Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ تفسير سورة الإسراء (٤َ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونٍ وَكِيلًا وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ فِ الْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٥) فَإِذَا جَآءَ المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا الموضع البعيد في ليلة، واختلف العلماء في كيفية الإسراء، فقال الجمهور: كان بجسد النبي ◌َّ وروحه، وقال قوم كان بروحه خاصّة وكانت رؤيا نوم حقّ، فحجّة الجمهور أنه لو كان منامًا لم تنكره قريش ولم يكن في ذلك ما يكذب به الكفّار، ألا ترى قول أم هانىء له لا تخبر بذلك فيكذبك قومك، وحجة مَن قال إن الإسراء كان منامًا قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا التي أرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وإنما يقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يرى بالعين رؤية، وفي الحديث أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((بينما أنا بين النائم واليقظان)) وذكر الإسراء، وقال في آخر الحديث: ((فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام)» وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: الإسراء كان مرتين: أحدهما بالجسد والآخر بالروح، وإن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السموات السبع ليلة فرضت الصلوات الخمس ولَقِيَ الأنبياء في السموات ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ صفة للمسجد الأقصى، والبركة حوله بوجهين: أحدهما ما كان فيه وفي نواحيه من الأنبياء، والآخر: كثرة ما فيه من الزروع والأشجار التي خصّ الله بها الشام ﴿لِتُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي لنُرِي محمدًا وَّ ل تلك الليلة من العجائب، فإنه رأى السموات والجنة والنار وسُدرة المنتهى والملائكة والأنبياء وكلمة الله تعالى حسبما ورد في أحاديث الإسراء، وهي في مصنفات الحديث فأغنى ذلك عن ذكرها هنا ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدَى﴾ يحتمل أن يكون الضمير على الكتاب أو على موسى ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً﴾ أي ربًّا تَكِلُون إليه أمركم، وأن يحتمل أن تكون مصدرية أو مفسّرة ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نداء، وفي ندائهم بذلك تلطّف وتذكير بنعمة الله، وقيل هي مفعول تتخذوا، ويتعيّن معنى ذلك على قراءة مَن قرأ يتخذ بالياء ويعني بمَن حملنا مع نوح أولاده الثلاثة وهم سام وحام ويافث، ونساؤهم ومنهم تناسل الناس بعد الطوفان ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أي كثير الشكر كان يحمد الله على كل حال، وهذا تعليل لما تقدّم أي كونوا شاكرين كما كان أبوكم نوح ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قيل إن قضينا هنا بمعنى علمنا وأخبرنا، كما قيل في وقضينا إليه ذلك الأمر، والكتاب على هذا التوراة، وقيل قضينا إليه من القضاء والقدر، والكتاب على هذا اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه مقادير الأشياء وإلى بمعنىٍ على ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ هذه التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م٣١ ٤٨٢ تفسيق: سورةالإسراء وَعَدُ أُوْلَمُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْهِكُمْ عِبَادَا لَّا أُوْلِى بَأَسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَ اُلِّّهَارٍ وَكَبَتَ وَعْدًا ◌َّفْعُولًا (٥)، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ، وَأَمْدَدْنَكُم بِأَمْوَلٍ وَبَنِرَ وَجَعَلْتَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا (٥) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْتُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ أَلْسَّخِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَِّرُواْ مَا عَلَوْ تَّتْبِيَ أَ عْنَى رَبُّكُمْ أَنْ يُرْجَمَكُمْ وَإِنْ عُدُمْ عُدْنَا وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِنَ حَصِيرًا (٥) إِنَّ هُذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ هِيَّ الجملة بيان للمقضي، وهي في موضع جواب قضينا إذا كان من القضاء والقذّر لأنه جرَّى مجرى القسم، وإن كان بمعنى أعلمنا فهو جواب قسم محذوف تقديره والله لتغسدن، والجملة في موضع معمول قضينا، والمرتان المشار إليهما إحداهما قتل لزكريا والأخرى قتل يحيى عليهما السلام ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ مل العلو وهو الكبر والتخيّل ﴿فَإِذَا نجاءَ تَهْدُ أُوْلاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لََّا﴾ معناه أنهم إذا أفسدوا في المرة الأولى بعث الله عليهم عباءاً له لينتقم منهم على أيديهم، واختلف في هؤلاء العبيد فقيل جالوت وجنوده وقيل بختنصر ملك بابل ﴿فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾ أي تردّدوا بينهما بالفساد، ورُويَ أنهم قتلوا علماءهم وأخرقوا التوراة. وخرّبوا المساجد وسبوا منهم سبعين ألفًا ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم، ويعني رجوع الملك إلى بني إسرائيل واستثقاذ أسراهم، وقتل بختنصر، وقيل قتل داود لجالوت ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أي أكثر عددًا، وهو مصدر من قولك نفر الرجل إذا خرج مسرعًا، أو جمع تفر. أمس ﴿إِنْ أَخْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أحسنتم الأول بمعنى الحسناتِ، والثاني بمعنى الإحسان كقولك أحسنت إلى فلان، ففيه تجنيس، واللام فيه بمعنى إلى ، وكذلك اللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوُا وُجُوهَكُمْ﴾ يعني إذا أفسدوا في المرة الأخيرة بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم فالآخرة صفة للمرة، ومعنى يسوؤا يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] واللام لام كي وهي تتعلق ببعثنا المحذوف لدلالة الأول عليه، وقيل هي لام الأمر ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ يعني بيت المقدس ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ من التبار، وهو الإهلاك وشدّة الفساد ﴿مَا عَلَوْا﴾ ما مفعول ليتبروا: أي يهلكوا ما غلبوا عليه من البلاد، وقيل إن ما ظرفية أي، يفسدوا مدةٍ علوّهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَوْحَمَّكُمْ﴾ خطاب لبني إسرائيل: ومعناه ترجمة: لهم، بالرحمة إن تابوا بعد الرحمة الثانية ﴿وَإنْ عُذْتُمْ عُذْنَا﴾ خطاب لبني إسرائيل: أي إن معدتم ٤٨٣ تفسير سورة الإسراء أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا كَبِيْرًا (٤)، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٠) وَيَدْعُ آلْإِسَنُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُلًا (١) وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا (١٠)، وَكُلَّ إِنَسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ. وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا (٠٥، أَفْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ أَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٩) مَّنِ إلى الفساد عدنا إلى عقابكم، وقد عادوا فبعث الله عليهم محمدًا صلّى الله تعالى عليه وسلّم وأمته يقتلونهم ويذلّونهم إلى يوم القيامة ﴿حَصِيرًا﴾ أي سجنًا وهو من الحصر، وقيل أراد به ما يفرش ويبسط كالحصير المعروف ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي الطريقة والحالة التي هي أقوم، وقيل يعني لا إلهَ إلاّ الله، واللفظ أعمّ من ذلك. ﴿يَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ المعنى ذمّ، وعتاب لما يفعله الناس عند الغضب من الدعاء على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأنهم يدعون بالشرّ في ذلك الوقت كما يدعون بالخير في وقت التثبّت، وقيل إن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال اللّهمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك الآية، وقد تقدّم أن الصحيح في قائلها إنه أبو جهل ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً﴾ الإنسان هنا وفي الذي قبله اسم جنس، وقيل يعني هنا آدم وهو بعيد ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك مسجد الجامع أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار ومحو آية الليل على هذا كونه مظلمًا، والوجه الثاني أن يراد بآية الليل القمر وآية النهار الشمس، ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ضوء كضوء الشمس ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ يحتمل أن يريد النهار بنفسه أو الشمس ومعنى مبصرة تبصر فيها الأشياء ﴿لْتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرّف في معايشكم ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ باختلاف الليل والنهار أو بمسير الشمس والقمر ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الأشهر والأيام ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ انتصب كل بفعل مضمر، والتفصيل البيان ﴿وَكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْتَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ انتصب كل بفعل مضمر، والطائر هنا العمل، والمعنى أن عمله لازم له، وقيل إن طائره ما قدر عليه، وله من خير وشر، والمعنى على هذا أن كل ما يلقى الإنسان قد سبق به القضاء، وإنما عبّر عن ذلك بالطائر، لأن العرب كانت عادتها التيمّن والتشاؤم بالطير، وقوله في عنقه أي هو كالقلادة أو الغلّ لا ينفكّ عنه ﴿كَتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ يعني صحيفة أعماله بالحسنات والسيئات ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ تقديره يقال له اقرأ ﴿حَسِيبًا﴾ أي محاسبًا أو من ٤٨٤ تفسير سورة الإسراء آُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَآَ أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْ فِيَهَا فَحَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَرْنَهَا تَدْمِيرًا (٨٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ، خَيراً بَصِيرًا مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا (١٨). وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (٢٦) كُلَّا تُمِتُ هَكَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى الحساب بمعنى العدد ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ معناه حيث وقع لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، والوزر في اللغة الثقل والحمل، ويراد به هنا الذنوب، ومعنى تزر تحمل وزر أخرى: أي وزر نفس أخرى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ قيل إن هذا في حكم الدنيا أي أن الله لا يهلك أمة إلاّ بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم، وقيل هو عامَ في الدنيا والآخرة وأن الله لا يعذّب قومًا في الآخرة إلاّ وقد أرسل إليهم رسولاً فكفروا به وعصوه، ويدلّ على هذا قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوَجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٍ قَالُوا بَلَى﴾. [الملك: ٨و٩] ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات، واستدلّ أهل السُّنّة بهذه الآية على أن التكليف لا يلزم العباد إلاّ من الشرع لا من مجرد العقل ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ في تأويل أمرنا هنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون في الكلام حذف تقديره أمرنا مترفيها بالخير والطاعة فعصوا وفسقوا، والثاني أن يكون أمرنا عبارة عن القضاء عليهم بالفسق أي قضينا عليهم بالفسق ففسقوا، والثالث أن يكون أمرنا بمعنی کثرنا واختاره أبو علي الفارسي، وأما على قراءة آمرنا بمدّ الهمزة فهو بمعنى كثرنا، وأما على قراءة أمّرنا بتشديد الميم، فهو من الإمارة أي جعلناهم أمراء ففسقوا، والمترف الغني المنعم في الدنيا ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي القضاء الذي قضاه الله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرونِ﴾ القرن مائة سنة، وقيل أربعون ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ الآية: في الكفّار الذين يريدون الدنيا ولا يؤمنون بالآخرة على أن لفظها أعمّ من ذلك، والمعنى أنهم يعجّل الله لهم حظًا من الدنيا بقيدين أحدهما تقييد المقدار المعجّل بمشيئة الله، والآخر تقييد الشخص المعجّل له بإرادة الله، ولمَن نريد بدل من له وهو بدل بعض من كل ﴿مَّذْحُورًا﴾ أي مبعدًا أو مُهَانًا ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي عمل لها عملها ﴿كُلاَّ ثُمِدُ﴾ انتصب كلاًّ بنمد وهو من المدد ومعناه نزيدهم من عطائنا ﴿هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءٍ﴾ بدل من كلاً، والإشارة إلى الفريقين المتقدمين. ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ ٤٨٥ تفسير سورة الإسراء لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْهُومًا بَعْضِّ وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا تَخْذُولًا ﴿ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِآلْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل ◌َّهُمَآ أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْخَمْهُمَا كَا رَبَّيَانِ صَغِيرًا (٨) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِی نُفُوسِگُتْ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا (٥)، وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا (ثّ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ يعني رزق الدنيا، وقيل من الطاعات لمَن أراد الآخرة ومن المعاصي لمَن أراد الدنيا، والأول أظهر ﴿مَخْظُورًا﴾ أي ممنوعًا ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني في رزق الدنيا ﴿لاً تَجْعَلْ﴾ خطاب لواحد، والمراد به جميع الخلق، لأن المخاطب غير معين ﴿مَذْمُومًا﴾ أي يذمّه الله وخيار عباده ﴿مَّخْذُولاً﴾ أي غير منصور ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي حكم وألزم وأوجب أو أمر، ويدلّ على ذلك ما في مصحف ابن مسعود ووضّى ربّك ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ أن مفسّرة أو مصدرية على تقدير بأن لا تعبدوا ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها فلا تقل لهما أُفِّ والمعنى الوصية ببرّ الوالدين إذا كبرا أو كبر أحدهما وإنما خصّ حالة الكبر لأنهما حينئذ أحوج إلى البرّ والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى عندك: أي في بيتك وتحت كنفك ﴿أَنَّ﴾ حيث وقعت اسم فعل معناها قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه وإنما المراد بها أقلّ كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى ألاّ يقال لهما ما فوق ذلك، ويجوز في أُفِّ الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو للتنكير ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ من الانتهار وهو الإغلاظ في القول ﴿واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاجَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ استعارة في معنى التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله: ﴿اخفض جناحك للمؤمنين﴾ [الحجر: ٨٨]، وأضافه إلى الذلّ مبالغة في المعنى كأنه قال الجناح الذليل، ومن في قوله من الرحمة للتعليل أي من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة عليهما ﴿لِلأَوَّابِينَ﴾ قيل معناه الصالحين، وقيل المسبحين، وهو مشتق من الأوبة بمعنى الرجوع، فحقيقته الراجعين إلى الله ﴿وَآتٍ ذَا القُزبی حقّهُ﴾ خطاب لجميع الناس لصلة قرابتهم والإحسان إليهم، وقيل هو خطاب خاصّ بالنبي ◌َ ﴿ أن يؤتي قرابته حقّهم من بيت المال، والأول أرجح ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآية: معناه ٤٨٦ تفسير سورة الاسئلة وَلَا نَبْسُطُهَا: كُلَّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ سَلُوهَا تَّحْسُورًا (٤) إِذَّ بَبَّكَ يَبْسُُ الرِّزْقَ لِمَن يَشِّمُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَلْنَ بِعِبَادِهِ خَيراً بَصِيرًا ﴿ّ، وَلاَ نَفْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَتَْةَ إِمْلَقِّ نَحْنُ نَرُؤْقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُوْ كَانَ خِطْفًا كَبِهَا ﴿ وَلاَ نَقْرَبُواْ الزّنِ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَسَّةُ سَيِلَاً لَّمْ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ آَمَّهُ لَا بِأَلْحَقِّ وَمَنْ قُِّلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطٌنًا فَلَا يُشْرِفَ فِي الْقَتْلِ إِقْهُ كَانَ مَنْصُورًا ! إن أعرضت عن دويّ القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهمّ، فقل لهم كلامًا حَسَنًا وكان النبيّ ◌َ﴿ إذا سأله أحد فلم يكن عنده ما يعطيه أعرض عنه، حياء منه، فأفر بحُسن القول مع ذلك وهو أن يقول رزقكم الله وأعطاكم الله وشبه ذلك، والميسور مشتقى من اليسر ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ مفعول من أجله يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿وَإِمَّا تُغْرِضَنَّ عَنْهُمْ﴾ والمعنى على هذا: أنه يعرض عنهم انتظارًا لرزق يأتيه)، فيعطيه إياهم؛ فافرحمة على هذا هو ما يرتجيه من الورق أو فيتغلق بقوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاَ مَهْشُورًا﴾ أي ابتغ رحمة ربك بقول ميسور والرحمة على هذا هي الأجر والثواب ﴿وَلا تَجْعَ لقلبك مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ استعارة في معنى غاية البخل كأن البخيل حبست يداه عن الإعطاء وشدّت إلى عنقه ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ استعارة في معنى غاية الجود فيهى الله عن الطرفين: وأمر بالتوسّط بينهما: كقوله: ﴿إِذَدِ أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولم يقتّزَوا﴾ ﴿مَلُومًا﴾ أي بلومك صديقك على كثرة عطائك وإضرارك بنفسك، أو يلومك من يستحق العطاء لأنك لم تترك ما تعطيه، أو يلومك سائر الناس على التبذير في العطاء ﴿مَّجْسُورًا﴾ أي منقطعًا بكِ لا شيء عندك وهو من قولهم حسر السفر البعير إذا أتعبه حتى لم تبقَ له قِرة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يوسع على مَن يشاء ويضيق على مَن يشاء فلا تهتم بما تراه منى ذلك، فإن الله أعلم بمصالح عباده ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ﴾ ذكر في: الأنعامِ ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّ بِالْحَقْ﴾ الحق الموجب لقتل النفس هو ما ورد في الحديث من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا يحلّ دم امرىءٍ مسلم: إلاّ بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنىّ بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى))، وتتصل بهذه الأشياء أشياء أخر لأنها في معناها كالحرابة وترك الصلاة ومنع الزكاة ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومَا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ المظلوم هنا من قتل بغير حق، والوليّ هو وليّ المقتول وسائر العصبة، وليس النساء من الأولياء عند مالك، والسلطان الذي جعل الله له: هو القصاص، أوتخييره بين العفو والقصاص ﴿فَلا يُشْرِف فِي الْقَتْلِ﴾ نهى عن أن يسرف وليّ المقتول بأن يقتل غير قاتل وليّه أو يقتل البخت بواحد وغير ذلك من وجوه التعدي، وقرىء فلا تسرف بالثاء خطابًا للقاتل، أو لولي ٤٨٧ تفسير سورة الإسراء وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيِمِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ : مَسْشُولاً (٨) وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥ْ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٢) وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ ٣٨ تَ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ فَتُلْقَى فِىِ جَهَنَّمَ مَلُوْمًا مَّدْ حُورًا rq المقتول ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ الضمير للمقتول أو لوليّه، ونصره هو القصاص ﴿وَلاَ تَقرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ذكر في الأنعام قال بعضهم لا تقربوا ولا تقتلوا معطوفان على ألا تعبدوا، والظاهر أنَهما مجزومان بالنهي بدليل قوله بعدها: ﴿وَلاَ تَقْفُ﴾ ﴿وَلاَ تَمْشٍ﴾، ويصحّ أن تكون معطوفات إذا جعلنا ألاّ تعبدوا مجزومًا على النهي وأن مفسّرة ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عام في العهود مع الله ومع الناس ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون في معنى الطلب: أي يطلب الوفاء به، والثاني أن يكون المعنى يسأل عنه يوم القيامة، هل وفى به أم لا ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ قيل القسطاس الميزان، وقيل العدل وقرىء بكسر القاف وهي لغة ﴿وَأَخْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي أحسن عاقبةٌ ومآلاً، وهو من آل إذا رجع ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ المعنى لا تقل ما لا تعلم من ذمّ الناس وشبه ذلك، واللفظ مشتق من قفوته إذا اتبعته ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ أولئك إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك، لأنها حواس لها إدراك والضمير في عنه يعود على كل ويتعلق عنه بمسؤولاً، والمعنى أن الإنسان يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده، وقيل الضمير يعود على ما ليس لك به علم والمعنى على هذا أن السمع والبصر والفؤاد هي التي تسأل عمّا ليس لها به علم وهذا بعيد ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ المرح الخيلاء والكبر في المشية، وقيل هو إفراط السرور بالدنيا وإعرابه مصدر في موضع الحال ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ أي لن تجعل فيها خرقًا بمشيك عليها، والخرق هو القطع، وقيل معناه لا تقدر أن تستوفي جميعها بالمشي، والمراد بذلك تعليل النهي عن الكبر والخيلاء أي إذا كنت أيّها الإنسان لا تقدر على خرق الأرض، ولا على مطاولة الجبال، فكيف تتكبّر وتختال في مشيك، وإنما الواجب عليك التواضع ﴿كُلِّ ذَلِكَ كَانَ سَيْتُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من المنهيّات والمكروه هنا بمعنى الحرام، لا على اصطلاح الفقهاء في أن المكروه دون الحرام وإعراب مكروهًا نعت لسيئة أو بدل منها، ٤٨٨ تفسير سورة الإسراء: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا أَفَأَ صْفَتِكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَتِكَةِ إِنَا إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤) قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبَغَوْ إِلَى ذِى الْمُشِ سَبِيلًا (٢) سُبْحَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا (٢)، تُسَعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِنَّ وَ إِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحْدِه وَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهٍُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (١) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَّكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَّرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَّ أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِ=َ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْهُمْ تَجْوَ إِذْ يَقُولُ النَّالِمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (أَمْ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ أو خبر ثانٍ لكان ﴿أَفَأَضْفَاكُمْ رَبُّكُم بِنْبَنِينَ﴾ خطاب على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، والمعنى: كيف يجعل لكم الأعلى من النسل وهو الذكور، ويتخذ لنفسه الأدنى وهو البنات ومعنى أصفاكم: خصّكم ﴿قَوْلاً عَظِيمًا﴾ أي عظيم النكر والشناعة ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لأَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبيلاً﴾ هذا احتجاج على الوحدانية، وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى لو كان مع الله آلهةً لابتغوا سبيلاً إلى التقرّب إليه بعبادته وطاعته، فيكون من جملة عباده، والآخر لابتغوا سبيلاً إلى إفساد ملكه ومعاندته في قدرته، ومعلوم أن ذلك لم يكن فلا إله إلاّ هو. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ﴾ الآية: اختلف في كيفية هذا التسبيح فقيل هو تسبيح بلسان الحال أي بما تدلّ عليه صنعتها من قدرة وحكمة، وقيل إنه تسبيح حقيقة وهذا أرجح لقوله لا تفقهون تسبيحهم ﴿جَعَلْنَا بَيْئَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ في معناه قولان: أحدهما أن الله أخبر نبيّهِ وَ لي أن يستره من الكفّار إذا أرادوا به شرًّا، ويحجبه منهم والآخر أنه يحجب الكفّار عن فهم القرآن، وهذا أرجح لما بعده، والمستور هنا قيل معناه مستور عن أعين الخلق لأنه من لطف الله وكفايته فهو من المغيبات، وقيل معناه ساتر ﴿أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، وأن يفقهوه مفعول من أجله تقديره كراهة أن يفقهوه، وهذه استعارات في إضلالهم ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ معناه إذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى فرّ المشركون من ذلك، لما فيه من رفض آلهتهم وذمّها ونفورًا مصدر في موضع الحال ﴿نَّخْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ كانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، والضمير في به عائد على ما: أي نعلم ما يستمعون به من الاستهزاء ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ جماعة يتناجون أو ذو نچوی، والنجوی کلام السرّ ,٠ ٤٨٩ تفسير سورة الإسراء وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَّا أَيِنَّا لَمَبْعُوْنُونَ خَلّقًا ٤٨ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴿ قُلْ كُنُوْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥َ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَصْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ من ٤٩ جَدِيدًا ! يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤَّ فَسَيُنْخِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَّ قُلْ عَسَى أَنْ ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُونَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ وَقُل يَكُونَ قَرِبًا ٥٣ لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنِسَنِ عَدُوًّا مِينًا رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْيَرَّحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٢) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّيْتِنَ عَلَى بَعْضٌ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥) قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ ﴿رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ قيل معناه جنّ فسحر وقيل معناه ساحر، وقيل هو من السحر بفتح السين وهي الرئة: أي بشر إذا سحر مثلكم وهذا بعيد ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ أي مثلوك بالساحر، والشاعر، والمجنون ﴿فَضَلُوا﴾ عن الحق ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من الكفّار ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ الآية معناها إنكار للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقًا جديدًا بعد فنائهم، والرفات الذي بلي حتى صار غبارًا أو فتاتًا، وقد ذكر في الرعد اختلاف القرّاء في الاستفهامين ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةٌ أَوْ حَدِيدًا﴾ المعنى لو كنتم حجارةً أَو حديدًا لقدرنا على بعثكم وإحيائكم مع أن الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن الرطوبة التي في الحياة، فأولى وأحرى أن يبعث أجسادكم ويُحيي عظامكم البالية فذكر الحجارة والحديد تنبيهًا بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما، ومعنى قوله كونوا أي كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التعجيز كما قال بعضهم في ذلك ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل يعني السموات والأرض والجبال، وقيل بل أحالَ على فكرتهم عمومًا في كل ما هو كبير عندهم: أي لو كنتم حجارةً أو حديدًا أو شيئًا أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة لقدرنا على بعثكم ﴿فَسَيُتْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ أي يحرّكونها تحريك المستبعد للشيء والمستهزىء ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي متى يكون البعث ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الدعاء هنا عبارة عن البعث بالنفخ في الصور والاستجابة عبارة عن قيامهم من القبور طائعين منقادين ويحمده في موضع الحال أي حامدين له، وقيل معنى بحمده بأمره ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يعني لبثتم في الدنيا أو في القبور ﴿وَقُلْ لَّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ العباد هنا المؤمنون أمرهم أن يقول بعضهم لبعض كلامًا ليّا عجيبًا، وقيل أن يقولوه للمشركين، ثم ٤٩٠ تفسير سورة الإسراء زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُوْنَ كَشْفَ الضُّرِ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا لِلَهَا أُوْلَئِكَ لَِّنَ يَدْهُونَ: يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَايَهْ رَبِّكَ أَنَ مَحْذُورًا وَإِنِ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ اَلْفِيمَةٍ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذََّ شَدِيدًا كَإِنَ ذَلِكَ فِي الْكِتَبِ مَسْطُورً: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآَ أَنْ تُرْسِلَ ◌ِلَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا آلْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ نسخ بالسيف وإعراب يقولوا كقوله يقيموا الصلاة في إبراهيم، وقد ذكر ذلك ﴿قُلّ أُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم من دُوثِةٍ﴾ قيل يعني الملائكة، وقيل عيسى وأمه وعرير- وقيل تفر عن الجن (كان العرب يعبدونهم، والمعنى أنهم لا يقدرون على كشف الضرّ عنكم،، فكيف تعبدونهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ المعنى أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون القربة إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبئونهم بمضعها وإضرائب أول مبتدأ والذين تدعُون صفة له ويبتغون لخبرة، والفاعل في يدعون ضمير للكفّار، وفي يبتغون للآلهة المعبودين وقيل إن الضمير في يدعون ويبتغون للأنبياء المذكورين قيل في قولة. ﴿ولقد فضلنا بعض التبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥]، والوسيلة هي ما يتوسل به ويتقرب ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من الضمير في يبتغون أي يبتغي الوسيلة من هو أقرب منهمنها فكيف بغيره؛ أو ضمن يبتغون معنى يحرصون فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقرب إلى افظة بالاجتهاد في طاعته، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يتوسلون بأيهم أقرب الى لية ﴿مَخْذُورًا﴾ من الحذر وهو الخوف ﴿وَإِنِ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَائَةِ﴾ يحتمل: هذا الهلاك وجهين: أحدهما أن يكون بالموت والفناء الذي لابد منه، والآخر من يكون بأمر من الله يأخذ المدينة دفعة فيهلكها، وهذا أظهر، لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به، والهلاك والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل القرى أو المهلكو أهلها أو معذّبوهم، ورُوِيّ أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالتوك، والأندلس بالخيل، وسُئِلَ الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة)، فقال أصابها العذاب يوم قتلى الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة وأشبيلية وطيطلة، وغيرها بأخذ الرقم لها ﴿فِي الْكِتَابِ، مَسْطُورًا﴾ يعني اللوح المحفوظ، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ الإِيهَاتِ إِلاَّ لَنْ أَذِّيَ بِهَا الأوّلونَ﴾ الآيات يراد بها هنا التي يقترحها الكفّار فإذا وأوها، ولم يؤمنون أهلكهم الله ومنيبت الآية أن تقويض) اقترحوا على رسول الله ولو أن يجعل لهم الصفا نعهَا، فأخبر الله أنه لم يفتعلن ذلك لئلا أيكذبوا فيهالكوبا، وعبّر بالمفع حن ترك ذلك، وأن تربيل في موضع فقطبنة وأن كذب في موضع ترفع ثم ذكر ناقة ثمود تنبيها على ذلك لأنهم: اقترحموها وكانتهن سيب ٤٩١ تفسير سورة الإسراء مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَأْ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا تَخْوِفًا (٢) وَإِذْ قْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا أَلَّتِىَ أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (١) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (١) قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ هلاكهم، ومعنى مبصرة: بيّنة واضحة الدلالة ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلاّ تَخْوِيفًا﴾ إن أراد بالآيات هنا المقترحة فالمعنى أن يرسل بها تخويفًا من العذاب العاجل وهو الإهلاك وإن أراد المعجزات غير المقترحة فالمعنى أنه يرسل بها تخويفًا من عذاب الآخرة ليراها الكافر فيؤمن، وقيل المراد بالآيات هنا الرعد والزلازل والكسوف، وغير ذلك من المخاوف ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إن ربّك أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ المعنى اذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني بشّرناك بقتلهم يوم بدر وذلك قوله سيهزم الجمع ويولّون الدبر، وإنما قال أحاط بلفظ الماضي وهو لم يقع لتحقيقه وصحّة وقوعه بعد، وقيل المعنى أحاط بالناس في منعك وحمايتك منهم كقوله: ﴿واللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْنَاكَ إلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلف في هذه الرؤيا فقيل إنها الإسراء، فمَن قال إنه كان في اليقظة، فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعين، ومَن قال إنه كان في المنام فالرّؤيا منامية، والفتنة على هذا تكذيب الكفّار بذلك وارتداد بعض المسلمين حينئذ، وقيل إنها رؤيا النبي وَّ في منامه هزيمة الكفّار وقتلهم ببدر، والفتنة على هذا تكذيب قريش بذلك، وقيل إنه رأى أنه يدخل مكة فعجّل في سنة الحديبية فردّ عنها فافتتن بعض المسلمين بذلك؛ وقيل رأى في المنام أن بني أُميّة يصعدون على منبره فاغتمّ بذلك ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ يعني شجرة الزقّوم، وهي معطوفة على الرؤيا أي جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس، وذلك أن قريشًا لمّا سمعوا أن جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا كيف تكون شجرة في النار والنار تحرق الشجر، وقال أبو جهل ما أعرف الزقّوم إلاّ التمر بالزبد، فإن قيل: لِمَ لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ فالجواب أن المراد لعنة آكلها، وقيل اللعنة بمعنى الإبعاد لأنها في أصل الجحيم ﴿وَنُخَوَّفُهُمْ﴾ الضمير لكفّار قريش ﴿طِينًا﴾ تمييز أو حال مِنْ (مَنْ)) أو من مفعول خلقت ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف من أرأيتك للخطاب لا موضع لها من الإعراب، وهذا مفعول بأرأيت، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرّمته عليّ أي فضّلته وأنا خير منه فاختصر الكلام بحذف ذلك، وقال ابن عطية أرأيتك هذا بمعنى أتأملت ونحوه لا بمعنى أخبرني ﴿لَأَحْتَتِكَنَّ ذُرْيَّتَهُ﴾ معناه لأستولينّ عليهم ولأقودَنّهم وهو مأخوذ من تحنيك ٤٩٢ تفسير سورة الإسراء ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِلًا (٦٣) ◌َ قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءٍ قَوْفُورًا ٦٣ وَأَسْتَغْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَفْ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٥) رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِّ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (١) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا فَجَّنَّكُمْ إِلَى الْبَرّ أَغَرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنِسَنُ كَفُورًا (٦) أَفَأَ مِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَانُمَّ الدابّة، وهو أن يشدّ على حنكها بحبل فتنقاد ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ قال ابن عطية اذهب وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التهديد، وقال الزمخشري ليس المزاد الذهاب الذي هو ضدّ المجيء، وإنما معناه امضٍ لشأنك الذي اخترته خذلانًا له وتخلية، ويحتمل عندي أن يكون معناه للطّرد والإبعاد ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾،كان الأصل أن يقال جزاؤهم بضمير الغيبة، ليرجع إلى مَن اتّبعك، ولكنه ذكره بلفظ المخاطب تغليبًا للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم ﴿جَزَاءٌ مَّؤْفُورًا﴾ مصدر في موضع الحال والموفور المكمل ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ أي اخدع واستخف ﴿بِصَوْتِكَ﴾ قيل يعني الغناء والمزامير، وقيل الدعاء إلى المعاصي ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ أي هول، وهو من الجلبة وهي الصياح ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ الخيل هنا يراد بها الفرسان الراكبون على الخيل، والرجل جمع راجل وهو الذي يمشي على رجليه فقيل هو مجاز واستعاره بمعنى افعل جهدك، وقيل إن له من الشيطان خيلاً ورجلاً، وقيل المراد فرسان الناس ورجالتهم المتصرفون في الشرّ ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾ مشاركته في الأموال بكسبها من الربا وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك، ومشاركته في الأولاد هي بالاستيلاد بالزنا وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك ﴿وَعِذْهُمْ﴾ يعني المواعدة الكاذبة من شفاعة الأصنام وشبه ذلك. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني المؤمنين الذين يتوكّلون على الله بدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ ونحوه، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكّلون ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ أي يجريها ويسيّرها والفُلْك هنا جمع وابتغاء الفضل في التجارة وغيرها ﴿الضُّرُّ فِي الْبَخْرِ﴾ يعني خوف الغرق. ﴿ضَلَّ مَن تَذْعُونَ إلاَّ إِيَّاهُ﴾ ضلّ هنا بمعنى تلف وفقد: أي تلف عن أوهامكم وخواطركم كل مَن تدعونه إلاّ الله وحده فلجأتم إليه حينئذ دون غيره، فكيف تعبدون غيره وأنتم لا تجدون في تلك الشدّة إلاّ إيّاه ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي كفورًا بالنِّعم، والإنسان ٤٩٣ تفسير سورة الإسراء لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا (َ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا (٤) ﴾ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٣٠) يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَِهِمٍ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٢٦) وَمَن كَانَ فِ هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (*) وَإِن كَادُواْ هنا جنس ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزة للتوبيخ والفاء للعطف أي أنجوتم من البحر فأمنتم الخسف في البرّ ﴿حَاصِبًا﴾ يعني حجارة أو ريحًا شديدة ترمي بالحصباء ﴿وَكِيلاً﴾ أي قائمًا بأموركم وناصرًا لكم ﴿قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ يعني الذي يقصف ما يلقى أي يكسره ﴿تَبِيعًا﴾ أي مطالبًا يطالبنا بما فعلنا بكم: أي لا تجدون مَن ينصركم منّا كقوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥] ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مُمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ يعني فضّلهم على الجنّ وعلى سائر الحيوان، ولم يفضّلهم على الملائكة، ولذلك قال: ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾ وأنواع التفضيل كثيرة لا تُحصى: وقد ذكر المفسّرون منها كون الإنسان يأكل بيده، وكونه منتصب القامة، وهذه أمثلة ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ قيل يعني بنبيّهم، يقال يا أمة فلان، وقيل يعني كتابهم الذي أُنزل عليهم، وقيل كتابهم الذي فيه أعمالهم ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ الفتيل هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، والمعنى أنهم لا يظلمون من أعمالهم قليلاً ولا كثيرًا، فعبّر بأقلّ الأشياء تنبيهًا على الأكثر ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الإشارة بهذه إلى الدنيا، والعمى يراد به عمى القلب: أي مَن كان في الدنيا أعمى عن الهدى، والصواب فهو في يوم القيامة أعمى: أي حيران يائس من الخير، ويحتمل أن يريد بالعمى في الآخرة عمى البصر: كقوله ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ٢٠]، وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضلّ سبيلاً، لأنه حينئذ لا ينفعه الاهتداء، ويجوز في أعمى الثاني: أن يكون صفة للأول، وأن يكون من الأفعال التي للتفضيل، وهذا أقوى لقوله وأضلّ سبيلاً فعطف أضلّ الذي هو من أفعل من كذا على ما هو شبهه، قال سيبويه. لا يجوز أن يقال هو أعمى من كذا ولكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية: سبيها أن قريشًا قالوا للنبي وَ الرّ اقبل بعض أمرنا ونقبل بعض أمرك، وقيل إن ثقيفًا طلبوا من النبي ◌َّر أن يؤخّرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللاّت والعُزّى، والآية على هذا القول مدنية ﴿لِتَفْتَرِيَّ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الافتراء هنا يراد به المخالفة لما أُوحي إليه من ١.٠٤٩٤ تفسفي: سورة الإسرامة لَيَفْسِنُونَكَ عَنِ الَّذِ أَوْحَيْسَاً إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَّا غَيْرَهُ وَإِذَا لََّ تَّخَذُ وَ خَلِيلًا (أَوْلَاء ◌َتْ بَ تَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدَّه تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِعِلًا (١) إِذَا لَّأَذَقْنَكَ طِعْفَ الْحَيَّةِ وَضِعْفَ. اٌلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٣٥) وَإِن ◌َادُواْلَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا. (شَّ ◌ُسنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَ تَجِدُ لِسُنَّتًِ وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًاً ! تَحْوِيلًا (٣) أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانُ الْفَجْرِ كَبْ وَمِنَ أَلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (٢٦) وَقُل رَّبِّ ٧٨ مُشْهُودًا القرآن وغيره ﴿وَإِذَا لاَّتَخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذُّوكَ لخليلاً ﴿وَلَوْلاً أَن ◌َبَتْنَاكَ لَقَدْ كِذْتَّ تَرْكَزُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَليلاً﴾ لولا تدل على امتناع شيءٍ لوجودٌ غَيْرَةُ، فَذُلّت هنا على امتناع مقاربة النبي ◌َّر الركون إليهم لأجل تثبيت الله له وعصمته، وكدت تقتضي نفي الركون، لأن معنى كان قلان يفعل كذا أي أنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك نقص من جانب النبي 383 لأن التثبيت تمنعه من مقاربة الركون، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئًا قليلاً، وأما منع التثبيت فلم يركن قليلاً ولا كثيرًا، ولا قارب ذلك ﴿إِذَا لَأَذَقْتَاكَ ضِغْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفُ الْمَمَاتِ﴾ أي ضعف عذابهما لو فعل ذلك ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِرُّوتَّكَ مِنَ الأَرْضِ﴾ الضميرِ لقريش كانوا قد همّوا أَنْ يخرجوا النبي ◌َّلـ من مكة، وذلك قبل الهجرة، فالأرض هنا يراد بها مكة لأنها بلده ﴿وَإِذَا لاَّ يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك بمكة إلاّ قليلاً فلما خرج النبي كله مهاجرًا من مكة إلى المدينة لأجل إذاية قريش له ولأصحابه لم يبقوا بعد ذلك إلاّ قليلاً، وقتلوا يوم بدر ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رَّسُلِنَا﴾ انتصب سنة على المصدر، ومعناه العادة أي هذه عادة الله مع رسله. ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسْقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآيةَ إشارة إلى الصلوات المفروضة، فدلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الصبح، وانتصب قرآن الفجر بالعطف على موضع اللام في قوله لدلوك الشمس، فإن اللام فيه ظرفية بمعنی علم، وقيل هو عطف على الصلاة، وقيل مفعول بفعل مضمر تقديره اقرأ قرآن الفجر، وإنما عبّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر لأن القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها لأنها تُصَلّى بسورتين طويلتين ﴿إِنَّ قُرْآنَ أَلْفَجْرِ کَانَ مَشْهُودًا﴾ أي تشهده ملائکة الليل والنهار فیجتمعون فیه إذ تصعد ٠ ٠ ** ** 4 - .. : ٤٩٥ تفسير سورة الإسراء أَدْخِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِيِ مِن ◌َّدُنَكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨)، وَقُلْ جَءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنَّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِينَ إِلََّّ خَسَارًا ◌َا وَ إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنِسَنِ أَعْرَضَ وَنَا ◌ِجَانِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَتُوسًا ◌ِهَ، قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨) وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَآ أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَ لَا تَجِدُ ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهاه ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ﴾ لما أمر بالفرائض أمر بعدها بالنوافل، ومن للتبعيض، والضمير في به للقرآن والتهجّد السهر وهو ترك الهجود، ومعنى الهجود: النوم فالتفعّل هنا للخروج عن الشيء كالتحرّج والتأثّم: في الخروج عن الإثم والحرج ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ يعني الشفاعة يوم القيامة، وانتصب مقامًا على الظرف ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُذْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية: المدخل: دخوله إلى المدينة والمخرج خروجه من مكة، وقيل المدخل في القبر، والمخرج إلى البعث، واختار ابن عطية أن يكون على العموم في جميع الأمور ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قيل معناه حجة تنصرني بها وتظهر بها صدقي، وقيل قوة ورياسة تنصرني بها على الأعداء وهذا أظهر ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الحق بالإيمان والباطل الكفر ﴿وَتُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ من للتبعيض، أو لبيان الجنس، والمراد بالشفاء أنه يشفي القلوب من الريبة والجهل، ويحتمل أن يريد نفعه من الأمراض بالرقيا به والتعويذ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ﴾ الآية: المراد بالإنسان هنا الجنس، لأن ذلك من سجية الإنسان، وقيل إنما يراد الكافر لأنه هو الذي يعرض عن الله ﴿وَنَأَى بِجَانِهِ﴾ أي بعد وذلك تأكيد وبيان للإعراض، وقرىء ناء وهو بمعنى واحد ﴿كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي مذهبه وطريقته التي تشاكله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ السائلون اليهود، وقيل قريش بإشارة اليهود، والروح هنا عند الجمهور هو الذي في الجسم، وقد يقال فيه النفس وقيل الروح هنا جبريل وقيل القرآن والأول هو الصواب لدلالة ما بعده على ذلك ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِي﴾ أي من الأمور التي استأثر الله بها ولم يطلع عليها خلقه، وكانت اليهود قد قالت لقريش اسألوه عن الروح، فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبيّ وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي وَ لّ وما يعرف الروح، ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس في أقوالهم في ذلك ما يعول عليه ﴿ومَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْم إلاَّ قَلِيلاً﴾ خطاب عامّ لجميع الناس، لأن ٤٩٦ تفسير سورة الإسراء لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨) إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَّ إِنَّ فَضْلَتُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرٌ لَقُل لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ اُلْإِسُ وَآلْجِنُّ عَلَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا! (٨٨ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا (٨٦) وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقَّ تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٥) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنِ تَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَّرَ اُلْأَنْهَرَ خِلَهَا تَفْجِيرًا ( أَوْ تُسْفِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ علمهم قليل بالنظر إلى علم الله وقيل خطاب لَليهود خاصّة والأول أظهر لأن فيه إشارة إلى أنهم لا يصلون إلى العلم بالروح ﴿وَلَئِن شِئْتًا لَتَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن فمحوناه من الصدور والمصاحف وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: ﴿وما أُوتيتم من العلم إلاّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]: أي في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك فلا يبقى عندك شيء من العلم ﴿وَكِيلاً﴾ أي مَن يتوكّل بإعادته وردّه بعد ذهابه ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون استثناءً متصلاً فمعنى أن رحمة ربك تردّ القرآن بعد ذهابه لو ذهب أو استثناءً منقطعًا بمعنى أن رحمة ربك تمسكه عن الذهاب ﴿قُل لَّيِنِ الجُتَّمَعَتِ الإنْسُ وَأَلْجِنِّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلٍ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عجز الخلق عن الإتيان بمثله لَما تضمنه من العلوم الإلهية والبراهين الواضحة والمعاني العجيبة التي لم يمكن النّاس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على الكمال، وقال أكثر الناس إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحُسْن نظمه ووجوه إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجهًا ﴿ظَهِيرًا﴾ أي معينًا ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَا للناس في هذا القرآن من كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي بيّنًا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة، وهذا يدلّ على أن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلاَّ كُفُورًا﴾ الكفور الججود، وانتصبٍ بقوله أبى لأنه في معنى النفي ﴿وَقَالُوا لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ يَنْبُوعًا﴾ الذين قالوا هذا القول هم أشراف قريش طلبوا من النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أنواعًا من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية، وقيل إن الذي قاله عبد الله بن أبي أُميّة بن المغيرة، وكان ابن عمّة النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم، ثم أسلم بعد ذلك والينبوع العين، قالوا له إن مكة قليلة الماء ففجّر لنا فيها عينًا من الماء ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأ نَخْسف بهم الأرضِ أو نُسقِطْ عَلَيهِم كَسِفًا مِنِ السّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وكسفًا بفتح السين جمع كسفة وهي القطعة، وقرىء بالإسكان: أي قطعًا واحدًا ﴿قَبِيلاً﴾ قيل معناه مقابلة ومعاينة وقيل ضامنًا شاهدًا :. ٤٩٧ تفسير سورة الإسراء قَبِيلًا (٦) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْتَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُغَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبًا تَّفْرَؤُّ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٢) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرَّا رَسُولًا (٦ قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَبِنِينَ لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَسُولًا (٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرً (٤) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونٌِّ وَغَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْنَا وَصُمَّا فَأْوَنُهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا جَ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَّا أَعِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ ٩٨ جَدِيدًا ! لَهُمْ أَجَلَّا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَ الظَّالِمُونَ إِلَّ كُفُورًا الْيَ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا بصدقك، والقبالة في اللغة الضمان ﴿بَيْتِ مُن زُخِرُفٍ﴾ أي من ذهب ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجب من اقتراحاتهم، أو تنزيه الله عن قولهم تأتي بالله، وعن أن يطلب منه هذه الأشياء التي طلبها الكفّار، لأن ذلك سوء أدب ﴿هَلْ كُنتُ إلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ أي إنما أنا بشر، فليس في قدرتي شيء مما طلبتم، وأنا رسول فليس عليّ إلاّ التبليغ ﴿إلاَّ أن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً﴾ المعنى أن الذي منع الناس من الإيمان إنكارهم لبعث الرسول من البشر ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلاَئِكَةٌ﴾ الآية: معناها أنه لو كان أهل الأرض ملائكة لكان الرسول إليهم ملكًا، ولكنهم بشر، فالرسول إليهم بشر من جنسهم ومعنى مطمئنين ساكنين في الأرض ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْتَكُمْ﴾ ذكر في الأنعام ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمَّا﴾ قيل هي استعارة بمعنى أنهم يوم القيامة حيارى، وقيل هي حقيقة وأنهم يكونون عميًا وبكمًا وصُمّا حين قيامهم من قبورهم ﴿كُلَّمَا نَخَبَتْ﴾ معناه في اللغة سكن لهبها، والمراد هنا كلما أكلت لحومهم فسكن لهبها بدّلوا أجسادًا أُخَر، ثم صارت ملتهبة أكثر مما كانت ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ استبعاد للحشر وقد تقدّم معنى الرفات والكلام في الاستفهامين ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية احتجاج على الحشر، فإن السَّمَوات والأرض أكبر من الإنسان فكما قدّر الله على خلقها فأولى وأحرى أن يقدر على إعادة جسد الإنسان بعد فنائه، والرؤية في الآية، رؤية قلب ﴿أَجْلاً لا رَيْبَ فِيهِ﴾ القيامة أو أجل الموت ﴿قُلْ لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ لو حرف امتناع ولا يليها الفعل إلا ظاهراً أو مضمرًا فلا بدّ من فعل يقدّر هنا بعدها تقديره تملكون ثم فسّره بتملكون الظاهر، التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م٣٢ ٤٩٨ تفسير سورة الإسراء لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ، وَ كَانَ الْإِنِسَنُ قَتُورًا إِثّ) وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ،َأَيَتِ بَيَِّةٍ فَسْئَلْ بَتِىّ إِسْرَِّ يِلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظْتُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا (١٠) قَالَ لَقَدْ عَلِمْكَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِّ لَأَظْتُكَ يَفِرْعَوْنُ سَشْبُورًا (يَ ◌ََرَادَ أَنْ وأنتم تأكيد للضمير الذي في تملكون المضمر ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي الأموال والأرزاق، ﴿إِذَا لِأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾ أي لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن الإعطاء خشية الفقر، فالمراد بالإنفاق عاقبة الإنفاق وهو الفقر، ومفعول أمسكتم محذوف، وقال الزمخشري لا مفعول له لأن معناه بخلتم من قولهم للبخيل ممسك، ومعثى الآية وصف الإنسان بالشخ وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود والغنى ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾ بينات الخمس منها الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، والأربع انقلاب العصا حيّة،، وإخراج يده بيضاء، وحلّ العقدة من لسانه، وفلق البحر وقد عمد فيها رفع الطور فوقه، وانفجار الماء من الحجر على أن يسقط اثنان من الأخر، وقد عدّ فيها أيضًا السنون، والنقص من الثمرات، رُوِيّ أن بعض اليهودَ سألوا النبي وَلّ عنها فقال: ((ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرَقَوْا" تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ولا تمشي ببريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا تأكلوا الريا ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفرّوا يوم الزحف وعليكم خاصّة اليهود ألاّ تعدّوا في السبت)» ﴿فَاسْأَلَ بَنِي إِسْرَائِيْلَ﴾ أي اسأل المعاصرين لك مِن بنّي إسرائيل عمّا ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينًا، والآية على هذا خطاب لمحمد صل9، وقال الزمخشري إن المعنى قلنا لموسى اسأل بني إسرائيل من فرعون أي اطلب منه أن يرسلِهم معك، فهو كقوله: أن أرسل معنا بني إسرائيل، فلا يردّ قوله اسألٍ لموسى على إضمار القول، وقال أيضًا: يحتمل أن يكون المعنى: اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك، وهذا أيضًا على أن يكون الخطاب لموسى، والأول أظهرٍ ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ الضِمير لبني إسرائيل، والمراد آباؤهم الأقدمون والعامل في إذ على القول الأول آتيناه موسي أو فعل مضمر، والعامل فيه على قول الزمخشري القول المحذوف ﴿مَسْجُورًا﴾ هناوفي الفرقان: أي سحرت واختلط عقلك، وقيل ساحر ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ بفتح التاء خطابٍ لفرعون، والمعنى أنه علم أن الله أنزل الآيات، ولكنه كفر بها عنادًا كقوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم والإشارة بهؤلاء إلى الآيات مثبورًا أي مهلوكًا، وقيل مغلوبًا، وقيل مصروٍ فَل عن الخير، قابل موسى قول فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورًا بقوله: ﴿وَإِنِّي لِأَظُنُكَّ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ أي أرض مصر ﴿اسْكُنُوا الأَرْضَ﴾ يعني ٤٩٩ تفسير سورة الإسراء يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَلُ جَمِيعًا (٨)، وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِي إِسْرَِّيلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ حِثْنَا بِكُمْ لَفِفًا (٢) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَيَ لْحَقِّ نَزَلَّ وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّ مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴿ قُلْ ءَامِنُواْ بِ=َ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنََّْهُ نَزِيلًا ! وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا ١٠٧ اٌلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا لَمَفْعُولًا (١٠) وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خَشُوعًا﴾ (٢) قَلِ آدْعُواْ اللّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَبيَّاًمَّا أرض الشام ﴿لَفِيفًا﴾ أي جميعًا مختلطين ﴿وَبِالْحَقُّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقْ نَزَلَ﴾ الضمير للقرآن وبالحق معناه في الموضعين بالواجب من المصلحة والسّداد وقيل معنى الأول كذلك: ومعنى الثاني ضدّ الباطل. أي بالحق في إخباره وأوامره ونواهيه ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْتَاهُ﴾ انتصب بفعل مضمر يدلّ عليه فرقناه، ومعناه بيّاه وأوضحناه ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ قيل معناه على تمهل وترتيل في قراءته، وقيل على طول مدة نزوله شيئًا شيئًا من حين بعث النبي و 18 إنى وفاته، وذلك عشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا﴾ أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول سواء آمنتم أو لم تؤمنوا لكونكم لستم بحجة، وإنما الحجة أهل العلم من قبله، وهم المؤمنون من أهل الكتاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ يعني المؤمنين من أهل الكتاب وقيل الذين كانوا على الحنيفية قبل البعثة: كزيد بن عمرو بن نوفل، وورقة بن نوفل، والأول أظهر، وهذه الجملة تعليل لما تقدّم، والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم، فقد آمن به مَن هو أعلم منكم ﴿ويَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ﴾ أي لناحية الأذقان كقولهم خرّ لليدين وللفم، والأذقان جمع ذقن، وهو أسفل الوجه حيث اللحية، وإنما كرّر يخرّون للأذقان، لأن الأول للسجود، والآخر للبكاء ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ سببها أن الكفّار سمعوا النبي ◌َّهو يدعو يا الله يا رحمن، فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله واحد وها هو يدعو إلهين، فنزلت الآية مبيّنة أن قوله الله أو الرحمن اسمًا لمسمى واحد، وأنه مخيّر في الدعاء بأيّ الاسمين شاء، والدعاء في الآية بمعنى التسمية كقولك دعوت ولدي زيدًا لا بمعنى النداء ﴿أيًّا مَّا تَدْعُوا فله الأسماء الحسنى﴾ أيًّا اسم شرط منصوب بتدعوا، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، وما زائدة للتأكيد والضمير في به الله تعالى، وهو المسمى لا الاسم، والمعنى أيّ هذين الاسمين تدعو فحسن، لأن الله له الأسماء الحسنى فموضع قوله الله الأسماء الحسنى موضع الحال، وهو في المعنى تعليل للجواب، لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة ٥٠٠ تفسير سورة الإسراء تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنِى وَلَا تَّمْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (﴿يَ، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَدًا وَ يَكُن لَهُ شَرِكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِهُ تَكْبِيرًا (َ هي الإسرار، وسبب الآية أن رسول الله وَله جهر بالقرآن في الصلاة فسمعه المشركون، فسبّوا القرآن ومَن أنزله، فأمر رسول الله وَله بالتوسط بين الإسرار والجهر ليسمع أصحابه الذين يصلّون معه ولا يسمع المشركون، وقيل المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، واجعل منها سرًّا وجهرًا حسبما أحكمته السُّنّة، وقيل الصلاة هنا الدعاء ﴿وَلَم يَكُن لَّهُ وَلِيٍّ مِّن الذُّلِ﴾ أي ليس له ناصر يمنعه من الذلّ لأنه تعالى عزيز لا يفتقر إلى وليّ يحميه، فنفى الولاية على هذا المعنى لأنه غنيّ عنها، ولم ينفِ الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء من عباده، وحكى الطبري أن قوله لم يتّخذ ولدًا ردّ على النصارى واليهود والذين نسبوا لله ولدًا، وقوله ولم يكن له شريك: ردّ على المشركين، وقوله ولم يكن له وليّ من الذلّ ردّ على الصابئين في قولهم لولا أولياء الله لذلّ الله («تعالى الله عن قولهم)) علوًّا كبيرًا ﴿وَكَبِّرْهُ﴾ معطوف على قل، ويحتمل هذا التكبير أن يكون بالقلب وهو التعظيم، أو باللسان وهو قوله أن يقول الله أكبر مع قوله الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا الآية. ٩ م 1 -. +.