Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
مسجد﴾ يريد عند كل موضع سجود، فهو إشارة إلى الصّلوات وستر العورة فيها هو مهم الأمر
ويدخل في الصّلاة مواطن الخير كلها ومع ستر العورة ما ذكرنا من الطيب للجمعة انتهى .
وقال الزمخشري : ﴿خذوا زينتكم﴾ أي ريشكم ولباس زينتكم ﴿عند كل مسجد﴾ كلما
صلّيتم وكانوا يطوفون عراة انتهى، والذي يظهر أنّ الزينة هو ما يتجمل به ويتزين عند الصلاة ولا
يدخل فيه ما يستر العورة لأنّ ذلك مأمور به مطلقاً ولا يختصّ بأن يكون ذلك عند كلّ مسجد،
ولفظة ﴿كلّ مسجد﴾ تأتي أن يكون أيضاً ما يستر العورة في الطّواف لعمومه والطّواف إنما هو
الخاص وهو المسجد الحرام وليس بظاهر حمل العموم على كل بقعة منه وأيضاً فيا بني آدم عام
وتقييد الأمر بما يستر العورة في الطّواف مفض إلى تخصيصه بمن يطوف بالبيت.
وقال أبوبكر الرازي في الآية دليل على فرض ستر العورة في الصلاة وهو قول أبي يوسف
وزفر ومحمد والحسن بن زياد والشافعي لقوله: ﴿عند كل مسجد﴾ علق الأمر به فدل
على أنه الستر للصلاة، وقال: مالك والليث: كشف العورة حرام ويوجبان الإعادة في
الوقت استحباباً إن صلّى مكشوفها، وقال الأبهري: هي فرض في الجملة وعلى الإنسان
أن يسترها في الصلاة وغيرها وهو الصحيح لقوله ◌َّير للمسور بن مخرمة: ((ارجع إلى قومك
ولا تمشوا عراة))، أخرجه مسلم ﴿وكلوا واشربوا﴾، قال الكلبي: معناه كلوا من اللحم والدّسم
واشربوا من الألبان وكانوا يحرمون جميع ذلك في الإحرام، وقال السدّي: كلوا من البحيرة
وأخواتها والظاهر أنه أمر بإباحة الأكل والشرب من كل ما يمكن أن يؤكل أو يشرب مما
يحظر أكله وشربه في الشريعة وإن كان النزول على سبب خاص كما ذكروا من امتناع
المشركين من أكل اللحم والدّسم أيام إحرامهم أو بني عامر دون سائر العرب من ذلك وقول
المسلمين بذلك والنهي عن الإسراف يدلّ على التحريم لقوله ﴿إنه لا يحبّ المسرفين﴾ .
قال ابن عباس: الإسراف الخروج عن حد الاستواء، وقال أيضاً ﴿لا تسرفوا﴾ في تحريم
ما أحل لكم، وقال أيضاً: كلْ ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، وقال
ابن زيد: الإسراف أكل الحرام، وقال الزجاج الإسراف الأكل من الحلال فوق الحاجة، وقال
مقاتل: الإسراف الإشراك، وقيل: الإسراف مخالفة أمر الله في طوافهم عراة يصفقون
ويصفرون، وقال ابن عباس أيضاً: ليس في الحلال سرف إنما السّرف في ارتكاب المعاصي،
قال ابن عطية: يريد في الحلال القصد واللفظة تقتضي النهي عن السّرف مطلقاً فيمن تلبس
بفعل حرام فتأوّل تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه ومن تلبس بفعل مباح فإن مشی
فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضاً من المسرفين

٤٢
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
وتوجه النهي عليه، مثال ذلك أن يفرط في شراء ثياب أو نحوها ويستنفد في ذلك حلّ ماله أو
يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك أو نحوه فالله عزّ وجل لا يحبّ شيئاً من هذا وقد
نهت الشريعة عنه انتهى، وحكى المفسّرون هنا أن نصرانياً طبيباً للرشيد أنكر أن يكون في
القرآن أو في حديث الرسول شيء من الطبّ فأجيب بقوله ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ بقوله
((المعدة بيت الداء والحميّة رأس كل دواء)) و((أعطِ كلّ بدن ما عودته)) فقال النصراني: ما ترك
كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّاً .
﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ﴿زينة الله﴾ ما حسنته
الشريعة وقررته مما يتجمل به من الثياب وغيرها وأضيفت إلى الله لأنه هو الذي أباحها والطيّبات
هي المستلذات من المأكول والمشروب بطريقة وهو الحل، وقيل: الطيبات المحلّلات ومعنى
الاستفهام إنكار تحريم هذه الأشياء وتوبيخ محرميها وقد كانوا يحرمون أشياء من لحوم الطَّيبات
وألبانها والاستفهام إذا تضمّن الإنكار لا جواب له وتوهم مكي هنا أن له جواباً هنا وهو قوله ﴿قل
هي﴾ توهم فاسد ومعنى ﴿أخرج﴾ أبرزها وأظهرها، وقيل فصل حلالها من حرامها.
﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ قرأ قتادة ﴿قل هي﴾ لمن آمن،
وقرأ نافع ﴿خالصة﴾ بالرفع، وقرأ باقي السبعة بالنصب فأما النصب فعلى الحال والتقدير ﴿قل
هي﴾ مستقرّة ﴿للذين آمنوا﴾ في حال خلوصها لهم يوم القيامة وهي حال من الضمير المستكن
في الجار والمجرور الواقع خبراً لهي و﴿في الحياة﴾ متعلق بآمنوا ويصير المعنى قل هي خالصة
يوم القيامة لمن آمن في الدّنيا ولا يعني بيوم القيامة وقت الحساب وخلوصها كونهم لا يعاقبون
عليها وإلى هذا المعنى يشير تفسير ابن جبير، وجوّزوا فيه أن يكون خبراً بعد خبر والخبر الأوّل هو
﴿للذين آمنوا﴾ و﴿في الحياة الدّنيا﴾ متعلق بما تعلق به للذين وهو الكون المطلق أي قل هي
كائنة في الحياة الدنيا للمؤمنين وإن كان يشركهم فيها في الحياة الدّنيا الكفّار و﴿خالصة لهم يوم
القيامة﴾ ويراد بيوم القيامة استمرار الكون في الجنة وهذا المعنى من أنها لهم ولغيرهم في الدّنيا
خالصة لهم يوم القيامة هو قول ابن عباس والضحّاك وقتادة والحسن وابن جريج وابن زيد وعلى
هذا المعنى فسر الزمخشري .
(فإن قلت): إذا كان معنى الآية أنها لهم في الدنيا على الشركة بينهم وبين الكفار فكيف
جاء ﴿قل هي للذين آمنوا﴾، (فالجواب): من وجوه، أحدها: أنّ في الكلام حذفاً تقديره قل
هي للمؤمنين والكافرين في الدنيا خالصة للمؤمنين في القيامة لا يشاركون فيها قاله الكرماني،
الثاني : إنّ ما تعلق به ﴿للذين آمنوا﴾ لیس کوناً مطلقاً بل کوناً مقيّداً يدل على حذفه مقابله وهو

:
٤٣
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿خالصة﴾ تقديره قل هي غير خالصة للذين آمنوا قاله الزمخشري قال: قل هي للذين آمنوا في
الحياة الدنيا غير خالصة لهم لأنّ المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة لا یشر کھم فیها أحد
ثم قال الزمخشري: (فإن قلت): هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم، (قلت): النية على أنها خلقت
للذين آمنوا على طريق الأصالة وأنّ الكفرة تبع لهم كقوله تعالى ﴿ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم
أضطره﴾(١) انتهى وجواب الزمخشري هو للتبریزي رحمه الله.
قال التبريزي معنى الآية أنها للمؤمنين خالصة في الآخرة لا يشركهم الكفار فيها هذا وإن
كان مفهومه الشركة بين الذين آمنوا والذين أشركوا وهو كذلك لأنّ الدنیا عرض حاضر يأكل منها
البرّ والفاجر إلا أنه أضاف إلى المؤمنين ولم يذكر الشّركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدنيا تنبيهاً
على أنه إنما خلقها للذين آمنوا بطريق الأصالة والكفّار تبع لهم فيها في الدنيا ولذلك خاطب الله
المؤمنين بقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾(٢) انتهى، وقال أبوعليّ في
الحجة ويصح أن يعلق قوله ﴿في الحياة الدنيا﴾ بقوله ﴿حرم﴾ ولا يصح أن يتعلق بقوله ﴿أخرج
لعباده﴾ ويجوز ذلك وإن فصل بين الصلة والموصول بقوله ﴿هي للذين آمنوا﴾ لأنّ ذلك كلام
يشدّ القصة وليس بأجنبي منها جدّاً كما جاز ذلك في قوله ﴿والذین کسبوا السيئات جزاء سيئة
بمثلها وترهقهم ذلة﴾(٣) فقوله: ﴿وترهقهم ذلة﴾ معطوف على ﴿كسبوا﴾ داخل في الصلة
والتعلّق بأخرج هو قول الأخفش، ويصحّ أن يتعلق بقوله ﴿والطيّات﴾ ويصح أن يتعلق بقوله
﴿من الرزق﴾ انتهى. وتقادير أبي عليّ والأخفش فيها تفكيك للكلام وسلوك به غير ما تقتضيه
الفصاحة، وهي تقادير أعجمية بعيدة عن البلاغة لا تناسب في كتاب الله بل لو قدّرت في شعر
الشنفرى ما ناسب والنحاة الصّرف غير الأدباء بمعزل عن إدراك الفصاحة وأما تشبيه ذلك بقوله
﴿والذين كسبوا﴾ فليس ما قاله بمتعيّن فيه بل ولا ظاهر بل قوله ﴿جزاء سيئة بمثلها﴾ هوخبر عن
النهي أي جزاء سيئة منهم بمثلها وحذف منهم لدلالة المعنى عليه كما حذف من قولهم السّمن
منوان بدرهم أي منوان منه وقوله ﴿وترهقهم ذلة﴾ معطوف على ﴿جزاء سيئة بمثلها) وسيأتي
توضيح هذا بأكثر في موضعه إن شاء الله تعالى .
﴿كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون﴾ أي مثل تفصيلنا وتقسيمنا السابق ﴿نقسم﴾ في
المستقبل ﴿لقوم﴾ لهم علم وإدراك لأنه لا ينتفع بذلك إلا من علم لقوله: ﴿وما يعقلها إلا
العالمون﴾(٤).
(١) سورة البقرة: ١٢٦/٢.
(٢) سورة البقرة: ٢٩/٢.
(٣) سورة يونس: ٢٧/١٠.
(٤) سورة العنكبوت: ٤٣/٢٩.

٤٤
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا
بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ قال الكلبي لما لبس المسلمون
الثياب وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون بذلك وقالوا استحلوا الحرم فنزلت، وتقدّم تفسير
﴿الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ في أواخر الأنعام وزيد هنا أقوال، أحدها: ﴿ما ظهر منها﴾
طواف الرّجل بالنهار عرياناً ﴿وما بطن﴾ طوافها بالليل عارية قاله التبريزي، وقال مجاهد: ﴿ما
ظهر﴾ طواف الجاهلية عراة ﴿وما بطن﴾ الزنا، وقيل: ﴿ما ظهر﴾ الظلم ﴿وما بطن) السّرقة،
وقال ابن عباس ومجاهد في رواية: ﴿ما ظهر﴾ ما كانت تفعله الجاهلية من نكاح الأبناء نساء
الآباء والجمع بين الأختين وأن ينكح المرأة على عمتها وخالتها ﴿وما بطن﴾ الزّنا ﴿والإثم﴾ عام
يشمل الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الإثم، هذا قول الجمهور، وقيل هو صغار الذنوب،
وقيل: الخمر، وهذا قول لا يصح هنا لأن السّورة مكية ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد
وجماعة من الصحابة اصطبحوها يوم أحد وماتوا شهداء وهي في أجوافهم وأما تسمية الخمر إثماً
فقيل هو من قول الشاعر:
شربت الإثم حتى زلّ عقلي
وهو بيت مصنوع مختلَق وإن صحّ فهو على حذف مضاف أي موجب الإثم ولا يذلّ قول
ابن عباس والحسن ﴿الإثم﴾ الخمر على أنه من أسمائها إذ يكون ذلك من إطلاق المسبب على
السبب وأنكر أبو العباس أن يكون ﴿الإثم﴾ من أسماء الخمر وقال الفضل: ﴿الإثم﴾ الخمر،
وأنشد:
وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا
نهانا رسول الله أن نقرب الخنا
وأنشد الأصمعي أيضاً:
ورحت حزيناً ذاهل العقل بعدهم
كأني شربت الإثم أو مسّني خبل
قال: وقد تسمّى الخمر إثماً وأنشد:
شربت الإثم حتى زلّ عقلي
وقال ابن عباس والفراء: ﴿البغي﴾ الاستطالة، وقال الحسن: السّكر من كل شراب،
وقال ثعلب: تكلم الرّجل في الرجل بغير الحقّ إلا أن ينتصر منه بحق، وقيل: الظّلم والكبر، قاله
الزمخشري، وقال وأفردوه بالذكر كما قال تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾(١).
(١) سورة النحل: ١٦ /٩٠.

٤٥
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
وقال ابن عطية: ﴿البغي﴾ التعدّي وتجاوز الحدّ مبتدئاً كان أو منتصراً وقوله ﴿بغير الحق﴾ زيادة
بيان وليس يتصور بغي بحقّ لأن ما كان بحقّ لا يسمى بغياً وتقدّم تفسير ﴿ما لم ينزل به سلطاناً﴾
في الأنعام، وقال الزمخشري فيه تهكّم لأنه لا يجوز أن ينزل برهاناً بأن يشرك به غيره ما
لا تعلمون من تحريم البحائر وغيرها، وقال ابن عباس أراد بذلك أنّ الملائكة بنات الله، وقیل
قولهم أنه حرّم عليهم مآكل وملابس ومشارب في الإحرام من قبل أنفسهم.
﴿ولكلّ أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ هذا وعيد لأهل
مكّة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم أي أجل مؤقت لمجيء العذاب إذا
خالفوا أمرربهم فأنتم أيتها الأمّة كذلك، وقيل: الأجل هنا أجل الدّنيا التقدير: للأمم كلّها أجل
أي يقدّمون فيه على ما قدموا من عمل، وقيل: الأجل مدّة العمر والتقدير ولكل واحد من الأمة
عمر ينتهي إليه بقاؤه في الدّنيا وإذا مات علم ما كان عليه من حقّ أو باطل، وقال ابن عطية: أي
-فرقة وجماعة وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس، وقال غيره: والأمة الجماعة قلّوا أو كثروا
وقد يطلق على الواحد كقوله في قس بن ساعدة ((يبعث يوم القيامة أمّة وحده)) وأفرد الأجل لأنه
اسم جنس أو لتقارب أعمال أهل كل عصر أولكون التقدير لكل واحد من أمة، وقرأ الحسن وابن
سيرين فإذا جاء آجالهم بالجمع وقال ساعة لأنها أقلّ الأوقات في استعمال الناس يقول
المستعجل لصاحبه في ساعة يريد في أقصر وقت وأقربه قاله الزمخشري، وقال ابن عطية لفظ
عنى به الجزء القليل من الزمان والمراد جمع أجزائه انتهى، والمضارع المنفي بلا إذا وقع في
الظاهر جواباً لإذا يجوز أن يتلقى بفاء الجزاء ويجوز أن لا يتلقى بها وينبغي أن يعتقد أنّ بين الفاء
والفعل مبتدأ محذوفاً وتكون الجملة إذ ذاك اسميّة والجملة الاسمية إذا وقعت جواباً لإذا فلا بد
فيها من الفاء أو إذا الفجائية، قال بعضهم: ودخلت الفاء على إذا حيث وقع إلا في يونس لأنها
عطفت جملة على جملة بينهما اتصال وتعقيب فكان الموضع موضع الفاء وما في يونس يأتي في
موضعه إن شاء الله انتهى، وقال الحوفي ﴿ولا يستقدمون﴾ معطوف على ﴿لا يستأخرون﴾
انتهى، وهذا لا يمكن لأنّ إذا شرطيّة فالذي يترتب عليها إنما هو مستقبل ولا يترتب على مجيء
الأجل في المستقبل إلا مستقبل وذلك يتصور في انتفاء الاستثخار لا في انتفاء الاستقدام لأنّ
الاستقدام سابق على مجيء الأجل في الاستقبال فيصير نظير قولك إذا قمت في المستقبل لم
يتقدّم قيامك في الماضي ومعلوم أنه إذا قام في المستقبل لم يتقدّم قيامه هذا في الماضي وهذا
شبيه بقول زهير:

٤٦ -
-
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
بدا لي أني لست مدرك ما مضى
ومعلوم أن الشيء إذا كان جائياً إليه لا يسبقه والذي تخرج عليه الآية أن قوله ﴿ولا
يستقدمون﴾ منقطع من الجواب على سبيل استئناف إخبار أي وهم لا يستقدمون الأجل أي
لا یسبقونه وصار معنی الآیة أنهم لا يسبقون الأجل ولا يتأخرون عنه.
﴿يا بني آدم إمّا يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف
عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون﴾. هذا الخطاب لبني آدم. قيل: هو في الأول، وقيل: هو مراعى به وقت الإنزال
وجاء بصورة الاستقبال لتقوى الإشارة بصحّة النبوة إلى محمد بسي وما في ﴿إِمَا﴾ تأكيد، قال ابن
عطية وإذا لم يكن ما لم يجز دخول النون الثقيلة انتهى، وبعض النحويين يجيز ذلك وجواب
الشرط ﴿فمن اتقى﴾ فيحتمل أن تكون من شرطيّة وجوابه ﴿فلا خوف﴾ وتكون هذه الجملة
الشرطية مستقلة بجواب الشرط الأوّل من جهة اللفظ ويحتمل أن تكون من موصولة فتكون هذه
الجملة والتي بعدها من قوله ﴿والذين كذبوا﴾ مجموعهما هو جواب الشرط وكأنه قصد بالكلام
التقسيم وجعل القسمان جواباً للشّرط أي ﴿إِما يأتينكم﴾ فالمتّقون لا خوف عليهم والمكذبون
أصحاب النار فثمرة إتيان الرّسل وفائدته هذا وتضمن قوله ﴿فمن اتقى وأصلح﴾ سبق الإيمان إذ
التقوى والإصلاح هما ناشئان عنه وجاء في قسمه ﴿والذين كذبوا﴾ والتكذيب هو بدوّ الشقاوة إذ
لا ينشأ عنه إلا الانهماك والإفساد وقابل الإصلاح بالاستكبار لأنّ إصلاح العمل من نتيجة التقوى
والاستكبار من نتيجة التكذيب وهو التعاظم فلم يكونوا ليتبعوا الرسل فيما جاؤوا به ولا يقتدوا بما
أمروا به لأنّ من كذب بالشيء نأي بنفسه عن اتباعه، وقال ابن عطية: هاتان حالتان تعمّ جميع من
يصدّ عن رسالة الرسول إما أن يكذب بحسب اعتقاده أنه كذب وإما أن يستكبر فيكذب وإن كان
غير مصمّم في اعتقاده على التكذيب وهذا نحو الكفر عناد انتهى، وتضمّنت الجملتان حذف
رابط وتقديره ﴿فمن اتقى وأصلح﴾ منكم، ﴿والذين كذبوا﴾ منكم وتقدّم تفسير ﴿فلا خوف﴾
و﴿أولئك أصحاب النار﴾ الجملتان، وقرأ أبيّ والأعرج إما تأتينكم بالتاء على تأنيث الجماعة
و﴿يقصّون﴾ محمول على المعنى إذ ذاك إذ لو حمل على اللفظ لكان تقصّ.
﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من
الكتاب﴾ لما ذكر المكذّبين ذكر أسوأ حالاً منهم وهو من يفتري الكذب على الله وذكر أيضاً
من كذّب بآياته، قال ابن عباس وابن جبير ومجاهد: ما كتب لهم من السعادة والشقاوة ولا

٤٧
سورة الأعراف / الآيات : ٢٩ - ٥٤
يناسب هذا التفسير الجملة التي بعد هذا، وقال الحسن: ما كتب لهم من العذاب، وقال
الربيع ومحمد بن كعب وابن زيد: ما سبق لهم في أمّ الكتاب، وقال ابن عباس أيضاً
ومجاهد أيضاً وقتادة: ما كتب الحفظة في صحائف الناس من الخير والشرّ فيقال: هذا
نصيبهم من ذلك وهو الكفر والمعاصي وقال الحكم وأبو صالح ما كتب لهم من الأرزاق
والأعمار والخير والشر في الدنيا. وقال الضحاك: ما كتب لهم من الثّواب والعقاب، وقال
ابن عباس أيضاً والضحاك أيضاً ومجاهد ما كتب لهم من الكفر والمعاصي، وقال الحسن
أيضاً: ما كتب لهم من الضلالة والهدى، وقال ابن عباس أيضاً: ما كتب لهم من الأعمال.
وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: ﴿من الكتاب﴾ يراد به من القرآن وحظّهم فيه سواد
وجوههم يوم القيامة، وقيل: ما أوجب من حفظ عهودهم إذا أعطوا الجزية. وقال الحسن
والسدّي وأبو صالح: من المقرّر في اللوح المحفوظ وقد تقرر في الشّرع أنّ حظّهم فيه
العذاب والسّخط والذي يظهر أن الذي كتب لهم في الدنيا من رزق وأجل وغيرهما ينالهم
فيها ولذلك جاءت التغيية بعد هذا بحتى وإلى هذا المعنى نحا الزمخشري، قال: أي ما
كتب لهم من الأرزاق والأعمال.
حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفّونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا:ـلّوا
عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾. تقدّم الكلام على ﴿حتى إذا﴾ في أوائل
الأنعام، ووقع في التحرير ﴿حتى﴾ هنا ليس بغاية بل هي ابتداء وجر والجملة بعدها في موضع
جرّ وهذا وهم بل معناها هنا الغاية والخلاف فيها إذا كانت حرف ابتداء أهي حرف جر
والجملة بعدها في موضع جرّ وتتعلق بما قبلها كما تتعلق حروف الجرّ أم ليست حرف جر
ولا تتعلق بما قبلها تعلّق حروف الجر من حيث المعنى لا من حيث الإعراب قولان: الأوّل
لابن درستويه والزّجاج، والثاني للجمهور وإذا كانت حرف ابتداء فهي للغاية ألا تراها في
قول الشاعر:
سريت بهم حتى تكلّ مطيهم
وحتى الجياد ما يقدن بارسان
وقول الآخر:
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فما زالت القتلى تمجّ دماءها
تفيد الغاية لأن المعنى أنه مد همهم في السير إلى كلال المطي والجياد ومجت
الدماء إلى تغيير ماء دجلة. قال الزمخشري: وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام انتهى،
وقال الحوفي وحتى غاية متعلقة بيناً لهم فيحتمل قوله أن يريد التعلق الصّناعي وأن يريد

٤٨
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
التعلق المعنوي والمعنى أنهم ينالهم حظهم مما كتب لهم إلى أن يأتيهم رسل الموت
يقبضون أرواحهم فيسألونهم سؤال توبيخ وتقرير أين معبوداتكم من دون الله؟ فيجيبون بأنهم
حادوا عنا وأخذوا طريقاً غير طريقنا أو ضلوا عنا هلكوا واضمحلّوا والرّسل ملك الموت
وأعوانه، و﴿يتوفونهم﴾ في موضع الحال وكتبت ﴿أينما﴾ متّصلة وكان قياسه كتابتها بالانفصال
لأن ما موصولة كهي في ﴿أنّ ما توعدون لآت﴾(١) إذ التقدير أين الآلهة التي كنتم تعبدون؟ وقيل:
معنى ﴿تدعون﴾ أي تستغيثونهم لقضاء حوائجكم وما ذكرناه من أنّ هذه المحاورة بين الملائكة
وهؤلاء تكون وقت الموت وأنّ التوفي هو بقبض الأرواح هو قول المفسرين، وقالت فرقة منهم
الحسن: ﴿الرسل﴾ ملائكة العذاب يوم القيامة والمحاورة في ذلك اليوم ومعنى ﴿يتوفّونهم﴾
يستوفونهم عدداً في السّوق إلى جهنم ونيل النصيب على هذا إنما هو في الآخرة إذ لو كان في
الدّنيا لما تحققت الغاية لانقطاع النّيل قبلها بمدد كثيرة ويحتمل ﴿وشهدوا﴾ أن يكون مقطوعاً
على ﴿قالوا﴾ فيكون من جملة جواب السؤال ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله تعالى
بإقرارهم على أنفسهم بالكفر ولا تعارض بين هذا وبين قوله ﴿والله ربّنا ما كنا مشركين﴾ لاحتمال
ذلك من طوائف مختلفة أو في أوقات وجواب سؤالهم ليس مطابقاً من جهة اللفظ لأنه سؤال عن
مكان، وأجيب بفعل وهو مطابق من جهة المعنى إذ تقدير السؤال ما فعل معبودوكم من دون الله
معکم ﴿قالوا ضلّوا عنا﴾.
﴿قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجنّ والإنس في النار﴾. أي يقول الله لهم
أي لكفار العرب وهم المفترون الكذب والمكذبون بالآيات وذلك يوم القيامة وعبر بالماضي
لتحقّق وقوعه وقوله ذلك على لسان الملائكة ويتعلق ﴿في أمم﴾ في الظاهر بادخلوا والمعنى في
جملة ﴿أمم﴾ ويحتمل أن يتعلق بمحذوف فیکون في موضع الحال و﴿قد خلت من قبلكم﴾ أي
تقدّمتكم في الحياة الدنيا أو تقدّمتكم أي تقدّم دخولها في النار وقدّم الجنّ لأنهم الأصل في
الإغواء والإضلال ودلّ ذلك على أنّ عصاة الجنّ يدخلون النار، وفي النار متعلق بخلت على أنّ
المعنى تقدّم دخولها أو بمحذوف وهو صفة لأمم أي في أمم سابقة في الزمان كائنة من الجنّ
والإنس كائنة في النار أو بادخلوا على تقدير أن تكون في بمعنى مع وقد قاله بعض المفسرين
فاختلف مدلول في إذ الأولى تفيد الصحبة والثانية تفيد الظّرفية وإذا اختلف مدلول الحرف جاز
أن يتعلق اللفظان بفعل واحد ويكون إذ ذاك ﴿ادخلوا﴾ قد تعدّى إلى الظرف المختص بفي وهو
الأصل وإن كان قد تعدّى في موضع آخر بنفسه لا بوساطة في كقوله ﴿وقيل ادخلا النار﴾(٢)
(١) سورة الأنعام: ١٣٤/٦.
(٢) سورة التحريم: ١٠/٦٦.

٤٩
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾(١) ويجوز أن تكون في باقية على مدلولها من الظرفية و﴿في النار﴾
كذلك ويتعلّقان بلفظ ﴿ادخلوا﴾ وذلك على أن يكون ﴿في النار﴾ بدل اشتمال كقوله ﴿قتل
أصحاب الأخدود النار﴾(١) ويجوز أن يتعدّى الفعل إلى حرفي جرّ بمعنى واحد على طريقة
البدل.
﴿كلما دخلت أمّة لعنت أختها﴾ ﴿كلما﴾ للتّكرار ولا يستوي ذلك في الأمة الأولى
فاللاحقة تلعن السابقة أو يلعن بعض الأمة الدّاخلة بعضها ومعنى ﴿أختها﴾ أي في الدين
والمعنى ﴿كلما دخلت أمة﴾ من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان وغيرهم من الكفار، وقال
الزمخشري: ﴿أختها﴾ التي ضلّت بالاقتداء بها انتهى، والمعنى أنّ أهل النار يلعن بعضهم
بعضاً ويعادي بعضهم بعضاً ويكفر بعضهم ببعض، كما جاء في آيات أخر.
﴿حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربّنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً
ضعفاً من النار﴾ ﴿حتى﴾ غاية لما قبلها والمعنى أنهم يدخلون فوجاً ففوجاً لاعناً بعضهم بعضاً
إلى انتهاء تداركهم وتلاحقهم في النار واجتماعهم فيها وأصل ﴿ادّار كوا﴾ تداركوا أدغمت التاء
في الدّال فاجتلبت همزة الوصل، قال ابن عطية، وقرأ أبو عمرو ﴿وادّاركوا﴾ بقطع ألف
الوصل، قال أبو الفتح: هذا مشكل ولا يسوغ أن يقطعها ارتجالاً فذلك إنما يجيء شاذّا في
ضرورة الشّعر في الاسم أيضاً لكنّه وقف مثل وقفة المستنكر ثم ابتدأ فقطع، وقرأ مجاهد بقطع
الألف وسكون الدّال وفتح الراء بمعنى أدرك بعضهم بعضاً، وقرأ حميد أدركوا بضمّ الهمزة وكسر
الرّاء أي ادخلوا في إدراكها، وقال مكي في قراءة مجاهد: إنها ادّركوا بشدّ الدال المفتوحة وفتح
الرّاء قال وأصلها ادتركوا وزنها افتعلوا، وقرأ ابن مسعود والأعمش تداركوا ورويت عن أبي عمر
انتهى، وقال أبو البقاء، وقرىء إذا ﴿ادار كوا﴾ بألف واحدة ساكنة والدّال بعدها مشدّدة وهو جمع
بين ساكنين وجاز في المنفصل كما جاز في المتصل، وقد قال بعضهم: اثنا عشر بإثبات الألف
وسكون العين انتهى ويعني بقوله كما جاز في المتصل نحو الضالين وجان و﴿أخراهم﴾ الأمّة
الأخيرة في الزمان التي وجدت ضلالات مقررة مستعملة ﴿لأولاهم﴾ التي شرعت ذلك وافترت
وسلكت سبيل الضّلال ابتداء أو ﴿أخراهم﴾ منزلة ورتبة وهم الأتباع والسفلة ﴿لأولاهم﴾ منزلة
ورتبة وهم القادة المتبوعون، أو ﴿أخراهم﴾ في الدّخول إلى النار وهم ﴿الأتباع﴾ لأولاهم
دخولاً وهم القادة أقوال آخرها لمقاتل، وقال ابن عباس: آخر أمة لأول أمة وأخرى هنا بمعنى
آخرة مؤنّث آخر فمقابل أوّل لا مؤنث له آخر بمعنى غير لقوله ﴿وزر أخرى﴾(٢) واللام في
(١) سورة النحل: ٢٩/١٦.
(٢) سورة الأنعام: ١٦٤/٦ وغيرها.
تفسير البحر المحيط ج٥ م٤

٥٠
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿لأولاهم﴾ لام السبب أي لأجل أولاهم لأنّ خطابهم مع الله لا معهم ﴿أضلّونا﴾ شرعوا لنا
الضلال أو جعلونا نضلّ وحملونا عليه ضعفاً زائداً على عذابنا إذ هم كافرون ومسببو كفرنا .
﴿قال لكلّ ضعف ولكن لا تعلمون﴾ أي لكلّ من الأخرى والأولى عذاب وللأولى عذاب
متضاعف زائد إلى غير نهاية وذلك أنّ العذاب مؤبّد فكل ألم يعقبه آخر، وقرأ الجمهور بالتاء على
الخطاب للسائلين أي ﴿لا تعلمون﴾ ما لكلّ فريق من العذاب أو تعلمون المقادير وصور
العذاب قيل أو خطاب لأهل الدّنيا أي ولكن يا أهل الدّنيا لا تعلمون مقدار ذلك، وقرأ أبو بكر
والمفضّل عن عاصم بالياء فيحتمل أن يكون إخباراً عن الأمة ويكون الضمير في ﴿لا يعلمون﴾
عائداً على الأمة الأخيرة التي طلبت أن يضعف العذاب على أولاها ويحتمل أن يكون خبراً عن
الطائفتين أي لا يعلم كل فريق قدر ما أعدّ له من العذاب أو قدر ما أعدّ للفريق الآخر من العذاب
وروي عن ابن مسعود أن الضّعف هنا الأفاعي والحيّات وهذه الجملة ردّ على أولئك السّائلين
وعدم إسعاف لما طلبوا.
﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم
تكسبون﴾. أي قالت الطائفة المتبوعة للطائفة المتبعة واللام في ﴿لأخراهم﴾ لام التبليغ نحو
قلت لك اصنع كذا لأن الخطاب هو مع أخراهم بخلاف اللام أي في ﴿لأولاهم﴾ فإنها كما
وقال مجاهد: معنى ﴿من فضل﴾ من التخفيف لما قال الله ﴿لكل ضعف﴾ قالت الأولى
للأخرى لم تبلغوا أملاً بأنّ عذابكم أخفّ من عذابنا ولا فضلتم بالإسعاف انتهى، والفاء في
﴿فما﴾ قال الزمخشري: عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسّلفة ﴿لكلّ ضعف﴾
والذي يظهر أنّ المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السّفلة في الدّنيا بسبب اتباعهم إياهم
وموافقتهم لهم في الكفر أي اتباعكم إيانا وعدم اتباعكم سواء لأنكم كنتم في الدّنيا أقل
عندنا من أن يكون لكم علينا فضل باتباعكم بل كفرتم اختياراً لا إنّا حملناكم على ذلك
إجباراً وأنّ قوله ﴿فما﴾ معطوف على جملة محذوفة بعد القول دلّ عليها ما سبق من الكلام
والتقدير ﴿قالت أولاهم لأخراهم﴾ ما دعاؤكم الله بأنّا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم فما كان
لكم علينا من فضل بضلالكم وأن قوله ﴿فذوقوا العذاب﴾ من كلام الأولى خطاباً للأخرى
على سبيل التشفي منهم وأنّ ذوق العذاب هو بما كسبت من الآثام لا بسبب دعواكم أنا
أضللناكم، وقيل: ﴿فذوقوا﴾ من خطاب الله لجميعهم.
﴿أَنّ الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ قال ابن عباس
لا تفتح﴾ لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لما يريدون به طاعة الله تعالى أي لا يصعد لهم
...- .
٠

٥١
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
صالح فتفتح أبواب السماء له وهذا منتزع من قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل
الصالح يرفعه﴾(١) ومن قوله ﴿إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾(٢)، وقال السدي وغيره:
﴿لا تفتح﴾ لأرواحهم وذكروا في صعود الرّوحين إلى السماء الإذن لروح المؤمن وردّ روح
الكافر أحاديث وذلك عند موتهما، وقيل: المعنى ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ في القيامة
ليدخلوا منها إلى الجنة أي لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء، وقيل: لا تنزل عليهم
البركة ولا يغاثون، وقرأ أبو عمرو ﴿لا تفتح﴾ بتاء التأنيث والتخفيف، وقرأ الأخوان بالياء
والتخفيف، وقرأ باقي السّبعة بالتاء من أعلى والتشديد. وقرأ أبو حيوة وأبو البر هثيم بالثاء
من أعلى مفتوحة والتشديد ..
﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ هذا نفي مغيا بمستحيل
والولوج التقحّم في الشيء وذكر الجمل لأنه أعظم الحيوان المزاول للإنسان جثة فلا يلج
إلا في باب واسع كما قال، لقد عظم البعير بغير لبّ، وقال: جسم الجمال وأحلام
العصافير، وذكر ﴿سم الخياط﴾ لأنه يضرب به المثل في ضيق المسلك يقال: أضيق من
خرت الإبرة، وقيل للدليل خريت لاهتدائه في المضايق تشبيهاً بإخرات الإبرة والمعنى أنّهم
لا يدخلون الجنة أبداً، وقرأ ابن عباس فيما روى عنه شهر بن حوشب ومجاهد وابن يعمر
وأبو مجلز والشعبي ومالك بن الشخير وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وإبان عن عاصم
الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشدّدة وفسّر بالقلس الغليظ وهو حبل السفينة تجمع حبال
وتفتل وتصير حبلاً واحداً، وقيل: هو الحبل الغليظ من القنب، وقيل: الحبل الذي يصعد
به في النخل، وروي عن ابن عباس ولعله لا يصحّ أن الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه
بالجمل يعني أنه لا يناسب والحبل يناسب الخيط الذي يسلك به في خرم الإبرة.
وعن الكسائي أن الذي روى ﴿الجمل﴾ عن ابن عباس كان أعجمياً فشدّد الجيم
لعجمته، قال ابن عطية: وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على القراءة المذكورة
انتهى، ولكثرة القرّاء بها غير ابن عباس، وقرأ ابن عباس أيضاً في رواية مجاهد وابن جبير
وقتادة وسالم الأفطس بضمّ الجيم وفتح الميم مخففة، وقرأ ابن عباس في رواية عطاء
والضحّاك والجحدري بضمّ الجيم والميم مخففة، وقرأ عكرمة وابن جبير في رواية بضم
الجيم وسكون الميم، وقرأ المتوكّل وأبو الجوزاء بفتح الجيم وسكون الميم ومعناه في هذه
القراءات الفلس الغليظ وهو حبل السفينة وقراءة الجمهور ﴿الجمل﴾ بفتح الجيم الميم
(١) سورة فاطر: ١٠/٣٥.
(٢) سورة المطففين: ١٨/٨٣.

٥٢.
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
أوقع لأنّ سم الإبرة يضرب بها المثل في الضّيق والجمل وهو هذا الحيوان المعروف يضرب
به المثل في عظم الجثة كما ذكرنا، وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال زوج الناقة وذلك منه
استجهال للسائل ومنع منه أن يتكلف له معنى آخر، وقرأ عبد الله وقتادة وأبو رزين وابن
مصرف وطلحة بضم سين ﴿سم﴾، وقرأ أبو عمران الحوفي وأبو نهيك والأصمعي عن نافع
بكسر السين، وقرأ عبد الله وأبو رزين وأبو مجلز المخيط بكسر الميم وسكون الخاء وفتح
الياء، وقرأ طلحة بفتح الميم.
﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿نجزي﴾ أهل الجرائم، وقال
الزمخشري ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب وأن كل من أجرم عوقب ثم
کرره تعالى فقال ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾ لأن كل مجرم ظالم لنفسه انتهى، وفيه دسيسة
الاعتزال.
﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين﴾ هذه استعارة لما
يحيط بهم من النار من كل جانب كما قال لهم ﴿من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم
ظلل﴾(١) والغواشي جميع غاشية، قال ابن عباس والقرظي وابن زيد: هي اللحف، وقال
عكرمة: يغشاهم الدّخان من فوقهم، وقال الزّجاج: غاشية من النار، وقال الضحاك:
المهاد الفرش والغواشي اللحف والتنوين في ﴿غواش﴾ تنوين صرف أو تنوين عوض قولان
وتنوين عوض من الياء أو من الحركة قولان كل ذلك مقرّر في علم النحو، وقرىء
﴿غواش﴾ بالرفع كقراءة عبد الله ﴿وله الجوار المنشئات﴾(٢).
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة
هم فيها خالدون﴾ لما أخبر بوعيد الكفار أخبر بوعد المؤمنين وخبر و﴿الذين﴾ الجملة من
﴿لا نكلف نفساً﴾ منهم أو الجملة من ﴿أولئك﴾ وما بعده وتكون جملة ﴿لا نكلّف﴾
اعتراضاً بين المبتدأ والخبر، وفائدته أنه لما ذكر قوله ﴿وعملوا الصالحات﴾ نبه على أن
ذلك العمل وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أنّ الجنة مع عظم محالها
يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة، وقال القاضي أبو بكر بن الطيّب: لم يكلف أحداً
في نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه دون ما لا تناله يده ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل
الفعل، ونظيره ﴿لا يكلّف الله نفساً إلا ما آتاها﴾(٣) انتهى، وليس السياق يقتضي ما ذكره،
وقال الزمخشري: جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه
(١) سورة الزمر: ١٦/٣٩.
(٢) سورة الرحمن: ٢٤/٥٥. (٣) سورة الطلاق: ٧/٦٥.

٥٣
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
وصف الواصف من النعيم الخالد مع العظيم بما هو من الواسع وهو الإمكان الواسع غير
الضّيق من الإيمان والعمل الصالح انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال، وقرأ الأعمش لا تكلف
نفس.
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلّ تجري من تحتهم الأنهار﴾ أي أذهبنا في الجنة ما
انطوت عليه صدورهم من الحقود. وقيل نزع الغل في الجنة أن لا يحسد بعضهم بعضاً في
تفاضل منازلهم، وقال الحسن: غلّ الجاهلية، وقال سهل بن عبد الله الأهواء والبدع،
وروي عن عليّ كرم الله وجهه فينا والله أهل بدر نزلت وعنه إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان
وطلحة والزبير من الذين قيل فيهم ﴿ونزعنا﴾ الآية، والذي يظهر أنّ النزع للغلّ كناية عن
خلقهم في الآخرة سالمي القلوب طاهريها متوادّين متعاطفين، كما قال ﴿إخواناً على سرر
متقابلين﴾(١) و﴿تجري) حال قاله الحوفي قال: والعامل فيه ﴿نزعنا﴾، وقال أبو البقاء:
حال والعامل فيها معنى الإضافة وكلا القولين لا يصح لأن ﴿تجري﴾ ليس من صفات
الفاعل الذي هو ضمير ﴿نزعنا﴾ ولا صفات المفعول الذي هو ﴿ما في صدورهم﴾ ولأن
معنى الإضافة لا يعمل إلا إذا كانت إضافة يمكن للمضاف أن يعمل إذا جرّد من الإضافة
رفعاً أو نصباً فيما بعده والظاهر أنه خبر مستأنف عن صفة حالهم.
﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ أي وفّقنا لتحصيل هذا النعيم الذي صرنا إليه
بالإيمان والعمل الصالح إذ هو نعمة عظيمة يجب عليهم بها حمده والثناء عليه تعالى،
وقيل: الهداية هنا هو الإرشاد إلى طريق الجنة ومنازلهم فيها وفي الحديث ((إنّ أحدهم
أهدى إلى منزله في الجنة من منزله في الدنيا))، وقيل: الإشارة بهذا إلى العمل الصالح
الذي هذا جزاؤه، وقيل إلى الإيمان الذي تأهّلوا به لهذا النعيم المقيم، وقال الزمخشري :
أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم وهو الإيمان والعمل الصالح انتهى، وفي لفظه واجب
والعمل الصالح دسيسة الاعتزال، وقال أبو عبد الله الرازي معنى ﴿هدانا﴾ الله أعطانا القدرة
وضمّ إليها الدّاعية الجازمة، وصير مجموعهما لحصول تلك الفضيلة وقالت المعتزلة
التّحميد إنما وقع على أنه تعالى خلق العقل ووضع الدلائل وأزال الموانع انتهى، وفي
.صحيح مسلم ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ أنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وأنّ
لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وأنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً وأنّ لكم أن تنعموا فلا
تيأسوا أبداً)) فلذلك ﴿قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ .
(١) سورة الحجر: ٤٧/١٥.

٥٤
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ أي وما كانت توجد منا أنفسنا وجدها الهداية لولا
أن الله هدانا وهذه الجملة توضح أن الله خالق الهداية فيهم وأنهم لو خلوا وأنفسهم لم تكن
منهم هداية، وقال الزمخشري: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله تعالى
وتوفيقه، وقال أبو البقاء: وما كنا الواو للحال ويجوز أن تكون مستأنفة انتهى، والثاني:
أظهر. وقرأ ابن عامر ﴿ما كنا﴾ بغير واو وكذا هي في مصاحف أهل الشام وهي على هذا جملة
موضحة للأولى ومن أجاز فيها الحال مع الواو ينبغي أن يجيزها دونها، والذي تقتضيه أصول
العربية أنّ جواب ﴿لولا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه أي ﴿لولا أن هدانا الله﴾ ما كنا لنهتدي
أو لضللنا لأنّ ﴿لولا﴾ للتعليق فهي في ذلك كأدوات الشرط على أنّ بعض الناس خرج قوله
﴿لولا أن رأى برهان ربّه﴾(١) على أنه جواب تقدم وهو قوله ﴿وهم بها﴾ وسيأتي ذلك إن شاء
الله تعالى، وهذا على مذهب جمهور البصريين في منع تقديم جواب الشرط.
﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحقّ﴾ أي بالموعود الذي وعدنا في الدنيا قضوا بأنّ ذلك
حقّ قضاء مشاهدة بالحسّ وكانوا في الدنيا يقضون بذلك بالاستدلال، وقال الكرماني: وقع
الموعود به على ما سبق به الوعد، وقال الزمخشري فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء
فاهتدينا يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذّذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً كما ترى من
رزق خيراً في الدنيا يتكلّم بنحو ذلك ولا يتمالك أن يقوله للفرح لا للقربة.
﴿ونودوا أنّ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ يحتمل أن يكون النداء من الله
وهو أسرّ لقلوبهم وأرفع لقدرهم ويحتمل أن يكون من الملائكة وأن يحتمل أن تكون
المخففة من الثقيلة أي ﴿ونودوا﴾ بأنه ﴿تلكم الجنة﴾ واسمها ضمير الشأن يحذف إذا
خفّفت ويحتمل أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة لوجود شرطها وهما أن يكون قبلها جملة في معنى
القول وبعدها جملة وكأنه قيل: ﴿تلكم الجنة﴾.
قال ابن عطية ﴿تلكم﴾ إشارة إلى غائبة فإما لأنهم كانوا وعدوا بها في الدنيا فالإشارة
إلى تلك أي ﴿تلكم﴾ هذه ﴿الجنة﴾ وحذفت هذه وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول
وهم مجتمعون في موضع منها فكل غائب عن منزله انتهى، وفي كتاب التحرير ﴿وتلكم﴾
إشارة إلى غائب وإنما قال هنا ﴿تلكم﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا فلأجل الوعد جرى
الخطاب بكلمة العهد قوله وسالر للصديق في الاستخبار عن عائشة ((كيف تيكم للعهد
السابق)) انتهى، و﴿الجنة﴾ جوّزوا فيها أن تكون خبراً لتلكم و﴿أورثتموها﴾ حال كقوله
(١) سورة يوسف: ٢٤/١٢.

٥٥
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
﴿فتلك بيوتهم خاوية﴾(١). قال أبو البقاء: حال من ﴿الجنة﴾ والعامل فيها ما في تلك من
معنى الإشارة ولا يجوز أن تكون حالاً من تلك للفصل بينهما بالخبر ولكون المبتدأ لا يعمل
في الحال انتهى، وفي العامل في الحال في مثل هذا زيد قائماً خلاف في النحو وأن يكون
أنعتاً وبدلاً و﴿أورثتموها﴾ الخبر أدغم النحويان وحمزة وهشام الثاء في التاء وأظهرها باقي
السبعة ومعنى ﴿أورثتموها﴾ صيرت لكم كالإرث وأبعد من ذهب إلى أنّ المعنى أورثتموها
عن آبائكم لأنها كانت منازلهم لو آمنوا فحرموها بكفرهم وبعده إن ذلك عامّ في جميع
المؤمنين ولم تكن آباؤهم كلهم كفاراً والباء في ﴿بما﴾ للسبب المجازي والأعمال أمارة من
الله ودليل على قوة الرجاء ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمة الله والقسم فيها على قدر
العمل ولفظ ﴿أورثتموها﴾ مشير إلى الأقسام وليس ذلك واجباً على الله تعالى، وقال
الزمخشري : ﴿أورثتموها﴾ بما كنتم تعملون بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة
انتهى، وهذا مذهب المعتزلة، وفي صحيح مسلم ((لن يدخل الجنة أحد بعمله)) قالوا: ولا
أنت يا رسول الله قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل».
﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما
وعد ربكم حقاً قالوا نعم﴾. عبر بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه وهذا النداء فيه
تقريع وتوبيخ وتوقيف على مآل الفريقين وزيادة في كرب أهل النار بأن شرفوا عليهم وبخلق
إدراك أهل النار لذلك النداء في أسماعهم، قال الزمخشري: وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً
بحالهم وشماتة بأهل النار وزيادة في غمّهم وليكون حكايته لطفاً لمن سمعها وكذلك قول
المؤذِّن بينهم أن لعنة الله على الظالمين وهو ملك يأمره الله تعالى فينادي بينهم يسمع أهل
الجنة وأهل النار وأتى في إخبار أهل الجنة ﴿ما وعدنا﴾ بذكر المفعول وفي قصة أهل النار
﴿ما وعد﴾ ولم يذكر مفعول ﴿وعد﴾ لأنّ أهل الجنة مستبشرون بحصول موعودهم فذكروا
ما وعدهم الله مضافاً إليهم ولم يذكروا حين سألوا أهل الجنة متعلق ﴿وعد﴾ باسم الخطاب
فيقولوا: ﴿ما وعدكم﴾ ليشمل كل موعود من عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة وتكون
إجابتهم بنعم تصديقاً لجميع ما وعد الله بوقوعه في الآخرة للصفين ويكون ذلك اعترافاً
منهم بحصول موعود المؤمنين ليتحسّروا على ما فاتهم من نعيمهم إذ نعيم أهل الجنة مما
يخزيهم ويزيد في عذابهم ويحتمل أن يكون حذف المفعول الذي للخطاب لدلالة ما قبله
عليه وتقديره ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم﴾، وقرأ ابن وثاب والأعمش والكسائي (نعم)
(١) سورة النمل: ٥٢/٢٧.

٥٦
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
بكسر العين، ويحتمل أن تكون تفسيريّة وأن تكون مصدرية مخففة من أن الثقيلة وإذا ولى
المخففة فعل متصرف غير دعاء فصل بينهما بقد في الأجود كقوله: ﴿أن قد وجدنا. ﴾
﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها
عوجاً وهم بالآخرة كافرون﴾ أي فأعلم معلم، قيل: هو إسرافيل صاحب الصور، وقيل:
جبريل يسمع الفريقين تفريحاً وتبريحاً، وقيل: ملك غيره معين ودخل طاوس على
هشام بن عبد الملك فقال له: احذر يوم الأذان فقال: وما يوم الأذان قال: يوم ﴿فأذن
مؤذن﴾ الآية فصعق هشام فقال طاوس هذا ذلّ الصفة فكيف ذلّ المعاينة وبينهم يحتمل أن
يكون معمولاً لأذّن ويحتمل أن يكون صفة لمؤذن فالعامل فيه محذوف، وقرأ الأخوان وابن
عامر والبزي ﴿أن لعنة الله﴾ بتثقيل ﴿أَنّ﴾ ونصب ﴿لعنة﴾ وعصمة عن الأعمش إنّ بكسر
الهمزة والتثقيل ونصب ﴿لعنة﴾ على إضمار القول أو إجراء أذن مجرى قال، وقرأ باقي
السبعة أن يفتح الهمزة خفيفة النون ورفع ﴿لعنة﴾ على الابتداء وأن مخففة من الثقيلة أو
مفسرة و﴿يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً﴾ تقدّم تفسير مثله وهذا الوصف بالموصول
هو حكاية عن قولهم السابق والمعنى الذين كانوا يصدون عن سبيل الله لأنهم وقت الأذان
لم يكونوا متصفين بهذا الوصف، والمعنى بالظلم الكفار ويدفع قول من قال: إنه عام في
الكافر والفاسق قوله أخيراً ﴿وهم بالآخرة كافرون﴾ لأنّ الفاسق ليس كافراً بالآخرة بل
مؤمن مصدّق بها.
﴿وبينهما حجاب﴾ أي بين الفريقين لأنهم المحدّث عنهم وهو الظاهر، وقيل: بين
الجنة والنار وبهذا بدأ الزمخشري وابن عطية وفسر الحجاب بأنه المعني بقوله فضرب بينهم
بسور وقاله ابن عباس: ويقوي أنه بين الفريقين لفظ بينهم إذ هو ضمير العقلاء ولا يحيل
ضرب السّور بعدما بين الجنة والنار وإن كانت تلك في السماء والنار أسفل السافلين.
﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلَّ بسيماهم﴾ أي وعلى أعراف الحجاب وهو السّور
المضروب ﴿رجال يعرفون كلّ﴾ من فريقي الجنة والنار بعلامتهم التي ميّزهم الله بها من
ابيضاض وجوه واسوداد وجوه أو بغير ذلك من العلامات أو بعلامتهم التي يلهمهم الله
معرفتها و﴿الأعراف﴾ تل بين الجنة والنار، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: حجاب بين
الجنة والنار، وقيل: هو أحد ممثل بين الجنة والنار روي هذا في حديث وفي آخر ((إنّ أحداً
على ركن من أركان الجنة))، وقيل: أعالي السّور الذي ضرب بين الجنة والنار قاله
الزمخشري، والرجال قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وقفوا هنالك ما شاء الله، لم تبلغ
حسناتهم بهم دخول الجنة ولا سيئاتهم دخول النار، وروي في مسند ابن أبي خيثمة عن

٥٧
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
جابر عن رسول الله # حديث فيه قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته قال:
((أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون))، وقاله ابن مسعود وابن عباس وحذيفة
وأبو هريرة، قال حذيفة بن اليمان أيضاً هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وقيل
غزاة جاهدوا من غير إذن والديهم فقتلوا في المعركة وهذا مرويّ عن الرسول أنهم حبسوا
عن الجنة بمعصية آبائهم وأعتقهم الله من النار لأنهم قتلوا في سبيله، وقيل: قوم رضي
عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو بالعكس، وقيل: هم أولاد الزنا، وقيل: أولاد المشركين،
وقيل: الذين كانوا في الأسر ولم يبدّلوا دينهم، وقيل: علماء شكوا في أرزاقهم، وقال
الزمخشري: رجال من المسلمين من آخرهم دخولاً في الجنة لقصور أعمالهم كأنهم
المرجئون لأمر الله يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة، وقال
ابن عطية: واللازم من الآية أنّ على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين
حيث شاء الله رجالاً من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في
الفريقين و﴿يعرفون كلّ﴾ بعلامتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة وسوادها
وقبحها في أهل النار انتهى، والأقوال السابقة تحتاج إلى دليل واضح في التخصيص والجيّد
منها هو الأوّل لحديث جابر ولتفسير جماعة من الصحابة وهذه الأقوال هي على قول من قال
إنّ ﴿الأعراف﴾ هو بين الجنة والنار، وفي شعر أمية بن الصّلت:
في جنّة حفّها الرمّان والخضر
وآخرون على الأعراف قد طمعوا
وقال قوم: إنه الصراط، وقيل: موضع على الصراط، وقال قوم: هو جبل في وسط
الجنة أو أعلاها واختلف هؤلاء في تفسير رجال، وقال أبو مجلز: ملائكة في صور رجال
ذكور وسمّوا رجالاً لقوله: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾(١) وقال مجاهد والحسن هم
فضلاء المؤمنين وعلماؤهم، وقيل: هم الشهداء وقاله الكرماني: واختاره النحاس، وقال:
هو أحسن ما قيل فيه، وقيل: حمزة والعبّاس وعلي وجعفر الطيّار، وروي هذا عن ابن
عباس، وقيل: هم الأنبياء.
﴿ونادى أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا صرفت
أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾. الظاهر أن الضمير
في ونادوا إلى آخر الآية عائد على الرّجال الذين على الأعراف وعلى هذا لا يمكن أن تكون
تلك الضمائر للأنبياء ولا لشيء مما فسر به أنهم على جبل في وسط الجنة أو أعلى الجنة
(١) سورة الأنعام: ٩/٦.

٥٨ _
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
وفي غاية البعد ما تؤول من ذلك ليصح شيء من تلك الأقوال أنهم أجلسوا على تلك
الأماكن المرتفعة ليشاهدوا أحوال الفريقين فيلحقهم السّور بتلك الأحوال ثم إذا استقر
الفريقان نقلوا إلى أمكنتهم التي أعدّت لهم في الجنة فمعنى ﴿لم يدخلوها﴾ لم يدخلوا
منازلهم المعدّة لهم فيها ومعنى ﴿وهم يطمعون﴾ يتيقّنون ما أعدّ الله لهم من الزلفى وقد
جاء الطمع بمعنى اليقين قال ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدّين﴾(١) وطمع
ابراهيم عليه السلام يقين. وقال الشاعر:
قدير بحسن يقيني يقيني
وإني لأطمع أنّ الإله
وأما قول من قال: إنّ الأعراف جبل بين الجنة والنار فقد طعن فيه القاضي والجبائي
وقالا: هو فاسد لأنّ قوله ﴿بما كنتم تعملون﴾ يدلّ على أنّ کل من دخل الجنة لا بد أن يكون
مستحقاً لدخولها وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقّون الجنة ولا النار ثم يدخلون الجنة
بمحض الفضل لا بسبب الاستحقاق ولأن كونهم من أهل الأعراف يدلّ على ميزهم من
جميع أهل القيامة فإنّ إجلاسهم على الأماكن المرتفعة العالية على أهل الجنة والنار
تشريف عظيم لا يليق إلا بالأشراف ومن تساوت حسناته وسيئاته درجته قاصرة لا يليق بهم
ذلك التشريف، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ونودوا خطاب مع أقوام معينين فلا يلزم أن
تكون أهل الجنة كذلك، وعن الثاني أجلسهم لا للتشريف بل لأنها كالمرتبة المتوسطة بين
الجنة والنار و﴿أَنّ سلام﴾ يحتمل أن ﴿أن﴾ تكون تفسرية ومخففة من الثقيلة ولم يدخلوها حال
من المفعول أي ناداهم وهم في هذه الحال يعني أهل الجنة وهم يطمعون جملة خبريّة
لا موضع لها من الإعراب أي نادوا أهل الجنة غير داخليها ثم أخبر أنهم طامعون في دخولها
قال معناه أبو البقاء، وقيل: المعنى ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة بالسلام وهم
قد دخلوا الجنة وأهل الأعراف لم يدخلوها فیکون قوله ﴿لم يدخلوها﴾ حالاً من ضمير ونادوا
العائد على أهل الأعراف فقط وهذا تأويل ابن مسعود وقتادة والسدّي وغيرهم، وقال ابن
مسعود: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم وهذا هو الأظهر والأليق
بمساق الآية، وقال ابن مسعود أيضاً: إنما طمع أصحاب الأعراف لأنّ النور الذي كان في
أيديهم لم يطفأ حين طفىء نور ما بأيدي المنافقين، وقيل: ﴿وهم يطمعون﴾ حال من ضمير
الفاعل في ﴿يدخلوها﴾ والمعنى لم يدخلوها في حال طمع لها بل كانوا في حال يأس وخوف
لكن عمّهم عفو الله.
(١) سورة الشعراء: ٨٢/٢٦.

٥٩
سورة الأعراف / الآيات : ٢٩ - ٥٤
وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما محل قوله ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾؟ (قلت):
لا محلّ له لأنه استئناف كأنّ سائلاً سأل عن أصحاب الأعراف فقيل له ﴿لم يدخلوها وهم
يطمعون﴾ يعني أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة فلم يدخلوها لكونهم محبوسين
وهم يطمعون لم ييأسوا ويجوز أن يكون له محل بأن يقع صفة انتهى ، وهذا توجيه ضعيف للفصل
بين الموصوف وصفته بجملة ونادوا وليست جملة اعتراض وقرأ ابن (١) النحوي وهم طامعون،
وقرأ إياد بن لقيط وهم ساخطون، وقرأ الأعمش وإذا قلبت ﴿أبصارهم﴾ والضمير في أبصارهم
عائد على رجال الأعراف يسلّمون على أهل الجنّة وإذا نظروا إلى أهل النّار دعوا الله في التخلّص
منها قاله ابن عباس وجماعة، وقال أبو مجلز: الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد وفي قوله
﴿صرفت﴾ دليل أنّ أكثر أحوالهم النظر إلى تلقاء أصحاب الجنة وأن نظرهم إلى أصحاب النار
هو بکونهم صرفت أبصارهم تلقاءهم فليس الصّرف من قبلهم بل هم محمولون عليه مفعول بهم
ذلك لأنّ ذلك المطلع مخوف من سماعه فضلاً عن رؤيته فضلاً عن التلبس به والمعنى أنهم إذا
حملوا على صرف أبصارهم ورأوا ما هم عليه من العذاب استغاثوا بربّهم من أن يجعلهم معهم
ولفظه ﴿ربنا﴾ مشعرة بوصفه تعالى بأنه مصلحهم وسيدهم وهم عبيد فبالدعاء به طلب رحمته
واستعطاف کرمه .
﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم
وما كنتم تستكبرون﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء وأولئك الرجال في النار ومعرفتهم إياهم
في الدنيا بعلامات ويحتمل أن يكون وهم يحملون إلى النار وسيماهم تسويد الوجه وتشويه
الخلق، وقال أبو مجلز: الملائكة تنادي رجالاً في النار وهذا على تفسيره أنّ الأعراف هم
ملائكة والجمهور على أنهم آدميون ولفظ ﴿رجالاً﴾ يدل على أنهم غير معينين، وقال ابن
القشيري : ينادي أصحاب الأعراف رؤساء المشركين قبل امتحاء صورهم بالنار يا وليد بن
المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا عاصي بن وائل يا عتبة بن أبي معيط يا أمية بن خلف يا أبي بن
خلف يا سائر رؤساء الكفّار ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ في الدنيا المال والولد والأجناد والحجاب
والجيوش ﴿وما كنتم تستكبرون﴾ عن الإيمان انتهى، ﴿وما أغنى﴾ استفهام توبيخ وتقريع،
وقيل : نافية وإما﴾ في وما كنتم﴾ مصدرية أي وکونکم تستكبرون وقرأت فرقة تستكثرون بالثاء
مثلثة من الكثرة.
﴿أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم
(١) سورة هكذا بياض بجميع الأصول اهـ ..

٦٠
سورة الأعراف / الآيات: ٢٩ - ٥٤
تحزنون﴾ الظاهر أنّ هذا من جملة مقول أهل الأعراف وتكون الإشارة إلى أهل الجنة الذین کان
الرؤساء يستهينون بهم ويحقّرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم في الدنيا وكانوا يقسمون بالله تعالى
لا يدخلهم الجنة قاله الزمخشري، وذكره ابن عطية عن بعض المتأولين، قال: الإشارة بهؤلاء
إلى أهل الجنة والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا أهل النار والمعنى ﴿أهؤلاء﴾
الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقال ابن عباس:
﴿أهؤلاء﴾ من كلام ملك بأمر الله إشارة إلى أهل الأعراف ومخاطبة لأهل النار، قال النقاش لما
وبخوهم بقولهم ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ أقسم أهل النار أنّ أهل الأعراف داخلون النار معهم
فنادتهم الملائكة ﴿أهؤلاء﴾ ثم نادى أهل الأعراف ادخلوا الجنة، وقيل: الإشارة بهؤلاء إلى
أهل الأعراف والقائلون هم أصحاب الأعراف ثم يرجعون إلى مخاطبة أنفسهم فيقول بعضهم
لبعض ﴿ادخلوا الجنة﴾ قاله الحسن، وقيل: الإشارة إلى المؤمنين الذين كان الكفار يحلفون
أنهم لا يدخلون الجنة والقائل إما الله وإما الملائكة، وقيل: المشار بهؤلاء أصحاب الأعراف
والقائل مالك خازن النار يأمر الله تعالى، وقال أبو مجلز: أهل الأعراف هم الملائكة وهم
القائلون ﴿أهؤلاء﴾ إشارة إلى أهل الجنة، وكذلك مجيء قول من قال أهل الأعراف أنبياء
وشهداء، وقرأ الحسن وابن هرمز: أدخلوا من أدخل أي أدخلوا أنفسكم أو يكون خطاباً للملائكة
ثم خاطب بعد البشر.
وقرأ عكرمة دخلوا إخباراً بفعل ماض، وقرأ طلحة وابن وثاب والنخعي ﴿ادخلوا﴾ خيراً
مبنيًّا للمفعول وعلى هاتين القراءتين يكون قوله ﴿لا خوف عليكم) على تقدير مقولاً لهم
لا خوف عليكم، قال الزمخشري: يقال لأهل الأعراف ادخلوا الجنة بعد أن يحبسوا على
الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفوهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون وفائدة ذلك بيان أنّ الجزاء
على قدر الأعمال وأنّ التقدّم والتأخر على حسبها وأنّ أحداً لا يسبق عند الله تعالى إلا بسبقه من
العمل ولا يتخلّفه إلا بتخلّفه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحصروا على إحراز قصبهم
وأنّ كلَّ يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشرّ فيرتدع المسيء
عن إساءته ويزيد المحسن في إحسانه وليعلم أن العصاة يوبخهم كلّ أحد حتى أقصر الناس عملاً
انتهى، وهو تكثير من باب الخطابة لا طائل تحته وفيه دسيسة الاعتزال، وعن حذيفة أنّ أهل
الأعراف يرغبون في الشفاعة فيأتون آدم فيدفعهم إلى نوح ثم يتدافعهم الأنبياء حتى يأتوا
محمداً پڼ فيشفع لهم فيشفع فيدخلون الجنة فيلقون في نهر الحياة فیبیضون ويسمون مساکین
الجنة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ليت أني من أهل الأعراف.