّيّة إبراهيم، وعلى ذرّيته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ﴿وَتَقْطَعُونَ
السَّبِيلَ﴾ قيل أراد قطع الطرق للسلب والقتل، وقيل أراد قطع سبيل النسل بترك النساء
وإتيان الرجال ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكّرَ﴾ النادي المجلس الذي يجتمع فيه الناس والمنكر
فعلهم بالرجال، وقيل إذايتهم للناس ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الرَّسُلِ هنا
الملائكة والبشرى بشارة إبراهيم بالولد وهو قوله: ﴿وَبَشْرُوهُ بِغُلام عَلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٨]
أو بشارته بنصر سيدنا لوط والأول أظهر ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْبَةِ﴾ يعنيّ قرية سيدنا لوط ﴿قَالَ إِنَّ
فِيهَا لُوطًا﴾ ليس إخبارًا بأنه فيها وإنما قصد نجاة سيدنا لوط من العذاب الذي يصيب أهل
القرية وبراءته من الظلم الذي وصفوه به، فكأنه قال: كيف تهلكون أهل القرية وفيها لوط،
وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط ﴿مِنَّ الْغَابِرِينَ﴾ قد ذكر وكذلك سيء بهم ﴿رِجْزًا
مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابًا ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ قيل الرجاء هنا الخوف، وقيل هو على بابه
﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ﴾ يعني نقصهم المكيال والميزان ﴿الرَّجْفَةُ﴾ هي الصيحة ﴿وَقَدْ تَّبَيْنَ

١٥٩
تفسير سورة العنكبوت
(٣٩
وَهَمَنٌَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ قُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَكِقِينَ
فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ
خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ (٨) مَثَلُ الَّذِينَ أُمّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ
بَيْئًا وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً
وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ (ب)
لِلْمُؤْمِنِينَ (٨َ أَتْلُ مَآ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ
ونَ ﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
اٌلْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي آثار مساكنهم باقية تدلّ على ما أصابهم ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قيل
معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به، وقيل لهم بصيرة في الإيمان، ولكنهم كفروا
عنادًا، وقيل معنى مستبصرين عقلاً متمكنين من النظر والاستدلال ولكنهم لم يفعلوا ﴿وَمَا
كَانُوا سَابِقِينَ﴾ أي لم يفوتونا ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ خَاصِبًا﴾ الحاصب الحجارة،
والحاصب أيضًا الريح الشديدة، ويحتمل عندي أنه أراد به المعنيين، لأن قوم سيدنا لوط
أُهلكوا بالحجارة، وعاد أُهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر،
وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَه
يُصَلّون عَلَى النَّبِي﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويقوى ذلك هنا لأن المقصود هنا ذكر عموم أخذ
أصناف الكفّار ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني ثمود ومدين ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ
الأرض﴾ يعني قارون ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
أنَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ شبّه الله الكافرين في عبادتهم
للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتًا ضعيفًا، فكان ما اعتمدت عليه العنكبوت في بيتها ليس
بشيء فكذلك ما اعتمدت عليه الكفّار من آلهتهم ليس بشيء لأنهم لا ينفعون ولا يضرّون
﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي أضعفها ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ﴿إنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذي قبلها
وقيل هي نافية، والفعل معلق عنها والمعنى على هذا لستم تدعون من دون الله شيئًا له بال،

١٦٠
تفسير سورة العنكبوت
اُلْكِتَبٍ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ
إِلَيْ كُمْ وَإِلَ هُنَا وَإِلَا هُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤)، وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْحِكْتَبَّ قَالَّذِينَ
ءَنَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بٌِّ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَتِنَآ إِلَّا الْكَافِرُونَ لْ)
وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَّخُ بِيَمِنِدٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ لَ بَلْ هُوَ
فلا يصلح أن يسمى شيئًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالواجب لا على وجه العبث واللعب ﴿إنَّ الصَّلاةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ إذا كان المصلّي خاشعًا في صلاته متذكّرًا لعظمة مَن وقف بين
يديه حمله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر فكأن الصلاة ناهية عن ذلك ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ﴾ قيل فيه ثلاثة معانٍ: الأول أن المعنى أن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات،
وسمّاها بذكر الله، لأن ذكر الله أعظم ما فيها، كأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء
والمنكر، لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر: الثاني أن ذكر الله على
الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة لأنها في بعض الأوقات دون بعض:
الثالث أن ذكر الله أكبر أجْرًا من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في الحديث ألا
أنبئكم بخير أعمالكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّ بِالَّتِي هِيَ
أَخسَنُ﴾ أي لا تجادلوا كفّار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلاّ بالتي هي أحسن،
لا بضرب ولا قتال، وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نسخ بالسيف، ومعنى إلاّ الذين
ظلموا: أي ظلموكم، وصرّحوا بإذاية نبيكم محمد وَّر، وقيل معنى الآية: لا تجادلوا مَن
أسلم من أهل الكتاب فيما حدّثوكم به من الأخبار إلاّ بالتي هي أحسن، ومعنى إلاّ الذين
ظلموا على هذا مَن بقي منهم على كفره، والمعنى الأول أظهر ﴿وَقُولُوا آمَنَّ﴾ هذا وما بعده
يقتضي مواعدة ومسالمة، وهي منسوخة بالسيف، ويقتضي أيضًا الإعراض عن مكالمتهم،
وفي الحديث: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنًا بالذي أنزل إلينا وأنزل
إليكم، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقًّا لم تكذبوهم ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ﴾ أي كما أنزلنا الكتاب على مَن قبلك أنزلناه عليك ﴿قَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني
عبد الله بن سلام وأمثاله ممّن أسلم من اليهود والنصارى ﴿وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أراد
بالذين أُوتوا الكتاب أهل التوراة والإنجيل وأراد بقوله من هؤلاء مَن يؤمن به كفّار قريش،
وقيل أراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدمين من أهل التوراة والإنجيل وأراد بهؤلاء المعاصرين
لمحمد بَّ منهم كعبد الله بن سلام ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ هذا احتجاج على
أن القرآن من عند الله، لأن النبي و لو كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بالقرآن، فإن قيل: ما