Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
تفسير سورة النساء
يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٥) وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَّيْتُمْ
إِحْدَ نهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٤) وَكَيْفَ
تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا لَا وَلَا
تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا
على هذا معناه ما آتاها الرجل الذي مات، وقال ابن عباس: هي في الأزواج الذين
يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها حتى تفتدي بصداقها، وهو ظاهر اللفظ في قوله ما
آتيتموهنّ، ويقوّيه قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوفِ﴾، فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج،
وقد يكون في غيرهم، وقيل هي للأولياء ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ﴾ قيل الفاحشة هنا
الزنا، وقيل نشوز المرأة وبغضها في زوجها، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صداق
أو غير ذلك من مالها وهذا جائز على مذهب مالك في الخلع، إذا كان الضرر من المرأة،
والزنا أصعب على الزوج من النشوز، فيجوز له أخذ الفدية ﴿فَإن کَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ الآية:
معناها إن كرهتم النساء لوجه فاصبروا عليه، فعسى أن يجعل الله الخير في وجه آخر، وقيل
الخير الكثير الولد، والأحسن العموم، وهذا معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا يترك
مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي آخر ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْج﴾ الآية: معناها
المنع من أن يأخذ الرجل من المرأة فدية على الطلاق إن أراد أن يبدلها بأخرى وعلى هذا
جرى مذهب مالك وغيره في المنع من الفدية إذا كان الضرر وأرادت الفراق من الزوج،
فقال قوم إنّ هذه الآية منسوخة بقوله في البقرة: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَت بِهِ﴾
[البقرة: ٢٢٩]، وقال قوم هي ناسخة، والصحيح أنها غير ناسخة ولا منسوخة، فإنّ جواز
الفدية على وجه ومنعها على وجه، فلا تعارض ولا نسخ ﴿قِتْطَارًا﴾ مثال على جهة المبالغة
في الكثرة، وقد استدلّت به المرأة على جواز المغالاة في المهور حين نهى عمر بن
الخطاب عن ذلك فقال عمر رضي الله عنه امرأة أصابت، ورجل أخطأ، كل الناس أفقه
منك يا عمر ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كناية عن الجماع ﴿مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قيل عقدة
النكاح، وقيل قوله: ﴿فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقيل الأمر
بحُسْن المعاشرة ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ كان بعض العرب يتزوّج امرأة أبيه
بعده فنزلت الآية تحريمًا لذلك، فكل امرأة تزوّجها رجل حُرِّمَت على أولاده ما سفلوا،

١٨٢
تفسير سورة النساء
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
٢٢
وَسَآءَ سَبِيلًا
وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم ◌ِنَ
سواء دخل بها أو لم يدخل، فالنكاح في الآية بمعنى العقد، وما نكح: يعني النساء، وإنما
أطلق عليهنّ ما، وإن كنّ ممّن يعقل؛ لأنّ المراد الجنس فإن زنى رجل بامرأة فاختلف هل
يحرم تزوّجها على أولاده أم لا: فحرّمه أبو حنيفة، وأجازه الشافعي، وفي المذهب قولان:
واحتجّ مَن حرّمه بهذه الآية وحمل النكاح فيها على الوطء وقال مَن أجازه إنّ الآية لا تتناوله
إذ النكاح فيها بمعنى العقد ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي إلاّ ما فعلتم في الجاهلية من ذلك،
وانقطع بالإسلام فقد عفى عنه فلا تؤاخذون به، ويدلّ على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ بعد قوله: ﴿إلاّ ما قد سلف﴾ في المرأة الأخرى في الجمع بين الأختين قال ابن
عباس: كانت العرب تحرّم كلّ ما حرّمته الشريعة إلّ امرأة الأب، والجمع بين الأُختين،
وقيل المعنى: إلاّ ما قد سلف فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن؛ فالمعنى المبالغة في
التحريم ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ كان في هذه الآية تقتضي الدوام كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، وشبه ذلك وقال المبرّد هي زائدة وذلك خطأ لوجود خيرها منصوبًا، وزاد
هذا المقت على ما وصف من الزنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً﴾:
دلالة على أن هذا أقبح من الزنا.
﴿حُرَّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. معناها تحريم ما ذكر من النساء، والنساء المحرمات على
التأبيد ثلاثة أصناف؛ بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة. فأما النسب فيحرم به سبعة
أصناف، وهي المذكورة في هذه الآية، وضابطها أنه يحرم على الرجل فصوله ما سفلت،
وأصوله ما علت، وفصول أبويه ما سفلت وأول فصل من كل أصل متقدّم على أبويه
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه الوالدة والجدّة من قبل الأم والأب ما عَلَون ﴿وَيَتَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه
البنت وبنت الابن وبنت البنت ما سفلن ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه الأُخت الشقيقة؛ أو لأب
أو لأُم ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ يدخل فيه أُخت الوالد، وأُخت الجدّ ما علا، سواء كانت شقيقة أو
لأب أو لأُم ﴿وَخَالاَتُكُمْ﴾ يدخل فيه أُخت الأُم وأُخت الجدّ ما علت سواء كانت شقيقة أو
لأب أو لأم ﴿وَبَنَاتُ الأَخْ﴾ يدخل فيه كلّ مَن تناسل من الأخ الشقيق أو لأب أو لأُم
﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ يدخل فيه كل ما تناسل من الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ
اللَِّي أَرْضَعْتَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهم الأُم والأُخت
١

١٨٣
تفسير سورة النساء
الرَّضَعَةِ وَأُمَهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَيِبُكُمُ الَّتِى فِ حُجُورِ كُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى
دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَمِلُ
أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَّ
وقال رسول الله وَ ر: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فاقتضى ذلك تحريم
الأصناف السبعة التي تحرم من النسب وهي الأُم والبنت والأُخت والعمّة والخالة وبنت الأخ
وبنت الأُخت وتفصيل ذلك يطول، وفي الرضاع مسائل لم نذكرها لأنها ليس لها تعلّق
بألفاظ الآية ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ المحرّمات بالمصاهرة أربع: وهنّ زوجة الأب، وزوجة
الابن، وأُمّ الزوجة، وبنت الزوجة، فأما الثلاث الأُوَل فتحرم بالعقد دخل بها أم لم يدخل
بها، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلاّ بعد الدخول بأُمّها، فإن وطئها حرّمت عليه بنتها
بالإجماع، وإن تلذّذ بها دون الوطء فحرّمها مالك والجمهور وإن عقد عليها ولم يدخل
بها: لم تحرم بنتها إجماعاً، وتحرم هذه الأربع بالرّضاع كما تحرم بالنسب ﴿وَرَبَائِيُكُمُ
اللِّي فِي حُجُورِكُم مِّن نْسَائِكُمْ﴾ الربيبة هي بنت امرأة الرجل من غيره: سُمّيت بذلك لأنه
يربّيها فلفظها فعيلة بمعنى مفعولة، وقوله: ﴿اللَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ على غالب الأمر إذ
الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أُمّها، وهي محرّمة سواء كانت في حجره أم لا، هذا
عند الجمهور من العلماء، إلاّ ما رُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز
نكاحها إن لم تكن في حجره ﴿اللأَِّي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ اشترط الدخول في تحريم بنت
الزوجة، ولم يشترط في غيرها، وعلى ذلك جمهور العلماء إلّ ما رُوِيَ عن علي بن أبي
طالب أنه اشترط الدخول في تحريم الجميع، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك ﴿وَحَلاَئِلُ
أَبْنَائِكُمْ﴾ الحلائل جمع حليلة وهي الزوجة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ تخصيص ليخرج عنه
زوجة الابن يتبنّاه الرجل، وهو أجنبي عنه كتزويج رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله
وسلّم زينب بنت جحش امرأة زيد بن حارثة الكلبي الذي كان يقال له زيد بن محمد صلّى
الله تعالى عليه وآله وسلّم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريم الجمع بين الأُختين
سواء كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم وذلك في الزوجتين، وأما الجمع بين الأختين المملوكين
في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ
الأختين، وأجازه الظاهرية لأنهم قصروا الآية على الجمع بالنكاح، وأما الجمع بين الأُختين
في الملك دون وطء فجائز باتفاق ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ المعنى إلاّ ما فعلتم من ذلك في
الجاهلية وانقطع بالإسلام فقد عفى عنكم فلا تؤاخذون به، وهذا أرجح الأقوال حسبما

١٨٤
تفسير سورة النساء
﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾
كِغَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ فَمَا
أَسْتَمْتَعْثُمْ بِهِ، مِنْهُنَّ فَشَا تُوهُنَّ أُجُورَهُر ◌َ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُمْ بِ، مِنْ بَعْدِ
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنَكِحَ
اُلْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا لَهـ
تقدم في الموضع الأول ﴿والمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ المراد هنا ذوات الأزواج وهو معطوف
على المحرّمات المذكورة قبله، والمعنى أنه لا يحلّ نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل
﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى أن
المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سُبِيَت: جاز لمَن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسببها
ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث جيشًا إلى أوطاس فأصابوا سبايا من العدوّ
لهنّ أزواج من المشركين فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مُبيحة لذلك، ومذهب
مالك أن السبي يهدم النكاح سواء سُبِيَ الزوجان الكافران معًا أو سُبِيَ أحدهما قبل الآخر،
وقال ابن الموّاز: لا يهدم السبي النكاح ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على المصدرية: أي
كتب الله عليكم كتابًا وهو تحريم ما حرّم؛ وهو عند الكوفيين منصوب على الإغراء ﴿وأُحِلَّ
لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ معناه أُحلّ لكم تزويج مَن سوى ما حرم من النساءِ، وعطف أحلّ على
الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، والفاعل هو الله أي كتب الله عليكم تحريم مَن ذكر،
﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ فَلِكُمْ﴾ ﴿أَن تَبْتَغُوا﴾ مفعول من أجله، أو بدل مما وراء ذلكم،
وحذف مفعوله وهو النساء ﴿مُخْصِنَينَ﴾ هنا العفّة، ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا
﴿فَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي غير زناة، والسفاح هو الزنا ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
فَرِيضَةً﴾ قال ابن عباس وغيره. معناها إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء
الأجْر وهو الصداق كاملاً وقيل إنها في نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل من غير ميراث،
وكان جائزًا في أول الإسلام فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه، ثم حرّم عند جمهور
العلماء، فالآية على هذا منسوخة بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة، وقيل نسختها آية
الفرائض لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه، وقيل نسختها ﴿والّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُون﴾
[المؤمنون: ٥] ورُوِيَ عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، ورُوِيّ أنه رجع عنه ﴿وَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ مَن قال إن الآية المتقدمة في مهور النساء فمعنى هذه جواز ما
يتراضون به من حظّ النساء من الصداق أو تأخيره بعد استقرار الفريضة ومَن قال إن الآية في
نكاح المتعة. فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر

١٨٥
تفسير سورة النساء
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍٍّ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ ◌ِلْمَعْرُوفِ
مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ
﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُخْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمن ما مَلَكَتْ أيمَانكم مِن
فَتَيَاتِكُم المُؤمِنَات﴾ معناها إباحة اتزويج الفتيات وهُنّ الإماء للرجل إذا لم يجد طولاً
للمحصنات، والطول هنا هو السّعة فى المال والمحصنات هنا يراد بهنّ الحرائر غير
المملوكات ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحرّ نكاح أمة إلاّ بشرطين: أحدهما
عدم الطول؛ وهو ألاّ يجد ما يتزوج به حرّة، والآخر خوف العنت وهو الزنا لقوله بعد
هذا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنتَ مِنْكُم﴾، وأجاز ابن القاسم نكاحهنّ دون الشرطين على
القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة التي تتزوج لقوله
تعالى: ﴿مِّنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلاّ أهل العراق فلم يشترطوه، وإعراب طَوْلاً: مفعولاً
بالاستطاعة وأن ينكح بدل منه وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح؛ ويحتمل أن يكون
طولاً منصوبًا على المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا
مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر ﴿واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنْمَانِكُم﴾ معناه أنه يعلم بواطن الأمور ولكم
ظواهرها، فإذا كانت الأمة ظاهرة الإيمان، فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله ﴿بَعْضُكُم
مِّن بَعْضٍ﴾ أي إماؤكم منكم، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، لأن بعض العرب كان يأنف من
ذلك ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي بإذن ساداتهنّ المالكين لهنّ ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي
صدقاتهنّ، وهذا يقتضي أنهنّ أحقّ بصدقاتهنّ من ساداتهنّ، وهو مذهب مالك
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالشرع على ما تقتضيه السُّنّة ﴿مُخْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي عفيفات
غير زانيات، وهو منصوب على الحال والعامل فيه فانكحوهنّ ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع
خدن وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية مَن تتّخذ خدنا تزني معه خاصّة، ومنهنّ مَن
كانت لا تردّ يد لامس ﴿فَإِذَا أُخْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُخْصَنَاتِ مِنَ
الْعَذَابِ﴾ معنى ذلك أن الأمة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرّة، فإن الحرّة
تجلد في الزنا مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين، فإذا أحصنّ يريد به هنا تزوّجهنّ،
والفاحشة هنا الزنا، والمحصنات هنا الحرائر، والعذاب هنا الحدّ فاقتضت الآية حدّ الأمة
إذا زنت بعد أن تزوّجت ويؤخذ حدّ غير المتزوّجة من السُّنّة وهو مثل حدّ المتزوّجة وهذا

١٨٦
تفسير سورة النساء
لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿هَ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَّنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاَللّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ ﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا.
٢٧
الشَّهَوَتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَنْ
قَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٦) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَهَا وَظُلْهَا
على قراءة أحصنّ بضمّ الهمزة وكسر الصاد، وقرىء بفتحهما، ومعناه أسلمن، وقيل
تزوّجن ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ الإشارة إلى تزوّج الأمة أي إنمَا يجوز لمن خشي
على نفسه الزنا، لا لمَن يملك نفسه ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ المراد الصبر عن نكاح
الإماء، وهذا يندب إلى تركه، وعلّته ما يؤدّي إليه من استرقاق الولد ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَّ لَكُمْ﴾
قال الزمخشري أصله يريد الله أن يبيّن لكم فزٍيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في
لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب، وقال الكوفيون اللام مصدرية مثل أن ﴿وَتَهْدِيكُمْ سُنَّنَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي يهديكم مناهج مَن كان قبلكم من الأنبياء والصالحين لثقتدوا بهم ﴿واللَّهُ
يُرِيدُ أن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كرّر توطئة لفساد إرادة الذين يتبعون الشهوات، وهم هنا الزناة عند
مجاهد، وقيل المجوس لنكاحهم ذات المحارم، وقيل عامّ في كل متّبع شهوة وهو أرجح
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أن يُخَفّفَ عَنْكُمْ﴾ يقتضي سياق الكلام التخفيف الذي وقع في إباحة نكاح الإماء
وهو مع ذلك عامّ في كل ما خفّف الله عن عباده، وجعل دينه يسرًا ﴿وُخْلِقَ الإِنْسَانُ
ضَعِيفًا﴾ قيل معناه لا يصبر على النساء، وذلك مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعمّ من ذلك
﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ يدخل فيه القمار والغصب والسرقة وغير ذلك ﴿إِلاَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةَ﴾ استثناء منقطع والمعنى لكن إن كانت تجارة فكلوها، وفي إباحة التجارة دليل
على أنه يجوز للإنسان أن يشتري بدرهم سلعة تساوي مائة، والمشهور إمضاء البيع، وحُكِيّ
عن ابن وهب أنه يرد إذا كان الغبن أكثر من الثلث وموضع أن نصب، وتجارة بالرفع فاعل
تكون وهي تامّة، وقرىء بالنصب خبر تكون وهي ناقصة ﴿عَنْ تَرَاضِ مُنْكُمْ﴾ أي اتفاق
وبهذا استدلّ المالكية على تمام البيع بالعقد دون التفرّق وقال الشافعي: إنما يتمّ بالتفرّق
بالأبدان، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا)) ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عطية، أجمع المفسّرون أنّ المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا، قلت ولفظها
يتناول قتل الإنسان لنفسه، وقد حملها عمرو بن العاص على ذلك، ولم ينكره رسول الله
صَلّى الله عليه وآله وسلّم إذ سمعه ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور،
:

١٨٧
تفسير سورة النساء
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿ إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا (٤) وَلَا تَدَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ،
بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ لِّلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا اكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ
مِن فَضْلِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا () وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ
اَلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُوتُّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَانُوهُمْ نَصِيَهُمّْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى
وقيل إليه وإلى أكل المال بالباطل، وقيل إلى كل ما تقدّم من المنهيّات من أوّل السورة ﴿إِن
تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ اختلف الناس في الكبائر ما هي، فقال ابن عباس: الكبائر كل
ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب، وقال ابن مسعود الكبائر هي الذنوب المذكورة من
أول هذه السورة إلى أوّل هذه الآية. وقال بعض العلماء: كل ما عصى الله به، فهو كبيرة،
وعدّها بعضهم سبعة عشر، وفي البخاري عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((اتّقوا السّبع
الموبقات: الإشراك بالله، والسّحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي
يوم الزحف، وقذف المحصّنات، فلا شك أنّ هذه من الكبائر للنص عليها في الحديث،
وزاد بعضهم عليها أشياء، وورد في الأحاديث النص على أنها كبائر، وورد في القرآن أو
في الحديث وعيد عليها، فمنها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والزنا،
والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن مكر الله، ومنع ابن
السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرّز من البول والغلول
واستطالة المرء في عرض أخيه، والجور في الحكم ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيْئَاتِكُمْ﴾ وعد بغفران
الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ اسم مكان وھو ھنا الجنة ﴿وَلاَ
تَتَمَنَّوا﴾ الآية: سببها أن النساء قلن ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشاركناهم في
الغزو فنزلت نهيًا عن ذلك لأن في تمنّيهم ردّ على حكم الشريعة، فيدخل في النهي تمنّي
مخالفة الأحكام الشرعية كلها ﴿لُلرَّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا﴾ الآية: أي من الأجر
والحسنات، وقيل من الميراث، ويردّه لفظ الاكتساب ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيٍ﴾ الآية: في
معناه وجهان: أحدهما لكل شيء من الأموال جعلنا موالي يرثونه، فمما ترك على هذا
بيان لكل، والآخر لكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، فمما ترك
على هذا: يتعلق بفعل مضمر، والموالي هنا الورثة والعصبة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ
فَأَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ اختلف هل هي منسوخة أو محكمة فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا معناها

١٨٨
تفسير سورة النساء:
الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
(٣٣
كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
وَيِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصََّدِحَتُ قَنِنَتُّ حَفِظَتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَِّىِ
تَخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُرْ بَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ
نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٦َ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ
الميراث بالحلف الذي كان في الجاهلية، وقيل بالمؤاخاة التي آخى رسول الله صلّى الله
تعالى عليه وآله وسلّم بين أصحابه، ثم نسخها. ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضهم أولى ببعض﴾
[الأنفال: ٧٥]، فصار الميراث للأقارب والذين قالوا إنها محكمة: اختلفوا، فقال ابن
عباس هي في المؤازرة والنصرة بالحلف لا في الميراث به، وقال أبو حنيفة: هي في
الميراث، وأن الرجلين إذا والى أحدهما الآخر، على أن يتوارثا صحّ ذلك، وإن لم تكن
بينهما قرابة.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ قوام بناء مبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر
فيه، قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ الباء للتعليل، وما
مصدرية، والتفضيل بالإمالة والجهاد، وملك الطلاق وكمال العقل وغير ذلك ﴿وَبِمَا
أَنْفَقُوا﴾ هو الصداق والنفقة المستمرة ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي النساء الصالحات في دينهنّ
مطيعات لأزواجهنّ أو مطيعة لله في حق أزواجهنّ ﴿حَافِظَاتٌ لٌلْغَيْبِ﴾ أي تحفظ كلما غاب
عن علم زوجها فيدخل في ذلك صيانة نفسها وحفظ ماله وبيته وحفظ أسراره ﴿بما حفظ
الله﴾ أي بحفظ الله ورعايته، أو بأمره للنساء أن يطعن الزوج ويحفظنه، فما مصدرية أو
بمعنى الذي ﴿وَاللَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قيل الخوف هنا اليقين ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ هذه أنواع من تأديب المرأة إذا نشزت على زوجها وهي على
مراتب: بالوعظ في النشوز الخفيف والهجران فيما هو أشدّ منه، والضرب فيما هو أشدّ
ومتى انتهت عن النشوز بوجه من التأديب؛ لم يتعدّ إلى ما بعده والهجرات هنا هو ترك
مضاجعتها، وقيل ترك الجماع إذا ضاجعها، والضرب غير مبرح ﴿فَإِنْ أَطَّعْتَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا
عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الشقاق الشرّ والعداوة وكان الأصل إن خفتم شقاق بينهما، ثم أُضيف
الظرف إلى الشقاق على طريق الاتّساع لقوله تعالى: ﴿بَلْ مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣]
وأصله مكر بالليل والنهار ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ الآية. ذكر تعالى الحكم في نشوز المرأة،
:

١٨٩
تفسير سورة النساء
حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
خَبِيرًا ﴿ ﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا
مَلَكَتْ أَيْمَلِنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالَا فَخُورًا (٦َ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَابًا مُهِينًا (٦) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِّ
والحكم في طاعتها، ثم ذكر هنا حالة أخرى، وهي ما إذا ساء ما بين الزوجين ولم يقدر
على الإصلاح بينهما، ولا علم مَن الظالم منهما، فيبعث حكمان مسلمان لينظر في
أمرهما، وينفذ ما ظهر لهما من تطليق وخلع من غير إذن الزوج، وقال أبو حنيفة ليس لهما
الفراق إلاّ أن جعل لهما، وإن اختلفا لم يلزم شيء إلاّ باتفاقهما ومشهور مذهب مالك أن
الحاكم هو الذي يبعث الحكمين، وقيل يبعثهما الزوجان، وجرت عادة القضاة أن يبعثوا
امرأة أمينة، ولا يبعثوا حكمين، قال بعض العلماء هذا تغيير لحكم القرآن والسُّنّة الجارية
﴿مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ يجوز في المذهب أن يكون الحكمان من غير أهل الزوجين،
والأكمل أن يكونا من أهلهما كما ذكر الله ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفَقِ اللَّهُ بَيْتَهُمَا﴾ الضمير في
يريدا للحكمين، وفي بينهما للزوجين على الأظهر، وقيل الضميران للزوجين، وقيل
للحكمين ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ﴾ قال ابن عباس الجار ذي القربى هو القريب
النسب والجار الجنب هو الأجنبي، وقيل ذي القربى القريب المسكن منك، والجنب البعيد
المسكن عنك، وحدّ الجوار عند بعضهم أربعون ذراعًا من كل ناحية ﴿الصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾
قال ابن عباس الرفيق في السّعي، وقال علي بن أبي طالب الزوجة ﴿مُخْتَالاَ﴾ اسم فاعل
وزنه مفتعل من الخيلاء وهو الكبر وإعجاب المرء بنفسه ﴿فَخُورًا﴾ شديد الفخر ﴿الَّذِينَ
يَبْخَلُون﴾ بدل من قوله مختالاً أو نصب على الذمّ أو رفع بخبر ابتداء مضمر أو مبتدأ وخبره
محذوف تقديره يعذبون، والآية في اليهود: نزلت في قوم منهم كحييّ بن أخطب
ورفاعة بن زيد بن التابوت كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم في الجهاد والصدقات
وهي مع ذلك عامّة من فعل هذه الأفعال من المسلمين ﴿والَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ عطف على الذين
يبخلون، وقيل على الكافرين، والآية في المنافقين الذين كانوا ينفقون في الزكاة والجهاد
رياء ومصانعة، وقيل في اليهود، وقيل في مشركي مكة الذين أنفقوا أموالهم في حرب

١٩٠
تفسير سورة النساء
٠٠٠٠.
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ آلْآَخِ وَأَنفَقُوا مِمَّا
(٣٨
وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيْئًا فَسَآءَ قَرِينًا
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا
رَزَهُمُ اللَّهَ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا
وَيُؤْتٍ مِنْ لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٥) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَدَوَلَاءِ
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ اٌلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ
شَهِيدًا
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضََّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا
(٤٢
حَدِيثًا
المسلمين ﴿قَرِينًا﴾ أي ملازمًا له يغويه ﴿وَمَّاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية:
استدعاء لهم كملاطفة أو توبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه يقول أي مضرّة عليهم في
ذلك ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي وزنها، وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيل بالقليل تنبيهًا على الكثير.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ بالرفع فاعل وتك تامّة، وبالنصب خبر على أنها ناقصة واسمها مضمر
فيها ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي يكثرها واحد البرّ بعشر إلى سبعمائة أو أكثر ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ﴾ أي من
عنده تفضّلاً وزيادة علی ثواب العمل ﴿فَکَیْفَ إِذَا چِثنًا﴾ تقدیرہ کیف یکون الحال إذا جئنا
﴿بِشَهِيدِ﴾ هو نبيّهم يشهد عليهم بأعمالهم ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ أي تشهد على
قومك، ولما قرأ ابن مسعود هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذرفت عيناه
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ أي يتمنون أن يدفنوا فيها، ثم تسوّى بهم كما تسوّى بالموتى
وقيل يتمنّون أن يكونوا سواء مع الأرض، كقوله: ﴿وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾
[النبأ: ٤٠] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ استئناف إخبار
أنهم لا يكتمون يوم القيامة عن الله شيئًا فإن قيل كيف هذا مع قولهم: ﴿وَاللَّه ربّنا مَا كُنَّا
مُشْرِكِين﴾ [الأنعام: ٢٣]؟ فالجواب من وجهين (أحدهما) أن الكتم لا ينفعهم لأنهم إذا
كتموا تنطق جوارحهم فكأنهم لم يكتموا، والآخر أنهم طوائف مختلفة، ولهم أوقات
مختلفة، وقيل إن قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ﴾ عطف على تُسوّى أي يتمنون أن لا يكتموا لأنهم
إذا كتموا افتضحوا ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ سببها أن جماعة من الصحابة شربوا
الخمر قبل تحريمها، ثم قاموا إلى الصلاة وأمّهم أحدهم فخلط في القراءة فمعناها النهي
عن الصلاة في حال السكر قال بعض الناس: هي منسوخة بتحريم الخمر، وذلك لا يلزم
لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة الخمر وإنما هي نهي عن الصلاة في حال السكر وذلك
الحكم الثابت في حين إباحة الخمر وفي حين تحريمها، وقال بعضهم معناها: لا يكن
منكم سكر يمنع قرب الصلاة، إذ المرء مأمور بالصلاة فكأنها تقتضي النهي عن السكر وعن
سببه وهو الشرب، وهذا بعيد من مقتضى اللفظ ﴿حَتَّى تَعْلَّمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ حتى تعوه إليكم
:

١٩١
تفسير سورة النساء
جُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنُم مَّْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ
عقولكم فتعلمون ما تقرؤون ويظهر من هذا أن السكران لا يعلم ما يقول فأخذ بعض الناس
ذلك أن السكران لا يلزم طلاقه ولا إقراره ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلّ عَابِرِي سَبِيلِ﴾ عطف ولا جنبًا
على موضع وأنتم سكارى إذ هو في موضع الحال والجنب هنا غير الطاهر بإنزال أو إيلاج
وهو واقع على جماعة بدليل استثناء الجمع منه واختلف في عابري سبيل فقيل إنه المسافر،
ومعنى الآية على هذا: نهي أن يقرب الصلاة وهو جنب إلاّ في السفر فيصلّي بالتيمّم دون
اغتسال، فمقتضى الآية: إباحة التيمّم للجُنُب في السفر، ويؤخذ إباحة التيمّم للجُنُب في
الحضر من الحديث، وقيل عابر السبيل المارّ في المسجد، والصلاة عما يراد بها المسجد،
لأنه موضع الصلاة فمعنى الآية على هذا النهي أن یقرب المسجد الجنب إلاّ خاطرًا علیه،
وعلى هذا أخذ الشافعي بأنه يجوز للجُنُب أن يمرّ في المسجد، ولا يجوز له أن يقعد فيه،
ومنع مالك المرور والقعود، وأجازهما داود ﴿وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية سببها
عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع فأبيح لهم التيمّم لعدم الماء ثم إن عدم الماء على
ثلاثة أوجه: أحدها عدمه في السفر، والثاني عدمه في المرض، فيجوز التيمّم في هذين
الوجهين بإجماع، لأن الآية نص في المرض والسفر إذا عدم الماء فيهما، لقوله: ﴿وإن
كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ثم قال فلم تجدوا ماء. الوجه الثالث: عدم الماء في الحضر
دون مرض، فاختلف الفقهاء فيه، فمذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز فيه التيمّم، لأن ظاهر الآية
أن عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو السفر، ومذهب مالك والشافعي أنه يجوز فيه التيمم
فإن قلنا إن الآية لا تقتضيه فيؤخذ جوازه من السُّنّة وإن قلنا إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه
منها، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض والسفر، ثم ذكر
الإحداث دون مرض ولا سفر ثم قال بعد ذلك كله: فلم تجدوا ماء فيرجع قوله فلم تجدوا
ماء إلى المرض وإلى السفر وإلى مَن أحدث في غير مرض ولا سفر، فيجوز التيمّم على
هذا لمَن عدم الماء في غير مرض ولا سفر، فيكون في الآية حجة لمالك والشافعي،
ويجوز التيمّم أيضًا في مذهب مالك للمريض إذا وجد الماء ولم يقدر على استعماله الضرر
بدنه، فإن قلنا إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السُّنّة وإن قلنا إن السُّنّة تقتضيه،
فيؤخذ جوازه منها على أن يتناول قوله إن كنتم مرضى أن معناه مرضى لا تقدرون على مسّ
الماء، وحدّ المرض الذي يجوز فيه التيمّم عند مالك، هو أن يخاف الموت أو زيادة
المرض أو تأخّر البرء، وعند الشافعي خوف الموت لا غير، وحدّ السفر الغيبة عن الحضر
كان مما تقصر فيه الصلاة أم لا ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم﴾ في أو هنا تأويلان: أحدهما أن تكون

١٩٢
تفسير سورة النساء:
أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِنَّ اللّهُ.
للتفصيل والتنويع على بابها، والآخر أنها بمعنى الواو، فعلى القول بأنها على بابها يكون
قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ راجعًا إلى المريض والمسافر، وإلى مَن جاء من الغائط، وإلى من
لامس، سواه كانا مریضین أو مسافرين، أم حسبما ذكرنا قبل هذا، فيقتضي ذلك جواز
التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء، وهو مذهب مالك والشافعي، فيكون في الآية حاجة؛
لهما، وعلى القول بأنها بمعنى الواو يكون قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ﴾ راجعًا إلى المريض.
والمسافر، فيقتضي ذلك أنه لا يجوز التيمم إلاّ في المرض والسفر مع عدم الماء، وأنه لا
يجوز للحاضر الصحيح إذا عَدِمَ الماء، ولكن يؤخذ جواز التيمّم له من موضع آخر»
والراجح أن تكون أو على بابها لوجهين؛ أحدهما أن جعلها بمعنى الواو إخراج لها عن
أصلها وذلك ضعيف، والآخر إن كانت على بابها: كان فيها فائدة إباحة التيمم للحاضر
الصحيح إذا عدم الماء على ما ظهر لنا فيها، وإن كانت بمعنى الواو لم تعط هذه الفائدة،
وحجة مَن جعلها بمعنى الواو أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن المرض والسفر
حدث يوجب الوضوء كالغائط لعطفه عليها، وهذا لا يلزم، لأن العطف بأو هنا للتنويع
والتفصيل ومعنى الآية كأنه قال: يجوز لكم التيمم إذا لم تجدوا ماء إن كنتم مرضى أو على
سفر وأحدثتم في غير مرض ولا سفر ﴿الغَائِطِ﴾ أصله المكان المنخفض، وهو هنا كماية
عن الحدث الخارج من المخرجين، وهو العذرة، والريح، والبول، لأن مَن ذهب إلى
الغائط يكون منه هذه الأحداث الثلاث، وقيل إنما هو كناية عن العذرة وأما البول والريح،
فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السُّنّة، وكذلك الودي والمذي ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ اختلف
في المراد بالملامسة هنا على ثلاثة أقوال: أحدها أنها الجماع وما دونه من التقبيل واللمس
باليد وغيرها، وهو قول مالك، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دون الجماع
على تفصيل في المذهب، ويحبّ معه التيمّم إذا عدم الماء، ويكون الجنب من أهل
التيمّم، والقول الثاني أنهما ما دون الجماع، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس، ولا يجوز
التيمّم للجنب وقد قال بذلك عمر بن الخطاب ويؤخذ جوازه من الحديث والثالث أنها
الجماع فعلى هذا يجوز التيمّم للجُنُب ولا يكون ما دون الجماع ناقضًا للوضوء وهو مذهب
أبي حنيفة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذا يفيد وجوب طلب الماء وهو مذهب مالك خلافًا لأبي
حنيفة فإن وجده بثمن فاختلف هل يجوز له التيمّم أم لا وإن وهب له فاختلف هل يلزم
قبوله أم لا ﴿فَيَمَّمُوا﴾ التيمّم في اللغة القصد وفي الفقه الطهارة بالتراب وهو منقول من
المعنى اللغوي ﴿صَعِيدًا طيبًا﴾ الصعید عند مالك هو وجه الأرض کان ترابًا أو رملاً أو

١٩٣
تفسير سورة النساء
كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤) أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيِدُونَ أَن تَضِلُّواْ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ
٤٤
السَّبِيلَ
اُلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِاَلْسِنَنِهِمْ وَطَعْنَا فِى
الدِّينٍّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَ
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن
حجارةً فأجاز التيمّم بذلك كله وهو عند الشافعي التراب لا غير والطيب هنا الطاهر واختلف
في التيمّم بالمعادن كالذهب وبالملح وبالتراب المنقول كالمجعول في طبق، وبالآجر،
وبالجص المطبوخ، وبالجدار، وبالنبات الذي على وجه الأرض، وذلك كله على
الاختلاف في معنى الصعيد ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ لا يكون التيمّم إلاّ في هذين
العضوين، ويقدّم الوجه على اليدين لظاهر الآية، وذلك على الندب عند مالك، ويستوعب
الوجه بالمسح، وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين أو إلى المرفقين، ولفظ
الآية محتمل، لأنه لم يحد، وقد احتجّ مَن قال إلى المرفقين بأن هذا مطلق، فيحمل على
المقيد، وهو تحديدها في الوضوء بالمرفقين ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ﴾ هم اليهود
هنا وفي الموضع الثاني قال السهيلي: فالموضع الأول نزل في رفاعة بن زيد بن التابوت،
وفي الثاني نزل في كعب بن الأشرف ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ عبارة عن إيثارهم الكفر على
الإيمان فالشراء مجاز كقوله: ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: ١٦] وفي تكرار قوله
كفى بالله مبالغة ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ من راجعة إلى الذين أوتوا نصيبًا، أو إلى أعدائكم،
فهي بيان، وقال الفارسي: هي ابتداء كلام تقديره. من الذين هادوا قوم وقيل هي متعلقة
بنصيرًا على قول الفارسي ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ يحتمل تحريف اللفظ أو المعنى، وقيل الكَلِم
هنا التوراة، وقيل كلام النبي ◌َِّ ﴿غَيْرَ مُسْمَع﴾ معنا لا سمعت ﴿رَاعِنَا﴾ ذكر في البقرة
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ عوض من قولهم سمعنا وعصينا، واسمع عوض من قولهم اسمع غير
مسمع، وانظرنا عوض من قولهم راعنا، وهو النظر أو الانتظار، فهذه الأشياء الثلاثة في
مقابلة الأشياء الثلاثة التي ذمّهم على قولها لما فيها من سوء الأدب مع رسول الله وَ لتر،
وأخبر أنهم لو قالوا هذه الثلاثة الأخر عوضًا عن تلك: لكان خيرًا لهم، فإن هذه ليس فيها
سوء أدب.
﴿مُصَدِّقًا﴾ ذكر في البقرة ﴿أن نَّطْمِسَ وُجُوهَا﴾ قال ابن عباس طمسها: أن تزال
التسهيل لعلوم التنزيل / ج ١/ م ١٣

١٩٤
تفسير سورة النساء:
نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَفَرُدَّهَا عَلَ أَذْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كُمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ الَّهِمَفْعُولًا
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَ، وَمَن يُشْرِك ◌ِلَلَّهِ فَقَدِ اُفْتَرَىَ إِثْمًا
عَظِيمًا (٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اَللَّهُ يُزَكِِّ مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (جم) أَنْظُرْ
العيون منها، وترد في القفا، فيكون ذلك ردًا على الدبر، وقيل طمسها محو تخطيط صورها
من أنف أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار في خلوّها عن الحواس ﴿أَوْ نَلْعَنَّهُمْ﴾ أي
نمسخهم كما مسخ أصحاب السبت، وقد ذكر في البقرة، أو يكون من اللعن المعروف،
والضمير يعود على الوجوه، والمراد أصحابها، أو على الذين أوتوا الكتاب على الالتفات
﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ هذه الآية هي الحاكمة في
مسألة الوعيد وهي المبيّنة لما تعارض فيها من الآيات، وهي الحجة لأهل السُّنّة، والقاطعة
بالخوارج والمعتزلة والمرجئة، وذلك أن مذهب أهل السُّنّة أن العصاة من المؤمنين في
مشيئة الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وحجّتهم هذه الآية، فإنها نصّ في هذا
المعنى، ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بدّ سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر
ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بدّ، ويرد على الطائفتين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ﴾ ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولا بدّ وأنه لا يضرّ ذنبٍ مع
الإيمان، ويردّ عليهم قوله: ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾، فإنه تخصيص لبعض العصاة، وقد تأوّلت
المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا لمَن يشاء، وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب، وهذا
التأويل بعيد، لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ في غير التائب من الشرك وكذلك
قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء﴾ في غير التائب من العصيان ليكون أول الآية وآخرها
على نسق واحد، وتأوّلتها المرجئة على مذهبهم، فقالوا: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: معناه لمَن يشاء
أن يؤمن، وهذا أيضًا بعيد، لا يقتضيه اللفظ وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد
فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفّار، وحملها أهل السُّنّة على الكفّار،
وعلى مَن لا يغفر الله له من العصاة، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا
وعلى المذنبين التائبين، وعلى مَن يغفر الله له من العصاة غير التائبين، فعلى مذهب أهل
السُّنّة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد، بل يجمع بين معانيها، بخلاف قول
غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض، وتخليص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره: غفر له
بإجماع، وإن مات على كفره: لم يغفر له، وخلد في النار بإجماع، وأن العاصي من
المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه ﴿الَّذِينَ يُزَكُونَ

:
١٩٥
تفسير سورة النساء
كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا تُبِينًا الجَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
اُلْكِتَبٍ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاَلَطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءٍ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
سَبِيلًا ﴿ أُوْلَِّكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَن ◌َجِدَ لَهُ نَصِيرًا (١٦) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا
لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ
إِبْرَهِيَمَ اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٢) فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى
أَنْفُسَهُم﴾ هم اليهود لعنهم الله، وتزكيتهم قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل مدحهم
لأنفسهم ﴿فَتِيلاً﴾ الفتيل هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقيل ما يخرج بين أصبعيك
وكفّيك إذا فتلتهما، هو تمثيل وعبارة عن أقل الأشياء فيدلّ على الأكثر بطريق الأولى
﴿يَفْتَرُونَ﴾ دليل على أن تزكيتهم لأنفسهم بالباطل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قال ابن
عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن
الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر،
وبالجملة هما كل ما عبد وأُطيع من دون الله ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: سببها أن
حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف أو غيرهما من اليهود، قالوا لكفّار قريش أنتم أهدى
سبيلاً من محمد وأصحابه ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ الهمزة للاستفهام مع الإنكار
﴿فَقِيرًا﴾ النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقلّ الأشياء، والمراد
وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذ يبخلون بالنقير الذي هو
أقل الأشياء ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى ﴿أمْ يَخْسُدُونَ النَّاسَ﴾ وصفهم بالحسد
مع البخل، والناس هنا يراد بهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمته، والفضل النبوّة،
وقيل النصر والعزّة، وقيل الناس العرب والفضل كون النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آَلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ﴾ المراد بآل إبراهيم ذريته من بني إسرائيل وغيرهم
ممّن آتاه الله الكتب التي أنزلها والحكمة التي علمها، والمقصود بالآية الردّ على اليهود في
حسدهم لسيّدنا محمد ◌ّ ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم
فلأيّ شيء تخصّون محمدًا وَلَّ بالحسد دون غيره ممّن أنعم الله عليهم ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾
الملك في آل إبراهيم هو ملك يوسف وداود وسليمان ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ الآية: قيل
المراد من اليهود مَن آمن بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو بالقرآن المذكور في قوله
تعالى: ﴿مُصَّدِّقًا لِمَا مَعَكُم﴾ [البقرة: ٤١، والنساء: ٤٧] أو بما ذكر من حديث إبراهيم،
فهذه ثلاثة أوجه في ضمير به، وقيل منهم أي من آل إبراهيم مَن آمن بإبراهيم، ومنهم مَن

١٩٦
تفسير سورة النساء
بِجَهَتَّمَ سَعِيرًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًّا كُلَّا نَضِحَتْ جُلُودُ هُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا
غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٢) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ
سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا
ظَلِيلًا (٨) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمِ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ، وَأُوْلِ
٥٨
إِنَّ اللَّهَ نِعِهَا يَعِظُكُمْ بِنَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا !
اُلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنِ نَزَعْهُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥َ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلَا بَعِيدًا (٨) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ
فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ
11
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا لـ
جَآءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا (١) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى
كفر: كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنْهُمٍ فَاسِقُون﴾ [الحديد: ٢٦] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُم﴾ الآية قيل تبدل لهم جلود بعد جلود أخرى إذ نفوسهم هي المعذّبة وقيل تبديل
الجلود تغيير صفاتها بالنار، وقيل الجلود السرابيل وهو بعيد ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ذكر في البقرة
﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ صفة من لفظ الظل للتأكيد: أي دائمًا لا تنسخه الشمس وقيل نفي الحرّ
والبرد ﴿إن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآية: قيل هي خطاب للولاة وقيل النبي ◌َّ حين أخذ مفتاح
الكعبة من عثمان بن طلحة ولفظها عامّ، وكذلك حكمها ﴿وأُولِي الأَمْرِ﴾ هم الولاة، وقيل
العلماء نزلت في عبد الله بن حذافة بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية
﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الردّ إلى الله هو النظر في كتابه، والرّ إلى الرسول وَلّر هو
سؤاله في حياته والنظر في سُنّته بعد وفاته ﴿إِن كُنتُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعًا
إلى قوله فردّوه أو إلى قوله: ﴿أطيعوا﴾، والأوّل أظهر لأنه أقرب إليه ﴿وَأَخسَنُ تَأْوِيلاً﴾
أي مآلاً وعاقبةً وقيل أحسن نظرًا منكم ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية: نزلت في المنافقين، وقيل
في منافق ويهودي كان بينهما خصومة فتحاكما إلى كعب بن الأشرف اليهودي وقيل إلى
كاهن ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر ليذمّهم بالنفاق، ودلّ ذلك على أنّ
الآية المتقدّمة نزلت في المنافقين ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ الآية: أي كيف يكون

١٩٧
تفسير سورة النساء
قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (٢) وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ
(ج) فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا (٥) وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَيَّهِمْ أَنِ أَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَرِكُمُ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ
مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا () وَإِذَا لَّا تَيَْهُم ◌ِن لَّدُنَّا أَجْرًا
عَظِيمًا (٣) وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٨) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَبِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ
حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا معطوفًا على
ما قبله أو يكون معطوفًا على قوله: ﴿يصدّون﴾، ويكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم﴾
اعتراضًا ﴿فَأَغْرِضْ عَنْهم﴾ أي عن معاقبتهم، وليس المراد بالإعراض القطيعة لقوله:
﴿وعظهم﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ الآية: وعد بالمغفرة لمَن استغفر، وفيه استدعاء
للاستغفار والتوبة ومعنى جاؤوك أتوك تائبين معتذرين من ذنوبهم يطلبون أن تستغفر لهم الله
﴿فَلَاَ وَرَبِّكَ﴾ لا هنا مؤكدة للنفي الذي بعدها ﴿شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ أي اختلط واختلفوا فيه،
ومعنى الآية أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونزلت
بسبب المنافقين الذين تخاصموا، وقيل بسبب خصام الزبير مع رجل من الأنصار في الماء
وحكمها عامَ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية: معناها لو فرض عليهم ما فرض على مَن كان
قبلهم من المشقّات لم يفعلوها لقّة انقيادهم إلاّ القليل منهم الذين هم مؤمنون حقًّا، وقد
رُوِيَ أن من هؤلاء القليل أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمّار بن ياسر وثابت بن قيس ﴿إلاّ
قَلِيلٌ﴾ بالرفع بدل من المضمر وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على أصل الاستثناء أو على إلاّ
فعلاً قليلاً ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتّباع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وطاعته والانقياد له
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي تخفيفًا لإيمانهم ﴿وإذَا لآتَيْنَاهُم﴾ جواب السؤال مقدّر عن حالهم لو
فعلوا ذلك ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثواب على الطاعة أي هم معهم في الجنة،
وهذه الآية مفسّرة لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] والصدّيق
فعّيل من الصدق، ومن التصديق، والمراد به المبالغة، والصدّيقون أرفع الناس درجة بعد
الأنبياء، والشهداء المقتولون في سبيل الله ومَن جرى مجراهم من سائر الشهداء كالغريق
وصاحب الهدم حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الإشارة إلى

١٩٨
تفسير سورة النساء
ذَارِكَ
٦٩
عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
اَلْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٨) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَِكُمْ فَأَنِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ
انِفِرُواْ جَمِيعًا (ث) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيْبَطْتَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اللَّهُ عَمَّ إِذْلَمَّ أَكُنُ مَعَهُمْ
شَهِيدًا ﴿ وَلَبِنْ أَصَبَكُمْ فَضْلُ مِّنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِى
فَلْيُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ
٧٣
كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
اُلُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيٍ أَجْرًّاً عَظِيمًا (٨) وَمَا
لَكُمْ لَا نُقَطِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (٥) الَّذِينَ ءَامَنُوا
الأصناف الأربعة المذكورة والرفيق يقع على الواحد والجماعة كالخليط، وهو مفرد بيّن به
الجنس، ومعنى الكلام إخبار واستدعاء للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾.
الإشارة إلى الثواب على الطاعة بمرافقة مَن ذكر في الجنة، والفضل صفة أو خبر ﴿خُذُوا
حِذْرَكُمْ﴾ أي تحرّزوا من عدوّكم واستعدّوا له ﴿فَانْفِرُوا ثُّبَاتٍ﴾ أي اخرجوا للجهاد جماعات
متفرّقين وذلك كناية عن السرايا، وقيل إنّ الثبتة ما فوق العشرة، ووزنها فعلة بفتح العين
ولامها محذوفة ﴿أَوِ اثْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي مجتمعين في الجيش الكثيف فخيرهم في الخروج
إلى الغزو في قلّة أو كثرة ﴿وإنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطْئَنَّ﴾ الخطاب للمؤمنين، والمراد بمَن
المنافقين وعبّر عنهم بمنكم إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون آمنًا، واللام في
لمن للتأكيد، وفي ليبطئنّ جواب قسم محذوف، ومعناه يبطىء غيره يثبطه عن الجهاد
ويحمله على التخلّف عن الغزو، وقيل يبطىء يتخلّف هو عن الغزو ويتناقل ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم
مُصِيبَةٌ﴾ أي قتل وهزيمة والمعنى أن المنافق تسرّه غيبته عن المؤمنين إذا هزموا وشهيدًا
معناه حاضرًا معهم ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْل من الله﴾ أي نصر وغنيمة، والمعنى أنّ المنافق
يندم على ترك الغزو معهم إذا غنموا فيتمنى أن يكون معهم ﴿كأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ
مَوَدَّةٌ﴾ جملة اعتراض بين العامل ومعموله فلا يجوز الوقف عليها وهذه المودّة في ظاهر
المنافق لا في اعتقاده ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي يبيعون ﴿فَيَقْتَلْ أَو يَغْلِبْ﴾ ذكر الحالتين للمقاتل
ووعد بالأجر على كل واحدة منهما ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُون﴾ تحريض على القتال، وما مبتدأ
والجار والمجرور خبر ولا تقاتلون في موضع الحال، والمستضعفين هم الذين حيسهم
مشركوا قريش بمكة ليفتنوهم عن الإسلام، وهو عطف على اسم الله أو مفعول معه ﴿القَرْيَةِ

١٩٩
تفسير سورة النساء
يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَيِنِّ إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا (١٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَهُمْ كُفُواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْفِثَالُ إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا
اَلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِبٍ قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا
"Vi
أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِى بُوِجٍ مُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ
وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكْ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
حَدِينًا (٨َّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى
الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة حين كانت للمشركين ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما بعده إخبار قصد
به تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَنْدِيَكُمْ﴾ الآية: قیل
هي في قوم من الصحابة كانوا قد أُمِرُوا بالكفّ عن القتال قيل أن يفرض الجهاد، فتمنّوا أن
بؤمروا به، فلما أُمِرُوا به كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت، وقيل هي في
المنافقين وهو أليق في سياق الكلام ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وما بعده تحقير للدنيا فتضمن الردّ
عليهم في كراهتهم للموت ﴿فِي بُرُوجِ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي في حصون منيعة، وقيل المشيدة
المطوّلة وقيل المبنية بالشيد وهو الجص ﴿إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ الحسنة هنا النصر والغنيمة
وشبه ذلك من المحبوبات، والسيئة الهزيمة والجوع وشبه ذلك، والضمير في تصبهم وفي
يقول للذين قيل لهم كفّوا أيديكم، وهذا يدلّ على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا
يقولون للنبي وَ﴿ إن السيئات من عنده ﴿قُلْ كُلِّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ردّ على مَن نسب السيئة إلى
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإعلام أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله
أي بقضائه وقدره ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْم﴾ توبيخ لهم على قلّة فهمهم ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيْئَةٍ فَمِن نَّفَسِك﴾ خطابٍ للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد
به كل مخاطب على الإطلاق فدخل فيه غيره من الناس، وفيه تأويلان: أحدهما نسبة
الحسنة إلى الله والسيئة إلى العبد تأذّبًا مع الله في الكلام، وإن كان كل شيء منه في
الحقيقة، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام، ((والخير كله بيديك والشر ليس إليك)) وأيضًا
فنسبة السيئة إلى العبد لأنها بسبب ذنوبه، لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠]، فهي من العبد بتسبّبه فيها، ومن الله بالخلقة والاختراع،
والثاني: أن هذا من كلام القوم المذكورين قبل، والتقدير يقولون كذا، فمعناها كمعنى التى

٢٠٠
تفسير سورة النساء
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
بِاللَّهِ شَهِيدًا
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا
يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿ أَفَلَا يَتَدَ بَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ
غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا (٨) وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ، وَلَوْ
رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
قبلها ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ هذه الآية من فضائل رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم، وإنما كانت طاعته كطاعة الله لأنه يأمر وينهى عن الله ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ
عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي مَن أعرض عن طاعتك، فما أنت عليه بحفيظ تحفظ أعماله، بل حسابه
وجزاؤه على الله، وفي هذا متاركة وموادعة منسوخة بالقتال ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي أمرنا
وشأننا طاعة لك، وهي في المنافقين بإجماع ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ بيت أي
تدبر الأمر بالليل، والضمير في تقول للمخاطب، وهو النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلّم أو للطائفة ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لا تعاقبهم ﴿أَفَلاَ يَتَذَبَّرُونَ الْقُرآنَ﴾ حض على التفكّر
في معانيه لتظهر أدلّته وبراهينه ﴿اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أي تناقضًا كما في كلام البشر أو تفاوتًا في
الفصاحة لكن القرآن مُتَزَّه عن ذلك، فدلّ على أنه كلام الله، وإن عرضت لأحد شُبهة وظن
اختلافًا في شيء من القرآن، فالواجب أن يتّهم نظره ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم،
حتی یعلم أن ذلك ليس باختلاف.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ قيل هم المنافقون وقيل قوم من
ضعفاء المسلمين كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به أي
تكلموا به وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين مع ما
في ذلك من العجلة وقلّة التثبت، فأنكر الله ذلك عليهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أَولِي
الأَمْرِ مِنْهُمْ لِعِلْمِهِ الَّذِين يَسْتَشْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ أي لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي
بلغهم وردّوه إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم وإلى أولي الأمر، وهم
كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لعلمه القوم الذين يستنبطونه أي يستخرجونه من الرسول
وأُولي الأمر فالذين يستنبطونه على هذا طائفة من المسلمين يسألون عنه الرسول صلّى الله
تعالى عليه وآله وسلّم وأُولي الأمر وحرف الجر في قوله يستنبطونه منهم لابتداء النغاية وهو
يتعلق بالفعل والضمير المجرور يعود على الرسول وأولي الأمر، وقيل الذين يستنبطونه هم