Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تفسير سورة يوسف
فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًاٌ وَهُوَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ (٤) وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ
قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا نَبْغِيّ هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنًا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيٍّ
ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٤٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنِّى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ
بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ (١٦) وَقَالَ يَبَنِىَّلَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ
مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِن شَىٍِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ
فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٢٦) وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ (١٨) وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّ أَنَا أَخُوَكَ فَلاَ تَبْتَيِسُ بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُّ أَيَّتُهَا
﴿نَكْتَلْ﴾ وزنه نفتعل من الكيل ﴿مَا نَبْغِي﴾ ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي
شيء نطلبه بعد هذه الكرامة وهي ردّ البضاعة مع الطعام، ويحتمل أن تكون ما نافية ونبغي
من البغي: أي لا نتعدّى على أخينا ولا نكذب على الملك ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نسوق لهم
الطعام ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطي إلاّ كيل بعير من
الطعام لإنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي والبعير
الجمل ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى
يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي
قليل عنده أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾ أراد أن يحلفوا له
ولتأتنني به جواب اليمين ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلاّ أن تغلبوا فلا تطيقون الإتيان به ﴿يَا
بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل
جمال وهيبة ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ جواب لمّا والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله ﴿إلاَّ
حَاجَةً﴾ استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي
ضمّه ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوَ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك ﴿فَلاَ تَبْتَئِس﴾ أي لا تحزن فهو
من البؤس ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف وأخيه،
ويحتمل أن يكون الفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيّلي في أخذك ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي
رَخْلِ أَخِيهِ﴾ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من
فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رَخل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع

٤٢٢
تفسير سورة يوسف
اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِفُونَ (٢٠) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (بَ قَالُوْ تُفْقِدُ هُوَاعَ الْمَلِ
وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٨) قَالُواْنَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِثْهَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ
وَمَا كُنَا سَرِقِينَ ﴿ قَالُواْ فَمَا جَزَُّؤُهُ، إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ (١٨) قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَن ◌ُجِدَ فِى رَحْلِهِ،
ج
فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّينَ الْ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن
وِعَآءِ أَخِيَّهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِىِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ تَرْفَعُ
يعقوب أن مَن سرق استعبده المسروق له ﴿ثُمَّ أَذِّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي نادى مُنَادٍ ﴿أَيَّتُهَا العِيرُ﴾ أي
أيّتها الرفقة ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ خطاب لإخوة يوسف، وإنما استحلّ أن يرميهم بالسرقة لما
في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير
أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي لمَن جبره وردّه حمل
بعير من طعام على وجه الجعل ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي ضامن لحمل البعير لمَن ردّ الصواع،
وهذا من كلام المنادى ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ أي استشهدوا
بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه
إبلهم لئلا تنال زروع الناس ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي قال فتیان یوسفی ما
جزاء آخذ الصّواع إن كنتم كاذبين في قولكم وما كنّا سارقين، فالضمير في قوله جزاؤه يعود
على الأخذ المفهوم من الكلام ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ المعنى أن
إخوة يوسف أفتوا فيما سُئِلوا عنه فقالوا جزاء السارق أن يُستعبَد، ويؤخذ في السرقة، وأما
الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأول مبتدأ ومن مبتدأ ثانٍ وهي شرطية
أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: أن يكون من
خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزائه أخذ مَن وجد في رحله وتمّ الكلام.
ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ من كلام إخوة يوسف
أي هذا حكمنا في السرّاق، وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم مسلخ بقطع الأيدي
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَّتِهِمْ﴾ هذا تمكين للحيلة ورفع للتّهمة ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ لنصح له
بذلك إمساكه معه، وإنما أنّث الصواع في هذا الموضع لأنه سقاية، أو لأن الصواع يُذّر
ويُؤنّثِ ﴿كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي صنعنا له هذا الصنع ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ في ◌ِيِ
الْمَلِكِ﴾ أي في شرعه أو عادته، لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يُضرَّب ويُضَاعَفِ إعليه
الغرم، ولكن حكم في هذه القضية آل يعقوب ﴿فَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّنْ نَّشَاءُ﴾ يعني الرفعة بالعلم

٤٢٣
تفسير سورة يوسف
* قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخْ لَّهُ
دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ
مِن قَبْلٌ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمَ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَصِفُونَ (٣) قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ : أَبَا شَيْخًا كَبِيْرًا فَخُذْ أَ حَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ
اَلْمُحْسِنِينَ (٣٨) قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّاَ إِذَا لَّظَالِمُونَ ل
٧٩
فَلَمَّا أُسْتَيْئَسُواْ بِمِنْهُ خَلَصُوْ نِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ
مَّوْثِقًا مِّنَ اَللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِىّ أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِيِّ
بدليل ما بعده ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل عالم مَن هو أعلم منه من البشر، أو
الله عزّ وجلّ ﴿قَالُوا إن يَسْرِقْ فَقَذَّ سَرَقَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ الضمير في قالوا لإخوة يوسف،
وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل،
فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لامنا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا
بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول أن
عمّته ربّته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبّه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة
لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها إلى أن ماتت، والثاني أنه أخذ صنمًا
لجدّه والد أُمه فكسره، والثالث أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين ﴿فَأْسَرَّهَا
يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال الزمخشري الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله أنتم شرّ مكانًا،
والمعنى قال في قوله أنتم شرّ مكانًا وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه
من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسرّ كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شرّ مكانًا أي
لسوء أفعالكم ﴿واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة ﴿إِنَّ لَهُ
أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ استعطافًا وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ على
وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله معاذ الله أن نأخذ إلاّ مَن
وجدنا متاعنا عنده ﴿مِنَ المُخْسِنِينَ﴾ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على
الإطلاق و﴿اسْتَيْئَسُوا﴾ أي يئسوا ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم
بعضًا، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدرًا ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قيل كبيرهم في السنّ وهو
روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي وهو شمعون، وقيل يهوذا ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾
تحتمل ﴿مَا﴾ وجوهًا: الأول أن تكون زائدة، والثاني أن تكون مصدرية ومحلها الرفع
بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث أن تكون موصولة ومحلها أيضًا

٤٢٤
تفسير سورة يوسف
أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَأَبَانَآَ إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدِنَا إِلَّ يِمَا
وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ لـ
٨٠
عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ ﴿ وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْغِيرَ الَّتِى أَقْلْنَا فِيهَّا وَإِنَّا
لَصَدِ قُونَ ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَميلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ
جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ وَقَالَ بَّأَ سَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَنْيَضَتْ عَيْنَاهُ
قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَّضَّا أَوْ
مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ لَِّـ
الرفع كذلك، والأول أظهر ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ یرید الموضع الذي وقعت فيه القصة
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ من قول كبيرهم، وقيل من قول يوسف وهو بعيد ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾
قرأ الجمهور بفتح الراء والسین، ورُويّ عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد
الراء أي نسبت له السرقة ﴿وَمَا شَهِذْنَا إلَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي قولنا لك إن ابنك: إنما
هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبٍ حَافِظِينَ﴾ أي لا نعلم الغيبِ هِل
ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدسّ الصّواع في رحله من غير علمه وقال
الزمخشري المعنى ما شهدنا إلاّ بما علمنا من سرقته وتيقّناه، لأن الصواع استخرج من
وعائه، وما كنّا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق
بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ تقديره
واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل المراد
سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر
على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا
إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سوّلت الآية ﴿بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وأخاه
بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ لما لم يصدقهم،
أعرض عنهم ورجع إلى التأسّف ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ تأسف على يوسفٍ دون
أخيه الثاني والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشدّ لإفراط محبته ولأن مصيبته كانت
السابقة ﴿وابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عمي،
وقيل إنه كان يدرك إدراكًا ضعيفًا، ورُوِيَ عن النبي ◌َّ ر أن يعقوب حزن حزن سبعين تكلی
وأُعْطِيَ أَجْر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قطّ ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قيل إنه فعيل بمعنى فاعل أي
كاظم لحزنه لا يُظهِره لأحد، ولا يشكو إلاّ لله وقيل بمعنى مفعول كقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ
مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: الشديد الحزن
﴿بَاللَّهِ تَفْتَؤًا﴾ أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات:
م

٤٢٥
تفسير سورة يوسف
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِىِّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
٨٥
تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ
ا يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْتِثَسُواْ مِن رَّوْجِاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيْئَسُ
تَعْلَمُونَ الأ
﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الْفُّرُّ وَجِثْنَا
AV
مِن رَّوْجِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ
قَالَ هَلْ
٨٨
بِضَعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِنَ
قَالُواْ أَعِنَّكَ لَأَنَتَ يُوسُفٌُ قَالَ أَنَأْ
٨٩
عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَِهِلُونَ
لأنه لو كان إثباتًا لكان مؤكدًا باللام والنون ﴿حَرَضًا﴾ أي مشرفًا على الهلاك ﴿قَالَ إِنَّمَا
أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ رد عليهم في تفنيدهم له: أي إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا
إلى غيركم، والبثّ: أشدّ الحزن ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من لطفه ورأفته
ورحمته ما يوجب حُسْن ظنّي به وقوة رجائي فيه .
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ﴿فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ
وأَخِيهِ﴾ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواسّ السمع والبصر، وإنما لم
يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختيارًا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحبّ إليه ﴿وَلاَ
تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ أي من رحمة الله ﴿إِنَّهُ لاَ يَنْأَسُ من رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرِونَ﴾ إنما
جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلاً بصفات الله من قدرته
وفضله ورحمته ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي على يوسف وقيل هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى
مصر ﴿الضُّرُّ﴾ يريدون به المجاعة أو الهمّ على إخوتهم ﴿بِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ يعنون الدراهم
التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل الرديئة، وقيل الناقصة، وقيل إن
بضاعتهم كانت عروضًا فلذلك قالوا هذا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ قيل يعنون بما بين الدراهم
الجياد ودراهمهم، وقيل أوفِ لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسمّوا الزيادة
صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد رَّ وقيل تصدّق علينا بردّ
أخينا إلينا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ قال النقّاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا
يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا إن الله
يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظًا يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا
فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ لما شكوا إليه رقّ لهم وعرّفهم بنفسه، وَرُوِيَ أنه كان يكلمهم وعلى
وجهه لِئام، ثم أزال اللّئام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما في
الصغر، ومضرّتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلّونه ويشتمونه ﴿إذا أَنْتُم

٤٢٦
تفسير سورة يوسف
يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَرَ اللَّهُ عَلَيْنَاً: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَ اَللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ( قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّ لَخَطِينَ ﴾ قَالَ لَا
تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْخَمُ الرَّحِمِينَ (٢٦) أَذْهَنُواْ بِقَمِيضِى هَذَا
فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى بَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ () وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ
◌َ قَالُواْ ثَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلََِّ
قَالَـ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ (٤)
فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ
القَدِيمِ
٩٥
قَالُواْ يَكَبَنَا أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِهِينَ (ِهَا قَالَ سَوْفَ
مِنَ اُللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
جَاهِلُونَ﴾ اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل بقبح ما فعلوه أو جهل الشباب ﴿قَالُوا
أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرىء بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على
أنهم توهّموا أنه هو ولم يحقّقوه ﴿مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قيل إنه أراد مَن يتَّقِ في ترك المعصية،
ويصبر على السجن، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿أَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي فضّلك ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ أي
عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف ﴿لَّ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ﴾ عفو جميل، والتثريب
التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب أو
بالمقدّر في عليكم من معنى الاستقرار؛ وقيل إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكّم على
الله؛ وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله
أن يغفر لهم حقه ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ رُوِيَ أن هذا القميص كان لإبراهیم کساه الله له حين
أُخرِجَ من النار، وكان من ثياب الجنّة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعة يعقوب
ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به، والظاهر أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص
كل أحد ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الظاهر أنه علم ذلك بوحي من الله ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أي خرجت من
مصر متوجّهة إلى يعقوب ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِبحَ يُوسُفَ﴾ کان یعقوب ببیت المقدس
ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة ﴿لَوْلاَ أَنْ تُفَتِّدُونِ﴾ أي تلومونني أو ترقون عليّ
قولي، وقيل معناه تقولون ذهب عقلك لأن الفند هو الخرف ﴿في ضَلاَلِكَ القَدِيمِ﴾ أي
ذهابك عن الصواب بإفراط محبتك في يوسف قديمًا ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَصِيرُ﴾ رُوِيَ أنَ البَشِير
يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص القرحة قدعوني
أذهب إليه بقميص الفرحة ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرٌ لَكُمْ رَبِّي﴾ وعدهم بالاستغفار لهم، فقيل

٤٢٧
تفسير سورة يوسف
وَرَفَعَ أَبَوَّيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ
٩٩
وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ هَامِنِينَ
يَكَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السّجْنِ وَجَآءَ
بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِيَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ
رَبِّ قَدْ ءَاتِِّتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ
اٌلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَإِ، فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ (٤) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
اٌلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْأَ جْمَعُوْ أَقْرَهُمْ وَهُمْ يَكُرُونَ () وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ
سوّفهم إلى السحر لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل إلى ليلة الجمعة ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى
يُوسُفَ﴾ هنا محذوفات يدلّ عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف
﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي ضمّهما، وأراد بالأبوين أباه وأُمّه، وقيل أباه وخالته لأن أمه كانت قد
ماتت، وسمّى الخالة على هذا أُمَّا ﴿إن شَاءَ اللَّهُ﴾ راجع إلى الأمن الذي في قوله آمنين
﴿َرَفَعَ أَبُوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي على سرير الملك ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كان السجود عندهم
تحية وكرامة لا عبادة ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ يعني حين رأى أحد عشر
كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عامًا، وقيل
أربعون ﴿أَخْسَنَ بِيَ﴾ يقال أحسن إليه وبه ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السّجْنِ﴾ إنما لم يقل أخرجني من
الجبّ لوجهين: أحدهما أن في ذكر الجبّ خزي لإخوته وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره
توقيرًا لهم والآخر أنه خرج من الجبّ إلى الرقّ، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ أي من البادية وكانوا أصحاب إبل وغنم فعدّ من النِّعَم مجيئهم
للحاضرة ﴿نَّزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ أي أفسد وأغوى ﴿لَطِيفٌ لْمَا يَشَاءُ﴾ أي لطيف التدبير لما يشاء
من الأمور ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ من للتبعيض، لأنه لم يعطه إلاّ بعض ملك الدنيا بل بعض ملك
مصر ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لمّا عدّد النِّعَم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء ربّه ولقاء
الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت وقيل ليس ذلك دعاء بالموت، وإنما دعا أن الله
يتم عليه النّعَم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجَلَه ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ﴾ احتجاج على
صحّة نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بإخباره بالغيوب ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ الخطاب
للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تأكيدًا لحجّته والضمير لإخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا﴾ أي
عزموا ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ يعني فعلهم بيوسف ﴿وَمَا أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ عموم لأن الكفّار أكثر من
المؤمنين وقيل أراد أهل مكة ﴿وَلَوْ حَرَضْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ اعتراض أي لا يؤمنون ولو حرصت

٤٢٨
تفسير سورة يوسف
خَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٢) وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ لِيْمَ وَكَأَيِّنِ مِنْ
ءَايَةٍ فِ السَّمَوَاتِ وَأَلْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَاوَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ () وَمَا يُؤْ مِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ
أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَةٌ مِنْ عَذَابٍ اللَّهِ أَ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا
وَهُم ◌ُشْرِكُنَ
◌ْ قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُوّاْ إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَ مَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَنَّ اللّهِ وَمَآ أَتَأْ مِنَ
يَشْعُرُونَ [®
الْمُشْرِكِينَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ
ج
فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ
حَتََّ إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُسِجِىَ مَن
أَفَلَا تَعْقِلُونَ:
تَّشَاءُ وَلَا يُرَّدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴿ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبُ مَا كَانَ
على إيمانهم ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي لست تسألهم أجْرًا على الإيمان فيثقل خليهم
بسبب ذلك وهكذا معناه حيث وقع ﴿وَكَأَيْنَ مِّنْ آيَةٍ﴾ يعني المخلوقات والحوادث الدالّة
على الله سبحانه ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ نزلت في كفّار العرب الَّذِينُ
يقرّون بالله ويعبدون معه غيره، وقيل في أهل الكتاب لقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله
﴿خَاشِيَةٌ﴾ هي ما يغشى ويعمّ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إشارة إلى شريعة الإسلام ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي أدعو الناس إلى عبادة الله وأنا على بصيرة من أمري وحجّة واضحة ﴿أَنَا
وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أنا تأكيد للضمير في أدعو، ومَن اتّبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع
الحال وقيل أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا
ضعيف ﴿وسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تقديره وأقول سبحان الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاّ رِجَالاً﴾ ردّ
على من أنكر أن يكون النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولاً من النساء
﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من أهل المدن لا من أهل البوادي، فإن الله لم يبعث رسولاً ؛ من أهل
البادية لجفائهم ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرَّسُلُ﴾ متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا من قبلك إلاّ
رجالاً إلى قوله عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن يكون من إيمان قومهم أو من
النصر، والأول أحسن ﴿وَفَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرىء بتشديد الذال وتخفيفها، فأما التشديد
فالضمير في ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين: أي
علم الرسل أن قومهم قد كذّبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه للقوم
المرسل إليهم أي ظنوا أن الرُّسُل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم
﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ الضمير للرسل على الإطلاق أو ليوسف وإخوته ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُقْتَرَى﴾

٤٢٩
تفسير سورة يوسف
حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً
لِّقَوَّمِ يُؤْمِنُونَ
يعني القرآن ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تقدّم معناه في البقرة.

سورة الرعد
مدنيّة وآياتها ٤٣ نزلت بعد سورة محمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرّ
الْمَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِّ وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٤) اَللَّهُ الَّذِى
رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَّ كُلّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّىَّ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي آيات هذه السورة ويحتمل أن يريد آيات الكتب على
الإطلاق ويحتمل أن يريد القرآن على الإطلاق وهذا بعيد لتكرار القرآن بعد ذلك ﴿وَالَّذِي
أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن وإعرابه مبتدأ وخبره الحق ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أي بغير شيء تقف عليه
إلاّ قدرة الله ﴿تَرَوْنَهَا﴾ قيل الضمير للسموات وترونها على هذا في موضع الحال أو استئنافًا
وقيل الضمير للعمد أي ليس لها عمد مرئية فيقتضي المفهوم من أن لها عمدًا لا ترى وقيل
إن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا، وقال الجمهور لا عمد لها البتّة فالمراد نفي العمد
ونفي رؤيتها ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب وقوع الأمر، فإن
العرش كان قبل خلق السموات، وتقدّم الكلام على الاستواء في الأعراف ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾
يعني أمر الملكوت ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ يعني آيات كتبه ﴿مَدَّ الأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا
مكوّرة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمدّ مع التكوير لأن كل قطعة من
!

٤٣١
تفسير سورة الرعد
يُدَبِّرُ أَلْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ (٤) وَهُوَ الَّذِى مَذَ اُلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ
وَأَنْهَرًّا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فَِهَا زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ يُغْشِى أَلَيْلَ اَلنَّهَارَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ (جـ) وَفِىِ الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَوِرَتُ وَجَنٌَّ مِّنْ أَعْنٍَ وَزَرْعُ وَخِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَاٍ
يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ
﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَهِذَا كُنَّاتُرَبًا أَنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
يَعْقِلُونَ
الأرض ممدودة على حدّتها، وإنما التكوير لجملة الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال الثابتة
﴿َزَوْجَيْنِ اثْتَيْنٍ﴾ يعني صنفين من الثمر: كالأسود والأبيض، والحلو والحامض، فإن قيل:
تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصناف
كثيرة، والجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين،
لأن دلالة غيرهما من باب أولى، وقيل إن الكلام تمّ في قوله من كل الثمرات ثم ابتدأ بقوله
جعل فيها زوجين يعني الذَّكَر والأنثى والأول أحسن ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي يلبسه إياه
فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيه ﴿قِطَعْ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ يعني قطع متلاصقة ومع تلاصقها، فإن
أرضها تتنوّع إلى طيب ورديء وصلب ورخو، وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الصانع
المختار المريد القادر ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان هي النخلات الكثيرة ويكون أصلها
واحد وغير الصنوان المفترق فردًا فردًا، وواحد الصنوان صنو ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَصِّلُ
بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأَكُلِ﴾ حجة وبرهان على أنه تعالى قدير ومريد لأن اختلاف مذاقها
وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء الذي تُسقى به: دليل على القدرة والإرادة، وفي ذلك ردّ
على القائلين بالطبيعة ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي إن تعجب يا محمد فإن إنكارهم
للبعث حقيق أن يتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السموات والأرض
والثمار قادر على إنشاء الخلق بعد موتهم ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو قول
الكفّار المنكرين للبعث، واختلف القرّاء في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي فيها
استفهامان، وهي أحد عشر موضعًا، أولها هذا، وفي الإسراء موضعان، وفي المؤمنين
موضع، وفي النمل موضع، وفي العنكبوت موضع، وفي الم السجدة، وفي الصّافّات
موضعان، وفي الواقعة موضع، وفي النازعات موضع، فمنهم مَن قرأ بالاستفهام في الأول
والثاني ومنهم مَن قرأ بالاستفهام في الأول فقط وهو نافع ومنهم مَن قرأ بالاستفهام في
الثاني فقط، وأصل الاستفهام في المعنى، وإنما هو عن الثاني في مثل هذا الموضع، فإن
همزة الاستفهام معناها الإنكار، وإنما أنكروا أن يكونوا خلقًا جديدًا ولم ينكروا أن يكونوا
١

٤٣٢
تفسير سورة الزعد
:
كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَلُ فِيَّ أَعْنَاقِهِمٌ وَأَوْلَكَ أَضْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُّ وَ إِنَّ رَبِّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ.
لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَإِنَّ رَبِّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَآ أُنزِلٌ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّنْ
زَّيِِّّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ فَوْمٍ هَادٍ (٢) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَا
تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (٠) عَلِمُ الْغَيْنِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِرُ اَلْمُتَعَالِ (٥) سَوَاءٌ
ترابًا، فمَن قرأ بالاستفهام في الثاني فقط فهو على الأصل ومَن قرأ بالاستفهام في الأول،
فالقصد بالاستفهام الثاني، ومَن قرأ بالاستفهام فيهما فذلك للتأكيد ﴿وَأُوْلَئِكَ الأَغْلَالُ فَي
أَعْتَاقِهِمْ﴾ يحتمل أن يريد الأغلال في الآخرة فيكون حقيقة أو يريد أنهم ممنوعون من
الإيمان كقولك إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً، فيكون مجازًا يجري مجرى الطبع والختم على
القلوب ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيْئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي بالنقمة قبل العافية، والمعنى أنهم طلبوا
العذاب على وجه الاستخفاف ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثْلاَتُ﴾ جمع مثلة على وزن تمّرة
وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مثلاً، والمعنى كيف يطلبون العذاب وقد أصابت
العقوبات الأمم الذين كانوا قبلهم أفلا يخافون مثل ذلك ﴿وَإِنَّ رَبُّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لَّلنَّاسِ عَلَى
ظُلْمِهِم﴾ يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفّار والعصاة، وقيل يريد مغفرته لمَن تاب، والأول
أظهر هنا ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: اقترحوا نزول آية على النبي صلَّى الله عليه وآله
وسلّم من نزول مَلَّك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام
التي جاء بها، وذلك منهم معاندة ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ أي إنما عليك إنذارهم، وليس عليك
أن تأتيهم بآية إنما ذلك إلى الله ﴿وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن يراد بالهادي الله
تعالى، فالمعنى إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمَن يشاء إذا شاء، والوجه الثاني أن يريد
بالهادي النبي ◌َّر، فالمعنى إنما أنت نبيّ منذرٍ، ولكل قوم هادٍ من الأنبياء ينذرهم فليس
أمرك ببدع ولا مستنكر. الثالث رُوِيَ أنها لمّا نزلت قال رسول الله وَلقال: ((أنا المنذر وأنت يا
عليّ الهادي)).
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ كقوله يعلم ما في الأرحام، وهي من الخمس التي لا
يعلمها إلاّ الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو أنثى أو تامّ أو خذاج أو حسن أو قبيح، أو غير
ذلك ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ معنی تغیض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، وقيل
إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل للولد فالغيض السّقط، أو الولادة لأقل من

٤٣٣
تفسير سورة الرعد
◌ِنْكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمٌّ وَإِذَآ
أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم ◌ِن دُونِ مِن وَالٍ (١) هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا
وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ () وَيُسَبِّعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ
تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل أن تكون ما في قوله ما تحمل
وما تغيض وما تزداد: موصولة أو مصدرية ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ﴾ المعنى
إن الله يسمع كل شيء فالجهر والإسرار عنده سواء وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من
أدوات البيان، فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضًا مطابقة ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ
بُالنَّهَارِ﴾ المعنى سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء مع السارب بالنهار
وهو في غاية الظهور ومعنى السارب المتصرّف في سربه بالفتح: أي في طريقه ووجهه،
والسارب والمستخفي اثنان قصد التسوية بينهما في اطّلاع الله عليهما مع تباين حالهما،
وقيل إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف واحد يستخفي بالليل ويظهر
بالنهار، ويعضد هذا كونه قال وسارب، فعطفه عطف الصفات ولم يقل ومَن هو سارب
بتكرار من كما قال، مَن أسرّ القول ومَن جهر به، إلاّ أن جعلهما اثنين أرجح ليقابل من
أسرّ القول ومَن جهر به، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله وسارب عطف
على الجملة وهو قوله ومن هو مستخفٍ لا على مستخفٍ وحده ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ المعقّبات
هنا جماعة الملائكة، وسمّيت معقّبات لأن بعضهم يعقب بعضًا، والضمير في له يعود على
من المتقدّمة، كأنه قال لمَن أسرّ ومَن جهر، ولمَن استخفى ومَن ظهر له معقّبات، وقيل
يعود على الله وهو قول ضعيف لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق ﴿يَخْفَظُونَهُ﴾
صفة للمعقّبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به حفظ أعماله أو حفظه وحراسته من الآفات
﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ صفة للمعقّبات أي معقّبات من أجل أمر الله أي أمرهم بحفظه، وقرىء بأمر
الله، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلق من أمر الله على هذا ليحفظونه، وقيل يتعلق به
على أنهم يحفظونه من عقوبة الله إذا أذنب بدعائهم له واستغفارهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْم﴾ من العافية والنّعَم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بالمعاصي فيقتضي ذلك أن الله لا
يسلّب النِّعَم ولا يترك النقم إلاّ بالذنوب ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الخوف يكون مع
البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه ﴿السَّحَابَ الثَّقَالَ﴾
وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّغْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الرعد اسم ملك وصوته المسموع
التسهیل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ٢٨
١

٤٣٤
تفسير سورة الرعد
اُلصّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ أَ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَاءِ لِبَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِكِْ وَمَا دُعَاءُ
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِ
اَلْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ
وَاْأَصَالِ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْ تُم ◌ِنِ دُونِ أَوْلِيَّاءِ لَ يَعْلِكُونَ لِأَضِهِمْ نَفْعًا
وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ
٠٠٠
تسبيح، وقد جاء في الأثر أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون: تسبيحه غير ذلك
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ قيل إنه إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أربد الكافر وقتلته حين همّ
بقتل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو وأخوه عامر بن الطفيل واللفظ، أعم من ذلك ﴿وَهُمّ
يُجَادِلُونَ فِي اللهِ﴾ يعني الكفّار، والواو للاستئناف أو للحال ﴿شَدِیدُ السُحَالِ﴾ أي شدید
القوّة، والمُحال مشتق من الحيلة، فالمیم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل معناه شفید المكر من
قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه فعال وتأويل المكر على
هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في القرآن ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قيل هي لا إله إلاّ
الله، والمعنى أن دعوة العباد بالحق لله ودعوتهم بالباطل لغيره ﴿وَالَّذِیھُیَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ
يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيءٍ﴾ يعني بالذين: ما عبدوا من دون الله من الأصنام وغيرها، والضمير
في يدعون للكفّار، والمعنى أن المعبودين لا يستجيبون لمَن عبدهم ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى
الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ شبه إجابة الأصنام لمَن عبدهم بإجابة بالماء لمّن بسط إليه
كفّيه وأشار إليه بالإقبال إلى فِيه ولا يبلغ فمه على هذا أبدًا لأن الماء جماد لا يُعقل المراد،
فكذلك الأصنام، والضمير في قوله وما هو للماء، وفي ببالغه للفم ﴿وَلِلْهِ يَسْجُدُ مَن فِي
السَّمَوات والأَرْضِ طَوْعًا وَكَزْهَا﴾ مَن لا تقع إلاّ على مَن يعقل فهي هنا يراد بها الملائكة
والإنس والجنّ فإذا جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه فهو عامّ في الجميع: مَن
شاء منهم ومن أبى، ويكون طوعًا لِمَن أسلم وكرهًا لمَن كره وسخط، وإن جعلنا السجود
هو المعروف بالجسد، فيكون لسجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجنّ طوعًا، وأمنا
الكره فهو سجود المنافق وسجود ظلّ الكافر ﴿وَظِلاَلُهُم﴾ معطوف على من والمعنى أن
الظلال تسجد غدوة وعشية وسجودها انقيادها للتصرّف بمشيئة الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ
اللَّهُ﴾ جواب عن السؤال المتقدّم، وهو من ربّ السموات والأرض، وإنما جاء الجواب
والسؤال من جهة واحدة، لأنه أمر واضح لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ولذلك أقام به
الحجة على المشركين بقوله: ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ﴾ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِيِ الأَعْمَىِ وَالبَصِيرُ﴾.

٤٣٥
تفسير سورة الرعد
كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَاحِدُ اَلْقَهَرُ (١) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ
ج
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًّاً وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَّةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ, كَذَلِكَ
يَضْرِبُّ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُّ جُفَاَهُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِىِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اَللَّهُ الْأَمْثَالَ (٨٦) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوْ لَهُ لَوْأَنَّ لَهُم مَّا فِى الْأَرْضِ
الأعمى تمثيل للكافر والبصير تمثيل للمؤمن ﴿الظُّلُمَات﴾ الكفر ﴿وَالنُّورُ﴾ الإيمان، وذلك
كله على وجه التشبيه والتمثيل ﴿أَم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِم﴾ أم
هنا بمعنى بل والهمزة، وخلقوا صفة لشركاء، والمعنى أن الله وقفهم هل خلق شركاؤهم
خلقًا كخلق الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهًا غير الله، ثم أبطل
ذلك بقوله: ﴿قُلِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فحصل الردّ عليهم ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَّةٌ
بِقَدَرِهَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثّل الحق وأهله بالماء
الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وينتفع به أهل الأرض، وبالذهب والفضة والحديد
والصفر وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس، وشبّه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله
بالزبد الذي يرى به السيل ويريد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أُذيبت، وليس في الزبد
منفعة، وليس له دوام ﴿بِقَدَرِهَا﴾ يحتمل أن يريد ما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد
بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها ﴿رَبَدًا رَّابِيًا﴾ الزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه
والرابي المنتفخ الذي ربي ومنه الربوة ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ المجرور في موضع خبر المقدّم،
والمبتدأ زيد مثله: أي ينشأ من الأشياء التي يوقد عليها زبد مثل زبد السيل ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ
مَتَاعٍ﴾ الذي يوقد عليه ابتغاء الحليّ: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو
الحديد والرصاص والنحاس والصفر وشبّه ذلك، والمتاع ما يستمتع الناس به في مرافقهم
وحوائجهم ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي يضرب أمثال الحق والباطل ﴿جُفَاءَ﴾ يجفاه
السيل أي يرمي به ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ يريد الخالص من الماء ومن
تلك الأحجار ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنَى﴾ الذين استجابوا هم المؤمنون، وهذا
استئناف كلام، والحسنى الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها للذين استجابوا، وللذين استجابوا
مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل
للذين استجابوا يتعلق بيضرب، والحسنى مصدر من معنى استجابوا: أي استجابوا
الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب
الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على والذين لم يستجيبوا له ﴿سُوءُ الحِسَابِ﴾

٤٣٦
تفسير سورة الرعد
جَمِيعًا وَمِثْلَمُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ، أُوْلَكَ لَهُمْ سُوَهُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَّمُ وَيِْسَ الِهَادُ لِهَ﴾ُ أَفَمَنْ
﴿رَ الَّذِنَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَعْلَمُ أَنَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْمُ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِنَّا يَنَذَّكَُّ أُوْلُوا الْأَلُْبِ !
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْرَا رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ
يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ
المِسَابِ
﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَلّهَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ سِرَّ وَقَلَائِيَةٌ
٢١
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَنَةِ السَِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ !
جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَامَآَبِهِمْ
٢٢
سَلَمّ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ
٢٣
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَِّمْ وَاَلْعَلَّكُةُ يَدْخُلُونَ نَِهِم مِّنِ كُلِّ بَاٍ
الدَّارِ ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى
اٌلْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ (١٢) اَللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِأَقْيَوَةِ الدُّنْيَا
:i
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّةٍ، قُلْ إِنَّ
٢٦
وَمَا الْخَيَّوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتٌَ
أي المناقشة والاستقصاء ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾ تقرير. والمعنى أسواء مَن آمن ومَن لم يؤمن،
والأعمى هنا مَن لم يؤمن بالنبي ◌ّه وقيل إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله
عنه، وأبي جهل لعنه الله ﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ القرابات وغيرها ﴿وَيَدْرَءُونَ
بِالحَسَنَةِ السَّيْئَةَ﴾ قيل يدفعون الشرك بقول لا إله إلاّ الله، وقيل يدفعون: مَن أساء إليهم بالتي
هي أحسن، والأظهر يفعلون الحسنات يدرؤون بها السيئات كقوله إن الحسنات يُذهبن
السيئات، وقيل إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامّة في كل مؤمن اتّصف بهذه
الصفات ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ يعني الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار: الآخرة وأضاف العقبى إليها
لأنها فيها، ويحتمل أن يريد بالدار الدنيا، وأضاف العقبى إليها لأنها عاقبتها ﴿جَنَّاتُ هَذْنٍ﴾
بدل من عقبى الدار أو خبر ابتداء مضمر تفسير العقبى الدار ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ أي مَن كان
صالحًا ﴿سَلامٌ عَلَيكُم﴾ أي يقولون لهم سلام عليكم ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يتعلق بمحذوف تقديره
هذا بما صبرتم ويجوز أن يتعلق بسلام أي ليسلم عليكم بما صبرتم ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية أوصاف مضافة كما تقدّم وقيل إنها في الخوارج، والأظهر أنها في
الكفّار ﴿سُوءَ الدَّارِ﴾ يحتمل أن يراد بها الدنيا والآخرة ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
أي يوسع على مَن يشاء ويضيق على مَن يشاء وهذا تفسيره حيث وقع ﴿وَفَرِحُوا الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا﴾ إخبار في ضمنه ذمّ وتسفيه لمَن فرح بالدنيا لذلك حقّرها بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
فِي الآخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ﴾، أي قليل بالنظر إلى الآخرة ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهُ يُضِلْ مَن يَشَاءُ﴾ خرج به
مخرج التعجّب منهم لما طلبوا آية أي قد جاءكم محمد له بالقرآن وآيات كثيرة فعميتم

٤٣٧
تفسير سورة الرعد
،(الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا
٢٧
اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ (٨) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ
مَثَابٍ ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِيَ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ
يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ (٢) وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُبِرَتْ
بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْنِى بَل لِلَّهِ آلْأَمْرُ جَمِيعًاْ أَفَلَمْ يَأْيَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُ واْ تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُ قَرِيبًا
مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْنِىَ وَعْدُ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اٌلْمِيعَادَ (*) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمَّلَيْتُ
عنها، وطلبتم غيرها وتماديتم على الكفر لأنّ الله يضلّ مَن يشاء مع ظهور الآيات وقد
يهدي مَن يشاء دون ذلك ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، أو
خبر ابتداء مضمر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بدل ثانٍ، أو مبتدأ ﴿طُوبَى﴾ مصدر من
طاب كبشرى ومعناها أصابت خيرًا وطيبًا، وقيل هي شجرة في الجنة، وإعرابها مبتدأ
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله يضلّ مَن يشاء ويهدي من يشاء
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قيل إنها نزلت في أبي جهل وقيل نزلت في قريش حين عاهدهم
رسول الله وَير عام الحديبية، فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم نحن لا
نعرف الرحمن، وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت قبل ذلك ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها
التسمية فقط، ومعنى الآية أنهم يكفرون بالله مع تلاوة القرآن عليهم ﴿مَتَابٍ﴾ مفعل من
التوبة وهو اسم مصدر ﴿وَلَوْ أَنْ قُرْآنَا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية: جواب لو محذوف تقديره
لو أن قرآنًا على هذه الصفة من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لم يؤمنوا به،
فالمعنى كقوله لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وقيل تقديره: ولو أن قرآنًا على هذه الصفة
لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنُ
عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيته خَاشِعًا مُتصدّهًا﴾، وقيل هو متعلق بما قبله والمعنى، وهم يكفرون
بالرحمن ولو أن قرآنًا سُيِّرَت به الجبال ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسٍ﴾ معناه أفلم يعلم وهي لغة هوازن ﴿وَلاً
يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني كفّار قريش ﴿قَارِعَةٌ﴾ يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم،
أو غزوات المسلمين اليهم ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ الفاعل ضمير القارعة. والمعنى إمّا أن تصيبهم، وإما
أن تقرب منهم، وقيل التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي وَّر، والأول
أظهر ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ هو فتح مكة، وقيل تمام الساعة ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ﴾ الآية

٤٣٨
تفسير سورة الرعد
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَّفَ كَانَ عِقَابٍ (٢) أَفَمَنْ هُوَ قَابِهٍّ عَلَى كُلِّ نَفْسِ بِمَا كَسَتْ
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنْتَعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ يِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَ لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٦)لَهُمْ عَذَابٌ فِى الْحَيُوَةِ الدُّنْيََّ
وَلَعَذَابُ اٌلْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ﴿َ ﴾ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُرِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِنْ
تَحْهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُهَاْ تِلْكَ عُقْبَىَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْبَىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ (٢٠) وَلَّذِينَ
ءَيْئَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُمْ قُلْ إِنَّمَا أُمِيتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ: إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ (٢٦) وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبًا وَلَيْنِ اتَّقْتَ أَهْوَاءَ هُم
مقصدها تأنيس وتسلية النبي وَ ﴾﴿ وهكذا حيث وقع ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَي أَمهلتهم ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ
عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو الله تعالى أي حفيظ رقيب على عمل كل أحد، والخبر
محذوف تقديره: أفَمَن هو قائم على كُلّ نفس بما كسبت أحقّ أن يعبد أم غيره، ويدلّ على
ذلك قوله أم جعلوا لله شركاء ﴿قُلْ سَمُوهُم﴾ أي اذكروا أسماءهم ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ
فِي الأرْضِ﴾ المعنى أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف
تفترون الكذب في عبادتهم، وتعبدون الباطل، وذلك كقولك: تل لي من زيد أم هو أقل
من أن يعرف فهو كالعدم ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ منَ الْقَوْلِ﴾ المعنَى أَتسمّونهم شركاءَ بظاهر اللفظ من
غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله إن هي إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ﴿لَهُم عَذَابٌ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك.
... ٠.٣
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ هنا وفي القتال صفتها وليس بضرب مثل لها والخبر عند سيبويه
محذوف مقدّم تقديره فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفرّاء الخبر مؤخر وهو تجري من
تحتها الأنهار ﴿أَكُلُهَا دَائِمٌ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل بضم الهمزة
المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر ﴿والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني مَن أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام
والنجاشي وأصحابه وقيل يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن. ﴿وَينُ الأَخْزَابِ﴾ قيل
هم بنو أُميّة، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفّار العرب، وقيل هم اليهود.
والنصارى لأنهم لا ينكروا القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا
يعرفونه أو خرّفوه ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِزْتُ أَن أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه جوابالمنکرین ،
وردّ عليهم كأنه قال إنما أُمرت بعبادة الله وتوحيده فكيف تنكرون هذا: ﴿مَآبٍ﴾ مفعل من

٤٣٩
تفسير سورة الرعد
بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا
لَهُمْ أَزْوَجَا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّ بِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ لَ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا
يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ, أُمُّ الْكِتَبِ (٢٠) وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤) أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأَتِى الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَ مُعَقِّبَ
لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ
كُلُّ نَفْسٌِ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٢، وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوْلَسْتَ مُرْسَلَّا قُلْ كَفَى
الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا
وَذُرِّيَّةَ﴾ ردّ على مَن أنكر أن يكون الرسول من البشر أو يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من
النساء والذرّيّة، فالمعنى لست ببدع في ذلك، بل أنت كمَن تقدّم من الرسل ﴿وَمَا كَانَ
لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ردّ على الذين اقترحوا الآيات ﴿لِكُلْ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ قال
الفرّاء لكل كتاب أجل بالعكس وهذا لا يلزم بل المعنى صحيح من غير عكس أي لكل
أجل كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قيل يعني ينسخ ما
يشاء من القرآن والأحكام، ويثبت منها ما يشاء، وقيل هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله
تعالى قدّر في ليلة القدر وقيل في ليلة النصف من شعبان بكتب أجل مَن يموت في ذلك
العام فيمحوه من ديوان الأحياء، ويثبت مَن لا يَموت في ذلك العام، وقيل إن المحو
والإثبات على العموم في جميع الأشياء، وهذا تردّه القاعدة المتقرّرة أن القضاء لا يبدل،
وأن علم الله لا يتغيّر، فقال بعضهم المحو والإثبات في كل شيء إلاّ في السعادة والشقاوة
الأُخْروية، والآجال ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب
الله فيه مقادير الأشياء كلها ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ﴾ إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها،
فإنما، ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا﴾ الإتيان هنا بالمقدرة والأمر،
والأرض أرض الكفّار ونقصها هو بما يفتح الله على المسلمين منها والمعنى أو لم يروا ذلك
فيخافوا أن نمكّنك منهم، وقيل الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات
وخراب البلاد وشبه ذلك ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ المعقّب الذي يكرّ على الشيء فيبطله ﴿فَلِلَّهِ
الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ﴾ تهديد، والمراد بالكافر
الجنس بدليل قراءة الكفّار بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي
وبَيْنَكُمْ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوّته وشهادة الله له هي علمه بذلك وإظهاره

٤٤٠
تفسير سورة الرعد
بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ
٤٣
الآيات الدالة على ذلك ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ معطوف على اسم الله على وجه
الاستشهاد به، وقيل المراد عبد الله بن سلام ومَن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون
صفته وط من التوراة والإنجيل، وقيل المراد المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته
على النبوّة، وقيل المراد الله تعالى فهو الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف
صفة على موصوف، ويقوّيه قراءة وَمَن عنده بمن الجارّة وخفض عنده.
:
٠٠٠