Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ تفسير سورة الشعراء إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ (١٣٤ ﴿ وَحَتَّاتٍ وَعُيُونٍ ـَ أَمَذَّكُمُ بِأَنْعَمٍ وَيَنِينَ (١٣٢) وَأَتَّقُواْ الَّذِىَ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ال أَإِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ ١٣٦ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١) قَالُواْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ اٌلْأَوَّلِينَ (١٦) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨ ـَ فَكَذَّبُهُ فَأَهْلَكْنَهُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (٤) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا نَنَّقُونَ (!) إِنِّىِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ! ١٤٠) (٨٢) فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٨٤) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ اَلْعَلَمِينَ ١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ الْـ وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا وو (٥) وَلَا تُطِيعُواْ أَفَ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٥ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ ١٤٨ هَضِيمُ (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٨٠) قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ (١٥) مَآ أَنْتَ الْمُسْرِفِينَ آفـ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ـَا قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لََّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ ١٥٤ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ الْلام ١٥٦ وَلَا تَمَنُوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٥٥ مَعْلومِ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَرِزُ ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم قالوا ما هذا الذي عليه من ديننا إلاّ عادة الناس الأوّلين، وقرىء بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين: أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلاّ خلقة الأوّلين والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى ما هذا الذي جئت به إلاّ كذب الأوّلين ﴿أَتْرَكُونَ﴾ تخويف لهم معناه أتطمعون أن تتركوا في النعم على كفركم ﴿وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ الطلع عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكم، والهضيم: اللين الرطب، قالمعنى طلعها يتمّ ويرطب، وقيل هو الرخص أول ما يخرج، وقيل الذي ليس فيه نوى، فإن قيل: لِمَ ذكر النخل بعد ذكر الجنات والجنات تحتوي على النخل؟ فالجواب: أن ذلك تجريد كقوله فاكهة ونخل ورمّان، ويحتمل أنه أراد الجنّات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها النخل ﴿وَتَتْحِتُونَ﴾ ذكر في الأعراف ﴿فَارِهِينَ﴾ قرىء بألف وبغير ألف وهو منصوب على الحال من الفاعل في تنحتون، وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس، وقيل معناه أقوياء وقيل أشرين بطرين ﴿من الْمُسَخَّرِينَ﴾ مبالغة في المسحورين، وهو من السحر بكسر السين، وقيل من السحر بفتح السين وهي الرؤية، والمعنى على هذا إنما أنت بشر ﴿لَّهَا شِرْبٌ﴾ أي حظ من الماء ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لما تغيّرت ألوانهم حسبما أخبرهم ١٢٢ تفسير سورة الشعراء كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (٤٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا نَّقُونَ (ثّ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ الرَّحِيمُ! أَثَأْتُونَ ١٥٩ ١٦٤ وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٦٣ فَثَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِ ـَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ لَ قَالُوَأَلَيْن ١٦٥ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ الْقَالِينَ (١٦)ْ رَبِّ ◌َبِىِ وَأَهْلِى مِمَّا ٦٧ لَمْ تَتَهِ يَلُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ يَعْمَلُونَ إِنَ فَتَجََّهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ (٤) إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ (٠َ ثُمَّ دَقَّرْنَا ◌ْلْآَخَرِينَ (٣٨) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرَّ فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ لَمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ (٤) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِبِزُ ﴿ كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٤٠) إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَلَا نَتَّقُونَ الْكَ إِّ لَكُمْ رَسُولُ الرَّحِيمُ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٣٥) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ الَ ١٧٨ أَمِينٌ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨) وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِ الثَّ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ الْ) وَاتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِنَ الَْ قَالُوَاْ إِنَّمَآَ أَنْتَ مِنَ صالح عليه السلام ندموا حين لا تنفعهم الندامة ﴿فَأَخَذَتْهُم الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣ و٨٣] و[المؤمنون: ٤١] التي ماتوا منها وهي العذاب المذكور هنا ﴿مِّنَ الْقَالِينَ﴾ أي من المبغضين، وفي قوله قال ومن القالين: ضرب من ضروب التجنيس ﴿مِمَّا يُعْمَلُونَ﴾ أي نجّني من عقوبة عملهم أو اعصمني من عملهم والأول أرجح ﴿إِلاّ عَجُوزًا﴾ يعني امرأة لوط ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ ذكر في الأعراف وكذلك ﴿أمطرنا﴾ ﴿أَضْحَابُ الأیکةِ﴾ قرىء بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحجر وق، ومعناه الغيضة من الشجر، وقرىء هنا وفي ص: بفتح اللام والتاء، فقيل إنه مسهل من الهمز، وقيل إنه اسم بلدهم، ويقوّي هذا: القول بأنه على هذه القراءة بفتح التاء غير منصرف، يدلّ على ذلك أنه اسم علم، وضعف ذلك الزمخشري، وقال إن الأيكة اسم لا يعرّف ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل هنا أخوهم كما قال في قصة نوح وغيره، وقيل إن شعيبًا بعث إلى مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال وإلى مدين أخاهم شعيبًا، وبعث أيضًا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم فلذلك لم يقل أخوهم، فكان شعيبًا على هذا مبعوثًا إلى القبيلتين وقيل إن أصحاب الأيكة مدين ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيها لشعيب عن النسبة إليها ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي من الناقصين للكيل والوزن ﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ الميزان المعتدل ﴿والْجِلَّةَ﴾ يعني القرون المتقدمة ﴿عَذَّبُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هي ١٢٣ تفسير سورة الشعراء فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ ١٨٦ وَمَآ أَنَتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِينَ اُلْمُسَخَّرِينَ مْ) فَكَّبُوُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ١٨٨ ﴿ قَالَ رَبِيٍ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ اُلْظّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَّهُمْ مُؤْمِنِينَ (١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُؤَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ ١٩٢ وَإِنَُّ لَتَنِيِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ اٌلْمُنْذِرِينَ (٨٦) بِسَانٍ عَرَبٍ مُّبِينٍ (٢) وَإِنَّهُ لَفِىِ زُبُرِ آلْأَوَّلِينَ (١) أَوَ لَمْيَكُنْ لَهُمْءَايَةٌ أَنْ يَعْلَمَمُ عُلَمَنُواْ بَنِىّ إِسْرَكَ يَ (١٦) وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينُّ ◌ِهَا فَقَرَأَمُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ (١٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ (٢٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَّ يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢) فَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أفرعَيتَ إِن ٢٠٠ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ الَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ سحابة من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، فإن قيل: لِمَ كرّر قوله إن في ذلك لآية مع كل قصة؟ فالجواب: أن ذلك أبلغ في الاعتبار، وأشدّ تنبيهًا للقلوب وأيضًا فإن كل قصة منها كأنها كلام قائم مستقل بنفسه، فختمت بما ختمت به صاحبتها ﴿وَإِنَّه لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الضمير للقرآن ﴿الروح الأمين﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ إشارة إلى حفظه إياه، لأن القلب هو الذي يحفظ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّ﴾ يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدّمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، والمراد من أسلم من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وقيل الذين كانوا يبشّرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ﴾ الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنسانًا أو بهيمة أو جمادًا والأعجمي: المنسوب إلى الأعجم، وقيل بمعنى الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على مَن لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبيّ بَّر على كفرهم به مع وضوح برهانه ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ معنى سلكناه، أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي دلّ عليه ما تقدّم من الكلام، أو للقرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذّبًا به، وتقدير قوله: كذلك مثل هذا السلك سلكناه، والمجرمين: يحتمل أن يريد به قريشًا أو الكفّار المتقدمين ولا يؤمنون: تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ تمنوا أن يؤخّروا حين لم ينفعهم التمنّ ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ١٢٤ تفسير سورة الشعراء مَتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ، وَمَآَ مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ثُمَّجَآءَ هُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٥ ـَ وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (١) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ (بَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٨) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (١٨) فَلَا نَدْعُ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَآخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِيِنَ الَْ﴾ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ (٨٦) وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وْ فَإِنْ اُلَّذِ يَرَكَ حِينَ تَقُومُ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ () وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ٢١٨) وَتَقَلَُّكَ فِ السَّجِدِينَ (٢) إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لَهَلْ أَنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٠) تَنَُّ عَلَى ﴿فَأَمْطِرِ عَلَيْنَا حِجَارَةً من السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وشبه ذلك. ﴿أَفَرَأَيْتَ إن مَّثَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ المعنى أن مدّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة سنين، لأن كل ما هو آتٍ قريب، قال بعضهم ﴿سِنِينَ﴾ يريد به عمر الدنيا ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ المعنى أن الله لم يهلك قومًا إلاّ بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولاً فأنذرهم فكذبوه ﴿ذِكْرَى﴾ منصوب على المصدر من معنى الإنذار أو على الحال من الضمير في منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿وَمَا تَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ الضمير للقرآن، وهو ردّ على مَن قال إنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه ولفظ ما ينبغي تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد پچ، وقد كان أمر الکھّان کثیرًا منتشرًا قبل ذلك ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ عشيرة الرجل هم قرابته الأدنون، ولما نزلت هذه الآية أنذر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قرابته فقال يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، ثم نادى كذلك ابنته فاطمة وعمّته صفيّة، قال الزمخشري في معناه قولان أحدهما أنه أمر أن يبدأ بإنذار أقاربه قبل غيرهم من الناس، والآخر أنه أمر أن لا يأخذه ما يأخذ القريب من الرأفة بقريبه ولا يخافهم بالإنذار ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ عبارة عن لين الجانب والرفق، وعن التواضع ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي حين تقوم في الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات ﴿وَتَقَلَّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ معطوف على الضمير المفعول في قوله يراك، والمعنى أنه يراك حين تقوم وحين تسجد، وقيل معناه يرى صلاتك مع المصلّين، ففي ذلك إشارة إلى الصلاة مع الجماعة، وقيل يرى تقلّب بصرك في المصلّين ....--- .... . ١٢٥ تفسير سورة الشعراء كُلِّ أَفَاكٍ أَثِمٍ ﴿ أَلَمْتَرَ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ [®) وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ٢٢٢ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ اللَّ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ النَ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِّمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ٢٢٧ خلفك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يراهم من وراء ظهره ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَاكِ أَثِيمٍ﴾ هذا جواب السؤال المتقدّم وهو قوله هل أنبئكم على مَن تنزل الشياطين والأفّاك الكذاب، والأثيم الفاعل للإثم يعني بذلك الكهّان، وفي هذا ردّ على مَن قال إن الشياطين تنزلت على سيّدنا محمد ◌َّ﴿ بالكهانة، لأنها لا تنزل إلاّ على أفّاكِ أثيم، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم على غاية الصدق والبرّ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ معناه يستمعون والضمير يحتمل أن يكون للشياطين بمعنى أنهم يستمعون إلى الملائكة، أن يكون للكهّان بمعنى أنهم يستمعون إلى الشياطين، وقيل يلقون بمعنى يلقون المسموع، والضمير يحتمل أيضًا على هذا أن يكون للشياطين، لأنهم يلقون الكلام إلى الكهّان أن يكون للكهّان لأنهم يلقون الكلام إلى الناس ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني الشياطين أو الكهّان لأنهم يكذبون فيما يخبرون به عن الشياطين ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ لما ذكر الكهّان ذكر الشعراء ليبيّن أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتباين ما بين أوصافه وأوصاف الشعر والكهانة، وأراد الشعراء الذين يلقون من الشعر ما لا ينبغي كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك، وقيل أراد شعراء الجاهلية، وقيل شعراء كفّار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم، والغاوون قيل هم رواة الشعر وقيل هم سفهاء الناس الذين تعجبهم الأشعار لما فيها من اللغو والباطل، وقيل هم الشياطين ﴿فِي كُلٌ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ استعارة وتمثيل أي يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويفرطون في التجوّز حتى يخرجوا إلى الكذب ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية: استثناء من الشعراء يعني بهم شعراء المسلمين كحسّان بن ثابت وغيره ممّن اتّصف بهذه الأوصاف، وقيل إن هذه الآية مدنية ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ قيل معناه ذكروا الله في أشعارهم، وقيل يعني الذكر على الإطلاق ﴿وَانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إشارة إلى ما قاله حسّان بن ثابت وغيره من الشعراء في هجو الكفّار بعد أن هجا الكفّار النبي ◌َّ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وعيد للذين ظلموا والظلم هنا بمعنى الاعتداء على الناس لقوله من بعد ما ظلموا وعمل ينقلبون في أيّ لتأخره، وقيل: إن العامل في أيّ سيعلم. سورة النمل مكتبة وآياتها ٩٣ نزلت بعد سورة الشعراء بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحَـ طَسْنَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدَى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِينَ (*) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ زَيََّ لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ عطف الكتاب على القرآن كعطف الصفات بعضها على بعض، وإن كان الموصوف واحدًا ﴿هُدَى وَبُشْرَى﴾ في موضع نصب على المصدر أو في موضع رفع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة فتكون بقية صلة الذين أو تكون مستأنفة وتمّت الصلة قبلها، ورجّح الزمخشري هذا ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتحيرون ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني في الدنيا وهو القتل بیوم یدر، ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة، والأول أرجح لأنه ذكر الآخرة بعد ذلك ﴿لَعُلَقَّى الْقُرْآنُ﴾ أي تعطاه ﴿انستُ﴾ ذکر في طه، وكذلك ﴿قَبَسِ﴾، والشهاب النجم شبه القبل به، وقرىء بإضافة شهاب إلى قبس وبالتنوين على البدل أو الصفة، فإن قيل: كيف قال هنا سآتيكم وفي الموضع الآخر لعلّي آتيكم، والفرق بين الترجّي والتسويف أن التسويف متيقن الوقوع بخلاف الترجّي؟ فالجواب أنه قد يقول الراجي: سيكون كذا: إذا قوي رجاؤه ﴿تَضْطَلُون﴾ ١٢٧ تفسير سورة النمل ـ) وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ ۵ يَعْمَهُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَّهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٥) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ إِنّ ءَانَسْتُ نَارًا سَثَانِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ثَّ فَلَمَّا جَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٨ يَمُوسَىَ إِنَّهُ: أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) وَأَلْقِ عَصَاكْ فَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُّ كَأَنَّهَا جَنٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٨) إِلَّا مَن ظَلَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١١ (١٢ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِ تِسْعَِيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِنَهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَ تْهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ () وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ معناه تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفعلون، وهو مشتق من صلي بالنار والطاء بدل من التاء ﴿أَنْ بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ أن مفسّرة، وبورك من البركة، ومَن في النار: يعني مَن في مكان النار ومَن حولها: من حول مكانها: يريد الملائكة الحاضرين وموسى عليه السلام، قال الزمخشري: والظاهر أنه عامّ في كل مَن كان في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى عليه السلام، أو يكون مستأنفًا وعلى كِلا الوجهين قصد به تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع من معنى النداء، أو في قوله: ﴿بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ لأن المعنى نودي أن بورك مَن في النار، إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله بورك مَن في النار، لأن المعنى يؤدّي إلى أن بورك مَن في النار، وأن ألقِ عصاك وكلاهما تفسير للنداء ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ الجانّ الحيّة، وقيل الحيّة الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله فإذا هي ثعبان، والجواب: أنها ثعبان في جرمها، جان في سرعة حركتها ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع أو لم يلتفت ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ استثناء منقطع تقديره لكن مَن ظلم من سائر الناس، لا من المرسلين، وقيل إنه متصل على القول بتجويز الذنوب عليهم وهذا بعيد لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب وأيضًا فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم ﴿بَدَّلَ حُسْتَا﴾ أي عمل صالحًا ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ ذكر في طله ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ متصل بقوله ألق وأدخل، تقديره نيسر لك ذلك في جملة تسعة آيات، وقد ذكرت الآيات التسع في الإسراء ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره اذهب بالآيات التسع إلى فرعون ﴿مُبْصِرَةٌ﴾ أي ظاهرة واضحة الدلالة وأسند الإبصار لها مجازًا، وهو في الحقيقة لمتأمّلها ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها ١٢٨ تفسير سورة النمل وَلَقَدْ ءَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى ١٤ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ◌ْجَ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرِدٌ وَقَالَ بِكَأَيُّهَا النَّاسُ عُلَمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنَ وَأُوتِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْفَضْلُ الْمُبِينُ (١) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنّ وَاُلْإِنسِ حََّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ بَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أُدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ () لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَهُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٤)، فَنَبَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىِّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ (١٩) عِبَادَِ الصَّلِحِينَ الحق فكفرهم عناد، ولذلك قال فيه ظلمًا، والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها قد علوا يعني تكبّروا ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أي ورث عنه النبوّة والعلم والملك ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها ﴿وَأَوْتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عموم معناه الخصوص، والمراد بهذا اللفظ التكثير: كقولك فلان يقصده كل أحد، وقوله: ﴿علمنا﴾ ﴿وأُوتينا﴾ [النمل: ١٦]: يحتمل أن يريد نفسه وأباه أو نفسه خاصّة على وجه التعظيم، لأنه كان ملكًا ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ اختلف الناس في عدد جنود سليمان اختلافًا شديدًا تركنا ذكره لعدم صحته ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يكفّون ويراد أولهم إلى آخرهم، ولا بدّ لكل ملك أو حاكم من وزعة يدفعون الناس ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر هذا أن سليمان وجنوده كانوا مشاة بالأرض أو ركبانًا حتى خافت منهم النمل، ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح، وأحسّت النملة بنزولهم في وادي النمل ﴿قَالَتْ ثَمْلَةٌ﴾ النمل حيوان فطن قويّ الحس يدّخر قوّته ويقسم الحبة بقسمين. لئلا تنبت، ويقسم حبة الكسبرة على أربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت قسمين، ولإفراط إدراكها قالت هذا القول، ورُوِيَ أن سليمان سمع كلامها، وكان بينه وبينها ثلاثة أميال، وهذا لا يسمعه البشر إلاّ مَن خصّه الله بذلك ﴿اذْخُلُوا﴾ خاطبتهم مخاطبة العقلاء لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء ﴿لاَ يَخْطِمَتَّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون جوابًا للأمر أو نهيّا بدلاً من الأمر لتقارب المعنى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ الضمير لسليمان وجنوده، والمعنى اعتذار عنهم لو حطموا النمل أي لو شعروا بهم لم يحطّموهم ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ تبسّم لأحد أمرين: أحدهما سروره بما أعطاه الله؛ والآخر ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: وصفِ لهم بالتقوى والتحفّظ من مضرّة الحيوان ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ اختلف الناس في معنى تفقّده للطير، فقيل ذلك ١٢٩ تفسير سورة النمل اُلْغَابِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ () فَمَكَثَ ٢٠ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنَبٍَّ يَقِينٍ (٤٠) إِنِّي وَجَدَتُ أمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ () وَجَدَتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٤) أَلَّ يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٤٥) اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَرَبُّ (٣٠) أَذْهَب بِكِتَبِى هَذَا قَالَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ إ لعنايته بأمور ملكه، وقيل لأن الطير كانت تظلّه فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أم منقطعة فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال ما لي لا أرى الهدهد أي لا أراه ولعلّه حاضر وستره ساتر، ثم علم بأنه غائب فأخبر بذلك ﴿الأَعَذْبَنَّهُ﴾ رُوِيَ أن تعذيبه للطير كان بنتف ريشه ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجة بيّنة ﴿فَمَكَثَ﴾ أي أقام، ويجوز فتح الكاف وضمّها، وبالفتح قرأ عاصم، والفعل يحتمل أن يكون مسندًا إلى سليمان عليه السلام أو إلى الهدهد وهو أظهر ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يعني زمان قريب ﴿أَحَطتُ﴾ أي أحطت علمًا بما لم تعلمه ﴿مِن سَبَإٍ﴾ يعني قبيلة من العرب، وجدّهم الذي يعرفون به: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومَن صرفه أراد الحيّ أو الأب، ومَن لم يصرفه أراد القبيلة أو البلدة، وقرىء بالتسكين لتوالي الحركات، وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله من سباٍ بنبا ضرب من أدوات البيان، وهو التجنيس ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ المرأة بلقيس بنت شراحيل: كان أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك، والضمير في تملكهم يعود على سبا، وهم قومها ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجه الملك ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني سرير ملكها، ووقف بعضهم على عرش ثم ابتدأ عظيم وجدتها على تقدير: عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وهذا خطأ، وإنما حمله عليه الفرار من وصف عرشها بالعظمة ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ من كلام الهدهد أو من كلام الله، وقرأ الجمهور بالتشديد، وأن في موضع نصب على البدل من أعمالهم، أو في موضع خفض على البدل من السبيل، أو يكون التقدير لا يهتدون لأن يسجدوا بحذف اللام، وزيادة لا، وقرىء بالتخفيف على أن تكون لا حرف تنبيه وأن تكون الياء حرف نداء فيوقف عليها بالألف على تقدير يا قوم ثم يبتدأ اسجدوا ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخبء في اللغة الخفي وقيل معناه هنا الغيب، وقيل يخرج النبات من الأرض واللفظ يعمّ ٠٠ ١٣٠ تفسير سورة النمل قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُاْ إِنْ أُلْفِىَ إِلَّىَّ كِنَبُ كَرِيِمُ الْجَم ◌ِنَّهُ ٢٨ فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿ أَلَا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِ مُسْلِمِينَ (٤) قَالَتْ بَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ ٣ مِن سُلَيْمَنَ وَلِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الزَّحِيمِ أَفْتُونِ فِىَّ أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمًّْ حَتَّى تَشْهَدُونِ (ثَ، قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَاْأَمْرُ ◌َّ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (ج)، وَإِنِىِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (ثُمّ ◌َمَا جَآءَ سُلَيْمَئِنَ قَالَ أَتْمِذُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِءَ اَللَّهُ خَيْرٌ مَِّآ ءَاتَنْكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُوْ نَقْرَحُونَ (٢) أُرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْتِنَّهُمْ بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَهُ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُمْ مِنْهَا أَزِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ (٦) قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلُواْ أَيُّكُمْ يَأْتِنِىِ كل خفيّ، وبه فسّره ابن عباس ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي تنحّ إلى مكانٍ قريب لتسمع ما يقولون، ورُوِيّ أنه دخل عليها من كُوّة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوّة، وقيل إن التقدير انظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم فهو من المقلوب والأول أحسن ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ من قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ﴾ قبل هذا الكلامِ محذوف تقديره: فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت أهل ملكها فقالت لهم يا أيّها الملأ ﴿كِتَابٌ كِرِيمٌ﴾ وصفته بالكرم لأنه من عند سليمان، أو لأن فيه اسم الله، أو لأنه مختوم كما جاء في الحديث كرم الكتاب ختمه ﴿مِن سُلَيْمَانَ﴾ يحتمل أن يكون هذا نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان، وأن يكون من كلامها: أخبرتهم أن الكتاب من سليمان ﴿وأتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون من الانقياد بمعنى مستسلمين، أو يكون من الدخول في الإسلام ﴿أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ يحتمل أن يريد قوة الأجساد أو قوّة المُلْك والعدد ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله عزّ وجل تصديقًا لقولها فيوقف على ما قبله، أو من كلام: بلقيس تأكيدًا للمعنى الذي أرادته، وتعني كذلك يفعل هؤلاء بنا ﴿وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ قالت لقومها إني أُجرّب هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، فإن كان ملكًا دنيويًا: أرضاه المال، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه فبعثت إليه هدية عظيمة وصفها الناس واختصرنا وصفها لعدم صحّته ﴿أَتْمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إنكار للهدية لأن الله أغناه عنها بما أعطاه ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَادِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي أنتم محتاجون إليها فتفرجون بها وأنا لست كذلك ﴿ازچغ إِلَيْهِمْ﴾ خطاب للرسول، وقيل للهدهد، والأول أرجح، لأن قوله فلما جاء سليمان مسند إلى الرسول ﴿لَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾ أي لا طاقة لهم بها. ١٣١ تفسير سورة النمل بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ (٦) قَالَ عِفْرِيْتُ مِّنَ الْجِنِّ أَنَاْ ءَانِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ (لَ قَالَ الَّذِىِ عِندَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِنَبِ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِ لِيَبْلُوَنِيّءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ تَكِّرُواْلَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَنَّنَدِىّ أَمْتَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤) فَلَمَّا جَآءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُِّ قَالَتْ كَأَنَّهُ, هُوَّ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَا مُسْلِمِينَ (١) وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَعْبُدُ مِن ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ القائل سليمان، والملأ جماعة من الجنّ والإنس، وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين، لأنه وُصِفَ له بعظمة فأراد أن يأخذه قبل أن يُسلِموا فيمنع إسلامهم من أخذ أموالهم، فمسلمين على هذا من الدخول في دين الإسلام، وقيل إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين ليُظهِر لهم قوّته، فمسلمين على هذا بمعنى منقادين ﴿قَالَ عِقْرِيتْ﴾ رُوِيَ عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت الكودن ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ قبل أن تقوم من موضع الحكم، وكان يجلس من بكرة إلى الظهر، وقيل معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ هو آصف بن برخيا، وكان رجلاً صالحًا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم وقيل هو الخضر، وقيل هو جبريل، والأول أشهر، وقيل سليمان وهذا بعيد ﴿آتِيكَ بِهِ﴾ في الموضعين: يحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً أو اسم فاعل ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطرف العين فالمعنى على هذا قبل أن تغضّ بصرك إذا نظرت إلى شيء وقيل الطرف تحريك الأجفان إذا نظرت ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾ قيل هنا محذوف تقديره: فجاءه الذي عنده علم من الكتاب بعرشها، ومعنى مستقرًّا عنده حاصلاً عنده وليس هذا بمستقر الذي يقدّر النحويون تعلق المجرورات به خلافًا لمَن فهم ذلك ﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي منفعة الشكر لنفسه ﴿قَالَ نَكْرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ تنكيره تغيير وصفه وستر بعضه، وقيل الزيادة فيه والنقص منه، وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها ﴿أَتَهْتَدِي﴾ يحتمل أن يريد تهتدي لمعرفة عرشها، أو للجواب عنه إذا سئلت أو للإيمان ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَزْشُكِ﴾ كان عرشها قد وصل قبلها إلى سليمان فأمر بتنكيره، وأن يقال لها أهكذا عرشك أي أمثل هذا عرشك لئلا تفطن أنه هو، فأجابته بقولها: كأنه هو جوابًا عن السؤال، ولم تقل هو تحرّزًا من الكذب أو من التحقيق في محل الاحتمال ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ هذا من كلام سليمان وقومه لما رأوها قد آمنت قالوا ذلك اعترافًا بنعمة الله عليهم في أن آتاهم العلم قبل بلقيس وهداهم للإسلام قبلها، والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره قد أسلمت هي ١٣٢ تفسير سورة النمل دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْرٍ كَفِرِينَ (٥) قِيلَ لَا أَدْ خُلِ الصَّرْعَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَاً قَالَ إِنَّهُ صَرْعٌ مُمَرَّدٌ مِن فَوَارِيِرُّ قَالَتْ رَبٍ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ للَّهِرَبِّ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ ٤٤ اُلْعَلَمِينَ قَالَ يَدَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةٌ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ ٤٥ يَخْتَصِمُونَ قَالُواْ أَطَتَرْنَا بِكَ وَيَمَن ◌َّعَكْ قَالَ طَبِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ ٤٦ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وعلمت وحدانية الله وصحّة النبوّة وأُوتينا نحن العلم قبلها ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتِ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هذا يحتمل أن يكون من كلام سليمان وقومه، أو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون ﴿مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ﴾ فاعلاً أو مفعولاً، فإن کان فاعلاً: فالمعنی صدّها ما كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام حتى إلى هذا الوقت، وإن كان مفعولاً: فهو على إسقاط حرف الجرّ، والمعنى صدّها الله أو سليمان عن ما كانت تعبد من دون الله فدخلت في الإسلام ﴿قِيلَ لَهَا اذْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ الصرح في اللغة هو القصر، وقيل صحن الدار، رُوِيّ أن سليمان أمر قبل قدومها فبُنِيَ له على طريقها قصرًا من زجاج أبيض وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دوات البحر من السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه فلما رأته حسبته لجّة، واللجة الماء المجتمع كالبحر، فكشفت عن ساقيها لتدخله لمّا أُمِرَت بدخوله، ورُوِيّ أن الجنّ كرهوا تزوّجَ سليمان لها، فقالوا له إن عقلها مجنون، وإن رجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة واختبر ساقها بالصرح فلما كشفت عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقًا فتزوّجها وأقرّها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل شهر، وقيل أسكنها معه بالشام ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْعْ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ لما ظنّت أن الصرح لجّة ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل الماء قال لها سليمان إنه صرح ممرّد، والممرّد الأملس، وقيل الطويل، والقوارير جمع قارورة وهي الزجاجة ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ تعني بكفرها فيما تقدّم ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سِّلَيْمَانَ﴾ هذا ضرب من ضروب التجنيس ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الفريقان من آمن ومن كفر؛ واختصامهم: اختلافهم وجدالهم في الدين ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي لِمَ تطلبون العذاب قبل الرحمة، أو المعصية قبل الطاعة ﴿قَالُوا أَطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي تشاءمنا بك وكانوا قد أصابهم القحط ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شرّكم: هو عند الله وهو قضاؤه وقدره، وذلك ردّ عليهم في تطيرهم ونسبتهم ما أصابهم من القخط إلى صالح ١٣٣ تفسير سورة النمل قَالُواْ ٤٨ وَكَانَ فِىِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ٤٧ تُفْتَنُونَ (! تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ٤٩ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥) فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ ) وَلُوطَا إِذْ ٥٣ ] وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ ( ٥٢ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ لِ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٦) أَبِنَّكُمْ لَتَأْنُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ (٥) ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ اَلِسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عليه السلام ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني مدينة ثمود ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ قيل إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم ولفظ الفساد أعمّ من ذلك ﴿تَقَاسَمَوا بِاللَّهِ﴾ أي حلفوا بالله، وقيل إنه فعل ماضٍ وذلك ضعيف، والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض وتعاقدوا عليه ﴿لَنْيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي لنقتلنّه وأهله بالليل وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليّه، ومهلك يحتمل أن يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان فإن قيل إن قولهم ما شهدنا مهلك أهله يقتضي التبرّي من دم أهله دون التبرّي من دمه، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنهم أرادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه لدلالة قولهم لنبيتته وأهله، والثاني أن أهل الإنسان قد يُراد به هو وهم لقوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَون﴾ [البقرة: ٥٠] و[الأنفال: ٥٤] يعني فرعون وقومه، الثالث: أنهم قالوا مهلك أهله خاصّة ليكونوا صادقين، فإنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا يكذبوا ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ يحتمل أن يكون قولهم وإنّا لصادقون مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون، ويحتمل أنهم قصدوا وجهًا من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك أهله، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحًا وأهله معًا، ثم يقولون ما شهدنا مهلك أهله وحدهم وإنّا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا وعلى ذلك حمله الزمخشري ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ رُوِيَ أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلاً في غار قريبًا من داره ليخرجوا منه إلى داره بالليل فوقعت عليهم صخرة فأهلكتهم ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومَن آمن به ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُون﴾ قيل معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية وقيل تبصرون بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر ١٣٤ تفسير سورة النمل مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ (٢) فَأَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴿ قُلِ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَّ ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٦) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَآْوَمَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِبِتُواْ شَجَرَهَاْ أَِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ـَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَّ: إِذَا دَعَاهُ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَِلَهٌ مَّعَ اَللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لأ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَِلَكَةٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ الَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهُِ أَعِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (َ أَمَّنْ يَبْدَوَأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم ◌ِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ بعضهم من بعض، وقيل تبصرون آثار الكفّار قبلكم وما نزل بهم من العذاب ﴿يَتَطَّهَّرُونَ﴾. و﴿الْغَابِرِينَ﴾ و﴿أَمْطَزْنَا﴾ قد ذكر ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِ الَّذِينَ اضْطَفَى﴾ أمر الله رسوله أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا، لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على مَن اصطفاه من عباده كما تستفتح الخطب والكتب وغيرها بذلك تيمّنًا بذكر الله، قال ابن عباس يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة، واللفظ يعمّ الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ على وجه الردّ على المشركين فدخلت خير التي يراد بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم مع أنه معلوم أنه لا خير فيما أشركوا أصلاً، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله أَإله مع الله على وجه التقرير لهم على أنه لم يفعل ذلك كله إلاّ الله وحده فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضًا نعم يجب شكرها فقامت بذلك أيضًا وأم في قوله خير أما يشركون متصلة عاطفة، وأم في المواضع التي بعده منقطعة بمعنى بل والهمزة ﴿قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلاً ومثيلاً ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ذكر في الفرقان ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ قيل هو المجهود، وقيل الذي لا حول له ولا قوّة، واللفظ مشتق من الضرر: أي الذي أصابه الضرّ أو من الضرورة أي الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء ﴿خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ أي خلفاء فيها تتوارثون سكناها ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ﴾ يعني الهداية بالنجوم والطرقات ﴿بُشْرًا﴾ ذكر في الأعراف ﴿مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾ الرزق من ١٣٥ تفسير سورة النمل ◌َ قُل لَا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ٦٤ أَِلَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُمْ صَادِقِينَ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُ ونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٤٥) بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْآَخِرَةَّبَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهَا بَلْ هُم السماء المطر ومن الأرض النبات ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيز للمشركين ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهِ﴾ هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه سواه، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدًا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت هذه الآية، فإن قيل: فقد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته، فالجواب: أنه وسلإر قال: ((إني لا أعلم الغيب إلاّ ما علّمني الله))، فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهّان والمنجّمين وأشباههم، بالأمور المغيبة؟ فالجواب أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم، وإنما اقتضت الآية نفي العلم، وقد قيل إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال وما يشعرون أيان يبعثون، فعلى هذا يندفع السؤال الأول، والثاني لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلمَها عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((في خمس لا يعلمها إلاّ الله))، ثم قرأ ﴿إِنّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخر السورة، فإن قيل: كيف قال إلاّ الله بالرفع على البدل والبدل لا يصحّ إلاّ إذا كان الاستثناء متصلاً ويكون ما بعد إلاّ من جنس ما قبلها والله تعالى ليس ممّن في السموات والأرض باتفاق فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون إن الله تعالى ليس بهما ولا فوقهما ولا داخلاً فيهما ولا خارجًا عنهما فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوبًا؟ فالجواب من أربعة أوجه: الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل، وإن كان منقطعًا كقولهم ما في الدار إلاّ حمار بالرفع والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف، لأن القرآن أُنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم، والثاني أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ [الحديد: ٤] يعني بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف، لأن قوله في السموات والأرض وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحقّقين، الجواب الثالث أن قوله من في السموات والأرض يراد به كل موجود فكأنه قال مَن في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلاً، فيصحّ الرفع على البدل، وإنما قال مَن في السموات ١٣٦ تفسير سورة النمل لَقَدْ وُصِدْنَا هَذَا ٦٧ ◌َ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَءِذَا كُتَّا تُرَبًا وَءَابَآؤُنَّا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ! مِنْهَا عَمُونَ ! نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨) قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٤٦) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْفِ مِّمَا يَمْكُرُونَ (٢٠) وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ (*) وَإِنَّ رَبِّكَ ◌َذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ أَام وَمَا مِنْ غَيْبَةٍ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُّبِينٍ (٢٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٦) وَإِنَّهُ لَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٨) إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُمِعُ الضَُّّ الدُّعََّ إِذَا وَلَّوْاْ مُدِّينَ (٨٠) وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِ عَن ضَلَلَتِهِمَّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا والأرض جريًا على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاصّ يراد به ما هو أعمّ منه: الجواب الرابع أن يكون الاستثناء متصلاً على أن يتأول مَن في السموات في حق الله كما يتأوّل قوله: ﴿أَأَمِنْتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وحديث الجارية وشبه ذلك ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون، لأنّ علم الساعة مما انفرد به الله، رُوِيَ أن سبب نزول هذه الآية أن قريشًا سألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم متى الساعة ﴿بَلِ الدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ وزن ادارك تفاعل ثم سُكْنَت التاء وأُدغمت في الدال واجتلبت ألف الوصل، والمعنى تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها، أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها وقرىء أدرك بهمزة قطع على وزن أفعل، والمعنى على هذا يدرك علمهم في الآخرة أي يعلمون فيها الحق، لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق، فقوله في الآخرة على هذا ظرف، وعلى القراءة الأولى بمعنى الباء ﴿عَمُونَ﴾ جمع عم، وهو من عمى القلوب ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ أي تبعكم، واللام زائدة، أو ضمن معنى قرب وتعدّى باللام، ومعنى الآية أنهم استعجلوا العذاب بقولهم متى هذا الوعد، فقيل لهم عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون وهو قتلهم يوم بدر ﴿غَائِبَةِ﴾ الهاء فيه للمبالغة: أي ما من شيء في غاية الخفاء إلاّ وهو عند الله في كتاب ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ شبّه مَن لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبّههم بالصمّ وبالعمي وإن كانوا صِحاح الحواس، وأكد عدم سماعهم بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُذْبِرِينَ﴾ لأن الأصمّ إذا ١٣٧ تفسير سورة النمل وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ ٨١ مَن يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَقِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمٍَّ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ٨٤ حَّةٍ إِذَا جَاءُ و قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِئَايَنِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ ٨٣) أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ ٨٥ وَوَقَعَ الْقَوَّلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِ ٨٦ مُبْصِرَاً إِنَ فِي ذَلِكَ لَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوَهُ دَخِرِينَ (٨) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ، أدبر وبعد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكليّة ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي إذا حان وقت عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه، والمعنى إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابّة من الأرض، وخروج الدابة من أشراط الساعة، ورُوِيَ أنها تخرج من المسجد الحرام، وقيل من الصفا، وأن طولها ستّون ذراعًا، وقيل هي الجساسة التي وردت في الحديث ﴿تُكَلْمُهُمْ﴾ قيل تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلّ دين الإسلام، وقيل تقول لهم ألا لعنة الله على الظالمين، ورُوِيَ أنها تَسِم الكافر وتخطم أنفه وتسوّد وجهه وتبيّض وجه المؤمن ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ مَن قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام، ومَن قرأ بالفتح فهو مفعول تكلمهم: أي تقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾، أو مفعول من أجله تقديره تكلمهم، لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام، ويحتمل قوله لا يوقنون بخروج الدابّة، ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا أظهر ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يُساقون بعنف ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أم استفهامية، والمعنى إقامة الحجة عليهم كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِم﴾ أي حق العذاب عليهم أو قامت الحجة عليهم ﴿فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ﴾ إنما يسكتون لأن الحجة قد قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن. ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ذكر في يونس ﴿يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ذكر في الكهف ﴿إِلاَّ مَن شَاءً اللَّهُ﴾ قيل هم الشهداء، وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين متذلّلين ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ﴾ أي قائمة ثابتة ﴿وَهِيَ تَمُرُ﴾ يكون مرورها في أول أحوال يوم القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فتكون كالعهن ثم تصير هباءً منبئًا ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر، والعامل فيه محذوف، وقيل هو منصوب على الإغراء: أي انظروا ١٣٨ تفسير سورة النمل صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ لَِّ مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌّ ◌ِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَرَعَ وَمَنْ جَاءً بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ (3) تَعْمَلُونَ هَ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنّ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (*) وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ فَمَنٍ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَ مَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ وَقُلِ لْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَايَتِهِ، فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٣ صنع الله ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ قيل إن الحسنة لا إلهَ إلاّ الله، واللفظ أعمّ، ومعنى خير منها أن له بالحسنة الواحدة عشرًا ﴿مِّن فَزَع يَوْمَئِذٍ﴾ من نوع فزع فتح الميم من يومئذ ومَن أسقط التنوين للإضافة قرأ بفتح الميم على البناء أو بكسرها على الإعراب ﴿وَمُن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ السيئة هنا الكفر والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني مكة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي جعلها حرمًا آمنًا لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها، ونسب تحريمها هنا إلى الله لأنه بسبب قضائه وأمره، ونسبه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّمَ إلى إبراهيم عليه السلام في قوله إن إبراهيم حرّم مكة. لأن إبراهيم هنّ الذي أعلم الناس بتحريمها، فليس بين الحديث والآية تعارض وقد جاء في حديث آخر أن مكة حرّمها الله يوم خلق السموات والأرض ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي إنما عليّ الإنذار والتبليغ ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى معرفة آيات الله إما في الدنيا أو في الآخرة. ..! سورة القصص مكتبة إلا من آية ٥٢ إلى غاية آية ٥٥ فمدنيّة وآية ٨٥ فبالجحفة أثناء الهجرة وآياتها ٨٨ نزلت بعد النمل ـمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحِ نـ طسّمَ (١) تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَلٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِأَلْحَقِّ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ (٢) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ أي تكبّر وطغا ﴿شِيَعًا﴾ أي فرقًا مختلفين فجعل فرعون القبط ملوكًا وبني إسرائيل خدّامًا لهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة: أي وُلاة في الأرض أرض فرعون وقومه ﴿هَامَانَ﴾ هو وزير فرعون ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ اختلف هل كان هذا الوحي بإلهام أو منام أو كلام بواسطة الملك، وهذا أظهر لثقتها بما أُوحِيَ إليها وامتثالها ما أمرت به ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل لما أخبره الكهّان أن هلاكه على يد غلام منهم ﴿فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الالتقاط اللقاء من غير قصد، رُوِيَ أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر وهو النيل فأمرت أن يُساق لها ففتحته فوجدت فيه صبيًّا فأَحبته، وقالت لفرعون؛ هذا قرّة عين لي ولك ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ اللام لام العاقبة وتسمى أيضًا لام الصيرورة ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ رُوِيَ أنَّ فرعون همّ بذبحه إذ توسّم أنه من بني ١٤٠ تفسير سورة القصص أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِيْ نِسَآءَ هُمْ إِنَُّ كَانَ مِنَ اْلْمُفْسِدِينَ ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَ عَلَى الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ وَثُمَكِّنَ لَمْ فِىِ الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةٌ وََجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا ٦ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُواْ يَحْذَرُونَ خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلِفِيهِ فِى أَلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ فَلْنَقَطَهُ: مَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ الْمُرْسَلِينَ وَجُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ ﴿ وَقَالَتِ أمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِِّ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِّقًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُمْ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ (١) فَرَدَدْنَهُ إِلَى أَقِِّه كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا إسرائيل، فقالت امرأته لا تقتلوه ﴿وَهُمْ لاَ يَشْغْرُونَ﴾ أي لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه، والضمير الفاعل لفرعون وقومه ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فَارِغَا﴾ أي ذاهلاً لا عقل معها، وقيل فارغًا من الصبر وقيل فارغًا من كل شيء إلاّ من همّ موسى، وقيل فارغًا من وعد الله: أي نسيت ما أُوحِيَ إليها، وقيل فارغًا من الحزن إذا لم يغرق وهذا بعيد لما بعده وقيل فارغًا من كل شيء إلاّ من ذكر الله وقرىء فزعًا بالزاي من الفزع ﴿إن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي تظهر أمره، وفي الحديث كادت أم موسى أن تقول واإبناه وتخرج صائحة على وجهها ﴿رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي رزقناها الصبر ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من المصدّقين بالوعد الذي وعدها الله ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِيهِ﴾ أي اتبعيه، والقصّ طلب الأثر، فخرجت أُخته تبحث عنه في خفية ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ أي رأته من بعيد ولم تقرب منه لئلا يعلموا أنها أُخته، وقيل معنى عن جنب: عن شوق إليه، وقيل معناه أنها نظرت إليه كأنها لا تريده ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون أنها أُخته ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي منع منها بأن بغّضها الله له، والمراضع جمع مُرضِعَة، وهي المرأة التي تُرَضِع، أو جمع مَرضَع بفتح الميم والضاد: وهو موضع الرضاع يعني الثدي ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من أول مرة ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلْكُمْ﴾ القائلة أُخته تخاطب آل فرعون ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمَّهِ﴾ لمّا منعه الله من المراضع وقالت أُخته هل أدلكم على أهل بيت الآية: جاءت بأُمه فقبل ثديها، فقال لَها فرعون ومَن