Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
قال ابن جني: على الحال من الضمير في المستغفرين. وقيل: نصب على المدح،
وهو جمع شهداء، وجمع شاهد: كظرفاء وعلماء. وروي عنه، وعن أبي نهيك: شهداء
الله، بالرفع أي: هم شهداء الله. وفي القراءتين: شهداء، مضاف إلى اسم الله.
وروي عن أبي المهلب: شهد بضم الشين والهاء، جمع: شهيد، كنذير ونذر،
وهو منصوب على الحال، واسم الله منصوب. وذكر النقاش: أنه قرىء كذلك بضم الدال
وبفتحها مضافاً لاسم الله في القراءتين.
وذكر الزمخشري، أنه قرىء: شهداء لله، برفع الهمزة ونصبها، وبلام الجر داخلة
على اسم الله، فوجه النصب على الحال من المذكورين، والرفع على إضمارهم، ووجه
رفع الملائكة على هاتين القراءتين عطفاً على الضمير المستكن في شهداء، وجاز ذلك
لوقوع الفاصل بينهما. وتقدم توجيه رفع الملائكة إما على الفاعلية، وإما على الابتداء .
وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه بإدغام: واو، وهو في: واو، والملائكة. وقرأ ابن عباس:
﴿أنه لا إله إلاّ هو﴾ بكسر الهمزة في: أنه، وخرج ذلك على أنه أجرى: شهد، مجرى:
قال، لأن الشهادة في معنى القول، فلذلك كسر إن، أو على أن معمول: شهد، هو ﴿ان
الدين عند الله الإسلام﴾(١) ويكون قوله: ﴿أنه لا إله إلاَّ هو﴾ جملة اعتراض بين المعطوف
عليه والمعطوف، إذ فيها تسديد لمعنى الكلام وتقوية، هكذا خرجوه. والضمير في: أنه،
يحتمل أن يكون عائداً على: الله، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، ويؤيد هذا قراءة
عبد الله ﴿شهد الله أن لا إله إلا هو) ففي هذه القراءة يتعين أن يكون المحذوف إذا خففت
ضمير الشأن، لأنها إذا خففت لم تعمل في غيره إلاّ ضرورة، وإذا عملت فيه لزم حذفه.
قالوا: وانتصب: ﴿قائماً بالقسط﴾ على الحال من اسم الله تعالى، أو من: هو، أو
من الجميع، على اعتبار كل واحد واحد، أو على المدح، أو صفة للمنفي، كأنه قيل:
لا إله قائماً بالقسط إلّ هو. أو: على القطع، لأن أصله: القائم، وكذا قرأ ابن مسعود،
فيكون كقوله: ﴿وله الدين واصبا﴾(٢) أي الواصب.
وقرأ أبو حنيفة: قيما، وانتصابه على ما ذكر. وذكر السجاوندي: أن قراءة عبد الله:
(١) سورة آل عمران: ١٩/٣.
(٢) سورة النحل: ٥٢/١٦.

٦٢
:
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
قائم، فأما انتصابه على الحال من اسم الله فعاملها شهد، إذ هو العامل في الحال، وهي
في هذا الوجه حال لازمة، لأن القيام بالقسط وصف ثابت الله تعالى .
وقال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه، أي: من الله، كقوله ﴿وهو
الحق مصدقاً﴾(١). انتهى. وليس من الحال المؤكدة، لأنه ليس من باب: ﴿ويوم يبعث
حياً﴾(٢) ولا من باب: أنا عبد الله شجاعاً. فليس ﴿قائماً بالقسط﴾ بمعنى: شهد، وليس
مؤكداً مضمون الجملة السابقة في نحو: أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً. لكن في
هذا التخريج قلق في التركيب، إذ يصير كقولك: أكل زيد طعاماً وعائشة وفاطمة جائعاً.
فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وذي الحال بالمفعول
والمعطوف، لكن بمشيئة كونها كلها معمولة لعامل واحد، وأما انتصابه على الحال من
الضمير الذي هو: هو، فجوّزه الزمخشري وابن عطية .
قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعلته حالاً من فاعل: شهد، فهل يصح أن ينتصب
حالاً من: هو، في: ﴿لا إله إلا هو﴾؟
قلت: نعم! لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي
هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقوله: أنا عبد الله شجاعاً. انتهى. ويعني. أن الحال
المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئاً من الجملة السابقة قبلها، وإنما ينتصب بعامل
مضمر تقديره: أحق، أو نحوه مضمراً بعد الجملة، وهذا قول الجمهور. والحال المؤكدة
لمضمون الجملة هي الدالة على معنى ملازم للمسند إليه الحكم، أو شبيه بالملازم، فإن
كان المتكلم بالجملة مخبراً عن نفسه، فيقدر الفعل: أحق، مبنياً للمفعول، نحو: أنا
عبد الله شجاعاً، أي: أحق شجاعاً. وإن كان مخبراً عن غيره نحو: هو زيد شجاعاً،
فتقديره: أحقه شجاعاً .
وذهب الزجاج إلى أن العامل في هذه الحال هو الخبر بما ضمن من معنى المسمى،
وذهب ابن خروف إلى أنه المبتدأ بما ضمن من معنى التنبيه. وأما من جعله حالاً من
الجميع، على ما ذكر، فرد بأنه لو جاز ذلك لجاز: جاء القوم راكباً، أي: كل واحد منهم.
وهذا لا تقوله العرب ..
(١) سورة البقرة: ٩١/٢.
(٢) سورة مريم: ١٥/١٩.

٦٣
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
وأما انتصابه على المدح، فقال الزمخشري: فإن قلت أليس من حق المنتصب على
المدح أن يكون معرفة، كقولك: الحمد لله الحميد، ((إنا معشر الأنبياء لا نورث)).
إنا بني نهشل لا ندعى لأب؟
قلت: قد جاء نكرة في قول الهذلي :
وشعثاً مراضيع مثل السعالي
ويأوي إلى نسوة عطل
انتهى سؤاله وجوابه. وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يفرّق بين المنصوب على المدح أو
الذم أو الترحم، وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحداً، وأورد مثالاً من
المنصوب على المدح وهو: الحمد لله الحميد، ومثالين من المنصوب على الاختصاص
وهما: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث)).
إنا بني نهشل لا ندعی لأب
والذي ذكر النحويون أن المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم قد يكون معرفة،
وقبله معرفة يصلح أن يكون تابعاً لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرة كذلك، وقد يكون
نكرة وقبلها معرفة، فلا يصلح أن يكون نعتاً لها نحو قول النابغة:
أقارُ عوفٍ لا أحاولُ غيرَها
وجوهَ قرودٍ يبتغي من يخادعُ
فانتصب: وجوهَ قرودٍ، على الذم. وقبله معرفة وهو قوله: أقارع عوف.
وأما المنصوب على الاختصاص فنصبوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهماً، ولا يكون
إلّ معرفاً بالألف واللام، أو بالإضافة، أو بالعلمية، أو بأي، ولا یکون إلاّ بعد ضمیر متكلم
مختص به، أو مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب. وأما انتصابه على أنه صفة
للمنفي فقال الزمخشري :
فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟
قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف، ثم قال:
وهو أوجه من انتصابه عن فاعل: شهد، وكذلك انتصابه على المدح. انتهى. وكان قد مثل
في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: لا رجل إلاّ عبد الله شجاعاً. ويعني أن انتصاب:
قائماً، على أنه صفة لقوله: إله، أو لكونه انتصب على المدح أوجه من انتصابه على الحال
من فاعل: شهد، وهو الله. وهذا الذي ذكره لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف .

٦٤
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
بأجنبي، وهو المعطوفان اللذان هما: الملائكة وأولو العلم، وليسا معمولين من جملة
﴿لا إله إلا الله﴾ بل هما معمولان: لشهد، وهو نظير: عرف زيد أن هنداً خارجة وعمرو
وجعفر التميمية. فيفصل بين هنداً والتميمية بأجنبي ليس داخلاً فيما عمل فيها، وفي خبرها
بأجنبي وهما: عمرو وجعفر، المرفوعان بعرف، المعطوفان على زيد.
وأما المثال الذي مثل به وهو: لا رجل إلَّ عبد الله شجاعاً، فليس نظير تخريجه في الآية،
لأن قولك: إلاّ عبد الله، يدل على الموضع من: لا رجل، فهو تابع على الموضع، فليس بأجنبي.
على أن في جواز هذا التركيب نظراً، لأنه بدل، و: شجاعاً، وصف، والقاعدة أنه: إذا اجتمع
البدل والوصف قدم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على المذهب
الصحيح، فصار من جملة أخرى على المذهب.
وأما انتصابه على القطع فلا يجيء إلاّ على مذهب الكوفيين، وقد أبطله البصريون.
والأولى من هذه الأقوال كلها أن يكون منصوباً على الحال من اسم الله، والعامل
فيه: شهد، وهو قول الجمهور.
وأما قراءة عبد الله: القائم بالقسط، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو
القائم بالقسط. قال الزمخشري وغيره: إنه بدل من: هو، ولا يجوز ذلك، لأن فيه فصلاً بين
البدل والمبدل منه بأجنبي. وهو المعطوفان، لأنهما معمولان لغير العامل في المبدل منه،
ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز ذلك أيضاً، لأنه إذا اجتمع
العطف والبدل قدم البدل على العطف، لو قلت جاء زيد وعائشة أخوك، لم يجز. إنما
الكلام: جاء زيد أخوك وعائشة.
وقال الزمخشري فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه، ولو
قلت: جاءني زيد وعمر وراكباً لم يجز؟
قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس، كما جاز في قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب
نافلة﴾(١) إن انتصب: نافلة، حالاً عن: يعقوب، ولو قلت: جاءني زید وهند راكباً، جاز
لتميزه بالذكورة. انتھی کلامه.
وما ذکر من قوله في : جاءني زید وعمرو راكباً ، أنه لا يجوز لیس کما ذکر، بل هذا
جائز، لأن الحال قيد فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قيداً فإنه يحمل
(١) سورة الأنبياء: ٧٢/٢١.

٦٥
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
على أقرب مذكور، ويكون راكباً حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة، لو
قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل. لكان: الطويل، صفة: لعمرو، ولا تقول: لا تجوز هذه
المسألة، لأنه يلبس بل لا لبس في هذا، وهو جائز فكذلك الحال.
وأما قوله: في: نافلة، إنه انتصب حالاً عن: يعقوب، فلا يتعين أن يكون حالاً عن:
يعقوب، إذ يحتمل أن يكون: نافلة، مصدراً كالعافية والعاقبة. ومعناه: زيادة، فيكون ذلك
شاملاً لإسحاق ويعقوب، لأنهما زيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره، إذ كان إنما جاء له
إسحاق على الكبر، وبعد أن عجزت سارة وأيست من الولادة، وأولاد إبراهيم غير إسماعيل
وإسحاق مديان، ويقال: مدين، ويشناق، وشواح، وهو خاضع، ورمران وهو محدان،
ومدن، ويقشان وهو مصعب، فهؤلاء ولد إبراهيم لصلبه. والعقب الباقي منهم لإسماعيل
وإسحاق لا غير.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما المراد، بأولي العلم، الذين عظمهم هذا التعظيم
حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟
قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وهم
علماء العدل والتوحيد. انتهى.
ويعني بعلماء العدل والتوحيد: المعتزلة، وهم يسمون أنفسهم بهذا الإسم كما
أنشدنا شيخنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله بقراءتي
عليه قالى: أنشدنا الصاحب أبو حامد عبد الحميد بن هبة بن محمد بن أبي الحديد
المعتزلي ببغداد لنفسه:
ليست كما قال فتى العبد
لولا ثلاث لم أخف صرعتي
كل مقام باذلا جهدي
أن أنصر التوحيد والعدل في
بخلوة أحلى من الشهد
وأن أناجي الله مستمتعاً
كل لئيم أصعر الخدّ
وأن أتيه الدهر كبراً على
خمر ولا ذي ميعة نهد
لذاك أهوى لا فتاة ولا
﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم) كرر التهليل توكيداً وقيل: الأول شهادة الله، والثاني
شهادة الملائكة وأولي العلم، وهذا بعيد جدّاً لأنه يؤدّي إلى قطع الملائكة عن العطف على
الله تعالى، وعلى إضمار فعل رافع، أو على جعلهم مبتدأ، وعلى الفصل بين ما يتعلق بهم
وبين التهليل بأجنبي، وهو قوله: ﴿قائماً بالقسط﴾.
تفسير البحر المحيط ج٣ م٥

٦٦.
سورة آل عمران / الآيات: ١٥ - ١٨
وقيل: الأول جار مجرى الشهادة، والثاني جار مجرى الحكم وقيل: هذا الكلام
ينطوي على مقدّمتين، وهذا هو نتيجتهما، فكأنه قال: شهد الله والملائكة وأولو العلم وما
شهدوا به حق فلا إله إلا هو حق، فحذف إحدى المقدّمتين للدّلالة عليها، وهذا التقدير كله
لا يساعد عليه اللفظ.
وقال الراغب: إنما كرر ﴿لا إله إلا هو﴾ لأن صفات التنزيه أشرف من صفات
التمجيد لأن أكثرها مشارك في ألفاظها العبيد، فيصح وصفهم بها، وكذلك وردت ألفاظ
التنزيه في حقه أكثر، وأبلغ ما وصف به من التنزيه: لا إله إلا الله، فتكريره هنا لأمرين:
أحدهما: لكون الثاني قطعاً للحكم، كقولك: أشهد أن زيداً خارج، وهو خارج. والثاني:
لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه، إذ قد يوصف بهما المخلوق انتهى.
وقال الزمخشري: صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعني أنه
العزيز الذي لا يغالبه إلّه آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. انتهى. وهو
تحویم على مذهب المعتزلة.
وارتفع: العزيز، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: والعزيز، على الاستئناف قيل:
وليس بوصف، لأن الضمير لا يوصف، وليس هذا بالجمع عليه، بل ذهب الكسائي إلى أن
ضمير الغائب كهذا يوصف.
وجوّزوا في إعراب: العزيز، أن يكون بدلاً من: هو. وروي في حديث عن الأعمش
أنه قام يتهجد، فقرأ هذه الآية، ثم قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه
الشهادة وهي لي عند الله وديعة، إن الدين عند الله الإسلام قالها مراراً، فسئل، فقال:
حدّثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَلاهى: ((يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول
الله: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى، أدخِلوا عبدي الجنة)).
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: العزيز، إشارة إلى كمال القدرة،
و: الحكيم، إشار، إلى كمال العلم، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلاّ
معهما، لإن كونه ﴿قائماً بالقسط﴾ لا يتم إلاّ إذا كان عالماً بمقادير الحاجات، فكان قادراً
على تحصيل المهمات، وقدم العزيز في الذكر لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على
العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الاستدلالية، وهذا الخطاب مع المستدل. انتهى
كلامه .

٦٧
سورة آل عمران / الآیات: ١٩ - ٢٢
إِنَّالدِّينَ عِندَ اللّهِالْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدٍ
مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمُ وَمَن يَكْفُرْ بِتَايَتِ الَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيِعُ الْحِسَابِ
١٩
فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ أَتَّبَعَنَّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِّنَ
ءَأَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَ وَأَوَ إِنْ تَوَلَوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ﴿ إِنَّا لَّذِينَ يَكْفُرُونَ بَِايَتِ الَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِحَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَكَ
الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنْ نَّصِرِينَ
٢٢
﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أي الملة والشرع، والمعنى: إن الدين المقبول أو
النافع أو المقرر.
قرأ الجمهور: إن، بكسر الهمزة وقرأ ابن عباس، والكسائي، ومحمد بن عيسى
الأصبهاني: أن، بالفتح، وتقدّمت قراءة ابن عباس: شهد الله إنه، بكسر الهمزة، فأما قراءة
الجمهور فعلى الاستئناف، وهي مؤكدة للجملة الأولى.
قال الزمخشري: فان قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟
قلت: فائدته أن قوله: لا إله إلا هو توحيد، وقوله: قائماً بالقسط، تعديل، فإذا أردفه
قوله: إن الدين عند الله الإسلام، فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند
الله، وما عداه فليس عنده بشيء من الدين، وفيه أن من ذهب إلى تشبيه، أو ما يؤدّي إليه،
كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو
الإسلام، وهذا بيِّن جلي كما ترى. انتهى كلامه. وهو على طريقة المعتزلة من إنكار
الرؤية، وقولهم: إن أفعال العبد مخلوقة له لا لله تعالى.
وأما قراءة الكسائي ومن وافقه في نصب: أنه، وأن، فقال أبو علي الفارسي: إن
شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو، ألا ترى أن الدين الذي هو الإسلام
يتضمن التوحيد والعدل وهو هو في المعنى؟ وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال، لأن
الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل. وقال: وإن شئت جعلته بدلاً من القسط، لأن الدين

٦٨
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
الذي هو الإسلام قسط وعدل، فيكون أيضاً من بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة.
انتهت تخريجات أبي علي، وهو معتزلي، فلذلك يشتمل كلامه على لفظ المعتزلة من
التوحيد والعدل، وعلى البدل من أنه لا إله إلاّ هو، خرجه غيره أيضاً وليس بجيد، لأنه
يؤدي إلى تركيب بعيدٌ أن يأتي مثله في كلام العرب، وهو: عرف زيد أنه لا شجاع إلّ هو،
و: بنو تميم، وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل المحامي، إن الخصلة
الحميدة هي البسالة. وتقريب هذا المثال: ضرب زيد عائشة، والعمران حنقاً أختك.
فحنقاً: حال من زيد، وأختك بدل من عائشة، ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف، وهو
لا يجوز. وبالحال لغير المبدل منه، وهو لا يجوز، لأنه فصل بأجنبي بين المبدل منه
والبدل. وخرجها الطبري على حذف حرف العطف، التقدير: وأن الدين. قال ابن عطية:
وهذا ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه، ووجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف
العطف، فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين
المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية، ويجملتي الاعتراض، وصار في
التركيب دون مراعاة الفصل، نحو: أكل زيد خبزاً وعمرو وسمكاً. وأصل التركيب: أكل
زيد وعمرو خبراً وسمكاً. فإن فصلنا بين قولك: وعمرو، وبين قولك: وسمكاً، يحصل
شنع التركيب. وإضمار حرف العطف لا يجوز على الأصح.
وقال الزمخشري: وقرئتا مفتوحتين على أن الثاني بدل من الأول، كأنه قيل: شهد
الله أن الدين عند الله الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بياناً صريحاً، لأن
دين الإسلام هو التوحيد والعدل. انتهى. وهذا نقل كلام أبي علي دون استيفاء.
وأما قراءة ابن عباس فخرج على ﴿أن الدّين عند الله الإسلام) هو معمول: شهد،
ويكون في الكلام اعتراضان: أحدهما: بين المعطوف عليه والمعطوف وهو ﴿أنه لا إله إلا
هو﴾ والثاني: بين المعطوف والحال وبين المفعول لشهد وهو ﴿لا إله إلا هو العزيز
الحكيم﴾ وإذا أعربنا: العزيز، خبر مبتدأ محذوف، كان ذلك ثلاث اعتراضات، فانظر إلى
هذه التوجيهات البعيدة التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظير من كلام العرب، وإنما
حمل على ذلك العجمة، وعدم الإمعان في تراكيب كلام العرب، وحفظ أشعارها.
وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب: أنه لا يكفي النحو وحده في علم الفصيح من
كلام العرب، بل لا بدّ من الأطلاع على كلام العرب، والتطبع بطباعها، والاستكثار من

٦٩
سورة آل عمران / الآیات: ١٩ - ٢٢
ذلك، والذي خرجت عليه قراءة: أن الدّين، بالفتح هو أن يكون الكلام في موضع
المعمول: للحكيم، على إسقاط حرف الجر، أي: بأن، لأن الحكيم فعيل للمبالغة:
کالعلیم والسمیع والخبیر، كما قال تعالى ﴿من لدن حكيم خبير﴾(١) وقال ﴿من لدن حكيم
عليم﴾(٢) والتقدير: لا إله إلا هو العزيز الحاكم أن الدّين عند الله الإسلام. ولما شهد
تعالى لنفسه بالوحدانية، وشهد له بذلك الملائكة وأولو العلم، حكم أن الدّين المقبول
عند الله هو الإسلام، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عنه ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل
منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾(٣) وعدل من صيغة الحاكم إلى الحكيم لأجل المبالغة،
ولمناسبة العزيز، ومعنى المبالغة تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع أن الدين عنده هو
الإسلام، إذ حكم في كل شريعة بذلك.
فإن قلت: لم حملت الحكيم على أنه محول من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلا
جعلته فعيلاً بمعنى مفعل، فيكون معناه المحكم، كما قالوا في: أليم، إنه بمعنى مؤلم،
وفي سميع من قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع
أي المسمع؟
فالجواب: إنا لا نسلم أن فعيلاً يأتي بمعنى مفعل، وقد يؤوّل: أليم وسميع، على
غير مفعل، ولئن سلمنا ذلك فهو من الندور والشذوذ والقلة بحيث لا ينقاس، وأما فعيل
المحوّل من فاعل للمبالغة فهو منقاس كثير جداً، خارج عن الحصر: كعليم وسميع وقدير
وخبير وحفيظٍ، في ألفاظ لا تحصى، وأيضاً فإن العربي القح الباقي على سليقته لم يفهم
من حكيم إلّ أنه محوّل للمبالغة من حاكم، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا. نكالاً من الله والله غفور رحيم﴾. أنكر أن تكون
فاصلة هذا التركيب السابق: والله غفور رحيم فقيل له التلاوة: ﴿والله عزيز حكيم﴾(٤)
فقال: هكذا يكون عز فحكم، ففهم من حكم أنه محول للمبالغة من حاكم، وفهم هذا
العربي حجة قاطعة بما قلناه، وهذا تخريج سهل سائغ جداً، يزيل تلك التكلفات
والتركيبات المعقدة التي ينزه كتاب الله عنها.
(١) سورة هود: ١/١١.
(٢) سورة النمل: ٦/٢٧.
(٣) سورة آل عمران: ٨٥/٣.
(٤) سورة المائدة: ٣٨/٥.

٧٠
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
وأما على قراءة ابن عباس فكذلك نقول، ولا نجعل: أن الدين معمولاً: لشهد، كما
فهموا، وان: أنه لا إلّه إلَّا هو، اعتراض، وأنه بين المعطوف والحال وبين: أن الدين،
اعتراض آخر، أو اعتراضان، بل نقول: معمول: شهد، إنه بالكسر على تخريج من خرج
"أن شهد، لما كان بمعنى القول كسر ما بعدها إجراءً لها مجرى القول، أو نقول: إنه
معمولها، وعلقت ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي بخلاف أن لو كان مثبتاً، فإنك
تقول: شهدت إن زيداً المنطلق، فيعلق بأن مع وجود اللام لأنه لو لم تكن اللام لفتحت أن
فقلت: شهدت أن زيداً منطلق، فمن قرأ بفتح: أنه، فإنه لم ينو التعليق، ومن كسر فإنه
نوى التعليق. ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي كما ذكرنا.
والإسلام: هنا الإيمان والطاعات، قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين، وعبر
عنه قتادة، ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان ومرادهما أنه مع الأعمال. وقرأ عبد الله:
إن الدين عند الله الحنيفية.
قال ابن الانباري: ولا يخفى على ذي تمييز أن هذا كلام من النبي وغير على جهة
التفسير، أدخله بعض من ينقل الحديث في القراآت، وقد تقدّم الكلام في الإسلام
والإيمان: أهما شيء واحد أم هما مختلفان؟ والفرق ظاهر في حديث سؤال جبريل.
﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى، أو هما والمجوس، أقوال
ثلاثة :
فعلى أنهم اليهود، وهو قول الربيع بن أنس، الذين اختلفوا فيه التوراة. قال: لما
حضرت موسى عليه السلام الوفاة، استودع سبعين من أحبار بني إسرائيل التوراة عند كل حبر
جزء، واستخلف يوشع، فلما مضى ثلاثة قرون وقعت الفرقة بينهم.
وقيل: الذين اختلفوا فيه نبوة نبينا وَّة، فقال بعضهم: بعث إلى العرب خاصة، وقال
بعضهم: ليس بالنبي المبعوث لأن ذلك حقق في بني إسحاق.
وعلى أنهم النصارى، وهو قول محمد بن جعفر بن الزبير، فالذي اختلفوا فيه:
دينهم، أو أمر عيسى، أو دين الإسلام. ثلاثة أقوال.
وقال الزمخشري: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلفوا أنهم تركوا
الإسلام وهو التوحيد والعدل من بعد ما جاءهم العلم أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت

٧١
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
النصارى ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾(١)، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوة فينا من قریش
لأنهم أمّون، ونحن أهل كتاب، وهذا تجوير لله تعالى: إنتهى.
ثم قال: وقيل: اختلافهم في نبوة محمد عليه السلام، حيث آمن به بعض وكفر
بعض، وقيل: اختلافهم في الإيمان بالأنبياء فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن
بعیسی. إنتھی .
والذي يظهر أن اللفظ عام في ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ وأن المختلف فيه هو:
الإسلام، لأنه تعالى قرر أن الدين هو الإسلام، ثم قال: ﴿وما اختلف الذين أوتوا
الكتاب﴾ أي: في الإسلام حتى تنكبوه إلى غيره من الأديان.
﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ الذي هو سبب لاتباع الإسلام، والاتفاق على
اعتقاده، والعمل به، لكن عموا عن طريق العلم وسلوكه بالبغي الواقع بينهم من الحسد،
والاستثمار بالرياسة، وذهاب كل منهم مذهباً يخالف الإسلام حتى يصير رأساً يتبع فيه،
فكانوا ممن ضل على علم. وقد تقدّم ما يشبه هذا من قوله ﴿وما اختلف فيه الا الذين أوتوه
من بعد ما جاءتهم البينات﴾(٢).
﴿يغيا بينهم﴾ وإعراب: بغياً، فإنه أتى بعد إلاّ شيئان ظاهرهما أنهما مستثنيان،
وتخريج ذلك: فأغنى عن إعادته هنا.
﴿ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ هذا عام في كل كافر بآيات الله،
فلا يخص بالمختلفين من أهل الكتاب، وإن جاءت الجملة الشرطية بعد ذكرهم.
وآياته، هنا قيل: حججه، وقيل: التوراة والإنجيل وما فيهما من وصف نبينا ﴾.
وقيل: القرآن، وقال الماتريدي: أي من المختلفين.
وتقدّم تفسير: سريع الحساب، فأغنى عن إعادته، وهذه الجملة جواب الشرط،
والعائد منها على إسم الشرط محذوف تقديره: سريع الحساب له.
﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾ الضمير في: حاجوك، الظاهر أنه يعود على
﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ وقال أبو مسلم: يعود على جميع الناس، لقوله بعد ﴿وقل للذين
أوتوا الكتاب والأمِّين﴾ وقيل: يعود على نصارى نجران، قدموا المدينة للمحاجة. وظاهر
(١) سورة التوبة: ٣٠/٩.
(٢) سورة البقرة: ٢١٣/٢.

٧٢
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
المحاج فيه أنه دين الإسلام، لأنه السابق. وجواب الشرط هو: ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾
والمعنى: انقدت وأطعت وخضعت لله وحده، وعبر: بالوجه، عن جميع ذاته، لأن الوجه
أشرف الأعضاء، وإذا خضع الوجه فما سواه أخضع وقال المروزي، وسبقه الفراء إلى
معناه: معنى أسلمت وجهي، أي: ديني، لأن الإيمان كالوجه بين الأعمال إذ هو الأصل،
وجاء في التفسير أقوال لكم، كما قال ابن نعيم: وقد أجمعتم على أنه محق ﴿قال: يا قوم
إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من
المشركين﴾(١).
وقال الزمخشري: وأسلمت وجهي، أي: أخلصت نفسي وعملي لله وحده، لم
أجعل له شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه، يعني: أن ديني التوحيد، وهو الدين القديم
الذي ثبت عندکم صحته، كما ثبت عندي. وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه،
ونحوه ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾(٢) الآية، فهو دفع للمجادلة. إنتهى.
وفي تفسيره أطلق الوجه على النفس والعمل معاً، إلاّ إن كان أراد تفسير المعنى
لا تفسیر اللفظ، فیسوغ له ذلك.
وقال الرازي: في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان:
الأول: أنه إعراض عن المحاجة، إذ قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه
الآية، فإن هذه السورة مدنية، وذلك بإظهار المعجزات بالقرآن وغيره، وقد ذكر قبل هذه
الآية الحجة بقوله: ﴿الحيّ القيوم﴾(٣) على فساد قول النصارى في إلَهية عيسى، وبقوله
﴿نزل عليك الكتاب﴾ (٤) على صحة نبوّته، وذكر شُبَهَ القوم وأجاب عنها، وذكر معجزات
أخرى، وهي ما شاهدوه يوم بدر، بين القول بالتوحيد بقوله: شهد الله.
والطريق الثاني: أنه إظهار للدليل، وذلك أنهم كانوا مقرين بالصانع واستحقاقه
للعبادة فكأنه قال: أنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه، والخلف فيما وراءه، وعلى المدعي
الإثبات. وأيضاً كانوا معظمين إبراهيم عليه السلام وأنه كان محقاً، وقد أمر أن يتبع ملته،
وهنا أمر أن يقول كقوله، فيكون هذا من باب الإلزام، أي: أنا متمسك بطريق من هو
عندكم محق، وهذا قاله أبو مسلم، وأيضاً لما تقدّم أن الدين هو الإسلام، قيل له: إن
(١) سورة الأنعام: ٧٨/٦ و ٧٩.
(٢) سورة آل عمران: ٦٤/٣.
(٣) سورة آل عمران: ٢/٣ وقد وردت في سورة البقرة: ٢٥٥/٢ .
(٤) سورة آل عمران: ٣/٣.

٧٣
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
نازعوك فقل: الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله، فهذا تمام الوفاء بلزوم الربوبية
والعبودية، فصح أن الدين الكامل الإسلام، وأيضاً فالآية مناسبة لقول إبراهيم ﴿لم تعبد ما
لا يسمع ولا يبصر﴾(١) أي: لا تجوز العبادة إلّ لمن يكون نافعاً وضاراً وقادراً على جميع
الأشياء، وعيسى ليس كذلك، وأيضاً فهذه إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه السلام ﴿إِذ قال له
ربه: أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾(٢) وروي هذا عن ابن عباس. إنتهى ما لخص من
كلام الرازي. وليس أواخر كلامه بظاهرة من مراد الآية ومدلولها.
وفتح الياء: من: وجهي، هنا، وفي الأنعام نافع، وابن عامر، وحفص، وسكنها
الباقون.
﴿ومن اتبعن﴾ قيل: من، في موضع رفع، وقيل: في موضع نصب على أنه مفعول
معه، وقيل: في موضع خفض عطفاً على اسم الله .
ومعناه: جعلت مقصدي بالإيمان به، والطاعة له، ولمن اتبعني بالحفظ له، والتحفي
بتعلمه، وصحته.
فأما الرفع فعطفاً على الفاعل في: أسلمت، قاله الزمخشري، وبدأ به قال: وحسن
للفاصل، يعنى أنه عطف على الضمير المتصل، ولا يجوز العطف على الضمير المتصل
المرفوع إلاّ في الشعر، على رأي البصريين. إلّا إن فصل بين الضمير والمعطوف،
فيحسن. وقاله ابن عطية أيضاً، وبدأ به. ولا يمكن حمله على ظاهره لأنه إذا عطف على
الضمير في نحو: أكلت رغيفاً وزيد، لزم من ذلك أن يكونا شريكين في أكل الرغيف، وهنا
لا يسوغ ذلك، لأن المعنى ليس على أنهم أسلموا هم وهو ◌َّ وجهه لله، وإنما المعنى:
أنه وز لز أسلم وجهه لله، وهم أسلموا وجوههم الله، فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف
على ضمير محذوف منه المفعول، لا مشارك في مفعول: أسلمت، التقدير: ومن اتبعني
وجهه .
أو أنه مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، ومن اتبعني كذلك، أي: أسلموا
وجوههم لله، كما تقول: قضی زید نحبه وعمرو، أي: وعمرو كذلك. أي: قضى نحبه.
ومن الجهة التي امتنع عطف: ومن، على الضمير إذا حمل الكلام على ظاهره دون
(١) سورة مريم: ٤٢/١٩.
(٢) سورة البقرة: ١٣١/٢.

٧٤
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
تأويل، يمتنع كون: من، منصوباً على أنه مفعول معه، لأنك إذا قلت: أكلت رغيفاً
وعمراً، أي: مع عمرو، دل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف، وقد أجاز هذا
الوجه الزمخشري، وهو لا يجوز لما ذكرنا على كل حال، لأنه لا يمكن تأويل حذف
المفعول مع كون الواو واو المعية.
وأثبت ياء: اتبعني، في الوصل أبو عمرو، ونافع، وحذفها الباقون، وحذفها أحسن
لموافقة خط المصحف، ولأنها رأس آية كقوله: أكرمن وأهانن، فتشبه قوافي الشعر كقول
الشاعر:
وهل يمنعنّي ارتيادُ البلا د من حذر الموت أن يأتيّنْ
﴿وقل للذين أوتوا الكتاب﴾ هم: اليهود والنصارى باتفاق ﴿والأمّيين) هم مشركو
العرب، ودخل في ذلك كل من لا كتاب له ﴿أأسلمتم﴾ تقدير في ضمنه الأمر. وقال
الزجاج: تهدّد. قال ابن عطية: وهذا حسن، لأن المعنى: أأسلمتم له أم لا؟ وقال
الزمخشري: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة،
فهل أسلمتم أم أنتم على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبقٍ من طرق
البيان والكشف طريقاً إلّ سلكته، هل فهمتها لا أمّ لك؟ ومنه قوله عز وعلا: ﴿فهل أنتم
منتهون﴾(١) بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر، وفي هذا الاستفهام استقصار وتغيير
بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة ولم يتوقف إذعانه للحق،
وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان، وكذلك في: هل فهمتها؟
توبيخ بالبلادة وكله القريحة، وفي ﴿فهل أنتم منتهون﴾(١) بالتقاعد عن الانتهاء والحرص
الشديد على تعاطي المنهي عنه. انتهى كلامه. وهو حسن، وأكثره من باب الخطابة.
﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾ أي إن دخلوا في الإسلام فقد حصلت لهم الهداية، وعبر
بصيغة الماضي المصحوب بقد الدالة على التحقيق مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى، ومن
الظلمة إلى النور. انتهى.
﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ أي: هم لا يضرونك بتوليهم، وما عليك أنت إلَّ
تنبيههم بما تبلغه إليهم من طلب إسلامهم وانتظامهم في عبادة الله وحده، وقيل: إنها آية
(١) سورة المائدة: ٩١/٥.

٧٥
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
مواعدة منسوخة بآية السيف، ولا نحتاج إلى معرفة تاريخ النزول، وإذا نظرت إلى سبب
نزول هذه الآيات، وهو وفود وفد نجران، فيكون المعنى: فإنما عليك البلاغ بقتالٍ وغيره.
﴿والله بصير بالعباد﴾. وفيه وعيد وتهديد شديد لمن تولى عن الإسلام، ووعد بالخير
لمن أسلم، إذ معناه: إن الله مطلع على أحوال عبيده فيجازيهم بما تقتضي حكمته.
﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين﴾ الآية هي في اليهود والنصارى، قاله
محمد بن جعفر بن الزبير وغيره، وصف من تولى عن الإسلام وكفر بثلاث صفات:
إحداهما: كفره بآيات الله وهم مقرون بالصانع، جعل كفرهم ببعض مثل كفرهم
بالجميع، أو يجعل: بآيات الله، مخصوصاً بما يسبق إليه الفهم من القرآن والرسول ويؤ .
الثانية: قتلهم الأنبياء، وقد تقدّمت كيفية قتلهم في البقرة في قوله ﴿ويقتلون النبيين
بغير الحق﴾(٢) والألف واللام في: النبيين، للعهد.
والثالثة: قتل من أمر بالعدل.
فهذه ثلاثة أوصاف بدىء فيها بالأعظم فالأعظم، وبما هو سبب للآخر: فأولها:
الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة، وثانيها :
قتل من أظهر آيات الله واستدل بها. والثالث: قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر.
وهذه الآية جاءت وعيداً لمن كان في زمانه وَلهير، ولذلك جاءت الصلة بالمستقبل،
ودخلت الفاء في خبر: أن، لأن الموصول ضمن معنى اسم الشرط، ولما كانوا على طريقة
أسلافهم في ذلك، نسب إليهم ذلك، ولأنهم أرادوا قتله ◌َّة، فقتل أتباعه، فأطلق ذلك
عليهم مجازاً أي: من شأنهم وإرادتهم ذلك. ويحتمل أن تكون الفاء زائدة على مذهب من
يرى ذلك، وتكون هذه الجملة حكاية عن حال ابائهم وما فعلوه في غابر الدهر من هذه
الأوصاف القبيحة، ويكون في ذلك إرذال لمن انتصب لعداوة رسول الله ويقر، إذ هم
سالكون في ذلك طريقة آبائهم.
والمعنى: إن آباءكم الذين أنتم مستمسكون بدينهم كانوا على الحالة التي أنتم
عالمون بها من الاتصاف بهذه الأوصاف، فينبغي لكم أن تسلكوا غير طريقهم، فإنهم لم
(٢) سورة البقرة: ٦١/٢.

٧٦
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
يكونوا على حق. فذكر تقبيح الأوصاف، والتوعد عليها بالعقاب، مما ينفر عنها، ويحمل
على التحلي بنقائضها من الإيمان بآيات الله وإجلال رسله وأتباعهم.
وقرأ الحسن: ويقتلون النبيين، بالتشديد، والتشديد هنا للتكثير بحسب المحل وقرأ
حمزة، وجماعة من غير السبعة: ويقاتلون الثاني. وقرأها الأعمش: وقاتلوا الذين، وكذا
هي في مصحف عبد الله . وقرأ أبيّ: يقتلون النبيين والذين يأمرون، ومن غاير بين الفعلين
فمعناه واضح إذا لم يذكر أحدهما على سبيل التوكيد، ومن حذف اكتفى بذكر فعل واحد
الأشتراكهم في القتل، ومن كزر الفعل فذلك على سبيل عطف الجمل وابراز كل جملة في
صورة التشنيع والتفظيع، لأن كل جملة مستقلة بنفسها، أو لاختلاف ترتب العذاب بالنسبة
على من وقع به الفعل، فقتل الأنبياء أعظم من قتل من يأمر بالمعروف من غير الأنبياء،
فجعل القتل بسبب اختلاف مرتبته كأنهما فعلان مختلفان.
وقيل: يحتمل أن يراد بأحد القتلين تفويت الرّوح، وبالآخر الإهانة وإماتة الذكر،
فيكونان إذ ذاك مختلفين.
وجاء في هذه السورة ﴿بغير حق﴾ بصيغة التنكير، وفي البقرة ﴿بغير الحق﴾(١)
بصيغة التعريف، لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط، وهو عام لا يتخصص، فناسب
أن يكون المنفي بصيغة التنكير حتى يكون عاماً، وفي البقرة جاء ذلك في صورة الخبر عن
ناس معهودين، وذلك قوله ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير
الحق﴾(١) فناسب أن يأتي بصيغة التعريف، لأن الحق الذي كان يستباح به قتل الأنفس
عندهم كان معروفاً، كقوله ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾(٢) فالحق هنا الذي تقتل
به الأنفس معهود معروف، بخلاف ما في هذه السورة.
وقد تقدّم في البقرة أن قوله: ﴿بغير الحق﴾(١) هي حال مؤكدة، إذ لا يقع قتل نبي
إلَّ بغير الحق، وأوضحنا لك ذلك. فأغنى عن إعادته وإيضاحه هنا.
ومعنى: من الناس، أي: غير الأنبياء، إذ لو قال: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط،
نكان مندرجاً في ذلك الأنبياء لصدق اللفظ عليهم، فجاء من الناس بمعنى: من غير
الأنبياء. قال الحسن: تدل الآية على أن القائم بالأمر بالمعروف تلي منزلته في العظم منزلة
الأنبياء. وعن أبي عبيدة بن الجراح، قلت يا رسول الله: أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟
(١) سورة البقرة: ٦١/٢.
(٢) سورة المائدة: ٤٥/٥.

٧٧
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
قال: ((رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر)). ثم قرأها. ثم قال: ((يا عبيدة
قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر
رجلاً من عباد بني اسرائيل، فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من
آخر النهار)) .
﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ الخطاب للنبي وَّر، وهو يدل على أن المراد معاصروه
لا آباؤهم، فيكون إطلاق قتل الأنبياء مجازاً لأنهم لم يقتلوا أنبياء لكنهم رضوا ذلك وراموه.
وهذه الجملة هي خبر: إن، ودخلت الفاء لما يتضمن الموصول من معنى اسم
الشرط كما قدّمناه، ولم يعب بهذا الناسخ لأنه لم يغير معنى الابتداء، أعني: إن.
ومع ذلك في المسألة خلاف: الصحيح جواز دخول الفاء في خبر: إن، إذا كان
اسمها مضمناً معنى الشرط، وقد تقدّمت شروط جواز دخول الفاء في خبر المبتدأ، وتلك
الشروط معتبرة هنا، ونظير هذه الآية في دخول الفاء ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله
ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾(١) ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف
عليهم﴾(٢) ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾(٣).
ومن منع ذلك جعل الفاء زائدة، ولم يقس زيادتها. وتقدم أن البشارة هي أول خبر
سار، فإذا استعملت مع ما ليس بسار، فقيل: ذلك هو على سبيل التهكم والاستهزاء
کقوله :
تحية بينهم ضرب وجيع
أي: القائم لهم مقام الخبر السار هو العذاب الأليم وقيل: هو على معنى تأثر البشرة
من ذلك، فلم يؤخذ فيه قيد السرور، بل لوحظ معنى الاشتقاق.
﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾. تقدم تفسير هذه الجملة عند
قوله ومن ﴿یرتدد منكم عن دينه﴾(٤) فأغنى عن إعادته.
وقرأ ابن عباس، وأبو السمال: حبطت، بفتح الباء وهي لغة.
﴿وما لهم من ناصرين﴾ مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء الإفراد، لأنه رأس آية،
(١) سورة محمد: ٣٤/٤٧.
(٢) سورة الأحقاف: ١٣/٤٦.
(٣) سورة البروج: ١٠/٨٥.
(٤) سورة البقرة: ٢١٧/٢.

٧٨
سورة آل عمران / الآيات: ١٩ - ٢٢
ولأنه بإزاء من للمؤمنين من الشفعاء الذين هم الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين، أي:
ليس لهم كأمثال هؤلاء، والمعنى: بانتفاء الناصرين انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع
والفوائد، وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أولى، وإذا كان جمع لا ينصر فأحرى أن
لا ينصر واحد، ولما تقدم ذكر معصيتهم بثلاثة أوصاف ناسب أن يكون جزاؤهم بثلاثة،
ليقابل كل وصف بمناسبه، ولما كان الكفر بآيات الله أعظم، كان التبشير بالعذاب الأليم
أعظم، وقابل قتل الأنبياء بحبوط العمل في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بالقتل والسبي وأخذ
المال والاسترقاق، وفي الآخرة بالعقاب الدائم، وقابل قتل الآمرين بالقسط، بانتفاء
الناصرين عنهم إذا حل بهم العذاب، كما لم يكن للآمرين بالقسط من ينصرهم حين حل
بهم قتل المعتدين، كذلك المعتدون لا ناصر لهم إذا حل بهم العذاب.
وفي قوله: أولئك، إشارة إلى من تقدم موصوفاً بتلك الأوصاف الذميمة، وأخبر عنه:
بالذين، إذ هو أبلغ من الخبر بالفعل، ولأن فيه نوع انحصار، ولأن جعل الفعل صلة يدل
على كونها معلومة للسامع، معهودة عنده، فإذا أخبرت بالموصول عن اسم استفاد
المخاطب أن ذلك الفعل المعهود المعلوم عنده المعهود هو منسوب للمخبر عنه
بالموصول، بخلاف الإخبار بالفعل، فإنك تخبر المخاطب بصدوده عن من أخبرت به عنه،
ولا يكون ذلك الفعل معلوماً عنده، فإن كان معلوماً عنده جعلته صلة، وأخبرت بالموصول
عن الأسم.
قيل وجمعت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبلاغة. أحدها: التقديم والتأخير
في: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ قال ابن عباس التقدير: شهد الله أن الدين عند الله
الاسلام، أنه لا إله إلا هو، ولذلك قرأ إنه، بالكسر: وأن الدين، بالفتح .
وأطلق اسم السبب على المسبب في قوله ﴿من بعد ما جاءهم العلم﴾ عبر بالعلم عن
التوراة والإنجيل أو النبي ◌َّر، على الخلاف الذي سبق.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في: ﴿حبطت أعمالهم﴾ وأصحاب النار.
والإيماء في قوله: ﴿بغياً بينهم﴾ فيه إيماء إلى أن النفي دائر شائع فيهم، وكل فرقة
منهم تجاذب طرفاً منه .
والتعبير ببعض عن كل في: ﴿أسلمت وجهي﴾ .
والاستفهام الذي يراد به التقرير أو التوبيخ والتقريع في قوله ﴿أأسلمتم﴾.

٧٩
سورة آل عمران / الآيات: ٢٣ - ٣٢
والطباق المقدر في قوله: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾
ووجهه: أن الإسلام الانقياد إلى الإسلام، والإقبال عليه، والتولي ضد الإقبال. والتقدير:
وإن تولوا فقد ضلوا، والضلالة ضد الهداية.
والحشو الحسن في قوله ﴿بغير حق﴾ فإنه لم يقتل قط نبي بحق، وإنما أتى بهذه
الحشوة ليتأكد قبح قتل الأنبياء، ويعظم أمره في قلب العازم عليه.
والتكرار في ﴿ويقتلون الذين﴾ تأكيداً لقبح ذلك الفعل.
والزيادة في ﴿فبشرهم) زاد الفاء إيذاناً بأن الموصول ضمن معنى الشرط.
والحذف في مواضع قد تكلمنا عليها فيما سبق.
أَوْتَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
يتولى فريقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ (® ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوْلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ
فَكَيِّفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لََّرَيْبَ فِيهِ
٢٤
وَغَّهُمْ فِ دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَقْتَرُونَ
قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي
٢٥
وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (
اٌلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَن قَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ
أَتُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ
اُلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ الـ
مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُ كُمُ اللّهُنَفْسَةٌ، وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَافِي
صُدُورِكُمْ أَوْتُبُدُوهُ يَعْلَمْهُ الَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُخْضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْأَنَّ
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَبَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ, وَاللَّهُ رَهُوفُ بِالْعِبَادِ﴾

٨٠
-
سورة آل عمران / الآيات: ٢٣ - ٣٢
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قُلْ أَطِيعُواْ
۶۶ ءَ
اُللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ
٣٢
٠
غَر، يغر، غروراً: خدع والغِر: الصغير، والغريرة: الصغيرة، سميا بذلك لأنهما
ينخدعان بالعجلة، والغِرة منه يقال: أخذه على غرة، أي: تغفل وخداع، والغُرة: بياض
في الوجه، يقال منه: وجه أغر، ورجل أغر، وامرأة غراء. والجمع على القياس فيهما غُر.
قالوا: وليس بقياس: وغران. قال الشاعر:
ثياب بني عوف طهارى نقية
وأوجههم عند المشاهد غران
نزع ينزع: جذب، وتنازعنا الحديث تجاذبناه، ومنه: نزاع الميت، ونزع إلى كذا:
مال إليه وانجذب، ثم يعبر به عن الزوال، يقال: نزع الله عنه الشر: أزاله.
ولج يلج ولوجآ ولجة وولجاً، وولج تولجاً وأتلج إتلاجاً قال الشاعر:
تضايق عنها أن تولجها الإبر
فإن القوافي يتَّلجْن موالجاً
الامد: غاية الشيء، ومنتهاه، وجمعه آماد.
٠
اللهم: هو الله إلاّ أنه مختص بالنداء فلا يستعمل في غيره، وهذه الميم التي لحقته
عند البصريين هي عوض من حرف النداء، ولذلك لا تدخل عليه إلّ في الضرورة. وعند
الفراء: هي من قوله: يا الله أمنا بخير، وقد أبطلوا هذا النصب في علم النحو، وكبرت هذه
اللفظة حتى حذفوا منها: أل، فقالوا: لا همّ، بمعنى: اللهمّ. قال الزاجر:
أحرم حجاً في ثياب دسم
لا هم إني عامر بن جهم
وخففت ميمها في بعض اللغات قال:
يسمعها اللَّهُمَ الكُبار
كَحَلْفَة من أبي رياح
الصدر: معروف، وجمعه: صدور.
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب﴾ قال السدّي: دعا النبي ◌َّر اليهود إلى
الإسلام، فقال له النعمان بن أبي أوفى: هلم نخاصمك إلى الأحبار. فقال: ((بل إلی کتاب
الله)). فقال: بل إلى الأحبار. فنزلت.
وقال ابن عباس: دخل ◌َل إلى المدارس على اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال