Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
تفسير سورة الأعراف
إلى سارة وستحبلين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق
الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ووجه دلالة هذا الكلام على نبوّة
محمد ◌َّ ر أن هذا الذي وعدها به الملك من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع
مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد رّل# وظهور دينه وعلوّ كلمته، ولم
يكن ذلك لاسماعيل ولا لغيره قبل محمد مَلؤ .
ومن ذلك أيضًا في التوراة أن الرب يقيم لهم نبيًّا من إخوتهم، وأيّ رجل لم يسمع
ذلك الكلام الذي يؤدّيه ذلك النبي عن الله فينتقم الله منه، ودلالة هذا الكلام ظاهرة بأن
أولاد إسماعيل هم إخوة أولاد إسحاق، وقد انتقم الله من اليهود الذين لم يسمعوا كلام
محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم كبني قريظة وبني قينقاع وغيرهم.
ومن ذلك في التوراة: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام وقد أجبت دعاءك في
إسماعيل، وباركت عليه وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة.
ومن ذلك في الإنجيل أن المسيح قال للحواربين إني ذاهب عنكم وسيأتيكم الفار قليط
الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له وبهذا وصف الله سبحانه نبيّنا محمد
صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في قوله: ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يُوحى))
وتفسير الفارقليط أنه مشتق من الحمد واسم نبيّنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم محمد
وأحمد وقيل معنى الفارقليط الشافع المشفع.
ومن ذلك في التوراة: مولده بمكة أو مسكنه بطيبة وأمته الحمّادون، وبيان ذلك أن
أمته يقرؤون الحمد لله في صلاتهم مرارًا كثيرة في كل يوم وليلة، وعن شهر بن حوشب
مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير أن كعبًا أخبره بأمره وكيف كان
ذلك، وقيل كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان
من عظمائهم وخيّارهم، قال كعب وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من
التوراة، ويكتب الأنبياء، ولم يكن يدّخر عنّ شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة
دعاني، فقال يا بني: قد علمت أني لم أكن أدّخر عنك شيئًا مما كنت أعلم، إلاّ أني
حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يُبعَث، وقد أظلّ زمانه، فكرهت أن أُخبرك بذلك فلا
آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه؛ وقد قطعتهما من كتابك
وجعلتهما في هذه الكوّة التي ترى وطيّنت عليهما، فلا تتعرّض لهما ولا تنظرهما زمانك
هذا وأقرّهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله
التسھیل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م٢١
٣٢٢
تفسير سورة الأعراف
يزيدك بهذا خيرًا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحبّ إليّ من أن ينقضي المأتم حتى أنظر
ما في الورقتين فلما انقضى المأتم فتحت الكوّة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما محمد
رسول الله وَله خاتم النبيّين، لا نبيّ بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ليس بفظُّ ولا
غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة
ويعفو ويغفر ويصفح أمته الحمّادون الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال
وتتذلّل بالتكبير ألسنتهم، وينصر الله نبيّهم على كل مَن ناوأه، يغسليون فروجهم بالماء
ويأتزرون على أوساطهم وأناجيلهم في صدورهم ويأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون
عليها وتراحمهم بينهم تراحم نبيّ الأم والأب، وهم أول مَن يدخل الجنة يوم القيامة من
الأمم، وهم السابقون المقرّبون والشافعون المشفع لهم، فلما قرأت هذا قلت في نفسي:
والله ما علمني شيئًا خيرًا من هذا فمكثت ما شاء الله حتى بعث النبي 18َّ وبيني وبينه بلاد
بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة،
فقلت هو هذا وتخوّفت ما كان والدي حذّرني وخوّفني من ذكر الكذّابين، وجعلت أُحبّ أن
أتبين وأتثبت فلم أزل كذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة فقلت في نفسي إني لأرجو أن يكون
إياه وجعلت ألتمس السبيل إليه فلم يقدّر لي حتى بلغني أنه توفي رسول الله وَلي، فقلت في
نفسي لعلّه لم يكن الذي كنت أظن، ثم بلغني أن خليفة قام مقامه، ثم لم ألبث إلاّ قليلاً
حتى جاءتنا جنوده فقلت في نفسي لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو
وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم، وإلى ما تكون عاقبتهم فلم أزلُ أدفع ذلك وأُؤْخّره
لأتبين وأتثبت حتى قَدِمَ علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم
ويرّهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر
فحدّثت نفسي بالدخول في دين الإسلام، فوالله إني ذات ليلة فوق سطح إذا برجل من
المسلمين يتلو كتاب الله حتى أتى على هذه الآية ﴿يَا أَيّھا الَّذِين أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزّلنا
مُصَدِّقًا لِما مَعَكم من قَبْل أن نَطْمُس وُجُوهَا فنردّها على أذبَارِها أو نَلْعَنهم كما لَعَنَّا أَصْحَابَ
السَّبْتٍ وكَانَ أَمر الله مَفْعُوَلا﴾ [النساء: ٤٧]، فلما سمعت هذه الآية خشيت الله ألا أُصبح
حتى يحوّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبّ إليّ من الصباح، فغدوت على عمر
فأسلمت حين أصبحت، وقال كعب لعمر عند انصرافهم إلى الشام يا أمير المؤمنين إنه.
مكتوب في کتاب الله إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها مفتوحة على يد
رجل من الصالحين رحیم بالمؤمنین شديد على الكافرين سرّه مثل علانيته وعلانيته مثل
سرّه، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء وأتباعه رهبان بالليل
٣٢٣
تفسير سورة الأعراف
وأُسد بالنهار، متراحمون متواصلون متبادلون، فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحقّ ما تقول؟
قال إي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما تقول إنه لحقّ، فقال عمر الحمد لله
الذي أعزّنا وشرّفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد بَل برحمته التي وَسِعَت كل شيء، ومن ذلك
كتاب فروة بن عمر الجذامي إلى رسول الله وَط﴿ وكان من ملوك العرب بالشام، فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد رسول الله من فروة بن عمر إني مقرّ بالإسلام مصدّق،
أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم
عليه السلام، فأخذه هرقل لمّا بلغه إسلامه وسجنه فقال والله لا أُفارق دين محمد أبدًا فإنك
تعرف أنه النبي الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولكنك حرصت على ملكك وأحببت بقاءه
"فقال قيصر صدق والإنجيل، يشهد لهذا ما خرّجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله وَل
إلى هرقل وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه وَّر، فلما أُخبِرَ بها علم أنه رسول الله، وقال
إنه يملك موضع قدميّ ولو خلصت إليه لغسلت قدميه، ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه
وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج زمان الجاهلية مع ناس من
قريش في التجارة إلى الشام، قال فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على
عنقي فذهبت أُنازعه فقيل لي لا تفعل فإنه لا نصيف لك منه فأدخلني كنيسة فإذا تراب
عظيم مُلقى فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال لي أنقل ما ههنا فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما
كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال أئنك على ما أرى ما نقلت
شيئًا، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي فقلت واثكل أمك يا عمر أبلغت ما أرى ثم وثبت
إلى المِجرَفة فضربت بها هامته فنشرت دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا
أدري أين أسير فسرت بقية يومي وليلتي من العدّ إلى الهاجرة فانتهيت إلى دير فاستظللت
بفنائه فخرج إليّ رجل منه فقال لي يا عبد الله ما يقعدك هنا، فقلت أضللت أصحابي، فقال
لي ما أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف، فادخل فأصب من الطعام واسترح فدخلت
فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعد فيَّ النظر وصوّبه، فقال قد علم والله أهل الكتاب
أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب منّي، وإني لأرى صفتك الصفة التي تخرجنا من هذا الدير
وتغلبنا عليه، فقلت يا هذا لقد ذهبت بي في غير مذهب، فقال لي ما اسمك فقلت عمر بن
الخطاب، فقال أنت والله صاحبنا فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت يا هذا إنك قد
صنعت إليّ صنيعة فلا تكرّرها، فقال إنما هو كتاب في رقّ، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلاّ
لم يضرّك شيء فكتب له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إليّ ثم أوكف أتانًا
فقال لي أتراها فقلت نعم، قال سِرْ عليها فإنك لا تمرّ بقوم إلاّ سقوها وعلفوها وأضافوك
٣٢٤
تفسير سورة الأعراف
فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إليّ قال فركبتها
فكان كما قال حتى لحقت بأصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت
معهم، فلما وافى عمر الشام في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير
العرس فلما رآه عرفه، فقال قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدّثهم
بحديثه فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال هل عندكم من نفع للمسلمين، قال نعم يا أمير
المؤمنين، قال إن أضفتم المسلمين ومرّضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك قال نعم يا أمير
المؤمنين فوفى له عمر رضي الله عنه ورحمه. وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال:
لما دخل عمر الشام تلقّاه رجل من يهود دمشق فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب
إيلياء؛ والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء.
١٠٠
ومن ذلك أن عمرو بن العاصي قَدِمَ المدينة بعد وفاة رسول الله صلّى الله تعالى عليه
وآله وسلّم وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قد أرسله إلى عمان واليًا عليها فجاءه
يومًا يهودي من يهود عمان فقال له أنشدك بالله، مَن أرسلك إلينا، فقال له رسول الله وَ لآل،
فقال اليهودي والله إنك لتعلم أنه رسول الله، قال عمرو اللّهمَّ نعم، فقال اليهودي لئن كان
حقًّا ما تقول لقد مات اليوم فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي قَال
له اليهوديّ أن النبيّ وَّر ما فيه. ثم خرج فأخبر بموت النبي صَل﴾ وهو في الطريق ووجده
قد مات في ذلك اليوم صلّى الله تعالى عليه وسلّم وبارك وشرّف وكرّم ومن ذلك أنْ وفد
غسان قاموا على رسول الله ﴿ فلقيهم أبو بكر الصدّيق فقال لهم من أنتم؟ قالوا رهط من
غسان قَدِموا على محمد لنسمع كلامه، فقال لهم انزلوا حيث تنزل الوفود، ثم ائتوا رسول
الله ◌َّ فكلّموه، فقالوا وهل نقدر على كلامه كما أردنا فتبسّم أبو بكر، وقال إنه ليطوف
بالأسواق ويمشي وحده ولا شرطة معه ويرغب مَن يراه منه فقالوا لأبي بكر مَن أنت أيّها
الرجل، فقال أنا أبو بكر بن أبي قحافة، فقالوا أنت تقوم بهذا الأمر بعده فقال أبو بكر الأمر
إلى الله، فقال لهم كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصقته، وأنه آخر
الأنبياء ثم لقوا رسول اللّه ◌َلِ فأسلموا ﴿يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَتْهَاهُم عَنَ المُثْكَرِ﴾ يحتمل أن
يكون هذا من وصف النبي ◌َّ في التوراة، فتكون الجملة في موضع الخال من ضمير
المفعول في يجدونه، أو تفسير لما كتب من ذكره أو يكون استئناف وصف من الله تعالى
غير مذكور في التوراة والإنجيل ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيَِّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ مذهب مالك
أن الطيبات هي الخلال، وأن الخبائث هي الحرام، ومذهب الشافعي أن الطيّبات هي
المستلذّات إلاّ ما حرّمه الشرع منها كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقدرات ..
٣٢٥
تفسير سورة الأعراف
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَعْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) قُلْ يَتَأَيُّهَا
النَّاسُ إِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ
يُحِي، وَيُمِيتُ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِبُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَّدُونَ (١) وَ مِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ () وَقَطَّعْنَهُمُ
أَثْفَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذٍ أَسْتَسْقَدْهُ قَوْمُهُ أَنْ أَضْرِبِ بِعَصَاَ
الْحَجَرِّ فَأْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْئًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيَّهِمُ
اُلْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَ وَالسَّلْوَىّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَِكُمَّ وَمَا ظَلَمُونَا
﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أُسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ
وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ ◌ِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيّئَتِكُمْ
كالخنافس والعقارب وغيرها ﴿ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وهو مثل لما كلفوا في شرعهم من
المشقّات كقتل الأنفس في التوبة؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب، وكذلك الأغلال عبارة
عمّا منعت منه شريعتهم كتحريم الشحوم وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾
أي منعوه بالنصر حتى لا يقوى عليه عدوّ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن أو
الشرع كله، ومعنى معه مع بعثه ورسالته ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ تفسيره قوله ◌َّ :
((وكان كل نبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّة وبُعِثتُ إلى الناس كافّة)) فإعراب جميعًا حال من
الضمير في إليكم ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرضِ﴾ نعت لله أو منصوب على المدح
بإضمار فعل أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ هي الكتب التي
أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء ﴿وَمِن قَوْم مُوسَى أُمَّةٌ﴾ هم الذين ثبتوا حين تزلزل
غيرهم في عصر موسى أو الذين آمنوا بمحمد بَّ في عصره ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ أي فرّقناهم
﴿أَسْبَاطًا﴾ السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب وانتصابه على البدل من اثنتي عشرة لا
على التمييز فإن تمييز اثنتي عشرة لا يكون إلاّ مفردًا، وقال الزمخشري على التمييز، لأن
كل قبيلة أسباطًا لا سبط ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ أي انفجرت إلاّ أن الانبجاس أخفّ من الانفجار
وقال القزويني الانبجاس: أول الانفجار ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ﴾ وما بعده إلى قوله بما
كانوا يظلمون مذكور في البقرة.
٣٣٦
تفسير سورة الأعراف
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَرْسَلْنَا
١٦١
سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
عَلَيْهِمْ رِجْزًاً مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ () وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَِّى
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِىِ الشَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْعِهِمْ
شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ الشَّهُوَإِذْ قَالَتْ
أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكَّةٍ وَلَعَلَّهُمْ
يَثَّقُونَ (٨٦) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَانٍ
بَيْسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا تُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِتِينَ لَّهِ وَإِذْ
٠٫٠
تنبيه: وقع الاختلاف في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة
في قوله انفجرت وانبجست وقوله وإذ قلنا ادخلوا، وإذا قيل لهم اسكنوا وقوله وكلوا بالواو
وفكلوا بالفاء، فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هنالك ثناقه،
وعلّلها شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتاب ملاك التأويل وصاحب الدرّة بتعليلات
منها قوية وضعيفة وفيها طول فتركناها لطولها ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي اسأل اليهود على جهة التقرير
والتوبيخ ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ قيل هي إيلياء، وقيل هي طبرية، وقيل مدين ﴿خَاصِرَةَ الْبَخْرِ﴾ قريبة
منه أو على شاطئه ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم يوم
السبت «وقد نهوا عنه وموضع إذ بدل من القرية والمراد أهلها وهو بدل اشتمال أو منصوب
بكانت أو بحاضرة ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَاتُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ كانت الحيتان تخرج من البخر
يوم السبت حتى تصل إلى بيوتهم ابتلاء لهم إذا كان صيدها عليهم حرامًا في يوم السبت،
وتغيب عنهم في سائر الأيام، وسبتهم مصدر من قولك سبت اليهودفي يسبت إذا عظم يوم
السبت، ومعنى شرعًا ظاهرة قريبة منهم يقال شرع منّا فلان إذا دنا وإذا في قوله إذ تأتيهم
منصوب بيعدون، أو بدل من إذ يعدون ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ للآية:
افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عَصَت يوم السبت بالصيد وفرقة نهت عن ذلك
واعتزلت القوم وفرقة سكتت واعتزلت، فلم تنه ولم تعصَ، وأن هذه الفرقة لمّا رأت
مهاجرة الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لِمَ تعظون قومًا يريد الله أن يهلكهم أو
يعذبهم، فقالت الناهية تنهاهم معذرة إلى الله ولعلّهم يتّقون، فهلكت الفرقة العاصية،:
ونجت الناهية، واختلف فى الثالثة هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتركها العصيان
﴿بِعَذَابٍ بَئيسٍ﴾ أي شديد، وقرىء بالهمز وتركه، وقرىء على وزن فعیل وعلى وزن فیعل
٢٢٧
تفسير سورة الأعراف
تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ
اٌلْعِقَابٍّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧َ وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ
ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ () فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ
اَلْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم
مِيثَقُ الْكِتَبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ () وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الُْصْلِينَ
وَإِذْ نَكَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْمَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ
وكلها من معنى البؤس ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي لما تكبّروا عن ما نُهُوا عنه ﴿قُلْنَا
لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين﴾ ذكر في البقرة، والمعنى أنهم عذّبوا أولاً بعذاب شديد فعتوا
بذلك فمسخوا قردة، وقيل لما عتوا تكرار لقوله فلما نسوا، والعذاب البئيس هو المسخ
﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ عزم، وهو من الإيذان بمعنى الإعلام ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية أي يسلّط
عليهم، ومن ذلك أخذ الجزية، وهو أنهم في جميع البلاد ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي
فرّقناهم في البلاد، ففي كل بلدة فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾
هم مَن أسلم كعبد الله بن سلام أو مَن كان صالحًا من المتقدّمين منهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ
وَالسَّيْئَاتِ﴾ أي بالنِّعَم والنقم.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي حدث بعدهم قوم سوء، والخلف بسكون اللام ذم،
وبفتحها مدح، والمراد من حدث من اليهود بعد المذكورين، وقيل المراد النصارى
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ أي عرض الدنيا ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ذلك اغترار منهم
وكذب ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مَّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواو للحال يرجون المغفرة وهم يعودون إلى مثل
فعلهم ﴿مّيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم سيغفر
لنا وإعراب ألاّ يقولوا عطف بيان على ميثاق الكتاب أو تفسير له أو تكون أن حرف عبارة
وتفسير ﴿وَالَّذِينَ يُمَسْكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ قرىء بالتشديد والتخفيف؛ وهما بمعنى واحد،
وإعراب الذين عطف على الذين يتّقون، أو مبتدأ وخبره إنّا لا نضيع أجر المصلحين، وأقام
ذكر المصلحين مقام الضمير، لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ
فَوْقَهُمْ﴾ أي اقتلعنا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم خذوا التوراة حين أبوا من
أخذها، وقد تقدّم في البقرة تفسير الظّة و﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوّة﴾ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي
٣٫٢٨
تفسير: سورة الأعراف
لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (٢) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَيَّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ {لٌَّ، لَوْ نَقُولُواْ إِغَامٌ أَقْرَةُ
ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ لَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَتِ
﴿ وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَدِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطِرُ
وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُتِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية؛ في معناها قولاٌّ.
أحدهما أن الله لمّا خلق آدم أخرج ذرّيته من صلبه وهم مثل الذرّ، وأخذ عليهم العهد بأنه
ريّهم، فأقرّوا بذلكِ والتزموه، رُوِيَ هذا المعنى عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم
من طرق كثيرة وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم، والثاني أن ذلك من باب التمثيل، وأن
أخذ الذريّة عبارة عن إيجادهم في الدنيا وأما إشهادهم فمعناه أن الله تَضْب لبْنِي آدَمَ الأدلّة
على ربوبيته فشهدت بها عقولهم فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم ألست بربكم
وكأنّهم قالوا بلسان الحال بلى أنت ربّنا، والأول هو الصحيح لتُواثر الأخبار به، إلاّ أن
ألفاظ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عدل عنه من قال بالقول الآخر، وإنما تطابقه بتأويل
وذلك أن أخذ الذريّة إنما كان من صلب آدم، ولفظ الآية يقتضي أن أخذ الذرّيّة من بني
آدم، والجمع بينهما أنه ذكر بني آدم في الآية والمراد آدم كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمّ
صَوَّرْنَاكمْ﴾ [الأعراف: ١١] الآية، وعلى تأويل لقد خلقنا أباكم آدم من صورته، وقالُ
الزمخشري: إن المراد ببني آدم أسلاف اليهود، والمراد بذرّيّتهمُ مّن كان في عصر
النبي ◌َّ، وفي الصحيح المشهور أن المراد جمع بني آدم حسبما ذكرناه ﴿قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا﴾ قولهم بلى إقرار منهم بأن الله ربّهم، فإن تقديره أنت ربّنا، فإن بلى بعد التقرير
تقتضي الإثبات، بخلاف نعم فإنها إذا وردت بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب وإذا فخطب
بعد التقرير تقتضي النفي، ولذلك قال ابن عباس في هذه الآية لو قالوا نعم لكفروا، وأما.
قولهم شهدنا: فمعناه شهدنا بربوبيتك فهو تحقيق لربوبية الله وأداء لشهادتهم بذلك. محدده الله،
وقيل إن شهدنا من قول الله والملائكة أي شهدنا على بني آدم باعترافهم ﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ﴾ في موضع مفعول من أجله: أي فعلنا ذلك كراهية أن تقولول، فهو من قول اللهفلا:
من قولهم، وقرىء بالتاء على الخطاب لبني آدم، وبالياء على الإخبار عنهم ﴿وَاقُلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ فَإِنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه
السلام إلى ملك مدين داعيًا إلى الله فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك درين +صوصفيه
ويتابع الملك على دينه ففعل، وأضلّ الناس بذلك وقال ابن عباس هو وجل، من الكنعانيين
:
:
:
٣٢٩
تفسير سورة الأعراف
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَةً فَثَلُهُ.
١٧٥
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْتَثْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
◌ِثَايَئِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٠) سَآَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ
كَانُواْ يَظْلِّمُونَ (٨٧) مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (9) وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنِسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
اسمه بلعم بن باعوراء كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين وهم
الجبّارون: سألوا من بلعم أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى فألخّوا عليه
حتى دعا عليه ألاّ يدخل المدينة ودعا عليه موسى فالآيات التي أعطيها على هذا القول: هي
اسم الله الأعظم وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة، وقيل كان عنده من
صحف إبراهيم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أميّة بن أبي الصلت، وكان قد
أُوتي علمًا وحكمةً وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرًا، وفيه قال
النبي وَلَّ كاد أُميّة بن أبي الصلت أن يسلم، فالآية على هذا ما كان عنده من العلم
والانسلاخ عبارة عن البعد والانفصال منها كالانسلاخ من الثياب والجلد ﴿وَلَوْ شِئْتَا لَرَفَعْنَاهُ
بها﴾ أي لرفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الأَرْضِ﴾ عبارة عن فعله
لما سقطت به منزلته عند الله ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أي صفته كصفة الكلب، وذلك غاية
في الخسة والرداءة ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَو تَتْرُكُهُ يَلْهَثْ﴾ اللهث هو تنفّس بسرعة
وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحرّ والتعب،
وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى إن تحمل عليه إن تفعل معه ما يشقّ عليه من طرد أو غيره
أو تتركه دون أن تحمل علیه، فهو یلهٹ على كل حال، ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن
وعظته فهو ضالّ وإن لم تعظه فهو ضالّ، فضلالته على كل حال كما أن لهث الكلب على
كل حال وقيل إنّ ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه
حقيقة ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه وصفة
الرجل المشبّه به لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا، وشبههم بالرجل في
أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات
﴿سَاءَ مَثَلاَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ﴾ الآية: قدّم هذا المفعول للاختصاص
والحصر ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإِنْسِ﴾ هم الذين علم الله أنهم يدخلون النار بكفرهم، فأخبر
أنه خلقهم لذلك كما جاء في قوله هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي ﴿لاً
٣٣٠
تفسير سورة الأعراف
ءَإِذَانٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَا أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ لَّ وَإِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْفَ
فَلَوَ هُوهُ ◌ِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُذْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَّبِهِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ◌َ، وَمِكَّنْ خَلَقْنَا أَمَةٌ
◌َهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ لَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَلِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَّقُونَ (َ)
وَأُمَّلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (٤) أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْمَ بِصَاحِبِهِمٍ مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا يَذِيرٌّ مُِيَّ ◌َ
!
يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ليس المعنى نفي السمع والبصر جملةً، وإنما المعنى نفيها عمّا ينفع في الدين
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إن لله تسعة وتسعون
اسما من أحصاها دخل الجنة)). وسبب نزول الآية: أن أبا جهل لعنه الله سمع بعض
الصحابة يقرأ فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال يزعم محمد أنّ الإله واحد وها هو
يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مبيّنة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمتی واحد، والحسنتى
مصدر وصف به أو تأنيث أحسن وحسن أسماء الله هي أنها صفة مداخ وتعظيم وتحميد
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي سمّوه بأسمائه، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله تعالى، فأما ما ورد
منها في القرآن أو الحديث، فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا وأما ما لم يرد فيه مدح لا تتعلق
به شبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره،
ورأوا أن أسماء الله موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث، وقد ورد في كتاب الترمذي
عذتها أعني تعيين التسعة والتسعين، واختلف المحدّثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه
مرفوعة إلى النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم أو موقوفة على أبي هريرة، وإنما
الذي ورد في الصحيح كونها تسعة وتسعين من غير تعيين ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْجِدُونَ فِي
أَسْمَائِهِ﴾ قيل معنى ذورا اتركوهم لا تحاجّوهم ولا تتعرّضوا لهم، فالآيةُ على هذا منسوخة
بالقتال، وقيل معنى ذروا الوعيد والتهديد كقوله: وذرني والمكذبين، وهو الأظهر لنا بعده
وإلحادهم في أسماء الله: هو ما قال أبو جهل فنزلت الآية بسببه، وقيل تسميته بما لا يليق،
وقيل تسمية الأصنام باسمه كاشتقاقهم اللات من الله، والعزّى من العزيز ﴿ومِمَّنْ تَخَلَقْتًا
أُمَّةَ﴾ الآية رُوِيَ أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((هذه الآية لحم، وقد تقدّم مثلها
لقوم موسى)) ﴿سَتَشْتَذْرِجُهُم﴾ الاستدراج استفعال من الدرجة أي نسوقهم إلى الهلاك شيئًا
بعد شيء وهم لا يشعرون، والإملاء هو الإمهال مع إزادة العقوبة ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ سفنى
فعله بهم كيدًا لأنه شبيه بالكيد في أن ظاهره إحسان وباطنه خذلان ﴿أَوَ لَمْ يَتَقگرُوا مَا
بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ يعني بصاحبهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنفى عَهُ مَا نسب له
المشركون من الجنون، ويحتمل أن يكون قوله ما بصاحبهم من جنّة معمولاً لقوله :﴿أَوَ قَمْ
:
٣٣١
تفسير سورة الأعراف
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقَْبَ
١٨٦
أَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَعُونَ
أَلُهُمْ فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ الشَّ
يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرْ سَنَّهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُجَلِيهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ
وَأَلْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ ﴿ قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اٌلْغَيْبَ
لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِذْهَ ﴾ هُوَ الَّذِى
يَتَفَكَّرُوا﴾ فيوصل به، والمعنى: أو لم يتفكروا فيلعمون أن ما بصاحبهم من جِنّة، ويحتمل أن
يكون الكلام قد تمّ في قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ثم ابتدأ إخبارًا استئنافًا لقوله ما بصاحبهم
من جِنّة، والأوّل أحسن ﴿أَوَ لَمْ يَنظُرُوا﴾ يعني نظر استدلال ﴿مَا خَلَقَ﴾ عطف على
الملكوت ويعني بقوله من شيء: جميع المخلوقات إذ جميعها دليل على وحدانية خالقها
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أن الأولى مخفّفة من الثقيلة، وهي عطف على
الملكوت، وأن الثانية مصدرية في موضع رفع بعسى، وأجلهم يعني موتهم، والمعنى لعلّهم
يموتون عن قريب، فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول
الأجل ﴿فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الضمير للقرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ السائلون اليهود أو
قريش، وسُمّيت القيامة ساعة لسرعة حسابها كقوله: وما أمر الساعة إلاّ كلمح البصر أو هو
أقرب ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ معنى أيّان: متى، ومرساها: وقوعها وحدوثها، وهي من الإرساء
بمعنى الثبوت ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ أي استأثر الله بعلم وقوعها ولم يطّلع عليه أحد
﴿لاَ يُجَلْيِهَا لِوَقْتِهَا إلَّ هُوَ﴾ معنى يجليها يظهرها، فهو من الجلاء ضدّ الخفاء، واللام في
لوقتها ظرفية: أي عند وقتها، والمعنى لا يظهر الساعة عند مجيء وقتها إلاّ الله ﴿ثَقُلَتْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: الأوّل ثقلت على أهل السماوات والأرض
لهيبتها عندهم وخوفهم منها، والثاني ثقلت على أهل السموات والأرض أنفسها لتفطر
السماء فيها وتبديل الأرض، والثالث معنى ثقلت: أي ثقل علمها أي خفي ﴿يَسْأَلُونَكَ
كَأَنَّكَ حَفِيٍّ عَنْهَا﴾ الحفيّ بالشيء هو المهتبل به المعتني به، والمعنى: يسألونك عنها كأنك
حفيّ بعلمها وقيل المعنى يسألونك عنها كأنك حفيّ بهم لقرابتك منهم، فعنها على هذين
القولين يتعلق بيسألونك، وقيل المعنى يسألونك كأنك حفيّ بالسؤال عنها ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ
الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتَ مِنَ الْخَيْرِ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه ﴿وَمَا مَسَّنِيَ
٣٣٢
تفسير سورة الأعراف
خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّنِهَا يُحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيقًا
فَلَمَآ ءَاتَنْهُمَا
١٨٩)
فَمَرَّتْ بِهِمْ فَلَّا أَثْقَلَتَ ذَّعَوَا اَللَّهَ رَبَّهُمَا لَكِنْ ءَاتَيْتَنَا صَِحًا لَنَّكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ
صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٥) أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمَّ
السُّوءُ﴾ عطف على لاستكثرت من الخير أي لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير،
واحترست من السوء ولكن لا أعلمه فيصبني ما قدر لي من الخير والشر، وقيل إن قوله وما
مسّني السوء: استئناف إخبار، والسوء على هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن ﴿الْقَوْم
يُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معًا أي أبشر المؤمنين وأنذرهم، وخصّ بهم البشارة
والنذارة، لأنهم هم الذين ينتفعون بها، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق
بنذير محذوف أي نذير للكافرين، والأوّل أحسن ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﴿زَوْجَهَا﴾
يعني حوّاء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ يميل إليها ويستأنس بها ﴿تَغَشَّاهَا﴾ كناية عن الجماع ﴿حَمَلَتْ
حَمْلاَ خَفِيفًا﴾ أي خفّ عليها ولم تَلْقَ منه ما يلقى بعد الحوامل من حملهنّ من الأذى
والكرب، وقيل الحمل الخفيف المني في فرجها ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قيل معناه استمرّت به إلى
حين ميلاده، وقيل معناه قامت وقعدت ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة
﴿لَيْنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي ولدًا صالحًا سالمًا في بدنه ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ
فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي لمّا آتَاهما ولدًا صالحًا كما طلبا: جعل أولادهما له؛ شركاء فالكلام على
حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي فيما آتى أولادهما
وذرّيتهما، وقيل إن حوّاء لمّا حملت جاءها إبليس وقال لها: إن أطفتيني وسمّيت ما في
بطنك عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس الحارث، وإن عصيتيني في ذلك
قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها إنه عدوّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدك ملك
الولد ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة
ثالثة فسمّياه عبد الحارث طمعًا في حياته، فقوله جعلا له شركاء فيما آتاهما: أي في
التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصحّ لثلاثة أوجه: أحدها أنه يقتضي
براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
والثاني أنه يدلّ على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذرّيّته لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَي اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع، والثالث أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث
يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة، وقيل من نفس واحدة هو
قصيّ بن كلاب وزوجته وجعلا له شركاء أي سمّوا أولادهما عبد العزّى وعبد الدار وعبد
٣٣٣
تفسير سورة الأعراف
،وَ إِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ
١٩١
١٩٢
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَّ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ إِ
يُخْلَقُونَ
سَوَآءُ عَلَيْكُمْأَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ آَيْدٍ
١٩٤
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ مَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهِأَ قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَ كُمْ ثُمَّ كِيدُونِ
فَلَا تُنظِرُونِ (٢) إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَِّحِينَ (٨) وَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ،
مناف، وهذا القول بعيد لوجهين أحدهما أن الخطاب على هذا خاصّ بذرّيّة قصيّ من
قريش والظاهر أن الخطاب عامّ لبني آدم، والآخر أن قوله وجعل منها زوجها، فإن هذا
يصحّ في حوّاء لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصحّ في زوجة قصيّ ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ
يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ هذه الآية ردّ على المشركين من بني آدم، والمراد بقوله ما لا
يخلق شيئًا الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله، والمعنى أنها مخلوقة غير خالقة، والله
تعالى خالق غير مخلوق فهو الإله وحده ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُون﴾
يعني أن الأصنام لا ينصرون من عبدهم، ولا ينصرون أنفسهم فهم في غاية العجز والذلّة،
فكيف يكونون آلهة .
﴿إِن تَدْعُوهُمْ إلى الهُدَى لا يتبعوكم﴾ يعني أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن
تهدي أو إلى أن تهدى، لأنها جمادات ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأكيد
وبيان لما قبلها، فإن قيل: لِمَ قال أم أنتم صامتون فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة
الفعلية وهلاً قال أو صمتم؟ فالجواب إن صمتم عن دعاء الأصنام كانت حالة مستمرة، فعبّر
هنا بجملة اسمية لتقتضي الاستمرار على ذلك ﴿إِنَّ الَّذِين تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
ردّ على المشركين بأن آلهتهم عباد؛ فكيف يعبد العبد مع ربّه ﴿فَادْعُوهُم فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ أمر
على جهة التعجيز ﴿أَمْ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ وما بعده: معناه أن الأصنام جمادات عادمة
للحسّ والجوارح والحياة والقدرة، ومَن كان كذلك: لا يكون إلهًا، فإن مَن وصف الإله
الإدراك والحياة والقدرة؛ وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام، لأن المشركين مُقرّون أن
أصنامهم لا تمشي ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمته الحجة، والهمزة في قوله:
﴿أَلَّهُمْ﴾ للاستفهام مع التوبيخ، وأم في المواضع الثلاثة تضمنت معنى الهمزة، ومعنى بل
وليست عاطفة ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُم ثُمَّ كِيدُونٍ فَلاَ تُنظِرُون﴾ المعنى استنجدوا أصنامكم
لمضرّتي والكيد عليّ، ولا تؤخّروني، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرّتي، ومقصد
٣٣٤
تفسير سورة الأعراف
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ
191
١٩٨
وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ!
◌َ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمِنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ مَنِ الْجَهِنَ
٠۴١
١٩٩
الآية الردّ عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرّة، وفيها إشارة إلى التوكّل
على الله والاعتصام به وحده وأن غيره لا يقدر على شيء ثم أفصح بذلك في قوله: ﴿إنّ
وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية: أي هو حافظي وناصري منكم فلا تضرّونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم
على مضرّتي، ثم وصف الله بأنه الذي أنزل الكتاب، وبأنه يتولّى الصالحين، وفي هذين
الوصفين استدلال على صدق النبي وَ ﴿ بإنزال الكتاب عليه، وبأن الله تولّى حفظه، ومَن
تولّى حفظه فهو من الصالحين والصالح لا بدّ أن يكون صادقًا في قوله ولا سيما فيما يقوله
عن الله ﴿والَّذِين تَذْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ الآية: ردّ على المشركين، وقد
تقدّم معناه ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لاَ يَسْمَعُوا﴾ يحتمل أن يريد الأصنام فيكون تحقيرًا
لهم، وردًّا على مَن عبدها، فإنها جمادات لا تسمع شيئًا، فيكون المعنى كالذي تقدّم، أو
يريد الكفّار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون يعني سماعًا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن
الله طبع على قلوبهم ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ إن كان هذا من وصف
الأصنام، فقوله ينظرون مجاز، وقوله لا يبصرون حقيقة، لأن لهم صورة الأعين وهم لا
يرون بها شيئًا، وإن كان من وصف الكفّار فينظرون حقيقة ولا يبصرون مجازًا على وجه
المبالغة كما وصفهم بأنهم لا يسمعون ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ فيه قولان أحدهما أن المعنى خذ من
الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسر لا ما يشقّ عليهم، لئلا ينفروا فالعفو على
هذا بمعنى السهل والصفح عنهم، وهو ضدّ الجهل والتكليف كقول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودّتي
جم ..
والآخر أن المعنى خذ من الصدقات ما سهل على الناس في أموالهم أو ما فضل
لهم، وذلك قبل فرض الزكاة، فالعفو على هذا بمعنى السهل أو بمعنى الكثرة ﴿وَأْمُزْ
بِالْعُرْفِ﴾ أي بالمعروف وهو فعل الخير وقيل العفو الجاري بين الناس من العوائد، واحتجّ
المالكية بذلك على الحكم بالعوائد ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أي لا تكافىء السفهاء بمثل
قولهم أو فعلهم واحلم عنهم، ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلّى الله تعالی علیه
وآله وسلّم عنها، فقال: ((لا أدري حتى أسأل))، ثم رجع فقال يا محمد إن ربّك يأمرك أن
تَصِل مَن قطعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وعن جعفر الصادق: أمرِ الله
نبيّهِ وَ﴿ فيها بمكارم الأخلاق، وهي على هذا ثابتة الحكم وهو الصحيح، وقبل كانت
٣٣٥
تفسير سورة الأعراف
وَإِمَّا يَنْزَغَنََّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا
مَسَّهُمْ طَِّفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا
يُقْصِرُونَ () وَإِذَا لَمّ تَأْتِهِم ◌َِايَتٍِ قَالُواْ لَوْلًا اجْتَبَيْتَهَاَ قُلْ إِنَّمَآ أَتَبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَ مِنْ زَّبِىُّ هَذَا
بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٦) وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ
مداراة للكفّار، ثم نسخت بالقتال ﴿وإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغْ﴾ نزغ الشيطان وسوسته
بالتشكيك في الحق والأمر بالمعاصي أو تحريك الغضب، فأمر الله بالاستغاذة منه عند مالك
كما ورد في الحديث أن رجلاً اشتدّ غضبه فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إني
لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ﴿طَائِفٌ مُنَ
الشَّيْطَانِ﴾ معناه لمّة منه، كما جاء إنّ الشيطان لمّة وللملك لمّة، ومَن قرأ طائف بالألف،
فهو اسم فاعل ومَن قرأ طيف بياء ساكنة، فهو مصدر أو تخفيف من طيف المشدّد، كميت
وميت ﴿تَذَكَّرُوا﴾ حذف مفعوله ليعمّ كل ما يذكر من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه أو
مراقبته والحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه والنظر والاعتبار وغير ذلك ﴿فَإِذَا هُمْ
مُبْصِرُونَ﴾ هو من بصيرة القلب ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ الضمير في إخوانهم
للشياطين، وأُريد بقوله طائف من الشيطان: الجنس، ولذلك أعيد عليه ضمير الجماعة
وإخوانهم هم الكفّار، ومعنى يمدّونهم: يكونون مددًا لهم: يعضدونهم، وضمير المفعول
في يمدّونهم للكفّار، وضمير الفاعل للشيطان، ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين،
ويكون الضمير في إخوانهم للكفّار، والمعنى على الوجهين: أنّ الكفّار يمدّهم الشيطان
وقرىء يمدّونهم بضم الياء وفتحها، والمعنى واحد، وفي الغيّ يتعلق بيمدّونهم، وقيل
يتعلق بإخوانهم كما تقول إخوة في الله، أو في الشيطان ﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُون﴾ أي لا يقصر
الشياطين عن إمداد إخوانهم الكفّار أو لا يقصر الكفّار عن غيّهم، وفي الآية من إدراك البيان
لزوم ما لا يلزم بالالتزام الصاد قبل الراء في مبصرون ولا يقصرون ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا
لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا﴾ الضمير في لم تأتهم للكفّار، ولولا هنا عوض، وفي معنى اجتبيتها قولان:
أحدهما اخترعتها من قبل نفسك، فالآية على هذا من القرآن، وكان النبي صلّى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم يتأخر عنه الوحي أحيانًا، فيقول الكفّار هلا جئت بقرآن من قولك،
والآخر معناه طلبتها من الله، وتخيّرتها عليه، فالآية على هذا معجزة، أي يقولون اطلب
المعجزة من الله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّ﴾ معناه لا أخترع القرآن على القول
الأول ولا أطلب آية من الله على القول الثاني ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي علامات هدى والإشارة إلى
٣٣٦
تفسير سورة الأعراف
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (بَّ وَأَذْكُرُ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِ
وَاُلْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَفِلِينَ لَ إِنَّ الَّذِينَ مِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ
يَسْجُدُونَ ﴾
القرآن ﴿وَإِذَا قُرِىء القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها أن الإنصات
المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، والثاني أنه الإنصات للخطبة، والثالث أنه الإنصات
لقراءة القرآن على الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما أن اللفظ عامّ ولا دليل على
تخصيصه، والثاني أن الآية مكيّة، والخطبة إنما شرعت بالمدينة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال
بعضهم الرحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن لهذه الآية ﴿وَاذْكُرُ رَّبِّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ يحتمل
أن یرید الذکر بالقلب دون اللسان أو الذکر باللسان سرًّا، فعلی الأول یکون قوله: ودون
الجهر من القول؛ عطف متغاير أي حالة أخرى، وعلى الثاني يكون بيانًا وتفسيرًا للأول
﴿بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ﴾ أي في الصباح والعشي والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل، قيل
المراد صلاة الصبح والعصر، وقيل فرض الخمس والأظهر الإطلاق ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبُّكَ﴾
هم الملائكة عليهم السلام، وفي ذكرهم، تحريض للمؤمنين. وتعبريض للكفار ﴿وَلَهُ
يَسْجُدُونَ﴾ قدّم المجرور لمعنى الحصر أي لا يسجدون إلاّ لله والله أعلم .!
-- -
سورة الأنفال
مدنيّة إلاّ من آية ٣٠ إلى غاية
آية ٣٦ فمكيّة وآياتها ٧٥ نزلت بعد البقرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ آَلـ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمٌّ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ (٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَثْفَالِ﴾ الخطاب للنبي وَّ
والسائلون هم الصحابة، والأنفال هي الغنائم، وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فِرَق: فرقة
مع النبي ◌ِّر في العريش تحرسه، وفرقة اتّبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا
بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل فرقة
أنها أحقّ بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية ومعناها يسألونك عن حكم
الغنيمة ومَن يستحقّها، وقيل الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على
حظه، وقد اختلف الفقهاء هل يكون ذلك التنفيل من الخمس وهو قول مالك، او من
الأربعة الأخماس، أو من رأس النغمة، قبل إخراج الخمس ﴿قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أي
الحكم فيهما الله والرسول لا لكم ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيِكُمْ﴾ أي اتفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا،
وذات هنا بمعنى الأحوال، قاله الزمخشري، وقال ابن عطية يراد بها في هذا الموضع نفس
التسھیل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م٢٢
٣٣٨
تفسير سورة الأنفال
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ (١) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً لَّهُمْ دَرَجَتُّ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴿ يُجَدِلُونَكَ فِ اَلْحَقِّ
بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٢) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَنَيْنِ أَنَّهَا
الشيء وحقيقته وقال الزبيري إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام
العرب ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد في الحكم في الغنائم، قال عبادة بن الصامت نزلت
فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسول
الله ◌َيّ فقسمها على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية: أي الكاملون الإيمان فإنما هنا للتأكيد والمبالغة والحصر ﴿وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ أي خافت وقرأ أُبيّ بن كعب فزعت ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي قوي تصديقهم ويقينهم
خلافًا لِمَن قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن زيادته إنما هي بالعمل ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ﴾
يعني في الجنة ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فيه ثلاث تأويلات أحدها أن تكون الكاف في موضع
رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في
كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب، والثاني أن يكون في موضع الكاف
نصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدّر في قوله الأنفال الله والرسول أي استقرّت الأنفال
الله والرسول استقرارًا مثل استقرار خروجك، والثالث أن تتعلق الكاف بقوله يجادلونك ﴿مِن
بَيْتِكَ﴾ يعني مسكنه بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾
أي كرهوا قتال العدو، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها
أربعون راكبًا فأخبر بذلك جبريل النبي # فخرج بالمسلمين فسمع بذلك أهل مكة
فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير ليمنعوا عِيرهم فنزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن
الله قد وعدكم إحدى الطائفتين، إما العِير وإما قريش، فاستشار النبي ولو أصحابه، فقالوا
العِير أحبّ إلينا من لقاء العدو، فقال إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل
قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: أمضٍ لما شئت فإنّا مُتّبعوك وقال سعد بن معاذ والذي
بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقّ
بَعْدَ مَا تَبَيْنَ﴾ كان جدالهم في لقاء قريش بإيثارهم لقاء العير إذ كانت أكثر أموالاً وأقلّ
رجالاً؛ وتبيّن الحق: هو إعلام رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، بأنهم، ينصرون
﴿كَأَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ﴾ تشبيه لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ
:
٣٣٩
تفسير سورة الأنفال
لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونٌ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ
◌ِيُحِّقَّ الْحَقِّ وَيُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
٧
دَابِرَ الْكَفِرِينَ !
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَبِكَةِ مُهْدِفِينَ جَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلََّّ بُشْرَى
وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾﴾ إِذْ يُغَشِّيَكُمُ
النُّعَاسَ أَمَنَةٌ مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ
اللَّهُ إحدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ يعني قريش أو عِيرهم، والعامل في إذ محذوف تقديره اذكروا ﴿أَنَّها
لَكُمْ﴾ بدل من إحدى الطائفتين ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الشوكة عبارة
عن السلاح، سُمّيت بذلك لحدّتها، والمعنى تحبّون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي
العِير ﴿أن يُحِقَّ الْحَقِّ﴾ يعني يظهر الإسلام بقتل الكفّار وإهلاكهم يوم بدلا ﴿لِيُحِقّ الْحَقَّ﴾
متعلق بمحذوف تقديره ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل فعل ذلك وليس تكراراً للأول لأن الأول
مفعول يريد، وهذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة،
وبالحق الثاني الإسلام فيكون المعنى أن نصرهم، ليظهر الإسلام، ويؤيّد هذا قوله: ويبطل
الباطل أي يبطل الكفر ﴿إِذ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ إذ بدل من إذ يعدكم: وقيل يتعلق بقوله ليحقّ
الحقّ أو بفعل مضمر واستغاثتهم دعاؤهم بالغوث والنصر ﴿مُمِدْكُم﴾ أي مكثركم
﴿مُزْدِفِينَ﴾ من قولك ردفه إذا تبعه، وأردفته إياه إذا أتبعته إياه والمعنى يتبع بعضهم بعضًا،
فمَن قرأه بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومَن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل، وصحّ معنى
القراءتين لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضًا فمنهم تابعون ومتبوعون ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾
الضمير عائد على الوعد، أو على الإمداد بالملائكة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ إذ بدل من إذ
يعدكم أو منصوب بالنصر، أو بما عند الله من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره اذكر،
ومَن قرأ يغشاكم بضمّ الياء والتخفيف فهو من أغشى، ومَن قرأ بالضم والتشديد فهو من
غشى المشدّد، وكلاهما يتعدّى إلى مفعولين فنصب النعاس على أنه المفعول والثاني،
والمعنى يغطيكم به فهو استعارة، من الغشاء، ومَن قرأ بفتح الياء والشين فهو من غشي
المتعدّي إلى واحد أي ينزل عليكم النعاس ﴿أمَنَةً مِّنْهُ﴾ أي أمنًا، والضمير المجرور يعود
على الله تعالى، وانتصاب أمنة على أنه مفعول من أجله قال ابن مسعود النعاس عند حضور
القتال علامة أمن من العدو ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ تعديد لنعمة أخرى، وذلك
أنهم عدموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر، وقيل بعد وصولهم، فأنزل الله لهم
المطر حتى سالت الأودية ﴿لْيُطَهْرَكُم بِهِ﴾ كان منهم مَن أصابته جنابة فتطهّر بماء المطر،
٣٤٠
تفسير سورة الأنفال
إِذْ ◌ُسِ رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَبِتُا الَّذِينَ
١٠١
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ
مَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبِ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ ◌َكُلَّ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٍ وَمَن يُشَافِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَكَإِنَّ اللَّهُ شَدِيدُ
١٢
بَنَانِ
ـَ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَتَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١) بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِسْتُهُ
(١٣
الْمِقَابِ
وتوضأ به سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماء للطّهر ولا للوضوء ﴿ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَانِ﴾ كأن الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسة بسبب عدم الماء، فقالوا نحن
أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء، فأنزل الله المطر وأزال عنهم وسوسة الشيطان
﴿وليربط على قلوبهم﴾ أي يثبتها بزوال ما وسوس لها الشيطان وبتنشيطها وإزالة الكسل
عنها ﴿وَيَثَبْت بِهِ الأَقْدَامَ﴾ الضمير في به عائد على الماء، وذلك أنهم كانوا في رملة دهِمَةٍ لا
يثبت فيها قدم، فلما نزل المطر تلبدت وتدقت الطريق، وسهل المشي عليها والوقوف،
ورُوِيَ أن ذلك المطر بعينه صعب الطريق على المشركين فتبيّن أن ذلك من لطف الله.
﴿إِذْ يُؤَخَى﴾ يحتمل أن يكون ذلك بدلاً من إذ المتقدمة كما أنها بدل من التي قبلها،
أو يكون العامل فيه يثبت ﴿فَبْتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن يكون التثبيتُ بقتال الملائكة مع
المؤمنين أو بأقوال مؤنسة مقوية للقلب قالوها إذا تصوّروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في
نفوس المؤمنين ﴿سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّغْب﴾ يحتمل أن يكون من خُطَابَ الله
للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلاً لتثبيت المؤمنين، أو استئناف إخبار عمّا يفعله الله في
المستقبل: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعناق﴾ يحتمل أيضًا أن يكون خطابًا للملائكة أو للمؤمنين،
ومعنى فوق الأعناق أي على الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه مُتُبْحَ،
والضرب فيها يطير الرأس، وقيل المراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق، وقيل المراد الأعناق
وَفَوَقَ زائدة ﴿كُلَّ بَنَّانٍ﴾ قيل هي المفاصل، وقيل الأصابع وهو الأشهر في اللغة، وفائدة
ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسْره وقتله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شّاقُوا
اللَّهُ وَرَسُولَةٌ﴾ الإشارة إلى ما أصاب الكفّار يوم بدر، والباء للتعليل، وشافوا من الشّقَاق
وهُوَّ العداوة والمقاطعة ﴿ذَلِكُمْ قَذُوقُوهٌ﴾ الخطابِ هنا للكفّار، وذلكم مرفوع تقديره ذلكم
العقاب أو العذاب، ويحتمل أن يكون منصوباً بقوله: فذوقوه، كقولك زيدًا فَأضربه ﴿وَأَنَّ
لِلْكَافِرِينَ﴾ عطف على ذلكم على تقدير رفعها أو نصبه، أو مفعول معه، والواو بمعنى مع
﴿زَحْفَا﴾ خالٍ من الذين كفروا، أو من الفاعلُّ في لقيتم، ومعناه متقابلي الصفوف