Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الكلام على الاستعاذة فعليك بالصدق؛ ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذرّيتها عصمها الله. ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهلّ صارخًا إلّ ابن مريم وأمه. (التاسعة) الشيطان عدوّ. وحذّر الله منه إذ لا مطمع في زوال علّة عداوته. وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم. فيأمره أوّلاً بالكفر ويشكّكه في الإيمان؛ فإن قدر عليه؛ وإلاّ أمره بالمعاصي. فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة. فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب. (العاشرة) القواطع عن الله أربعة: الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق. فعلاج الشيطان: الاستعاذة والمخالفة له، وعلاج النفس: القهر، وعلاج الدنيا: بالزهد، وعلاج الخلق: بالانقباض والعزلة. f الكلام على البسملة فيه عشر فوائد: (الأولى) ليست البسملة عند مالك آية من الفاتحة ولا من غيرها، إلاّ في النمل خاصة، وهي عند الشافعي آية من الفاتحة، وعند ابن عباس آية من أوّل كل سورة، فحجّة مالك ما ورد في الحديث الصحيح: أنّ رسول الله وَلي قال: ((أنزلت عليّ سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها))، ثم قال: ((الحمد لله ربّ العالمين)) فبدأ بها دون البسملة، وما ورد في الحديث الصحيح ((إن الله يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: يقول العبد الحمد لله ربّ العالمين)) فبدأ بها دون البسملة: وحجّة الشافعي ما ورد في الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ربّ العالمين)). وحجة ابن عباس ثبوت البسملة مع كل سورة في المصحف. (الثانية) إذا ابتدأت أوّل سورة بسملت؛ إلاّ براءة. وسنذكر علّة سقوطها من براءة في موضعه، وإذا ابتدأت جزء سورة فأنت مخيّر بين البسملة وتركها عند أبي عمرو الداني، وتترك البسملة عند غيره، وإذا أتممت سورة وابتدأت أخرى، فاختلف القرّاء في البسملة وتركها. (الثالثة) لا يبسمل في الصلاة عند مالك، ويبسمل عند الشافعي جهرًا في الجهر، وسرًّا في السرّ، وعند أبي حنيفة سرًّا في الجهر والسرّ فحجة مالك من وجهين: أحدهما أنه ليست عنده آية في الفاتحة حسبما ذكرنا، والآخر ما ورد في الحديث الصحيح عن أنس أنه قال: (صلّيت عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل الفاتحة ولا في آخرها). وحجة الشافعي من وجهين: أحدهما أنّ البسملة عنده آية من الفاتحة، والأخرى ما ورد في الحديث من قراءتها حسبما ذكرنا. (الرابعة) : .- ٤٣ الكلام على البسملة كانوا يكتبون باسمك اللّهمّ حتى نزلت بسم الله مجراها فكتبوا بسم الله، حتى نزلت أو ادعوا الرحمن فكتبوا بسم الله الرحمن، حتى نزل إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتبوها، وحذفت الألف في بسم الله لكثرة الاستعمال. (الخامسة) الباء في بسم الله: متعلقة باسم محذوف عند البصريين والتقدير: ابتداء كائن بسم الله؛ فموضعها رفع، وعند الكوفيين تتعلق بفعل تقديره أبدأ أو أتلو فموضعها نصب وينبغي أن يقدّر متأخّرًا لوجهين: أحدهما: إفادة الحصر والاختصاص، والأخرى: تقديم اسم الله اعتناء كما قدّم في بسم الله مجراها. (السادسة) الاسم مشتق من السموّ عند البصريين فلامه واو محذوفة، وعند الكوفيين مشتق من السمة وهي العلامة، ففاؤه محذوفة، ودليل البصريين التصغير والتكبير؛ لأنهما يردّان الكلمات إلى أصولها، وقول الكوفيين أظهر في المعنى، لأنّ الاسم علامة على المسمى. (السابعة) قولك الله اسم مرتجل جامد ((والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، وقيل إنه مشتق من التألّه وهو التعبّد، وقيل من الولهان: وهي الحيرة لتحير العقول في شأنه، وقيل أصله إله من غير ألف ولام، ثم حذفت الهمزة من أوّله على غير قياس، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وقيل أصله الإله بالألف واللام ثم حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام كما نقلت إلى الأرض وشبهه، فاجتمع لامان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وفخم للتعظيم؛ إلا إذا كان قبله كسرة. (الثامنة) الرحمن الرحيم صفتان من الرحم ومعناهما الإحسان فهي صفة فعل وقيل إرادة الإحسان، فهي صفة ذات. (التاسعة) الرحمن الرحيم على ما رُوِيّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنّ الرحمن في الدنيا والرحيم في الآخرة، وقيل الرحمن عامّ في رحمة المؤمنين والكافرين لقوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فالرحمن أعمّ وأبلغ، وقيل الرحمن. أبلغ لوقوعه بعده، على طريقة الارتقاء إلى الأعلى. (العاشرة) إنما قدّم الرحمن لوجهين: اختصاصه بالله، وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات. انتهى والله أعلم. سورة أُم القرآن بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّ ◌ٌ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ اْللَّهِ الرَِّْ تسير ٢ الزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جَمَلِكِ يَوْمِ الدّينِ (٥) إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكي يسقطها ويعدّ أنعمت عليهم آية. (الفائدة الأولى) قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة وحجتهما قوله صلّى الله عليه وآله وسلم للذي علّمه الصلاة: ((اقرأ ما تيسّر من القرآن)). (الفائدة الثانية) اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليمًا للعباد: أي قولوا الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إيّاك نَعْبُدُ﴾ وما بعده. (الفائدة الثالثة) الحمد أعمّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلا جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء كما أنّ الشكر قد يكون أعمّ من الحمد، لأنّ الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمت عموم ٤٥ تفسير سورة الفاتحة الحمد: علمت أنّ قولك ﴿الحمدُ لله﴾ يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزّة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّة عقول الخلائق، ويكفيك أنّ الله جعلها أوّل كتابه وآخر دعوى أهل الجنة. (الفائدة الرابعة) الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدّث بالنعم، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((التحدّث بالنعم شكر)) والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد، واعلم أنّ النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية، والمال. ونعم دينية: كالعلم والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم مَن يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم مَن يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاث درجات: فدرجات العوامّ الشكر على النّعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم(١): الفقراء إذا منعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا. ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر، والشكور، وقد فسّرتهما في اللغة. (الفائدة الخامسة) قولنا: ﴿الحَمْدُ لله ربّ العالمين﴾ أفضل عند المحقّقين من لا إله إلا الله لوجهين: أحدهما: ما خرّجه النسائي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((مَن قال لا إله إلاّ الله كتب له عشرون حسنة، ومَن قال: ﴿الحَمْدُ لله ربّ العالمين﴾ كتب له ثلاثون حسنة))، والثاني: أنّ التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلاّ الله حاصل في قولك: ﴿ربّ العالمين﴾ وزادت بقولك: ﴿الحَمْدُ لله﴾، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله اَلّ: ((أفضل ما قلته أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاّ الله)) فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها ﴿الحَمْدُ لله ربّ العالمين﴾ وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، وأما لمّن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إله إلاّ الله. (الفائدة السادسة) الربّ وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلّها في ربّ العالمين، إلاّ أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أنّ الأرجح في (١) كذا بالأصل، ولعلّ هنا سقطا تقديره: ((من أفضل الناس؟ قال)) فتدبّر اهـ مصحّحه. ٤٦ تفسير سورة الفاتحة أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ! ٧ وَلَا الضَّالِّينَ ◌َ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ العالمين أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعمّ جميع المخلوقات. (الفائدة السابعة) ﴿ملك﴾ قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأول: أنّ الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: ﴿وَلَهُ المُلْكُ يومَ يَنْفَخْ في الصور﴾ [الأنعام: ٧٣]. والثالث: أنها لا تقتضي حذفًا، والأخرى تقتضيه؛ لأنّ تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأمّا قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتّساع، وأجرى الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنَى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقد قرىء ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة. (الفائدة الثامنة) الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة. فالجواب إنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائمًا فإضافته محضة. (الفائدة التاسعة) هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الدين والحساب والجزاء والقهر، ومنه إنا لمدينون. (الفائدة العاشرة) ﴿إياك﴾ في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد: ﴿إيّاك نَعْبُدُ﴾ أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وإيّاَّ نَستَعِينُ﴾ اعترافًا بالعجز والفقر وأنّا لا نستعين إلاّ بالله وحده. (الفائدة الحادية عشرة) ﴿إياكَ نَسْتَعين﴾: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك. (الفائدة الثانية عشرة) ﴿اهْدِنَا﴾: دعاء بالهدى. فإن قيل كيف يطلب المؤمنون الهدي وهو حاصل لهم؟ فالجواب أنّ ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له. (الفائدة الثالثة عشرة) قدّم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السُّنّة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب ٤٧ تفسير سورة الفاتحة الحاجة. (الفائدة الرابعة عشرة) ذكر الله تعالى في أوّل هذه السورة على طريق الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه. (الفائدة الخامسة عشرة) ﴿الصراط﴾ في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشي ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأن القرآن يضمن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقرىء الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرىء بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صادًا لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر. (الفائدة السادسة عشر) ﴿الذينَ أنْعَمْتَ عليهم﴾: قال ابن عباس: هم النبيّون والصدّيقون والشهداء والصالحون. وقيل المؤمنون، وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين. (الفائدة السابعة عشرة) إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأنّ إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرىء بالنصب على الاستثناء أو الحال. (الفائدة الثامنة عشرة) إسناد نعمة عليهم إلى الله، والغضب لما لم يُسَمّ فاعله على وجه التأدّب: كقوله: ﴿وإذا مَرَضْتُ فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠]، وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع. (الفائدة التاسعة عشرة) المغضوب عليهم اليهود، والضالّين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روى ذلك عن النبي بَّرَ، وقيل ذلك عامّ في كل مغضوب عليه، وكل ضالّ، والأول أرجح لأربعة أوجه: روايته عن النبي ◌َّ، وجلالة قائله، وذكر ولا في قوله ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله: ﴿فباؤوا بغضب﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى ابن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قد ضلّوا من قَبل وأضلّوا كثيرًا وضلّوا عن سَواء السّبيل﴾ [المائدة: ٧٧]. (الفائدة العشرون) هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأولى تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم﴾، والدار الآخرة: في قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي: في قوله: ﴿إياك نعبد﴾، والشريعة كلها في قوله: ٤٨ تفسير سورة الفاتحة ﴿الصراط المستقيم﴾، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين ﴿أنعمت عليهم﴾، وذكر طوائف الكفار في قوله: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك آمين اسم فعل معناه اللّهمَّ استجب، وقيل هو من أسماء الله ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها أو لا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة. المأموم والفذّ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر. ٠١ سورة البقرة مدنيّة إلاّ آية ٢٨١ فنزلت بمنى في حجة الوداع وآياتها مائتان وست وثمانون وهي أول سورة نزلت بالمدينة بِسْمِ اللهِ الرَّحَى الرَ الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَبُّ فِهِ هُدَّى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُعْيِمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ (٢) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿الم﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: المص، والر، والمر، وكهيعص، وطله، وطسم، وطس، ويس، وص، وحم، وحم عسق، ون. فقال قوم لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاّ الله، قال أبو بكر الصدّيق: لله في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور، وقال قوم تفسر، ثم اختلفوا فيها، فقيل هي أسماء السور، وقيل أسماء الله، وقيل: أشياء أقسم الله بها، وقيل هي حروف مقطعة من كلمات: فالألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومثل ذلك في سائرها، وورد في الحديث أن بني إسرائيل فهموا أنها تدل بحروف أبجد على السنين التي تبقى هذه الأمة، وسمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم ذلك فلم ينكره، وقد جمع أبو القاسم السهيلي عددها على ذلك بعد أن أسقط المتكرّر فبلغت تسعمائة وثلاثة، وإعراب هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها فيتصوّر أن تكون في التسهيل لعلوم التنزيل / ج ١ / م ٤ ٥٠ تفسير سورة البقرة :. موضع رفع أو نصب أو خفض. فالرفع على أنها مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر، والنصب على أنها مفعول بفعل مضمر، والخفض على قول مَن جعلها مقسمًا بها كقولك: الله لأفعلن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابَ﴾ هو هنا القرآن، وقيل التوراة والإنجيل، وقيل اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدلّ عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: ﴿تَنْزِيلِ الكِتَاب لا رَيبَ فيه من ربّ العَالَمِين﴾ يعني القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل خبره الكتاب فعلى هذا ﴿ذَلِكَ الكِتَابَ﴾ جملة مستقلة فيوقف عليه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق، ولم يعتبر أهل الباطل، وخبر لا ريب: فيه، فيوقف عليه، وقيل خبرها محذوف فيوقف على ﴿لاَ رَيْبَ﴾ والأول أرجح لتعيّنه في قوله: ﴿لاَ رَيْبَ﴾ في مواضع أُخَر، فإن قيل: فهلا قدّم قوله فيه على الريب كقوله: ﴿لا فيها غول﴾؟ فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه. ولو قدّم فيه: لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر فيه ريب، كما أن ﴿لا فِيهَا غول﴾ إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدّم الخبر ﴿هُدَى﴾ هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتّقين، ولو كان بمعنى البيان لعمّ كقوله: ﴿هُدَى لِلنَّاس﴾ وإعرابه خبر ابتداء أو مبتدأ وخبره فيه، عندما يقف على لا ريب، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإسارة ﴿لْلْمُثَّقِينَ﴾ مفتعلين من التقوى، وقد تقدّم معناه في الكتاب، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول. الأوّل: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهدى كقوله: ﴿هُدّى للْمُثَّقِينَ﴾ والنصرة، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ معَ الذِينَ اتقوا﴾ والولاية لقوله: ﴿اللَّه وليّ المُتْقين﴾ والمحبة لقوله: ﴿إنّ اللَّهَ يحبّ المتقين) والمغفرة لقوله: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا﴾ والمخرج من الغمّ والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: ﴿ومَن يَتْقِ اللَّهُ يَجْعلَ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية وتيسير الأمور لقوله: ﴿ومَنْ يَتْقِ اللَّهَ يَجْعَل له من أَمْرِهِ يُسرا﴾ [الطلاق: ٤] وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: ﴿ومَن يَثْقِ اللَّهَ يكفّر عنه سَيِّئاته ویُعظّم له أَجرا﴾ وتقبل الأعمال لقوله: ﴿إنّما يَتَقَبِّل اللَّهُ من المتّقين﴾ والفلاح لقوله: ﴿واّقوا الله لعلكم تفلحون) والبشرى لقوله: ﴿لهم البُشْرَى في الحَيَاةِ الدّنيا وفي الآخِرَة﴾ ودخول الجنة لقوله: ﴿إنّ للمتّقين عِنْدَ رَبِّهِم جَنّات النَّعيم﴾ والنجاة من النار لقوله: ﴿ثم نُنجي الذين اتقوا﴾ ..... الفصل الثاني: البواعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء من ٥١ تفسير سورة البقرة وَبِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَى هُدِّى مِّن ◌َِّّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّالَّذِينَ نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: ﴿إنّما يَخْشَى اللَّهُ من عِبَادِهِ العلماء﴾ وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول القائل: تعصى الإله وأنت تظهر حبّه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحبّ لمَن يحبّ مطيع ولله درّ القائل : قالت وقد سألت عن حال عاشقها لله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان يظن الموت من ظما وقلت قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث: درجات التقوى خمس: أن يتّقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتّقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة، وأن يتّقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتّقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتّقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة ﴿الذِيْنَ يُؤْمِنُون بالغَيْبِ﴾ فيه قولان يؤمنون بالأمور المغيبات كالآخرة وغيرها فالغيب على هذا بمعنى الغائب إما تسمية بالمصدر كعدل، وإما تخفيفًا في فعيل: كميت، والآخر يؤمنون في حال غيبهم أي باطنًا وظاهرًا، وبالغيب على القول الأوّل: يتعلق بيؤمنون وعلى الثاني في موضع الحال، ويجوز في الذين أن يكون خفضًا على النعت أو نصبًا على إضمار فعل أو رفعًا على أنه خبر مبتدأ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ إقامتها: علمها من قولك: قامت السوق، وشبه ذلك والكمال المحافظة عليها في أوقاتها بالإخلاص لله في فعلها، وترفية شروطها، وأركانها، وفضائلها، وسُننها، وحصور القلب الخشوع فيها، وملازمة الجماعة في الفرائض والإكثار من النوافل ﴿ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُثْفِقُونَ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الزكاة لاقترانها مع الصلاة، والثاني أنه التطوّع، والثالث العموم، وهو الأرجح؛ لأنه لا دليل على التخصيص، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هل هم المذكورون قبل فيكون من عطف الصفات أو غيرهم وهم من أسلم من أهل الكتاب فيكون عطفًا للمغايرة أو مبتدأ وخبره الجملة بعد ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل ﴿إِنّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيمن سبق القدر أنه لا يؤمن کأبي جهل، فإن كان الذين للجنس: فلفظها عامّ يراد به الخصوص، وإن كان للعهد فهو إشارة إلى قوم بأعيانهم، وقد اختلف فيهم؛ فقيل المراد من قتل ببدر من كفّار قريش، وقيل المراد حيي بن أخطب وكعب بن ٥٢ تفسير سورة البقرة كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمَّعِهِمٌ وَعَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٥) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلََّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (في) فِى الأشرف اليهوديان ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر إن و﴿أَنْذَرْتَهم﴾ فاعل به لأنه في تقدير المصدر، وسواء مبتدأ، وأنذرتهم خبره أو العكس وهو أحسن، و﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ على هذه الوجوه: استئنافًا للبيان، أو للتأكيد، أو خبر بعد خبر أو تكون الجملة اعتراضًا، ولا يؤمنون الخبر، والهمزة في ءأنذرتهم لمعنى التسوية قد انسلخت من معنى الاستفهام ﴿خَتَمَ﴾ الآية تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم، فهو مجاز وقيل حقيقة وأن القلب كالكفّ ينقبض مع زيادة الضلال أصبعًا أصبعًا حتى يختم عليه، والأوّل أبرع، و﴿عَلَى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على قلوبهم، فيوقف عليه، وقيل الوقف على قلوبهم، والسمع راجع إلى ما بعدهِ، والأوّل أرجح لقوله: ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ ﴿غَشَاوَةٌ﴾ مجاز باتفاق، وفيه دليل على وقوع المجاز في القرآن خلافًا لمَن منعه، ووحّد السمع لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع ﴿ومِنَ النَّاسِ﴾ أصل الناس أُناس لأنه مشتق من الإنس وهو اسم جمع وحذفت الهمزة مع لام التعريف تخفيفًا ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ إن كان اللام في الناس للجنس فمن موصوفة وإن جعلتها للعهد فمن موصولة وأفرد الضمير في يقول رعيًا للفظ ومن ﴿ومَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ هم المنافقين وكانوا جماعة من الأوس والخزرج رأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول يُظهِرون الإسلام ويسرّون الكفر، ويسمى الآن من كذلك: زنديقًا، وهم فيّ الآخرة مخلّدون في النار، وأما في الدنيا إن لم تقم عليهم بيّنة فحكمهم كالمسلمين في دمائهم وأموالهم وإن شهد على معتقدهم شاهدان عدلان، فمذهب مالك: القتل، دون الاستتابة، ومذهب الشافعي الاستتابة وترك القتل، فإن قيل: كيف جاء قولهم: ﴿آَمَنَّا﴾ جملة فعلية ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ جملة اسمية فهلاً طابقتها؟ فالجواب: أن قولهم ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أبلغ وآكد في نفي الإيمان عنهم مَن لو قال ما آمنوا، فإن قيل: لِمَ جاء قولهم آمنًا مقيّدًا بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين مطلقًا؟ فالجواب أنه يحتمل وجهين: التقييد؛ فتركه لدلالة الأوّل عليه، والإطلاق، وهو أعمّ في سلبهم من الإيمان. ﴿يُخادعون﴾ أي يفعلون فعل المخادع، ويرومون الخدع بإظهار خلاف ما يسرّون، وقيل معناه يخدعون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والأول أظهر ﴿وما يَخْدَعُونَ إلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي وبال فعلهم راجع عليهم، وقرىء وما يخدعون بفتح الياء من غير ألفه من ٥٣ تفسير سورة البقرة قُلُوبِهِم قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَآ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِ بُونَ (١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١) أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَةُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ ١٢ يُشْعُونَ اُلَُّهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ (٦)، وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ (١٥) اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى خدع وهو أبلغ في المعنى، لأنه يقال خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تمّ له ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حذف معموله أي لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم. ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الألم الذي يجدونه من الخوف وغيره، وأن يكون مجازًا بمعنى الشك أو الحسد ﴿فَزَادَهُمْ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتشديد أي يكذبون الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وقرىء بالتخفيف أي يكذبون في قولهم آمنًا ﴿لاَ تُفْسِدُوا﴾ أي بالكفر والنميمة وإيقاع الشرّ وغير ذلك ﴿إِنما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يحتمل أن يكون جحود الكفر لقولهم آمنًا، أو اعتقاد أمنهم على إصلاح ﴿كَمَا آمنَ النَّاسُ﴾ أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والكاف يحتمل أن تكون للتشبيه أو للتعليل وما يحتمل أن تكون كافّة كما هي وربما أن تكون مصدرية ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إنكار منهم وتقبيح ﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ردّ عليهم عليهم وإناطة السّفه بهم، وكذلك هم المفسدون، وجاء بالألف واللام ليفيد حصر السّفه والفساد فيهم، وأكده بإن وبألاً التي تقتضي الاستئناف وتنبيه المخاطب ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ كذبوا خوفًا من المؤمنين ﴿خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ هم رؤساء الكفر، وقيل شياطين الجن، وهو بعيد وتعدّى خلا بإلى ضمن معنى مشوا وذهبوا أو ركنوا، وقيل إلى بمعنى مع، أو بمعنى الباء وجه قولهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُون﴾ بجملة اسمية مبالغة وتأكيد بخلاف قولهم آمنًا فإنه جاء بالفعل لضعف إيمانهم. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال: تسمية للعقوبة باسم الذنب: كقوله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل يملي لهم بدليل قوله: ﴿ويمدّهم﴾ وقبل يفعل بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزأ بهم كما جاء في سورة الحديد ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾ [الحديد: ١٣] الآية ﴿ويَمُدُّهُمْ﴾ يزيدهم، وقيل يملي لهم، وقد ذكروا يعمهون ﴿اشتروا الضلالة﴾ عبارة عن تركهم الهدى مع تمكّنهم منه ووقوعهم في الضلالة فهو مجاز ٥٤ تفسير سورة البقرة أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا لْصِرُونَ (١٥) صُمْبَكْمَّ عُنْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ بديع ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ترشيح للمجاز، لما ذكر الشر ذكر ما يتبعه من الربح والخسران وإسناد عدم الربح إلى التجارة مجاز أيضًا لأن الرابح أو الخاسر هو التاجر ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في هذا الشراء أو على الإطلاق وقال الزمخشري نفى الربح في قوله: فما ربحت، ونفى سلامة رأس المال في قوله: وما كانوا مهتدين ﴿مَثَلُهُمْ كَمّثْلِ﴾ إن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف للتشبيه وإن كان المثل بمعنى التشبيه فالكاف زائدة ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ أي أوقد وقيل طلب الوقود على الأصل في استفعل ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ إن تعدّى فما حوله مفعول به، وإن لم يتعدّ فما زائدة أو ظرفية ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهبه، وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره طفيت النار وذهب الله بنورهم: جملة مستأنفة والضمير عائد على المنافقين، فعلى هذا يكون ﴿الَّذِي﴾ على بابه من الإفراد، والأرجح أنه أُعيد ضمير الجماعة لأنه لم يقصد بالذي: واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمَن استوقد نارًا سواء كان واحدًا أو جماعة، ثم أعيد بالجمع ليطابق المشبه، لأنهم جماعة، فإن قيل: ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيه بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده، والثاني: أن استخفاء كفرهم كالنور، وفضيحتهم كالظلمة، والثالث: أن ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر، فإيمانه نور، وكفره بعده ظلمة، ويرجح هذا قوله: ﴿ذلك بأنّهم آمَنُوا ثم كَفَرُوا﴾ فإن قيل: لِمَ قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِئُورِهم﴾ ولم يقل: أذهب الله نورهم، مشاكلة لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ فالجواب: أن إذهاب النور أبلغ لأنه إذهاب للقليل والكثير؛ بخلاف الضوء فإنه يطلق على الكثير ﴿صُمَّ بُكْمْ عُمْيٌ﴾ يحتمل أن يراد به المنافقون، والمستوقد المشبه بهم، وهذه الأوصاف مجاز عبارة عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم وكلامهم، وليس المراد فقد الحواس ﴿فَهُمْ لا يَرجِعُون﴾ إن أُريد به المنافقون: فمعناه لا يرجعون إلى الهدى، وإن أُريد به أصحاب النار: فمعناه أنهم متحيرون في الظلمة لا يرجعون ولا يهتدون إلى الطريق ﴿أَو كَصَيْبٍ﴾ عطف على الذي استوقد، والتقدير: أو كصاحب صيّب أو للتنويع لأن هذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، والصيب: المطر، وأصله صيوب، ووزنه فعيل، وهو مشتق من قولك صاب يصوب، وفي قوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ إشارة إلى قوته وشدة انصبابه، قال ابن مسعود: إن رجلين من المنافقين هربا إلى ٥٥ تفسير سورة البقرة ءَذَاِهِم مِّنَ الضَّوْعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِّ وَاللّهُ يُحِيطٌ بِالْكَفِينَ (١٦) يَكَادُ الْبَقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوّأْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ المشركين، فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك، فعزما على الإيمان ورجعا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وحسن إسلامهما فضرب الله ما أنزل فيهما مثلاً للمنافقين، وقيل المعنى تشبيه المنافقين في حيرتهم في الدين وفي خوفهم على أنفسهم بمَن أصابه مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فضلّ عن الطريق وخاف الهلاك على نفسه، وهذا التشبيه على الجملة، وقيل: إن التشبيه على التفصيل، فالمطر مثل للقرآن أو الإسلام والظلمات مثل لما فيه من الإشكال على المنافقين والرعد مثل لما فيه من الوعيد والزجر لهم والبرق مثل لما فيه من البراهين الواضحة، فإن قيل: لِمَ قال رعد وبرق بالإفراد ولم يجمعه كما جمع ظلمات؟ فالجواب أن الرعد والبرق مصدران والمصدر لا يجمع، ويحتمل أن يكونا اسمين وجمعهما لأنهما في الأصل مصدران ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أي من أجل الصواعق قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن في مجلس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. فهو على هذا حقيقة في المنافقين، والصواعق على هذا ما يكرهون من القرآن والموت هو ما يتخوّفونه فهما مجازان وقيل لأنه راجع لأصحاب المطر المشبّه بهم فهو حقيقة فيهم والصواعق على هذا حقيقة وهي التي تكون من المطر من شدّة الرعد ونزول قطعة نار والموت أيضًا حقيقة وقيل إنه راجع للمنافقين على وجه التشبيه لهم في خوفهم بمَن جعل أصابعه في آذانه من شدّة الخوف من المطر والرعد، فإن قيل: لِمَ قال أصابعهم ولم يقل أناملهم والأنامل هي التي تجعل في الآذان؟ فالجواب أن ذكر الأصابع أبلغ لأنها أعظم من الأنامل ولذلك جمعها مع أن الذي يجعل في الآذان السبّابة خاصة ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي لا يفوتونه بل هم تحت قهره وهو قادر على عقابهم ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر وهم الذين شبّه بهم المنافقين: فهو بيِّن في المعنى، وإن رجع إلى المنافقين: فهو تشبيه بمَن أصابه البرق على وجهين: أحدهما: تكاد براهين القرآن تلوح لهم كما يضيء البرق، وهذا مناسب لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدّم، والآخر: يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر المشبه بهم. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيْهِ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم، وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى أنه يلوح لهم من الحق ما يقربون به من ٥٦ تفسير سورة البقرة يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ واْ رَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُّونَ شَىْءٍ قَدِيرٌ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشَا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّانَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْلِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الإيمان ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى أنهم إذا زال عنهم الضوء وقفوا متحيرين لا يعرفون الطريق، وإن رجع إلى المنافقين. فالمعنى أنه إذا ذهب عنهم ما لاح لهم من الإيمان: ثبتوا على كفرهم، وقيل إن المعنى كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا هذا دين مبارك؛ فهذا مثل الضوء، وإذا أصابتهم شدّة أو مصيبة عابوا الدين وسخطوا: فهذا مثل الظلمة، فإن قيل: لِمَ قال مع الإضاءة كلما، ومع الظلام إذا؟ فالجواب أنهم لما كانوا حراصًا على المشي ذكر معه كلما، لأنها تقتضي التكرار والكثرة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية: إن رجع إلى أصحاب المطر: فالمعنى لو شاء الله لأذهب سمعهم بالرعد وأبصارهم بالبرق، وإن رجع إلى المنافقين: فالمعنى لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة، وجاءت العبارة عن ذلك بإذهاب سمعهم وأبصارهم والباء للتعدية كما هي في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ [البقرة: ١٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية لما قدّم اختلاف الناس في الدين وذكر ثلاث طوائف: المؤمنين، والكافرين والمنافقين: أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله وجاء بالدعوة عامّة للجميع لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث إلى جميع الناس ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يدخل فيه الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته، فالأمر بالإيمان به لمَن كان جاحدًا، والأمر بالتوحيد لمَن كان مشركًا، والأمر بالطاعة لمِّن كان مؤمنًا ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يتعلق بخلقكم: أي خلقكم لتتّقوه كقوله: ﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] أو بفعل مقدّر من معنى الكلام أي دعوتكم إلى عبادة الله لعلّكم تتّقون، وهذا أحسن. وقيل يتعلق بقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ وهذا ضعيف، وإن كانت لعل للترجّي فتأويله أنه في حق المخلوقين جريًا على عادة كلام العرب، وإن كانت للمقاربة أو للتعليل فلا إشكال، والأظهر فيها أنها لمقاربة الأمر نحو عسى، فإذا قالها الله: فمعناها أطباع العباد، وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى ﴿الأرض فِرَاشًا﴾ تمثیل لما ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ من كانوا يقعدون وينامون عليها كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء للتبعيض أو لبيان الجنس، لأنّ الثمرات هو المأكول من الفواكه وغيرها والباء في به سببية، أو كقولك كتبت بالقلم لأنّ الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا﴾ لا ناهية أو نافية، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا والأول أظهر ٥٧ تفسير سورة البقرة ﴿أَنْدَادًا﴾ يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جلّ وعلا ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق، ويتعلق قوله بلا تجعلوا بما تقدّم من البراهين، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ والأوّل أظهر. فوائد ثلاث : الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين ((أحدهما)) إقامة البراهين بخلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والسموات ((والآخر)) ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام فذكر أوّلاً ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم لأنّ الخالق يستحق أن يُعبَد، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات، لأنّ المنعم يستحق أن يُعبَد ويُشكَر، وانظر قوله: جعل لكم. ورزقًا لكم: يدلّك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع. الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وذلك هو الذي يترجم عنه بقولنا: لا إله إلاّ الله، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول لا إله إلاّ الله تكون في القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار، وذلك أنها تدلّ بالعقل على عشرة أمور: وهي: أنّ الله موجود، لأنّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد لا شريك له، لأنه لا خالق إلاّ هو ﴿أَفَمَنْ يَخْلق كمَن لا يَخلق﴾ [النحل: ١٧] وأنه حيّ قدير عالم مُريد، لأنّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع، إذ لا تصدر صنعة عمّن عدم صفة منها، وأنه قديم لأنه صانع للمحدثات، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث، وأنه باقٍ لأنّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، وأنه حكيم، لأنّ آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت، وأنه رحيم، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخّر لهم ما في السموات وما في الأرض وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته، فإن قيل لِمَ قصر الخطاب بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ على المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟ فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع، فإن قيل: هلاّ قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا؟ فالجواب أنّ التقوى غاية العبادة وكمالها فكان قوله ٥٨ تفسير سورة البقرة بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنَ ١) وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا ٢٤ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِنَ لعلكم تتقون أبلغ وأوقع في النفوس ﴿وإن كُنتُم فِي رَيْبٍ﴾ الآية إثبات لنهوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بإقامة الدليل على أنّ القرآن جاء به من عند الله فلما قدّم إثبات الألوهية أعقبها بإثبات النبوّة، فإن قيل: كيف قال: ﴿إن كُنْتُم فِي رَيْبٍ﴾، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟ فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أن الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقّع والاحتمال في الأمر الواقع ليعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى: ﴿لا رَيْب فِيه﴾ ﴿على عَبْدِنا﴾ هو النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والعبودية على وجهين: عامّة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصّة وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد ولله درّ القائل : أسمائي أشرف لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿مِن مِثلِهِ﴾ الضمير عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل يعود على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحِكَم العجيبة والبراهين الواضحة ﴿شُهَدَاءَكُم﴾ آلهتكم أو أعوانكم أو مَن يشهد لكم ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله، وقيل هو من الدين الحقير فهو مقلوب اللفظ ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير مصداقه في الوجود إن لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن مع فصاحة العرب في زمان نزوله وتصرّفهم في الكلام وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين: أحدهما أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح، والثاني أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على الوجهين وقد بيّا سائر وجوه إعجازه في المقدّمة ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبّر باللازم عن ملازمه لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف ﴿وَقُودُهَا﴾ حطبها ﴿الحِجَارَةُ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتّقادها وشدّة حرّها وقبح رائحتها، وقيل الحجارة المعبودة، وقيل الحجارة على الإطلاق ﴿أُعِدَّثْ﴾ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السُّنّة، خلافًا لمَن قال إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك ...... ٥٩ تفسير سورة البقرة وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَِ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًاْ صيا قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيٍ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا الَّذِينَ ٢٥ خَلِدُونَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الجنّة ﴿وَبَشْر﴾ يحتمل أن تكون خطابًا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو خطابًا لكل أحد ورجّح الزمخشري هذا لأنه أفخم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه خلافًا لمَن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال خلافًا للمرجئة ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي تحت أشجارها وتحت مبانيها، وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل وهكذا تفسيره وقع، ورُوِيّ أن أنهار الجنة تجري في غير أُخدود ﴿مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رُزْقًا﴾ من الأولى للغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس ومن الثانية لبيان الجنس ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي في الدنيا بدليل قولهم: ﴿إِنّا كِنّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشِفِقِين﴾ [الطور: ٢٦] في الدنيا فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا وإن كانت خيرًا منها في المطعم والمنظر ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي يشبه ثمر الدنيا في جنسه، وقيل يشبه بعضه بعضًا في المنظر ويختلف في المطعم، والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدلّ عليه المعنى ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض وأقذار النساء وسائر الأقذار التي تختصّ بالنساء كالبول وغيره، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق. ﴿لاَ يَسْتَخِي﴾ تأوّل قوم: أن معناه لا يترك لأنهم زعموا أنّ الحياء مستحيل على الله لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر، وليس كذلك وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يُعاب، ويردّ عليهم قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إنّ الله حپيٍّ كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صُفرًا)) ﴿أَن يَضْرِبَ﴾ سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عابَ الكفّار على ذلك، وقيل المثلين المتقدّمين في المنافقين تكلموا في ذلك فنزلت الآية ردًّا عليهم ﴿مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً﴾ إعراب بعوضة مفعول بيضرب، ومثلاً حال، أو مثلاً مفعول وبعوضة بدل منه أو عطف بيان، أو هما مفعولان بيضرب لأنها على هذا المعنى تتعدّى إلى مفعولين، وما صفة للنكرة أو زائدة ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الكبر، وقيل في الصغر، والأول أصح ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة: وضرب أمثال، وبيان للناس، ولأنّ الصادق جاء بها من عند الله ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ لفظه الاستفهام، ومعناه الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب، وفي ٦٠ تفسير سورة البقرة. مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّ الْفَسِقِينَ (٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهَِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ [®) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الَْ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ إعراب ماذا وجهان: أن تكون ما مبتدأ وذا خبره وهي موصولة، وأن تكون كلمة مركبة في موضع نصب على المفعول بأراد، ومثلاً منصوب على الحال أو التمييز ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ من كلام الله جوابًا للذين قالوا ماذا أراد الله بهذا مثلاً، وهو أيضًا تفسير لما أراد الله يضرب المثل من الهدى والضلال ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ مطلق في العهود وكذلك ما بعده من القطع والفساد، ويحتمل أن يُشار بنقض عهد الله إلى اليهود لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ويشار بقطع ما أمر الله به بأن يوصل إلى قريش لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين لأن الفساد من أفعالهم حسبما تقدّم في وصفهم ﴿مِيثَاقِهِ﴾ الضمير للعهد أو لله تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ موضعها الاستفهام، ومعناها هنا الإنكار والتوبيخ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي معدومين أي في أصلاب الآباء أو نطفًا في الأرحام ﴿فَأَخْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم إلى الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموت المعروف ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء، وقيل الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد، وقيل في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول الأول لتعيينة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُم ثُمّ يُخْبِكُمْ﴾. [الحج: ٦٦]. فوائد ثلاثة: الأولى: هذه الآية في معرض الردّ على الكفّار وإقامة البرهان على بطلان قولهم، فإن قيل إنما يصحّ الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتجّ عليهم بالبعث وهم منكرون له؟ فالجواب أنهم ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله. الثانية: قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ في موضع الحال، فإن قيل: كيف جاز ترك قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل والمراد مجموع الكلام كأنه يقول وحالهم هذه فلذلك لم تلزم قد. الثالثة: عطف ﴿فَأَخْيَاكُمْ﴾ بالفاء لأنّ الحياة أثر العدم ولا تراخي بينهما، وعطف ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُم﴾ و﴿ثُمَّ يُخِيكُم﴾ بثم للتراخي الذي بينهما ﴿حَلَقَ لَكُم مَّ في