Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة البلد / الآيات: ١ - ٢٠
وهو أب لهم، فأقسم تعالى به وبأمته بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في شرفه عليه الصلاة
والسلام. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله وَّقر ومن
ولده. أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل عليهما
الصلاة والسلام، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح
والتعجب. فإن قلت: هلا قيل: ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أعلم بما
وضعت﴾(١): أي بأي شيء وضعت، يعني موضوعاً عجيب الشأن. انتهى. وقال الفراء:
وصلح ما للناس، كقوله: ﴿ما طاب لكم﴾(٢)، ﴿وما خلق الذكر والأنثى)(٣)، وهو الخالق
للذكر والأنثى. انتهى. وقال ابن عباس وعكرمة وابن جبير: المراد بالوالد الذي يولد له،
وبما ولد العاقر الذي لا يولد له. جعلوا ما نافية، فتحتاج إلى تقدير موصول يصح به هذا
المعنى، كأنه قال: ووالد والذي ما ولد، وإضمار الموصول لا يجوز عند البصريين.
﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾: هذه الجملة المقسم عليها. والجمهور: على أن
الإنسان اسم جنس، وفي كبد: يكابد مشاق الدنيا والآخرة، ومشاقه لا تكاد تنحصر من أول
قطع سرته إلى أن يستقر قراره، إما في جنة فتزول عنه المشقات؛ وإما في نار فتتضاعف
مشقاته وشدائده. وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح والضحاك ومجاهد: ﴿في
كبدٍ﴾ معناه: منتصب القامة واقفاً، ولم يخلق منكباً على وجهه، وهذا امتنان عليه. وقال
ابن كيسان: منتصباً رأسه في بطن أمه، فإذا أذن له بالخروج، قلب رأسه إلى قدمي أمه.
وعن ابن عمر: يكابد الشكر على السرّاء، ويكابد الصبر على الضراء. وقال ابن زيد:
﴿الإنسان﴾: آدم، ﴿في كبد﴾: في السماء، سماها كبداً، وهذه الأقوال ضعيفة، والأول
هو الظاهر. والظاهر أن الضمير في ﴿أيحسب﴾ عائد على ﴿الإنسان﴾، أي هو لشدة
شكيمته وعزته وقوته يحسب أن لا يقاومه أحد، ولا يقدر عليه أحد لاستعصامه بعدده
وعدده. يقول على سبيل الفخر: ﴿أهلكت مالاً لبدأ﴾: أي في المكارم وما يحصل به
الثناء، أيحسب أن أعماله تخفى، وأنه لا يراه أحد، ولا يطلع عليه في إنفاقه ومقصد ما
يبتغيه مما ليس لوجه الله منه شيء؟ بل عليه حفظة يكتبون ما يصدر منه من عمل في حياته
ويحصونه إلى يوم الجزاء. وقيل: الضمير في ﴿أيحسب﴾ لبعض صناديد قريش. وقيل:
هو أبو الأسد أسيد بن كلدة، كان يبسط له الأديم العكاظي، فيقوم عليه ويقول: من أزالني
(١) سورة آل عمران: ٣٦/٣.
(٢) سورة النساء: ٣/٤.
(٣) سورة الليل: ٣/٩٢.
تفسير البحر المحيط ج١٠ م٣١

٤٨٢
سورة البلد / الآيات: ١ - ٢٠
عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعاً، ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل:
الحرث بن عامر بن نوفل، وكان إذا أذنب استفتى النبي ◌َّ، فيأمره بالكفارة، فقال: لقد
أهلكت مالاً لبدآً في الكفارات والتبعات منذ تبعت محمداً بل#. وقرأ الجمهور: لبداً،
بضم اللام وفتح الباء؛ وأبو جعفر: بشدّ الباء؛ وعنه وعن زيد بن علي: لبداً بسكون الباء،
ومجاهد وابن أبي الزناد: بضمهما.
ثم عدّد تعالى على الإنسان نعمه فقال: ﴿ألم نجعل له عينين﴾ يبصر بهما،
﴿ولساناً﴾ يفصح عما في باطنه، ﴿وشفتين﴾ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على الأكل
والشرب والنفخ وغير ذلك. ﴿وهديناه النجدين)، قال ابن مسعود وابن عباس والجمهور:
طريق الخير والشر. وقال ابن عباس أيضاً، وعليّ وابن المسيب والضحاك: الثديين،
لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه. ﴿فلا اقتحم العقبة﴾: أي لم يشكر تلك النعم
السابقة، والعقبة استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال، تشبيه بعقبة
الجبل، وهو ما صعب منه، وكان صعوداً، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها. واقتحمها: دخلها
بسرعة وضغط وشدّة، والقحمة: الشدّة والسنة الشديدة. ويقال: قحم في الأمر قحوماً:
رمى نفسه فيه من غير روية. والظاهر أن لا للنفي، وهو قول أبي عبيدة والفرّاء والزجاج،
كأنه قال: وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل، فما فعل خيراً، أي فلم يقتحم. قال
الفرّاء والزجاج: ذكر لا مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد،
كقوله تعالى: ﴿فلا صدّق ولا صلى﴾(١)، وإنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه،
فيجوز أن يكون قوله: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾، قائماً مقام التكرير، كأنه قال: فلا
اقتحم العقبة ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء، كقوله: لا نجا ولا سلم، دعاء عليه
أن لا يفعل خيراً. وقيل: هو تحضيض بألا، ولا نعرف أن لا وحدها تكون للتحضيض،
وليس معها الهمزة. وقيل: العقبة: جهنم، لا ينجي منها إلا هذه الأعمال، قاله الحسن.
وقال ابن عباس ومجاهد وكعب: جبل في جهنم. وقال الزمخشري، بعد أن تنحل مقالة
الفرّاء والزجاج: هي بمعنى لا متكررة في المعنى، لأن معنى ﴿فلا اقتحم العقبة﴾: فلا
فك رقبة ولا أطعم مسكيناً. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ انتهى، ولا يتم له هذا إلا
على قراءة من قرأ فك فعلاً ماضياً.
(١) سورة القيامة: ٣١/٧٥.

٤٨٣
سورة البلد / الآيات: ١ - ٢٠
وقرأ ابن كثير والنحويان: فك فعلاً ماضياً، رقبة نصب، أو أطعم فعلاً ماضياً؛ وباقي
السبعة: فك مرفوعاً، رقبة مجروراً، وإطعام مصدر منون معطوف على فك. وقرأ عليّ وأبو
رجاء كقراءة ابن كثير، إلا أنهما قرآ: ذا مسغبة بالألف. وقرأ الحسن وأبو رجاء أيضاً: أو
إطعام في يوم ذا بالألف، ونصب ذا على المفعول، أي إنساناً ذا مسغبة، ويتيماً بدل منه أو
صفة. وقرأ بعض التابعين: فك رقبة بالإضافة، أو أطعم فعلاً ماضياً. ومن قرأ فك بالرفع،
فهو تفسير لاقتحام العقبة، والتقدير: وما أدراك ما اقتحام العقبة. ومن قرأ فعلاً ماضياً، فلا
يحتاج إلى تقدير مضاف، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء فك بدلاً من اقتحم،
قاله ابن عطية. وفك الرقبة: تخليصها من الأسر والرق. ﴿ذا مقربة﴾: ليجتمع صدقة
وصلة، وأو هنا للتنويع، ووصف يوم بذي مسغبة على الاتساع. ﴿ذا متربة﴾، قال: هم
المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراب، لا بيوت لهم. وقال ابن عباس: هو
الذي يخرج من بيته، ثم يقلب وجهه إليه مستيقناً أنه ليس فيه إلا التراب.
﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿فلا اقتحم﴾؛ ودخلت ثم
التراخي الإيمان والفضيلة، لا التراخي في الزمان، لأنه لا بد أن يسبق تلك الأعمال الحسنة
الإيمان، إذ هو شرط في صحة وقوعها من الطائع، أو يكون المعنى: ثم كان في عاقبة أمره
من الذين وافوا الموت على الإيمان، إذ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطاعات، أو يكون
التراخي في الذكر كأنه قيل: ثم اذكر أنه كان من الذين آمنوا. ﴿وتواصوا بالصبر﴾: أي
أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والطاعات وعن المعاصي، ﴿وتواصوا
بالمرحمة﴾: أي بالتعاطف والتراحم، أو بما يؤدي إلى رحمة الله. والميمنة والمشأمة تقدّم
القول فيهما في الواقعة. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص: ﴿مؤصدة﴾ بالهمز هنا وفي
الهمزة، فيظهر أنه من آصدت قيل: ويجوز أن يكون من أوصدت، وهمز على حد من قرأ
بالسوق مهموزاً. وقرأ باقي السبعة بغير همز، فيظهر أنه من أوصدت. وقيل: يجوز أن
يكون من آصدت، وسهل الهمزة، وقال الشاعر:
وسلاسلًا حلقاً وباباً مؤصدا
قوماً تعالج قملاً أبناءهم

٤٨٤
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
شُورَةُ الشِّمْسِ
ـربيها
ـنف
آياتها
١٥
◌ِللهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ
وَاُلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنْهَا
وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا () وَاُلْقَمَرِ إِذَانَتِهَا ﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا أَ
٤
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا (٥ّ وَاَلْأَرْضِ وَمَا طَنُهَا () وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ؟فَأَنْهَمَهَا تُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
◌َ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا (٦) إِذِ
١٠
! وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّتِهَا لـ
أَقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكْتُهَا!
٨
، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا
اُنْبَعَثَ أَشْقَنْهَا (٣٠) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُفْيَهَا فِ
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا (١) وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
١٥
طحا ودحا بمعنى واحد، أي بسط ووطأ، ويأتي طحا بمعنى ذهب. قال علقمة:
طحا بك قلب في الحسان طروب
ويقال: ما أدري أين طحا: أي ذهب، قاله أبو عمرو، وفي أيمان العرب لا، والقمر
الطاحي: أي المشرق المرتفع، ويقال: طحا يطحو طحواً، ويطحى طحواً. التدسية:
الإخفاء، وأصله دسس فأبدل من ثالث المضاعفات حرف علة، كما قالوا في نقصص
نقص، قال الشاعر:
حلائله منه أرامل صيعا
وأنت الذي دسست عمراً فاصبحت
وينشد أيضاً:
ودسست عمراً في التراب

٤٨٥
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
دمدم عليه القبر: أطبقه. وقال مؤرج: الدمدمة: إهلاك باستئصال. وقال في
الصحاح: دمدمت الشيء: ألزقته بالأرض وطحطحته.
﴿والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها،
والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد
أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، كذّبت ثمود بطغواها، إذ انبعث أشقاها، فقال لهم
رسول الله ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها، ولا
يخاف عقباها﴾ .
هذه السورة مكية. ولما تقدّم القسم ببعض المواضع الشريفة وما بعدها، أقسم هنا
بشيء من العالم العلوي والعالم والسفلي، وبما هو آلة التفكر في ذلك، وهو النفس. وكان
آخر ما قبلها مختتماً بشيء من أحوال الكفار في الآخرة، فاختتم هذه بشيء من أحوالهم في
الدنيا، وفي ذلك بمآلهم في الآخرة إلى النار، وفي الدنيا إلى الهلاك المستأصل. وتقدم
الكلام على ضحى في سورة طه عند قوله: ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾(١). وقال مجاهد:
هو ارتفاع الضوء وكماله. وقال مقاتل: حرها لقوله ﴿ولا تضحى﴾(٢). وقال قتادة: هو
النهار كله، وهذا ليس بجيد، لأنه قد أقسم بالنهار. والمعروف في اللغة أن الضحى هو
بعيد طلوع الشمس قليلاً، فإذا زاد فهو الضحاء، بالمد وفتح الضاد إلى الزوال، وقول
مقاتل تفسير باللازم. وما نقل عن المبرد من أن الضحى مشتق من الضح، وهو نور
الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية؛ وكذلك الواو في ضحوة مقلوبة عن الحاء
الثانية، لعله مختلق عليه، لأن المبرد أجل من أن يذهب إلى هذا، وهذان مادتان مختلفتان
لا تشتق إحداهما من الأخرى.
﴿والقمر إذا تلاها﴾، قال الحسن والفراء: تلاها معناه تبعها دأباً في كل وقت، لأنه
يستضيء منها، فهو يتلوها لذلك. وقال ابن زيد: يتلوها في الشهر كله، يتلوها في النصف
الأول من الشهر بالطلوع، وفي الآخر بالغروب. وقال ابن سلام: في النصف الأول من
الشهر، وذلك لأنه يأخذ موضعها ويسير خلفها، إذا غابت يتبعها القمر طالعاً. وقال قتادة:
إنما ذلك البدر، تغيب هي فيطلع هو. وقال الزجاج وغيره: تلاها معناه: امتلأ واستدار،
وكان لها تابعاً للمنزل من الضياء والقدر، لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا
(١) سورة طه: ٢٠ /٥٩.
(٢) سورة طه: ١١٦/٢٠.

٤٨٦
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
المعنى غير القمر. وقيل: من أول الشهر إلى نصفه، في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو؛
وفي النصف الآخر يتحاوران، وهو أن تغرب هي فيطلع هو. وقال الزمخشري: تلاها طالعاً
عند غروبها أخذاً من نورها وذلك في النصف الأول من الشهر.
﴿والنهار إذا جلاها﴾: الظاهر أن مفعول جلاها هو الضمير عائد على الشمس، لأنه
عند انبساط النهار تنجلي الشمس في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: يعود على
الظلمة. وقيل: على الأرض. وقيل: على الدنيا، والذي يجلي الظلمة هو الشمس أو
النهار، فإنه وإن لم تطلع الشمس لا تبقى الظلمة، والفاعل بجلاها ضمير النهار. قيل:
ويحتمل أن يكون عائداً على الله تعالى، كأنه قال: والنهار إذا جلى الله الشمس، فأقسم
بالنهار في أکمل حالاته.
﴿والليل إذا يغشها﴾: أي يغشى الشمس، فبدخوله تغيب وتظلم الآفاق، ونسبة ذلك
إلى الليل مجاز. وقيل: الضمير عائد على الأرض، والذي تقتضيه الفصاحة أن الضمائر
كلها إلى قوله: ﴿يغشاها﴾ عائدة على الشمس. وكما أن النهار جلاها، كان النهار هو الذي
يغشاها. ولما كانت الفواصل ترتبت على ألف وهاء المؤنث، أتى ﴿والليل إذا يغشاها﴾
بالمضارع، لأنه الذي ترتب فيه. ولو أتى بالماضي، كالذي قبله وبعده، كان يكون
التركيب إذا غشيها، فتفوت الفاصلة، وهي مقصودة. وقال القفال ما ملخصه: هذه الأقسام
بالشمس في الحقيقة بحسب أوصاف أربعة: ضوءها عند ارتفاع النهار وقت انتشار
الحيوان، وطلب المعاش، وتلو القمر لها بأخذه الضوء، وتكامل طلوعها وبروزها وغيبوبتها
بمجيء الليل. وما في قوله: ﴿وما بناها، وما طحاها، وما سواها﴾، بمعنى الذي، قاله
الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره الطبري، قالوا: لأن ما تقع على أولي العلم وغيرهم.
وقيل: مصدرية، قاله قتادة والمبرد والزجاج، وهذا قول من ذهب إلى أن ما لا تقع على
آحاد أولي العلم.
وقال الزمخشري: جعلت مصدرية، وليس بالوجه لقوله: ﴿فألهمها﴾، وما يؤدي إليه
من فساد النظم والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه
قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها،
وفي كلامهم سبحان من سخركن لنا، انتهى.
أما قوله: وليس بالوجه لقوله: ﴿فألهمها﴾، يعني من عود الضمير في ﴿فألهمها﴾
على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو ما المراد به الذي، ولا يلزم ذلك لأنا إذا

٤٨٧
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥ --
جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام؛ ففي بناها ضمير عائد على
الله تعالى، أي وبناها هو، أي الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً فقلت:
عجبت مما ضرب عمراً تقديره: من ضرب عمر؟ وهو كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود
الضمير على ما يفهم من سياق الكلام كثير، وقوله: وما يؤدي إليه من فساد النظم ليس
كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر، وقوله إنما أوثرت إلخ لا يراد بما ولا بمن
الموصولتين معنى الوصفية، لأنهما لا يوصف بهما، بخلاف الذي، فاشتراكهما في أنهما
لا يؤديان معنى الوصفية موجود فيهما، فلا ينفرد به ما دون من، وقوله: وفي كلامهم إلخ.
تأوله أصحابنا على أن سبحان علم وما مصدرية ظرفية.
وقال الزمخشري: فإن قلت: الأمر في نصب إذا معضل، لأنك إما أن تجعل الواوات
عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين، وفي نحو قولك: مررت أمس
بزيد واليوم عمرو؛ وأما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على
استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معه إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها
شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل،
والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه، فحقهن أن يكن عوامل على
الفعل والجار جميعاً، كما تقول؛ ضرب زيد عمراً وبكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب
لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما، انتهى. أما قوله في واوات العطف فتنصب بها وتجر
فليس هذا بالمختار، أعني أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار
أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، تم إنا لإنشاء حجة في ذلك. وقوله: فتقع في
العطف على عاملين، ليس ما في الآية من العطف على عاملين، وإنما هو من باب عطف
اسمين مجرور ومنصوب على اسمين مجرور ومنصوب، فحرف العطف لم ينب مناب
عاملين، وذلك نحو قولك: امرر بزيد قائماً وعمرو جالساً؟ وقد أنشد سيبويه في كتابه:
صحاحاً ولا مستنكران تعقرا
فليس بمعروف لنا أن نردها
فهذا من عطف مجرور، ومرفوع على مجرور ومرفوع، والعطف على عاملين فيه
أربع مذاهب، وقد نسب الجواز إلى سيبويه وقوله في نحو قولك: مررت أمس بزيد واليوم
عمرو، وهذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: مررت بزيد أمس وعمرو
اليوم، ونحن نجيز هذا. وأما قوله على استكراه فليس كما ذكر، بل كلام الخليل يدل على
المنع. قال الخليل: في قوله عز وجل: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر

٤٨٨
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
والأنثى﴾(١)، الواوان الأخيرتان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان يضمان الأسماء
إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء، انتهى. وأما قوله:
إن واو القسم مطرح معه إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل قد
أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: أقسم أو أحلف والله لزيد قائم.
وأما قوله: والواوات العواطف نوائب عن هذه الخ، فمبني على أن حرف العطف عامل
لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
والذي نقوله: إن المعضل هو تقرير العامل في إذا بعد الاقسام، كقوله: ﴿والنجم إذا
هوى﴾(٢)، ﴿والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر﴾(٣)، ﴿والقمر إذا تلاها﴾، ﴿والليل إذا
يغشى﴾(٤)، وما أشبهها. فإذا ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم
المحذوف، لأنه فعل إنشائي. فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان
العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه، أي :
وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه معمول لذلك الفعل. فالطلوع حال، ولا يعمل فيه
المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل، ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به
لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف
فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى،
والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً أن يكون منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون
معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً. وأيضاً فقد يكون القسم به جثة، وظروف الزمان
لا تكون أحوالاً عن الجثث، كما لا تكون أخباراً .
﴿ونفس وما سواها﴾: اسم جنس، ويدل على ذلك ما بعده من قوله: ﴿فألهمها﴾
وما بعده، وتسويتها: إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ارتبط به ﴿فألهمها﴾، لأن الفاء تقتضي
الترتيب على ما قبلها من التسوية التي هي لا تكون إلا بالعقل. وقال الزمخشري: فإن
قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان: أحدها: أن يريد نفساً خاصة من النفوس،
وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس، انتهى. وهذا فيه بعد للأوصاف المذكورة
بعدها، فلا تكون إلا للجنس. ألا ترى إلى قوله: ﴿قد أفلح من زكاها، وقد خاب من
دساها﴾، كيف تقتضي التغاير في المزكى وفي المدسى؟ ﴿فألهمها﴾، قال ابن جبير:
(١) سورة الليل: ١/٩٢ - ٣.
(٢) سورة النجم: ١/٥٣.
(٣) سورة المدثر: ٣٣/٧٤ - ٣٤.
(٤) سورة الليل: ١/٩٢.

٤٨٩
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
ألزمها. وقال ابن عباس: عرفها. وقال ابن زيد: بين لها. وقال الزجاج: وفقها للتقوى،
وألهمها فجورها: أي خذلها، وقيل: عرفها وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور
واكتساب التقوى. وقال الزمخشري: ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامها وإعقالها، وأن
أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله: ﴿قد أفلح من
زكاها، وقد خاب من دساها﴾، فجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما. والتزكية:
الإنماء، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال.
﴿قد أفلح من زكاها﴾، قال الزجاج وغيره: هذا جواب القسم، وحذفت اللام لطول
الكلام، والتقدير: لقد أفلح. وقيل: الجواب محذوف تقديره لتبعثن. وقال الزمخشري:
تقديره ليدمدمن الله عليهم، أي على أهل مكة، لتكذيبهم رسول الله وَلير، كما دمدم على
ثمود لأنهم كذبوا صالحاً. وأما ﴿قد أفلح من زكاها﴾ فكلام تابع لقوله: ﴿فألهمها فجورها
وتقواها﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، انتهى. وزكاؤها:
ظهورها ونماؤها بالعمل الصالح، ودساها: أخفاها وحقرها بعمل المعاصي. والظاهر أن
فاعل زكى ودسى ضمير يعود على من، وقاله الحسن وغيره. ويجوز أن يكون ضمير الله
تعالى، وعاد الضمير مؤنثاً باعتبار المعنى من مراعاة التأنيث. وفي الحديث ما يشهد لهذا
التأويل، كان عليه السلام إذا قرأ هذه الآية قال: ((اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير
من زكاها، أنت وليها ومولاها)). وقال الزمخشري: وأما قول من زعم أن الضمير في زكى
ودسى لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى من لأنه في معنى النفس، فمن تعكيس القدرية
الذين يوركون على الله قدراً هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة
ينسبونها إليه تعالى، انتهى. فجرى على عادته في سب أهل السنة. هذا، وقائل ذلك هو
بحر العلم عبد الله بن عباس، والرسول وَ ل﴿ يقول: ((وزكها أنت خير من زكاها)).
وقال تعالى: ﴿دساها﴾ في أهل الخير بالرياء وليس منهم؛ وحين قال: ﴿وتقواها﴾
أعقبه بقوله: ﴿قد أفلح من زكاها﴾. ولما قال: ﴿وقد خاب من دساها﴾، أعقبه بأهل
الجنة. ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه، ذكر فرقة فعلت ذلك ليعتبر بهم.
﴿بطغواها﴾: الباء عند الجمهور سببية، أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها. وقال ابن
عباس: الطغوى هنا العذاب، كذبوا به حتى نزل بهم لقوله: ﴿فأما ثمود فأهلكوا
بالطاغية﴾(١). وقرأ الجمهور: ﴿بطغواها﴾ بفتح الطاء، وهو مصدر من الطغيان، قلبت فيه
(١) سورة الحاقة: ٥/٦٩.

٤٩٠
سورة الشمس / الآيات: ١ - ١٥
الياء واواً فصلاً بين الاسم وبين الصفة، قالوا فيها صرنا وحدنا، وقالوا في الاسم تقوى
وشروى. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة: بضم الطاء، وهو مصدر
كالرجعى، وكان قياسها الطغيا بالياء كالسقيا، لكنهم شذوا فيه. ﴿إذ انبعث﴾: أي خرج
لعقر الناقة بنشاط وحرص، والناصب لإذ ﴿كذبت﴾، و﴿أشقاها﴾: قدار بن سالف، وقد
يراد به الجماعة، لأن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة جاز إفراده وإن عنى به جمع.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا
أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، انتهى.
فأطلق الإضافة، وكان ينبغي أن يقول: إلى معرفة، لأن إضافته إلى نكرة لا يجوز فيه إذ ذاك
إلا أن يكون مفرداً مذكراً، كحاله إذا كان بمن. والظاهر أن الضمير في ﴿لهم﴾ عائد على
أقرب مذكور وهو ﴿أشقاها﴾ إذا أريد به الجماعة، ويجوز أن يعود على ﴿ثمود﴾.
﴿رسول﴾: هو صالح عليه السلام. وقرأ الجمهور: ﴿ناقة الله﴾ بنصب التاء، وهو منصوب
على التحذير مما يجب إضمار عامله، لأنه قد عطف عليه، فصار حكمه بالعطف حكم
المكرر، كقولك: الأسد الأسد، أي احذروا ناقة الله وسقياها فلا تفعلوا ذلك.
﴿فكذبوه﴾، الجمهور على أنهم كانوا كافرين، وروي أنهم كانوا قد أسلموا قبل
ذلك وتابعوا صالحاً بمدة، ثم كذبوا وعقروا، وأسند العقر للجماعة لكونهم راضين به
ومتمالئين عليه. وقرأ الجمهور: ﴿فدمدم﴾ بمیم بعد دالین؛ وابن الزبير: فدهدم بهاء
بينهما، أي أطبق عليهم العذاب مكرراً ذلك عليهم، ﴿بذنبهم﴾: فيه تخويف من عاقبة
الذنوب، ﴿فسواها﴾، قيل: فسوى القبيلة في الهلاك، عاد عليها بالتأنيث كما عاد في
﴿بطغواها﴾. وقيل: سوى الدمدمة، أي سواها بينهم، فلم يفلت منهم صغيراً ولا كبيراً.
وقرأ أبيّ والأعرج ونافع وابن عامر: فلا يخاف بالفاء؛ وباقي السبعة ولا بالواو؛ والضمير في
يخاف الظاهر عوده إلى أقرب مذكور وهو ربهم، أي لأدرك عليه تعالى في فعله بهم
لا يسأل عما يفعل، قاله ابن عباس والحسن، وفيه ذم لهم وتعقبة لآثارهم. وقيل: يحتمل
أن يعود على صالح، أي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم، إذ كان قد أنذرهم وحذرهم.
ومن قرأ: ولا يحتمل الضمير الوجهين. وقال السدي والضحاك ومقاتل والزجاج وأبو علي:
الواو واو الحال، والضمير في يخاف عائد على ﴿أشقاها﴾، أي انبعث لعقرها، وهو
لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى: خاتمة الشيء وما يجيء من الأمور بعقبه،
وهذا فيه بعد لطول الفصل بين الحال وصاحبها.

٤٩١
سورة الليل / الآيات: ١ - ٢١
شُورَةُ اللَّيَك
ـريببها
آياتها
-١
٦
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقّ !
٣
أَ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى جَ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَاُلْأُنثَىّ
١
وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
◌َ فَأَمَّا
٤
مَنْ أَعْطَى وَانَّقى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
فَسَنْيَسِرُلِلْيُسْرَى
٧
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاُسْتَغْنَى
٨
وَكَذَبَ بِالْحُسْنَى
أَوَمَا يُغْنِ عَنْهُ مَا لَهٍُإِذَاتَرَدََّ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى (٨) وَإِنَّ
◌َ فَسَيَسِّرُ مُلِلْعُسْرَى!
٩
لَالَلَخِرَةَ وَالْأُوْلَى [٣َ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارَاتَلَظَى
لَ يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَشْقَى ٥ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى
١٤
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُمِن نِعْمَةٍ تُجْزِئٌ
١٨
﴿﴿ وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْفَى الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزَّكَّى
﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِرَبِّهِآلْأَعْلَى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى
(٣١
﴿والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى،
فأمّا من أعطى واتقى، وصدّق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى،
وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردّى، إن علينا للهدى، وإن
لنا للآخرة والأولى، فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى،
وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه
ربه الأعلى، ولسوف يرضى﴾.
هذه السورة مكية. وقال علي بن أبي طلحة: مدنية. وقيل: فيها مدني. ولما ذكر
فيما قبلها ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾(١)، ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل
(١) سورة الشمس: ٩/٩١ - ١٠.

٤٩٢
٥
سورة الليل / الآيات: ١ - ٢١
به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثم حذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها، ومفعول
يغشى محذوف، فاحتمل أن يكون النهار، كقوله: ﴿يغشي الليل النهار﴾(١)، وأن يكون
الشمس، كقوله: ﴿والليل إذا يغشاها﴾(٢). وقيل: الأرض وجميع ما فيها بظلامه.
وتجلى: انكشف وظهر، إما بزوال ظلمة الليل، وإما بنور الشمس. أقسم بالليل الذي فيه
كل حيوان يأوي إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه. وقال الشاعر:
يجلي السرى من وجهه عن صفيحة على السير مشراق كثير شحومها
وقرأ الجمهور: ﴿تجلى﴾ فعلاً ماضياً، فاعله ضمير النهار. وقرأ عبد الله بن عبيد بن
عمير: تتجلى بتاءين، يعني الشمس. وقرىء: تجلى بضم التاء وسكون الجيم، أي
الشمس.
﴿وما خلق﴾: ما مصدرية أو بمعنى الذي، والظاهر عموم الذكر والأنثى. وقيل: من
بني آدم فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته. وقال ابن عباس والكلبي والحسن:
هما آدم وحواء. والثابت في مصاحف الأمصار والمتواتر ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾، وما
ثبت في الحديث من قراءة. والذكر والأنثى: نقل آخاد مخالف للسواد، فلا يعد قرآناً.
وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ: وما خلق الذكر، بجر الذكر، وذكرها الزمخشري عن
الكسائي، وقد خرجوه على البدل من على تقدير: والذي خلق الله، وقد يخرج على توهم
المصدر، أي وخلق الذكر والأنثى، كما قال الشاعر:
كما طاف بالبيعة الراهب
تطوف العفاة بأبوابه
بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر، رأى كطواف الراهب بالبيعة.
﴿إِن سعيكم﴾: أي مساعيكم، ﴿لشتى﴾: لمتفرقة مختلفة، ثم فصل هذا السعي.
﴿فأما من أعطى﴾ الآية: روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان
يعتق ضعفة عبيده الذين أسلموا، وينفق في رضا رسول الله وَلير ماله، وكان الكفار بضدّه.
قال عبد الله بن أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه،
وأبي سفيان بن حرب. وقال السدّي: نزلت في أبي الدحداح الأنصاري بسبب ما كان يعلق
في المسجد صدقة، وبسبب النخلة التي اشتراها من المنافق بحائط له، وكان الرسول اليوم
ساوم المنافق في شرائها بنخلة في الجنة، وذلك بسبب الأيتام الذين كانت النخلة تشرف
ولاتة
(١) سورة الأعراف: ٥٤/٧، وسورة الرعد: ٣/١٣.
(٢) سورة الشمس: ٤/٩١.
٢

٤٩٣
سورة الليل / الآيات: ١ - ٢١
على بيتهم، فيسقط منها الشيء فتأخذه الأيتام، فمنعهم المنافق، فأبى عليه المنافق، فجاء
أبو الدحداح وقال: يا رسول الله أنا أشتري النخلة التي في الجنة بهذه، وحذف مفعولي
أعطى، إذ المقصود الثناء على المعطى دون تعرض للمعطى والعطية. وظاهره بذل المال
في واجب ومندوب ومكرمة. وقال قتادة: أعطى حق الله. وقال ابن زيد: أنفق ماله في
سبيل الله. ﴿واتقى﴾، قال ابن عباس: اتقى الله. وقال مجاهد: واتقى البخل. وقال
قتادة: واتقى ما نهي عنه. ﴿وصدّق بالحسنى﴾، صفة تأنيث الأحسن. فقال ابن عباس
وعكرمة وجماعة: هي الحلف في الدنيا الوارد به وعد الله تعالى. وقال مجاهد والحسن
وجماعة: الجنة. وقال جماعة: الثواب. وقال السلمي وغيره: لا إله إلا الله.
فسنيسره لليسرى): أي نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون وذلك في الدنيا
والآخرة. وقابل أعطى ببخل، واتقى باستغنى، لأنه زهد فيما عند الله بقوله: ﴿واستغنى﴾،
﴿للعسرى﴾، وهي الحالة السيئة في الدنيا والآخرة. وقال الزمخشري: فسنخذله ونمنعه
الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد كقوله: ﴿يجعل صدره ضيقاً حرجاً،
كأنما يصعد في السماء﴾(١)، إذ سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، وطريقة
الشر العسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار، أي فسنهديهما في
الآخرة للطريقين. انتهى، وفي أول كلامه دسيسة الاعتزال. وجاء ﴿فسنيسره للعسرى﴾
على سبيل المقابلة لقوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾، والعسرى لا تيسير فيها، وقد يراد بالتيسير
التهيئة، وذلك يكون في اليسرى والعسرى. ﴿وما يغني﴾: يجوز أن تكون ما نافية
واستفهامية، أي: وأي شيء يغني عنه ماله؟ ﴿إذا تردى﴾: تفعل من الرّدى، أي هلك،
قاله مجاهد، وقال قتادة وأبو صالح: تردى في جهنم: أي سقط من حافاتها. وقال قوم:
تردی بأكفانه، من الردى، وقال مالك بن الذئب:
ورداً على عينيّ فضل ردائيا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي
وقال آخر:
رداآن تلوي فيهما وحنوط
نصيبك مما تجمع الدهر كله
﴿إن علينا للهدى﴾: التعريف بالسبيل ومنحهم الإدراك، كما قال تعالى: ﴿وعلى
الله قصد السبيل﴾(٢). وقال الزمخشري: إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل
(١) سورة الأنعام: ١٢٥/٦.
(٢) سورة النحل: ٩/١٦.

٤٩٤
سورة الليل / الآيات: ١ - ٢١
وبيان الشرائع. ﴿وإن لنا للآخرة والأولى): أي ثواب الدارين، لقوله تعالى: ﴿وآتيناه
أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾(١). وقرأ ابن الزبير وزيد بن عليّ وطلحة
وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير: تتلظى بتاءين، والبزي بتاء مشدّدة، والجمهور: بتاء
واحدة. وقال الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم
من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: ﴿الأشقى﴾، وجعل
مختصاً بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقال: ﴿الأتقى﴾، وجعل مختصاً بالنجاة وكأن
الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل، أو أمية بن خلف وأبو بكر الصديق رضي الله
تعالى عنه. ﴿يتزكى﴾، من الزكاة: أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد به رياء ولا
سمعة، أو يتفعل من الزكاة، انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿يتزكى﴾ مضارع تزكى. وقرأ
الحسن بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم: بإدغام التاء في
الزاي، ويتزكى في موضع الحال، فموضعه نصب. وأجاز الزمخشري أن لا يكون له
موضع من الإعراب لأنه جعله بدلاً من صلة الذي، وهو ﴿يؤتي﴾، قاله: وهو إعراب
متكلف، وجاء ﴿تجزى﴾ مبنياً للمفعول لكونه فاصلة، وكان أصله نجزيه إياها أو نجزيها
إياه. وقرأ الجمهور: ﴿إلا ابتغاء﴾ بنصب الهمزة، وهو استثناء منقطع لأنه ليس داخلاً في
﴿من نعمة﴾. وقرأ ابن وثاب: بالرفع على البدل في موضع نعمة لأنه رفع، وهي لغة
تميم، وأنشد بالوجهين قول بشر بن أبي حازم:
إلا الجآذر والظلمات تختلف
أضحت خلاء قفاراً لا أنيس بها
وقال الراجز في الرفع :
إلا اليعافير وإلا العيس
وبلدة ليس بها أنيس
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿إلا ابتغاء﴾، مقصوراً. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون
ابتغاء وجه الله مفعولاً له على المعنى، لأن معنى الكلام لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا
لمكافأة نعمة، انتهى. وهذا أخذه من قول الفراء. قال الفراء: ونصب على تأويل ما
أعطيك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله. ﴿ولسوف يرضى﴾: وعد بالثواب الذي يرضاه.
وقرأ الجمهور: ﴿يرضى﴾ بفتح الياء، وقرىء: بضمها، أي يرضى فعله، يرضاه الله
ويجازيه عليه .
(١) سورة العنكبوت: ٢٧/٢٩.

٤٩٥
سورة الضحى / الآيات: ١ - ١١
نُورَةُ الصَّحِى
ـريد
آياتها
وَلَلَّخِرَةُ خَيْلَّكَ مِنَ
٣
أَ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَاقَلَى
٢
أَوَ اُلَيْلِ إِذَاسَجَى
وَالضُّحَى و
اُلْأُولَى فِ
٤
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
٦
٨
وَوَجَدَكَ عَآيٍلًا فَأَغْنَى!
وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
﴿ وَأَمَّا
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَانَقْھَرْ
وَأَمَّابِنِعْمَةِرَبِّكَ فَحَدِّثْ
١٠
اُلسَّآئِلَ فَلاَ ئَنْهَرْ لِ
سجا الليل: أدبر، وقيل: أقبل، ومنه:
وطرق مثل ملاء النساج
يا حبذا القمراء والليل الساج
وبحر ساج: ساكن، قال الأعشى :
وبحرك ساج لا يوارى الدعامصا
وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم
وطرف ساج: غير مضطرب بالنظر. وقال الفراء: سجا الليل: أظلم وركد. وقال
ابن الأعرابي : سجا الليل: اشتد ظلامه.
﴿والضحى، والليل إذا سجى، ما ودّعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من
الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى،
ووجدك عائلا فأغنى، فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك
فحدّث﴾.

٤٩٦
سورة الضحى / الآيات: ١ - ١١
هذه السورة مكية. ولما ذكر فيما قبلها ﴿وسيجنبها الأتقى﴾(١)، وكان سيد الأتقين
رسول الله مله، ذكر تعالى هنا نعمه عليه. وقرأ الجمهور ﴿ما ودّعك﴾ بتشديد الدال؛
وعروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة: بخفها، أي ما تركك.
واستغنت العرب في فصيح كلامها بترك عن ودع ووذر، وعن اسم فاعلهما بتارك، وعن
اسم مفعولهما بمتروك، وعن مصدرهما بالترك، وقد سمع ودع ووذر. قال أبو الأسود:
غاله في الحب حتى ودعه
ليت شعري عن خليلي ما الذي
وقال آخر:
فرائس أطراف المثقفة السمر
وثم ودعنا آل عمرو وعامر
والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. ﴿وما قلى﴾:
ما أبغضك، واللغة الشهيرة في مضارع قلى يقلى، وطبىء تعلى بفتح العين وحذف
المفعول اختصاراً في ﴿قلى﴾، وفي ﴿فآوى) وفي ﴿فهدى﴾، وفي ﴿فأغنى﴾، إذ يعلم
أنه ضمير المخاطب، وهو الرسول وَّر. قال ابن عباس وغيره: أبطأ الوحي مرة على
الرسول وَ ﴿ وهو بمكة، حتى شق ذلك عليه، فقالت أم جميل، امرأة أبي لهب: يا محمد
ما أرى شيطانك إلا تركك؟ فنزلت. وقال زيد بن أسلم: إنما احتبس عنه جبريل عليه
السلام لجرو کلب كان في بيته.
﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾: يريد الدارين، قاله ابن إسحاق وغيره. ويحتمل
أن يريد حالتيه قبل نزول السورة وبعدها، وعده تعالى بالنصر والظفر، قاله ابن عطية
اهتمالاً. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾
بما قبله؟ قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك،
وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، ولا نعمة أجل منه، أخبره أن حاله في
الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته
على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته. ﴿ولسوف يعطيك ربك
فترضى﴾، قال الجمهور: ذلك في الآخرة. وقال ابن عباس: رضاه أن لا يدخل أحد من
أهل بيته النار. وقال أيضاً: رضاه أنه وعده بألف قصر في الجنة بما تحتاج إليه من النعم
والخدم. وقيل: في الدنيا بفتح مكة وغيره، والأولى أن هذا موعد شامل لما أعطاه في
(١) سورة الليل: ١٧/٩٢.

٤٩٧
سورة الضحى / الآيات: ١ - ١١
الدنيا من الظفر، ولما ادخر له من الثواب. واللام في ﴿وللآخرة﴾ لام ابتداء أكدت
مضمون الجملة، وكذا في ﴿ولسوف﴾ على إضمار مبتدأ، أي ولأنت سوف يعطيك.
ولما وعده هذا الموعود الجليل، ذكره بنعمه عليه في حال نشأته. ﴿ألم يجدك﴾:
يعلمك، ﴿يتيماً﴾: توفي أبوه عليه الصلاة والسلام وهو جنين، أتت عليه ستة أشهر وماتت
أمه عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثماني سنين، فكفله عمه أبو طالب فأحسن تربيته. وقيل
لجعفر الصادق: لم يتم النبي ◌َلقّر من أبويه؟ فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. قال
الزمخشري: ومن يدع التفاسير أنه من قولهم درّة يتيمة، وأن المعنى: ألم يجدك واحداً في
قريش عديم النظير فآواك، انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿فآوى﴾ رباعياً؛ وأبو الأشهب
العقيلي: فأوى ثلاثياً، بمعنى رحم. تقول: أويت لفلان: أي رحمته، ومنه قول الشاعر:
لنفسي قد طالبت غير منيل
أراني ولا كفران الله أنه
﴿ووجدك ضالاً﴾: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء
معصومون من ذلك. قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، ثم رده الله
إلى جده عبد المطلب. وقيل: ضلاله من حليمة مرضعته. وقيل: ضل في طريق الشام
حين خرج به أبو طالب، ولبعض المفسرين أقوال فيها بعض ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام. ولقد رأيت في النوم أني أفكر في هذه الجملة فأقول على الفور:
﴿ووجدك﴾، أي وجد رهطك، ﴿ضالاً﴾، فهداه بك. ثم أقول: على حذف مضاف،
نحو: ﴿واسأل القرية﴾(١). وقرأ الجمهور: ﴿عائلاً﴾: أي فقيراً. قال جرير:
لابن السبيل وللفقير العائل
الله نزل في الكتاب فريضة
كرر لاختلاف اللفظ. وقرأ اليماني: عيّلاً، كسيّدٍ، بتشديد الياء المكسورة، ومنه
قول أجيحة بن الحلاج:
وما يدري الغني متى يعيل
وما يدري الفقير متى غناه
عال: افتقر، وأعال: كثر عياله. قال مقاتل: ﴿فأغنى﴾ رضاك بما أعطاك من الرزق.
وقيل: أغناك بالقناعة والصبر. وقيل: بالكفاف. ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث، وصاه
بثلاث كأنها مقابلة لها. ﴿فلا تقهر﴾، قال مجاهد: لا تحتقره. وقال ابن سلام: لا تستزله.
وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله. وقال الفراء: لا تمنعه حقه، والقهر هو التسليط بما
(١) سورة يوسف: ١٢ /٨٢.
تفسير البحر المحيط ج١٠ م٣٢

٤٩٨
سورة الضحى / الآيات: ١ - ١١
يؤذي. وقرأ الجمهور: ﴿تقهر﴾ بالقاف؛ وابن مسعود وإبراهيم التيمي: بالكاف بدل
القاف، وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور. ﴿وأما السائل﴾: ظاهره المستعطي، ﴿فلا
تنهر﴾: أي تزجره، لكن أعطه أو رده رداً جميلاً. وقال قتادة: لا تغلظ عليه، وهذه في
مقابلة ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾؛ فالسائل، كما قلنا: المستعطي، وقاله الفراء وجماعة.
وقال أبو الدرداء والحسن وغيرهما: السائل هنا: السائل عن العلم والدين، لا سائل المال،
فیکون بإزاء ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾.
﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾، قال مجاهد والكلبي: معناه بث القرآن وبلغ ما أرسلت
به. وقال محمد بن إسحاق: هي النبوة. وقال آخرون: هي عموم في جميع النعم. وقال
الزمخشري: التحديث بالنعم: شكرها وإشاعتها، يريد ما ذكره من نعمة الإيواء والهداية
والإغناء وما عدا ذلك، انتهى. ويظهر أنه لما تقدم ذكر الامتنان عليه بذكر الثلاثة، أمره
بثلاثة: فذكر اليتيم أولاً وهي البداية، ثم ذكر السائل ثانياً وهو العائل، وكان أشرف ما امتن
به عليه هي الهداية، فترقى من هذين إلى الأشرف وجعله مقطع السورة، وإنما وسط ذلك
عند ذكر الثلاثة، لأنه بعد اليتيم هو زمان التكليف، وهو عليه الصلاة والسلام معصوم من
اقتراف ما لا يرضي الله عز وجل في القول والفعل والعقيدة، فكان ذكر الامتنان بذلك على
حسب الواقع بعد اليتيم وحالة التكليف، وفي الآخر ترقى إلى الأشرف، فهما مقصدان في
الخطاب .

٤٩٩
سورة الإنشراح / الآيات: ١ - ٨
ترتيبها
شُورَةُ الشرح
آياتها
اُلَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
٢
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
١
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٢٥) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِسْرَا ◌ْ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِسْرًا ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ ﴿ وَإِلَى
رَبِّكَ فَارْغَب
٨
﴿ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك
ذكرك، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسراً، فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك
فارغب﴾ .
هذه السورة مكية. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة. وشرح الصدر: تنويره بالحكمة
وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، قاله الجمهور. والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء
إلى الله تعالى وحده، واحتمال المكاره من إذاية الكفار. وقال ابن عباس وجماعة: إشارة
إلى شق جبريل عليه السلام صدره في وقت صغره، ودخلت همزة الاستفهام على النفي،
فأفاد التقرير على هذه النعمة وصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك، ولذلك عطف عليه
الماضي وهو ووضعنا وهذا نظير قوله: ﴿ألم نربك فينا وليداً ولبثت﴾(١). وقرأ الجمهور:
﴿نشرح﴾ بجزم الحاء لدخول الجازم. وقرأ أبو جعفر: بفتحها، وخرجه ابن عطية في كتابه
على أنه ألم نشرحن، فأبدل من النون ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، فيكون مثل ما أنشده أبو زيد
في نوادره من قول الراجز:
(١) سورة الشعراء: ١٨/٢٦.

٥٠٠_
سورة الانشراح / الآيات: ١ -٨
من أي يومي من الموت أفر
وقال الشاعر:
أيوم لم يقدر أم يوم قدر
أضرب عنك الهموم طارقها
ضربك بالسيف قونس الفرس
وقال: قراءة مرذولة. وقال الزمخشري: وقد ذكرها عن أبي جعفر المنصور، وقالوا:
لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها، انتهى. ولهذه القراءة تخريج
أحسن من هذا كله، وهو أنه لغة لبعض العرب حكاها اللحياني في نوادره، وهي الجزم بلن
والنصب بلم عكس المعروف عند الناس. وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن
أبي عبيد، وهو القائم بثأر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما:
حتى أتيح له المختار فانعمدا
قد كان سمك الهدى ينهد قائمه
ولم يشاور في إقدامه أحدا
في كل ما هم أمضى رأيه قدماً
بنصب يشاور، وهذا محتمل للتخريجين، وهو أحسن مما تقدم. ﴿ووضعنا عنك
وزرك﴾: كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على
سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة، لمن لم يصدر
منه زيارة، على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه. وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر
الناقة، إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض المرجل: أي صريره. قال
عباس بن مرداس:
وكنت عليهم مشفقاً متحتنا
وأنقض ظهري ما تطويت منهم
وقال جمیل:
وهمت بوأي زورة أن نحطها
وحتى تداعت بالنقيض حباله
والنقيض: صوت الانقضاض والانفكاك. ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾: هو أن قرنه بذكره
تعالى في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن،
وفي تسميته نبي الله ورسول الله، وذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن
يؤمنوا به. وقال حسان:
من الله مشهور يلوح ويشهد
أغر عليه للنبوة خاتم
إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه