Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ تفسير سورة النساء فَقَائِلٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (٨٣ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا وَخَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً إِلَه مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا (ثْ) وَإِذَا حُبِيِثُمْ بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ أُولوا الأمر، كما جاء في الحديث عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَ ل و طلّق نساءه، فدخل عليه، فقال: أطلّقت نساءك؟ فقال: ((لا))، فقام إلى باب المسجد، فقال إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم لم يطلّق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال وأنا الذي استنبطته، فعلى هذا يستنبطونه هم أولو الأمر، والضمير المجرور يعود عليهم، ومنهم لبيان الجنس، واستنباطه على هذا هو سؤالهم عنه النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم أو بالنظر والبحث، واستنباطه على التأويل الأول وهو سؤال الذين أذاعوه للرسول عليه الصلاة والسلام ولأُولي الأمر ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي هداه وتوفيقه، أو بعثه الرُّسُل، وإنزاله للكتب، والخطاب في هذه الآية للمؤمنين ﴿إلاّ قَلِيلاً﴾ أي إلاّ اتّباعًا قليلاً فالاستثناء من المصدر، والمعنى لولا فضل الله ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلاّ في أمور قليلة كنتم لا تتّبعونه فيها، وقيل إنه استثناء من الفاعل في اتّبعتم أي إلاّ قليلاً منكم وهو الذي يقتضيه اللفظ وهم الذين كانوا قبل الإسلام غير متّبعين للشيطان كورقة بن نوفل، والفضل والرحمة على بعث الرسول وإنزال الكتاب، وقيل إن الاستثناء من قوله أذاعوا به ﴿لاَ تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ﴾ لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي وَلّ أي إن أفردوك فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلاّ التحريض ﴿عَسَى اللَّهُ أن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل عسى من الله واجبة، والذين كفروا هنا قريش وقد كفّهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها وبفتح مكة ﴿وأشَدُ تَنْكِيلاً﴾ أي عقابًا وعذابًا ﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الشفاعة في مسلم لتفرج عنه كربة، أو تدفع مظلمة أو يجلب إليه خيرًا والشفاعة السيئة بخلاف ذلك وقيل الشفاعة الحسنة هي الطاعة والشفاعة السيئة هي المعصية، والأول أظهر، والكفل هو النصيب ﴿مُقِيتًا﴾ قيل قديرًا، وقيل حفيظًا، وقيل الذي يقيت الحيوان أي يرزقهم القوت ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا﴾ معنى ذلك الأمر بردّ السلام والتخيير بين أن يرد بمثل ما سلم عليه أو بأحسن منه والأحسن أفضل مثل أن يقال له سلام عليك فيردّ السلام ويزيد الرحمة والبركة، وردّ السلام واجب على الكفاية عند مالك والشافعي، وقال بعض الناس هو فرض عين، واختلف في الردّ على الكفّار، ٢٠٢ تفسير سورة النساء حَسِيبًا الْهَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيَةٌ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (ِهَ ﴾ فَمَا لَكُمْ فِ الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْبِدُ وأُمَنْ أَضَلَّ اَللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا لِهَا وَدُواْ لَوَ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُبْ حَيْثُ وَجَدِ ثُمُوهُمّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيًّا (َهَا إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُم ◌ِثَقُّ أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَائِلُوكُمْ أَوْ يُقَائِلُواْ قَوْمَهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَأَطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوكُمْ فَإِنِ فقيل يردّ عليهم لعموم الآية، وقيل لا يردّ عليهم، وقيل يقال لهم عليكم، حسبما جاء في الحديث، وهو مذهب مالك ولا يبتدؤون بالسلام ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ جواب قسم محذوفته، وتضمن معنى الحشر ولذلك تعدّى بإلى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه لا أحد أصدق من الله ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾ ما استفهامية بمعنى التوبيخ، والخطاب للمسلمين، ومعنى فئتين: أي طائفتين مختلفتين، وهو منصوب على الحال، والمراد بالمنافقين هنا ما قال ابن عباس أنها نزلت في قوم كانوا بمكة مع المشركين فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم ليغنموا تجارتهم لأنهم لم يهاجروا؟ أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنين وقال زيد بن ثابت نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أُحُد فاختلف الصحابة في أمرهم، ويردّ هذا قوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي أضلّهم، وأهلكهم ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ الضمير للمنافقين أي تمنّوا أن تكفروا ﴿فَخُذُوهُم﴾ يريد به الأسر ﴿إِلاَّ الَّذِيْنَ يَصِلُونَ﴾ الآية: استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم ومعناها أن مَن وصل من الكفّار غير المعاهدين إلی الكفّار المعاهدین وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهد ومهادنة فحکمه کحکمهم في المسالمة وترك قتاله وكان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال في أول سورة براءة، قال السهيلي وغيره: الذين يصلون هم بنو مدلج بن كنانة إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق بنو خزاعة فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله ټے فمعنی یصلون إلی قوم: ينتهون إلیھم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة وقيل معنى يصلون أي ينتسبون وهذا ضعيف جدًا بدليل قتال رسول الله ولو لقريش، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين فكيف لا يقاتل أقارب الكفّار المعاهدين أو جاءوهم حصرت صدورهم عطف على يصلون أو عطف على صفة قوم وهي: بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى يختلف باختلاف ذلك، والأول أظهر، وحصرت : : ٢٠٣ تفسير سورة النساء اُعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (١٠) سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَارُدُواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُتْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِ يَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَبِّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (١) وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّ خَطَا وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَّفُوْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ صدورهم: في موضع الحال بدليل قراءة يعقوب حصرت، ومعناه ضاقت عن القتال وكرهته، ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين وكرهوا أيضًا أن يقاتلوا قومهم وهم أقاربهم الكفّار فأمر الله بالكفّ عنهم ثم نسخ أيضًا ذلك بالقتال ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي إن سالموكم فلا تقاتلوهم، والسلم هنا الانقياد ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية: نزلت في قوم مخادعين وهم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا ليأمنوا قومهم والفتنة هنا الكفر على الأظهر، وقيل الاختبار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَأْ﴾ نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد وكان الحارث يعذّبه على الإسلام، ثم أسلم وهاجر ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله، وقيل إن الاستثناء هنا منقطع، والمعنى لا يحلّ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا بوجه، لكن الخطأ قد يقع، والصحيح أنه متّصل والمعنى لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنًا إلاّ على وجه الخطأ من غير قصد ولا تعدّ إذ هو مغلوب فيه، وانتصاب خطأ على أنه مفعول من أجله أو حال أو صفة لمصدر محذوف ﴿ومَنَ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأَ فَتَخْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ هذا بيان ما يجب على القاتل خطأ فأوجب الله عليه التحرير والديّة، فأما التحرير ففي مال القاتل. وأما الديّة ففي مال عاقلته، وجاء ذلك عن النبي وَل9، وبيان للآية إذ لفظها يحتمل ذلك أو غيره، وأجمع الفقهاء عليه، واشترط مالك في الرقبة التي تعتق أن تكون مؤمنة ليس فيها عقد من عقود الحرية، سالمة من العيوب أما إيمانها فنص هنا، ولذلك أجمع العلماء عليه هنا، واختلفوا في كفّارة الظهار وكفّارة اليمين، وأما سلامتها من عقود الحرية فيظهر من قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ﴾، لأن ظاهره أنه ابتداء عتق عند التفكير بها وأما سلامتها من العيب، فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه وفي ذلك نظر ولم يبيّن في الآية مقدار الديّة وهي عند مالك مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم شرعية على أهل الورق، ورُوِيّ ذلك عن عمر بن الخطاب ﴿مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ أي مدفوعة إليهم، والأهل هنا الورثة، واختلف في مدة ٢٠٤ تفسير سورة النساء مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ ◌ُلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَاتُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ٩٢ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا! ٩٣ تسليمها، فقيل هي حالة عليهم، وقيل يؤدّونها في ثلاث سنين، وقيل في أربع، ولفظ التسليم مطلق وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السُّنّة في ذلك ﴿إلاّ أن يَصَّدَّقُوا﴾ الضمير يعود على أولياء المقتول أي إذا أسقطوا الديّة سقطت، وإذا أسقطها المقتول سقطت أيضًا عند مالك والجمهور، خلافًا لأهل الظاهر، وحجّتهم عود الضمير على الأولياء، وقال الجمهور إنما هذا إذا لم يسقطها المقتول ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْم عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَخْرِيرُ وَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ معنى الآية: أن المقتول خطأ إن كان مؤمنًا وقومه كفّارًا أعداء وهم المحاربون فإنما في قتله التحرير خاصّة دون الديّة فلا تدفع لهم لئلا يتقوّوا بها على المسلمين، ورأى ابن عباس أن ذلك إنما هو فيمَن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر وخالفه غيره ورأى مالك أن الديّة في هذا البيت المال فالآية عنده منسوخة، ﴿وَإِن كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْئَهُم مِيثَاقٌ﴾ الآية: معناها أن المقتول خطأ إن كان قومه كفّارًا معاهدين ففي مثّله تحرير رقبة والديّة إلى أهله لأجل معاهدتهم، والمقتول على هذا مؤمن، ولذلك قال مالك لا كفّارة في قتل الذميّ، وقيل إن المقتول في هذه الآية كافر، فعلى هذا تجب الكفّارة في قتل الذميّ، وقيل هي عامّة في المؤمن والكافر، ولفظ الآية مطلق إلاّ أن قيّده قوله وهو مؤمن في الآية التي قبلها وقرأ الحسن هنا وهو مؤمن ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي مَن لم يجد الغتق ولم يقدر عليه فصيام الشهرين المتتابعين عوض منه ﴿تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدرية ومعناه رحمة منه وتخفيفًا ﴿وَمَن يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية: نزلت بسبب مقيس بن صبابة كان قد أخذ ديّة أخيه هشام المقتول خطأ، ثم قتل رجلاً من القوم الذين قتلوا أخاه وارتد مشركا، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بقتله، والمتعمّد عند الجمهور هو الذي يقصد القتل بحديدة أو حجر أو عصًا أو غير ذلك، وهذه الآية معطّلة على مذهب الأشعرية وغيرهم ممّن يقول لا يخلد عصاة المؤمنين في النَّار واحتجّ بها المعتزلة وغيرهم ممّن يقول بتخليد العصاة في النار لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ وتأولها الأشعرية بأربعة أوجه: أحدها أن قالوا إنها في الكافر إذا قتل مؤمنًا، والثاني قالوا معنى المتعمّد هنا المستحل للقتل، وذلك يؤول إلى الكفر، والثالث قالوا الخلود فيها ليس بمعنى ٢٠٥ تفسير سورة النساء يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَرَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيِّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩) لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ الدوام الأبدي، وإنما هو عبارة عن طول المدة، والرابع أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفُر أن يُشرَك به ويغفر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاء﴾، وأما المعتزلة فحملوها على ظاهرها، ورأوا أنها ناسخة لقوله: ﴿وَيَغْفِرِ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاء﴾، واحتجوا على ذلك بقول زيد بن ثابت نزلت الشديدة بعد الهيّنة وبقول ابن عباس، الشرك والقتل مَن مات عليهما خلد، وبقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلاّ الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل المؤمن متعمّدًا، وتقتضي الآية وهذه الآثار أن للقتل حكمًا يخصّه من بين سائر المعاصي، واختلف الناس في القاتل عمدًا إذا تاب، هل تقبل توبته أم لا؟ وكذلك حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتصّ منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟ والصحيح أنه يسقط عنه، لقول رسول الله بَّرَ، مَن أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفّارة، وبذلك قال جمهور العلماء ﴿ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي سافرتم في الجهاد ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من البيان وقرىء بالثاء المثلثة من الثبات والتفعل فيها بمعنى الاستفعال، أي اطلبوا بيان الأمر وثبوته ﴿أُلقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ بغير ألف أي انقاد وألقى بيده، وقرىء السلام بمعنى التحية، ونزلت في سرية لقيت رجلاً فسلّم عليهم، وقال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشقّ ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان القاتل علم بن جثامة والمقتول عامر بن الأغبط، وقيل القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنّيَا﴾ يعني الغنيمة، وكان للرجل المقتول غنم ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ وعد وتزهيد في غنيمة من أظهر الإسلام ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ قيل معناه كنتم كفّارًا فهداكم الله للإسلام، وقيل كنتم تخفون إيمانكم من قومكم ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالعزّة والنصر حتى أظهر تموه ﴿لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية: معناها تفضيل المجاهدين على مَن لم يجاهد وهم القاعدون ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لما نزلت الآية: قام ابن أم مكتوم الأعمى، فقال يا رسول الله هل من رخصة فإني ضرير البصر، فنزل غير أُولي الضرر وقرىء غير بالحركات الثلاث، بالرفع، صفة للقاعدین، وبالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالخفض صفة للمؤمنين ﴿دَرَجَةً﴾ قيل هي تفضيل على ٢٠٦ تفسير سورة النساء وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَّ ◌َوَفَشَّلَ الهُ اُلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا (٤٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورُ الرَّحِيمًا (٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنّ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهُنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٢٠) إِلَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٨) فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٦) ﴿ وَمَن يُّهَاجِرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَفَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(١٠) وَإِذَا القاعدين من أهل العذر والدرجات على القاعدين بغير عذر، وقيل إن الدرجات مبالغة وتأكيد الدرجة ﴿الحُسْنَى﴾ الجنة ﴿أَجْرًا﴾ منصوب على الحال من درجات أو المصدرية من معنى فضل، وانتصب درجات على البدل من الأجر أو بفعل مضمر، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلها: أي غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ الآية نزلت في قوم أسلموا بمكةٍ ولم يهاجروا، فلما. كان يوم بدر خرجوا مع الكفّار فقتلوا منهم قيس بن الفاكه والحارث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أميّة بن خلف ويحتمل أن يكون توفّاهم ماضيًا أو مضارعًا، وانتصب ظالمي على الحال ﴿قَالُوا فِيَ كُنْتُمْ﴾ أي في أي شيءٍ كنتم في أمر دينكم ﴿قَالُوا. كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ اعتذار عن التوبيخ الذي وبّخهم به الملائكة: أي لم تقدروا على الهجرة وكان اعتذارًا بالباطل ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ ردّ عليهم؛ وتكذيب لهم في اعتذارهم ﴿إِلاّ المُسْتَضْعَفِينَ﴾ الذين كان استضعافهم حقًّا، قال ابن عباس: كنت أنا وأبي وأمي ممّن عنى الله بهذه الآية ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي متحوّلاً وموضِعًا يرغم عدوّه بالذهاب إليه ﴿وَسَعَةً﴾ أي اتساعٍ في الأرض وقيل في الرزق ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي ثهت وصحّ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآية حكمها على العموم ونزلت في ضمرة بن القيمن وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضًا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال أخرجوني فهيبىء له فراش فوضع عليه وخرج فمات في الطريق، وقيل نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حيّة في الطريق فمات قبل أن يصل إلى أرض الحبشة ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِّتَكُمُ الَّذِينَ. ٢٠٧ تفسير سورة النساء ضَرَبُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا فُبِينًا (١٠) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ كَفَرُوا﴾ اختلف العلماء في تأويلها على خمسة أقوال: أولها أنها في قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، ولذلك لا يجوز إلا في حال الخوف على ظاهر الآية، وهو قول عائشة وعثمان رضي الله عنهما، الثاني أن الآية تقتضي ذلك ولكن يؤخذ القصر في السفر دون الخوف من السُّنّة، ويؤيّد هذا حديث يعلى بن أُميّة قال قلت لعمر بن الخطاب إن الله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله وح لول عن ذلك فقال: ((صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته))، وقد ثبت أن النبي ◌َّ قصر في السفر وهو آمن، الثالث أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ راجع إلى قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية التي بعد ذلك والواو زائدة وهذا بعيد، الرابع أنها في صلاة الخوف على قول مَن يرى أن تصلّي كل طائفة ركعة خاصّة، قال ابن عباس فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، الخامس أنها في صلاة المسايفة، فالقصر على هذا هو من هيأة الصلاة كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أو رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وإذا قلنا إنها في القصر في السفر، فظاهرها أن القصر رخصة، والإتمام أفضل وهو مذهب الشافعي، وقال مالك القصر أفضل، وقيل إنهما سواء، وأوجب أبو حنيفة القصر، وليس في لفظ الآية ما يدلّ على مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة؛ لأن قوله: ﴿إذا ضَرَبْتُم فِي الأرضِ﴾ معناه السفر مطلقًا، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر طويل أو قصير، ومذهب مالك والشافعي أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلاً؛ واحتجوا بآثار عن عمر وابن عباس، وكذلك ليس في الآية ما يدلّ على تخصيص القصر بسفر القربة أو السفر المباح دون سفر المعصية فإن لفظها مطلق في السفر، ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر في سفر القربة وفي المباح وفي سفر المعصية، ومنعه مالك في سفر المعصية، ومنعه ابن حنبل في المعصية، وفي المباح. وللقصر أحكام لا تتعلق بالآية فأضربنا عن ذكرها، والمراد بالفتنة في هذه الآية القتال أو التعرّض بما يكره ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية في صلاة الخوف، وظاهرها يقتضي أنها لا تُصَلّى بعد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم لأنه شرط كونه فيهم، وبذلك قال أبو يوسف، وأجازها الجمهور بعده صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنهم رأوا أن الخطاب له يتناول أمته، وقد فعلها الصحابة بعده صلّى الله عليه وآله وسلّم، واختلف الناس في صلاة الخوف على عشرة أقوال، لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا نضطر إلى ذكرها فإن ۔۔ ٢٠٨ تفسير سورة النساء وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمَّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن قَطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا تفسيرها لا يتوقف على ذلك، وكانت صلاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لصلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع ﴿فَلْتَقُمْ مُنْهُم مَّعَكَ﴾ يقسم الإمام المسلمين على طائفتين فيصلّي بالأولى نصف الصلاة، وتقف الأخرى تحرس ثم يصلّي بالثانية بقية الصلاة وتقف الأولى تحرس، واختلف هل تتمّ كل طائفة صلاتها وهو مذهب الجمهور، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام: اختلف هل يتمّونها في إثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ اختلفوا في المأمور بأخذ الأسلحة، فقيل الطائفة المصلّية وقيل الحارسة والأول أرجح، لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى: وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ويدلّ ذلك على أنهم إن قوتلوا وهم في الصلاة: جاز لهم أن يقاتلوا مَن قاتلهم، وإلاّ لم يكن لأخذ الأسلحة معنى إذا لم يدفعوا بها مَن قاتلهم ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدْوا﴾ للمصلّين، والمعنى إذا سجدوا معك في الركعة الأولى، وقيل إذا سجدوا في ركعة القضاء، والضمير في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُم﴾؛ يحتمل أن يكون للذين سجدوا: أي إذا سجدوا فليقوموا وليرجعوا وراءكم، وعلى هذا إن كان السجود في الركعة الأولى فيقتضي ذلك أنهم يقومون للحرابة بعد انقضاء الركعة الأولى، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقيّة صلاتهم أو لا يقضونها، وإن كان السجود في ركعة القضاء، فيقتضي ذلك أنهم لا يقومون للحراسة إلاّ بعد القضاء، وهو مذهب مالك والشافعي، ويحتمل أن يكون الضمير في قول: فليكونوا للطائفة الأخرى أن يقفوا وراء المصلّين يحرسونهم ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ يعني الطائفة الحارسةِ ﴿وَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: إخبار عمّا جرى في غزوة ذات الرقاع، من عزم الكفّار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فنزل جبريل على النبي وَل#، وأخبره بذلك، وشرعت صلاة الخوف حذرًا من الكفّار، وفي قوله: ﴿مَّيْلَةً وَاحِدَةٌ﴾: مبالغة أي مفاضلة لا يحتاج منها إلى ثانية ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذِى مِن مَّطَرِ﴾ الآية: نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضًا فوضع سلاحه فعنّفه بعض الناس، فرخّص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر، ويقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ ٢٠٩ تفسير سورة النساء ◌ُّهِيْنَا الَا فَإِذَا قَضَيِّتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْنَهُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا () وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ اَلْقَوْمَّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا ، وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٠) وَلَا تُجَدِلْ عَنِ تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا (٥ ١٠٥ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (٨٠) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّئُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠). عَذَابًا مُّهِينَا﴾ إن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين؟ فالجواب أن الأمر بالحذر من العدوّ: يقتضي توهّم قوّتهم وعزّتهم، فنفي ذلك الوهم بالإخبار أن الله يهينهم ولا ينصرهم لتقوى قلوب المؤمنين، قال ذلك الزمخشري وإنما يصحّ ذلك إذا كان العذاب المهين في الدنيا، والأظهر أنه في الآخرة ﴿فإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية: أي إذا فرغتم من الصلاة، فاذكروا الله بألسنتكم، وذكر القيام والقعود وعلى الجنوب ليعمّ جميع أحوال الإنسان، وقيل المعنى إذا تلبستم بالصلاة فافعلوها قيامًا فإن لم تقدروا فقعودًا، فإن لم تقدروا فعلى جنوبكم ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي إذا اطمأننتم من الخوف فأقيموا الصلاة على هيئتها المعهودة ﴿كِتَابَا مَّوْقُوتًا﴾ أي محدودًا بالأوقات وقال ابن عباس: فرضًا مفروضًا ﴿وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي لا تضعفوا في طلب الكفّار ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ الآية: معناها: إن أصابكم ألم من القتال فكذلك يصيب الكفّار ألم مثله، ومع ذلك فإنكم ترجون إذا قاتلتموهم: النصر في الدنيا، والأخر في الآخرة؛ وذلك تشجيع للمسلمين ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يريد بالوحي أو بالاجتهاد، أو بهما، وإذا تضمنت الاجتهاد، ففيها دليل على إثبات النظر والقياس خلافًا لمَن منع ذلك من الظاهرية وغيرهم ﴿وَلاَ تَكُنْ لٌلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طعمة بن الأبيرق إذا سرق طعامًا وسلاحًا لبعض الأنصار، وجاء قومه إلى النبي ◌َّ، وقالوا إنه بريء ونسبوا السرقة إلى غيره، وظن رسول الله وَغير أنهم صادقون، فجادل عنهم ليدفع ما نسب إليهم حتى نزل القرآن فافتضحوا، فالخائنون في الآية: هم السراق بنو الأبيرق، وقال السهيلي هم بشر وبشير ومبشر وأسيد، ومعناها لا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لغيرهم ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي من خصامك إلى الخائنين، على أنه ﴿ إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم ﴿إذْ التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١٤ ٢١٠ تفسير سورة النصاب هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَ لْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا () وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يُحِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا () وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا() وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْعَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِّئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِنْمَا مُّبِينًا () وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ حَلَيْكَ وَّحْمَتُهُ. لَمَّتِ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمَّ وَمَا يَضُرُّونَلِكَ مِنْ شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ﴿ لَّا خَّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحْ عَظِيمًا بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا ﴿١) وَمَنْ يُشَافِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلْهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٨٦) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ وَمَن يُشْرِْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا [﴾ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلََّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَا شَيْظَنَّا يُبَيِّتُونَ﴾ أي يدبرون ليلاً وإنما سمّى التدبير قولاً، لأنه كلام النفس، وربما كان معه كلام باللسان ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إِثْمًا﴾ قيل إن الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير عمد، والإثم لا یکون إلاّ عن عمد، وقيل هما بمعنى، وکرّر لاختلاف اللفظ ﴿ثُمّ یزم بِهِ برِیًا﴾ كان القوم قد نسبوا السرقة إلى لبيد بن سهل ﴿لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنَهُمْ أنْ يُضِلُوكَ﴾َ هم الذينَ جاؤوا إلى النبي وَلهو وأبرؤوا ابن الأبيرق من السرقة وهذه الآية وإن كانت إنما نزلت بسبب هذه القصة، فهي أيضًا تتضمن أحكام غيرها، وبقية الآية تشريف للنبي وَله، وتقدير لُنِعَّم الله عليه ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ إن كانت النجوى هنا بمعنى الكلامُ الخُقيّ،" فالاستثناء الذي بعدها منقطع، وقد يكون متصلاً على حذف مضاف تقديره إلاّ نجوى من أمر، وإن كانت النجوى بمعنى الجماعة فالاستثناء متصل ﴿وَمَنْ يَشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي يعاديه، والشقاق هو العداوة، ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق، لأنه ارتدّ وسائر إلى: المشركين ومات على الكفر، وهي عامّة فيه وفي غيره ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَّبِّيْلِ الْمُؤْمِئِينَ﴾ اُسْتدلّ الأصوليون بها على صحة إجماع المسلمين وأنه لا يجوز مخالفته، لأن من خالفه اتبع غير سبيل المؤمنين، وفي ذلك نظر ﴿نُوَلْهِ مَا تَؤُلَّى﴾ أي نتركه مع اختياره الفاسد ﴿إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ قد تقدّمَ الكلام على نظيرتها ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ الضمير في ٢١١ تفسير سورة النساء ـَّ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ ١١٨ قَرِيدًا ل﴿ لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا لـ وَلَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمُهَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا () يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرًا (١٤) أُوْ لَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (٢) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (٦) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ (١٢٤)) الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلََّكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا! يدعون للكفّار، ومعنى يدعون يعبدون، واختلف في الإناث هنا، فقيل هي الأصنام، لأن العرب كانت تسمّي الأصنام بأسماء مؤنثة: كاللّت والعُزّى، وقيل المراد الملائكة لقول الكفّار إنهم إناث وكانوا يعبدونهم فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليهم بقولهم الفاسد، وقيل المراد الأصنام، لأنها لا تفعل فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث ﴿إِلاّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ يعني إبليس، وإنما قال إنهم يعبدونه، لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال، والمريد هو الشديد العتوّ والإضلال ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة للشيطان ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ الضمير للشيطان: أي فرضته لنفسي من قولك فرض للجند وغيرهم، والمراد بهم أهل الضلال ﴿وَلِأَضِلَّنَّهُمْ﴾ أي أعدّهم الأماني الكاذبة ﴿فَلَيْبَتْكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ أي يقطعونها، والإشارة بذلك إلى البحيرة وشبهها ﴿فَلَيُغَيْرُنَّ خلق الله﴾ التغيير هو الخصاء وشبهه وقد رخّص جماعة من العلماء في خصاء البهائم، إذا كان فيه منفعة، ومنعه بعضهم لظاهر الآية، وقيل التغيير هو الوشم وشبهه، ويدلّ على هذا الحديث الذي لعن فيه الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلّجات للحُسْن، والمغيّرات خلق الله ﴿مَحِيصًا﴾ أي معدلاً ومهربًا ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران: الأوّل مؤكد للوعد الذي يقتضيه قوله: ﴿سَنُدْخِلهم جَنّات﴾، والثاني مؤكد لوعد الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ﴾ الآية: اسم ليس مضمر تقديره الأمر وشبهه، والخطاب للمسلمين، وقيل للمشركين أي لا يكون ما تتمنّون، ولا ما يتمنى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيد حتم في الكفّار، ومقيد بمشيئة الله في المسلمين ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ دخلت من للتبعيض رفقًا بالعباد، لأن الصالحات على الكمال لا يطيقها البشر ١,٢ ٢ تفسير سورة النساء وَمَنْ أَحْسَنُ بِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمٌ حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا (١٦) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبٍ فِ يَتَى اَلِسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَاَلْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنََ اُلْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا (٣) وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًاً وَاَلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتٍ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تقييد باشتراط الإيمان، فإنه لا يقبل عمل إلاّ به ﴿تَقِيرًا﴾ هو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى تمثيل بأقلّ الأشياء ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي دين الإسلام ﴿حَنِيفًا﴾ حال من المتّبع أو من إبراهيم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ أي صفيًّا، وهو مشتق من الخلّة بمعنى المودّة، وفي ذلك تشريف لإبراهيم، وترغيب في أتباعه. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ أي يسئلونك عمّا يجب عليهم في أمر النساء ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ عطف على اسم الله أي يفتيكم الله، والمتلوّ عليكم في الكتاب يعني القرآن ﴿فِي يَتَامَى النَّسَاءِ اللَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ كلن الرجل من العرب يتزوّج اليتيمة من أقاربه بدون ما تستحقه من الصداق، فقوله ﴿ما كتب لهنّ﴾ يعني ما تستحقه المرأة من الصداق، وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾: يعني لجمالهنّ ومالهنّ من غير توفية حقوقهنّ، فنهاهم الله عزّ وجل عن ذلك أول السورة في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَعَامَى﴾ الآية، وهذه الآية هي التي تُليَت عليهم في يتامى النساء، والمستضعفين من الولدان: عطف على يتامى النساء، والذي يُتلَى في المستضعفين من الولدان وهو قوله: ﴿يُوصِيكُم اللَّهُ في أَوَلاَدِكُم﴾، لأن العرب كانت لا تورث البنت ولا الابن الصغير، فأمر الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىِ بِالْقِسْطِ﴾ عطف على المستضعفين أي والذي يُتْلَى عليكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط، ويجوز أن يكون منصوبًا تقديره: ويأمركم أن تقوموا، او الخطاب في ذلك للأولياء، والأوصياء، أو للقضاة وشبههم، والذي تُلِيّ عليهم في ذلك هو قوله: ﴿إِنْ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَموالَ اليَقَلمَى ظُلمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية، وقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَينكم بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى غير ذلك ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِغْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَّيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْتَهُمَا صُلْحًا﴾ معنى الآية إباحة الصلح بين الزوجين، إذا خافت النشوز أو الإعراض، وكما يجوز الصلح مع الخوف كذلك يجوز ٢١٣ تفسير سورة النساء اُلْأَنفُسُ الشُّخَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا لَهَا وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١) وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّاً مِّنِ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٦) وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِمَا فِ السَّمَوَتِ (١٣٢) وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَانَ اَللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (٦َ، وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣٦) مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ تَوَابُ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٦) ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بعد وقوع النشوز أو الإعراض وقد تقدّم معنى النشوز، وأما الإعراض فهو أخفّ، ووجوه الصلح كثيرة منها أن يعطيها الزوج شيئًا أو تعطيه هي أو تسقط حقها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك، وسبب الآية أن سودة بنت زمعة لمّا كبرت خافت أن يطلّقها رسول الله وَ ل، فقالت له أمسكني في نسائك ولا تقسم لي وقد وهبت يومي لعائشة ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظ عامّ يدخل فيه صلح الزوجين وغيرهما، وقيل معناه صلح الزوجين خير من فراقهما فخير على هذا للتفضيل، واللام في الصلح للعهد ﴿وَأُخْضِرَتِ الأَنَفْسُ الشُّحَّ﴾ معناه أن الشح جعل حاضرًا مع النفوس لا يغيب عنها لأنها جبلت عليه والشحّ هو أن لا يسمح الإنسان لغيره بشيء من حظوظ نفسه، وشحّ المرأة من هذا هو طلبها لحقّها من النفقة والاستمتاع، وشخّ الزوج هو منع الصداق والتضييق في النفقة وزهده في المرأة لكبر سِنّها أو قُبْح صورتها ﴿وَلَّنْ تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنِ النِّسَاءِ﴾ معناه العدل التامّ الكامل في الأقوال والأفعال والمحبة وغير ذلك فرفع الله ذلك عن عباده، فإنهم لا يستطيعون، وقد كان رسول اللهَ وَّرِ يقسم بين نسائه ثم يقول اللّهمَّ هذا قسمي فيما أملك فلو تؤاخذني بما لا أملك يعني ميله بقلبه وقيل إن الآية نزلت في ميله والتر بقلبه إلى عائشة ومعناها اعتذار من الله تعالى عن عباده ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي لا ذات زوج ولا مطلّقة ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ الآية: معناها إن تفرّق الزوجان بطلاق أغنى الله كل واحد منهما من فضله عن صاحبه، وهذا وعد بخير وتأنيس ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ الآية: إخبار أن الله وصّى الأوّلين والآخرين بأن يتّقوه ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي بقوم غيركم، ورُوِيَ أنّ النبي ◌َّ لما نزلت ضرب بيده على كتف سلمان الفارسي، وقال: هم قوم هذا ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الآية: تقتضي الترغيب في ٢١٤ تفسير سورة النساء كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُ اْأَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، خَبِيرًا وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاَ بَعِيدًا ﴿َ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ◌َزْدَادُواْ كُفْرَاً لَّمْ يَكٍُ طلب ثواب الآخرة، لأنه خير من ثواب الدنيا، وتقتضي أيضًا أن يطالب ثواب الدنيا والآخرة من الله وحده، فإنّ ذلك بيده لا بيد غيره، وعلى أحد هذين الوجهين، يرتبط الشرط بجوابه، فالتقدير على الأول، مَن كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه خاصّة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، وعلى الثاني مَن كان يريد ثواب الدنيا فليطلبه من الله فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي مجتهدين في إقامة العدل ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ معناه لوجه الله ولمرضاته ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يتعلق بشهد وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراره بالحق، ثم ذكر الوالدين والأقربين، إذهم مظنّة للتعصّب والميل: فإقامة الشهادة على الأجنبيين من باب أولى وأحری ﴿إِن يَكُنْ غَنًا أَو فَقِیرًا﴾ جواب إن محذوف على الأظهر أي إن يكن المشهود عليه غنيًّا، فلا تمتنع من الشهادة تعظيمًا له، وإن كان فقيرًا فلا تمتنع من الشهادة عليه اتّفاقًا فإنّ الله أولى بالغني والفقير، أي بالنظر إليهما ﴿فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ أن مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون المعنى من العدل، فالتقدير إرادة أن تعدلوا بين الناس، أو من العدل، فالتقدير كراهة أن تعدلوا عن الحق ﴿وَإِن تَلْؤُوا أَوْ تُغْرِضُوا﴾ قيل: إن الخطاب للحكام، وقيل للشهود، واللفظ عامّ في الوجهين، والليّ هو تحريف الكلام أي تلووا عن الحكم بالعدل أو عن الشهادة بالحق أو تعرضوا عن صاحب الحق، أو عن المشهود له بالحق، فإنّ الله يجازيكم فإنه خبير بما تعملون، وقرىء تلوا. بضم اللام من الولاية: أي إن وليتم إقامة الشهادة، أو أعرضتم عنها ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية خطاب للمسلمين: معناه الأمر بأن يكون إيمانهم على الكمال بكل ما ذكر، أو يكون أمرًا. بالدوام على الإيمان، وقيل خطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدمين: معناه الأمر بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد ◌َله، وقيل خطاب للمنافقين معناه الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم: وقلوبهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية، قيل هي في المنافقين لتردّدهم بين الإيمان والكفر، وقيل في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم كفروا بمحمد وَله، والأقل. أرجح؛ لأنّ الكلام من هنا فيهم، والأظهر أنها فیمن آمن بمحمد ێے، ثم ارتد، ثم عاد إلى : ٢١٥ تفسير سورة النساء اُلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ١٣٨ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ثَ بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (٣) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِيُكْفَرُ بِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهَِّ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا (٢) الَّذِينَ يَرَّبِّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَمَ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْتَعَّكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٩) إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى مُذَبَذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى ١٤٢ الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا ج يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ (١٤٣ هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَّجِدَ لَهُ سَبِيلًا اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًّا مُبِينًا لَهَا إِنَّ الْتَُفِقِينَ فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الإيمان، ثم ارتدّ وازداد كفرًا ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذلك فيمن علم الله أن يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقابًا لهم بسوء أفعالهم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية: إشارة إلى قوله: ﴿وإذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنا فأعْرِض عَنْهم﴾ [الأنعام: ٦٨] وغيرها، وفي الآية دليل على وجوب تجنّب أهل المعاصي، والضمير في قوله معهم يعود على ما يدلّ عليه سياق الكلام من الكافرين والمنافقين ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ صفة للمنافقين: أي ينتظرون بكم دوائر الزمان ﴿أَلَمْ نَسْتَخْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي نغلب على أمركم بالنصرة لكم والحمية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ قال علي بن أبي طالب وغيره: ذلك في الآخرة، وقيل السبيل هنا الحجة البالغة ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ذكر في البقرة ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب، لأنّ وِبال خداعهم راجع عليهم ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ أي مضطربين متردّدين، لا إلى المسلمين ولا إلى الكفّار ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي حجّة ظاهرة ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ﴾ أي في الطبقة السفلى من جهنم، وهي سبع طبقات وفي ذلك دليل على أنهم شرّ من الكفّار ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناء من المنافقين، والتوبة هنا الإيمان الصادق في الظاهر والباطن ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ المعنى أي حاجة ٢١٦ تفسير سورة الحماة مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَمَا مَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا ١٤٦ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلٍِّ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا لَيْمٍ إِن عَلِيمًا لـ ثُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهُ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (٤٦) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (٤) أُوْلَتِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَاِفِينَ هَذَابًا ◌ُّهِينًا ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِهِمْ ج يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا لِ ومنفعة لله بعذابكم وهو الغنيّ عنكم، وقدّم الشكر على الإيمان، لأن العبد ينظر إلى النّجم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمُنعِم فكان الشكر سببًا للإيمان: متقدّم عليه، ويحتمل أن يكون الشكر يتضمن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيدًا واهتمامًا به، والشاكر اسم الله ذكر في اللغات ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ أي إلاّ جهر المظلوم فيجوز له من الجهر أن يدعو على من ظلمه، وقيل أن يذكر ما فعل به من الظلم، وقيل أن يرد عليه بمثل مظلمته، إذاكان شتمه ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَو تُخْفُوهُ﴾ الآية: ترغيب في فعل الخير سرًّا وعلانيةً، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار لأن العفو أحبّ إلى الله من الانتصار، وأكّد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعفو مع القدرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكَفَرُونَ﴾ الآية: في اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بأنبيائهم، وكفروا بمحمد 8# وغيره، ومعنى التفريق بين الله ورسله الإيمان به، والكفر برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم، فحكم الله على مَن كان كذلك بحكم الكفر الحقيقي الكامل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية: في أمّة محمد ◌َلّر لأنهم آمنوا بالله وجميع رسله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية، رُوِيَ أن اليهود قالوا للنبي ولو لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة، وقیل کتاب إلى فلان، وكتاب إلى فلان بأنك رسول الله، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنّت، فذكر الله سؤالهم من موسى، وسوء أدبهم معه تسلية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتأسّي بغيره، ثم ذكر أفعالهم القبيحة ليبيّن أنّ كفرهم إنما هو عتاد، وقد تقدّم في البقرة ذكر طلبهم للرؤيا، واتخاذهم العجل، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السبت وغير ذلك بما أُشير إليه هنا ٢١٧ تفسير سورة النساء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اُللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيْنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا ◌َ، وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُطُوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ مُجَّدًا وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِِّشَقًّا غَلِيظَا ◌ِجَ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِشَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا () وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ﴾ ما زائدة للتأكيد، والباء تتعلق بمحذوف تقديره بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو تتعلق بقوله: ﴿حَرّمْنَا عَلَيهِم﴾، ويكون فبظلم على هذا بدلاً من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهم﴾ ﴿بُهْتَانَا عَظِيمًا﴾ هو أن رموا مريم بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عدّد الله في جملة قبائحهم قولهم إنّا قتلنا المسيح لأنهم قالوها افتخارًا وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك، ولزمهم الذنب، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا الشخص الذي ألقي عليه شبهه، وهم يعتقدون أنه عيسى، ورُوِيّ أن عيسى قال للحواريّين أيّكم يُلْقَى عليه شبهي فيُقتَل ويكون رفيقي في الجنة، فقال أحدهم أنا فألقي عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى، وقيل بل دلّ على عيسى يهوديّ، فألقى الله شبه عيسى على اليهودي فقتل اليهودي ورفع عيسى إلى السماء حيًّا، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجّال ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف قالوا فيه رسول الله، وهم يكفرون به ويسبّونه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها أنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، والثاني أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم، والثالث أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنّا قتلناه ﴿وَمَا قَتَّلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ردّ عليهم وتكذيب لهم وللنصارى أيضًا في قولهم إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك والعجب كل العجب من تناقضهم في قوله إنه إله أو ابن إله ثم يقولون إنه صلب ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما ما ذكرناه من إلقاء شبهه على الحواري أو على اليهودي، والآخر أنّ معناه شبّه لهم الأمر أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلاً آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغيّر بحيث لا يعرف، وقالوا للناس هذا عيسى، ولم يكن عيسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمّدين للكذب ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مُّنْهُ﴾ رُوِيَ أنه لما رفع عيسى وألقى شبهه على ٢١٨ تفسير: سورة النساء لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِيْنَ اْتَلَفُواْ فِهِ لَفِى سَّكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِ مِّنَ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنِّ وَمَا تَتَلُوهُ يَقِيَّنَا ◌َل زَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (ِنْهَ وَإِن ◌ِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ◌ِهَا فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَاهُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَِّبَتٍ أَمِلَتْ لَكُمْ وَبِصَدِ هِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ◌ِ﴾ وَأَخْذِ هِمُ الْرّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَقْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿يَ لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَّ أَنْزِلَ إِن غيره فقتلوه، قالوا إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، فاختلفوا، فقال بعضهم هو هو، وقال بعضهم ليس هو، فأجمعوا أن شخصًا قتل، واختلفوا مَن كان ﴿إِلَّ اتْبَاعَ الظَّنْ﴾ استثناء منقطع لأنّ العلم تحقيق والظن تردد)، وقال ابن عطية: هو متصل إذ الظن والعلم يجمعهما جنس المعتقدات، فإن قيل: كيف وصفهم بالشك وهو تردّد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظنّ وهو ترجيح أحد الاحتمالين؟ فالجواب أنهم كانوا على الشك، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا، قاله الزمخشري، وقد يقال الظن بمعنى الشك وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي ما قتلوه قتلاً يَقِينًا فإعراب يقينًا على هذا صفة لمصدر محذوف، وقيل هي مصدر في موضع الحال: أي ما قتلوه متيقنين، وقيل هو تأكيد للنفي الذي في قوله ما قتلوه أي يتيقن نفي قتله، وهو على هذا منصوب على المصدرية ﴿بَلْ رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي إلى سمائه وقد ورد في حديث الإسراء أنه في السماء الثانية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيها تأويلان: أحدهما أن الضمیر في موته لعیسی، والمعنى أنه کل أحد من أهل الكتاب يؤمن بعيسى حين ينزل إلى الأرض قبل أن يموت عيسى وتصير الأديان كلها حينئذ دينًا واحدًا، وهو دين الإسلام، والثاني أنّ الضمير في موته للكتاب الذي تضمنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ التقدير: وإن من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمننّ بعيسى، ويعلم أنه نبيّ قبل أن يموت هذا الإنسان، وذلك حين معاينة الموت، وهو إيمان لا ينفعه، وقد رُوِيَ هذا المعنى محن ابن عباس وغيره، وفي مصحف أبيّ بن كعب قبل موتهم، وفي هذه القراءة تقوية للقول الثاني، والضمير في به لعيسى على الوجهين، وقيل هو لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿وَ بصدّهِمْ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الإعراض فيكون كثيرًا صفة لمصدر محذوف تقديره صدًّا کثیرًا، أو بمعنى صدّهم لغيرهم، فیکون کثیرًا مفعولاً بالصدّ، أي صدّوا کثیرًا من الناس عن سبيل الله ﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ هو عبد الله بن سلام، ومخيرق، ومَن جرى مجراهم ﴿وَالمُقِيمِينَ﴾ منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو جائز كثيرًا في : ٢١٩ تفسير سورة النساء قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّا عَظِيمً [َ ﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا (٢) وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (3) رُسُلًا مُّبَشِِّينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا فَ لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَّلَ إِلَيْكٌَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَلًا بَعِيدًا (١٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمَّ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (٦) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِبِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرًا (١٦) يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ الرَّسُولُ ◌ِلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيًا الكلام، وقالت عائشة هو من لحن كتاب المصحف، وفي مصحف ابن مسعود: والمقيمون، على الأصل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية: ردّ على اليهود الذين سألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاج عليهم بأن الذي أتى به وحي: كما أتى مَن تقدّم من الأنبياء بالوحي من غير إنزال الكتاب من السماء، ولذلك أكثر من ذكر الأنبياء الذين كان شأنهم هذا لتقوم بهم الحجة ﴿وَرُسُلاَ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ منصوب بفعل مضمر أي أرسلنا رسلاً ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ تصريح بالكلام مؤكد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة إنّ الشجرة هي التي كلّمت موسى ﴿رُسُلاَ مُبَشْرِينَ﴾ منصوب بفعل مضمر أو على البدل ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي بعثهم الله ليقطع حجة مَن يقول لو أرسل إليّ رسولاً لآمنت ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الآية: معناها أنّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك، وسبب الآية: إنكار اليهود للوحي، فجاء الاستدراك على تقدير أنهم قالوا لن نشهد بما أنزل إليك، فقيل لكن الله يشهد بذلك، وفي الآية من أدوات البيان الترديد، وهو ذكر الشهادة أولاً، ثم ذكرها في آخر الآية ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ في هذا دليل لأهل السُّنّة على إثبات علم الله، خلافًا للمعتزلة في قولهم إنه عالم بلا علم، وقد تأوّلوا الآية بتأويل بعيد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب عامّ، لأنَّ النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم بعث إلى جميع الناس ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ٢٢٠ تفسير سورة النساء حَكِيمًا (٤) يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى وِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَّ إِنَّمَا اٌلْمَسِيِجُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلقَّنُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌْ مِنْهُ فَامِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلٍِّ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَتَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدُ لَّمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (بَلَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَ الْمَلَبِكَةُ الْمُقْرَبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْ فَسَيَخْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا: (بَلَ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ غَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا ـَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمْ بُرْهَدٌ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًّاُّبِيْنَا (٤) فَأَمَّا الَّذِينَ وَلا نَصِيراً. ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدِْلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِهِمْ إِلَيْهِ صِرًَّا مُسْتَقِيمًا (٣٦) يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ إِنِ أَمْرُؤُأَ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ وَ أُخْتُ انتصب خبرًا هنا، وفي قوله: ﴿اقْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ بفعل مضمر لا يظهر تقديره إيتوا خيرًا لكم هذا مذهب سيبويه، وقال الخليل: انتصب بقوله آمنوا وانتهوا على المعنى، وقال الفرّاء فآمنوا إيمانا خيرًا لكم فنصبه على النعت لمصدر محذوف، وقال الكوفيون هو خبر كان المحذوفة تقديره يكن الإيمان خيرًا لكم ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنِ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي هو في غِنَى عنكم لا يضرّه كفركم ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا خطاب للنصارى لأنهم غلوا في عيسى حتى كفروا، فلفظ أهل الكتاب عموم يراد به الخصوص في النصارى، بدليل ما بعد ذلك والغلو هو الإفراط وتجاوز الحدّ ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي مكوّن عن كلمته التّيّ هي كنّ من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي ذو روح من الله، فمن هنا لابتداء الغاية، والمعنى من عند الله، وجعله من عند الله لأن الله أرسل به جبريل عليه السلام إلى مريم ﴿وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ نهى عن التثليث، وهو مذهب النصارى وإعراب ثلاثة خبر مبتدأ مضمر ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ برهان على تَنْزِيَّهُه تعالى عن الولد، لأنه مالك كل شيء ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يأنف كذلك، ومعناه حيث وقع ﴿وَلاَ المَلائِكَةُ﴾ فيه دليل لمَن قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، لأن المعنى لن يستنكف عيسى ومَن فوقه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ﴾ هو القرآن، وهو أيضًا النور المبين، ويحتمل أن يريد بالبرهان الدلائل والحجج، وبالنور النّبِي وَّ، لأنه سماء سراجًا ﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾ أي يطلبون