Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
ناكحها كما يقال باضعها، قيل: وقد جاء النكاح في أشعار العرب يراد به العقد خاصة،
ومن ذلك قول الشاعر:
فانكحن أو تأبدا
علیك حرام،
فلا تقربن جارة إن سرها
أي فاعقد وتزوج، وإلاّ فاجتنب النساء وتوحش، لأنه قال: لا تقربن جارة على الوجه الذي
يحرم. وجاء بمعنى المجامعة، كما قال:
والناكحين بشاطى دجلة البقرا
الباركين على ظهور نسوتهم
وقال أبو علي: فرّقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيف، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة،
أرادوا به العقد لا غير، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته فلا يريدون غير المجامعة.
الأمة: المملوكة من النساء، وهي ما حذف لامه، وهو واو يدل على ذلك ظهورها في
الجمع قال الكلابي :
أما الإماء فلا يدعونني ولداً
إذا تداعى بنو الاموات بالعار
وفي المصدر: يقال أمة بينة الأموّة، وأقرّت بالأموّة، أي بالعبودية. وجمعت أيضاً على:
إماء، وأآم، نحو أكمة وآكام وأكم، وأصله أأمو، وجرى فيه ما يقتضيه التصريف، وفي
الحديث: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)). وقال الشاعر:
م تماشى الآم الدوافر
يمشى بها ريد النعا
ووزنها أموة، فحذفت لامها على غير قياس، إذ كان قياسها أن تنقلب ألفاً لتحركها، وانفتاح
ما قبلها كقناة، وزعم أبو الهيثم: أن جمع الأمة أمو، وأن وزنها فعلة بسكون العين، فتكون
مثل: نخلة ونخل، وبقلة وبقل، فأصلها: أموة فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين، فلما
جمعوها على مثال نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا: أمة وأم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين،
وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم، فقدموا الواو، وجعلوه ألفاً ما بين
الألف والميم، وما زعمه أبو الهيثم ليس بشيء، إذ لو كان على ما زعم لكان الإعراب على
الميم كما كان على لام نخل، ولكنه على الياء المحذوفة التي هي لام، إذ أصله ألامو، ثم
عمل فيه ما عمل في قولهم: الأدلو، والأجرو، جمع: دلو، وجرو، وأبدلت الهمزة الثانية
ألفاً كما أبدلت في: آدم، ولذلك تقول: جاءت الآمي، ولو كان على ما زعم أبو الهيثم
لكان: جاءت الآم، برفع الميم.
:
٠۵
تفسير البحر المحيط ج٢ م٢٦

٤٠٢
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
المحيض: مفعل من الحيض يصلح للمصدر والمكان والزمان، تقول. حاضت
المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً بنوه على: مفعل، بكسر العين وفتحها، وفيما كان على هذا
النوع من الفعل الذي هو يائي العين على: فعل يفعل، فيه ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه قياسه مفعل. بفتح العين في المراد به المصدر، ويكسرها في المراد به
المكان أو الزمان، فيصير: كالمضرب في المصدر، والمضرب بالكسر، أي: بكسر الراء
في الزمان والمكان، فيكون على هذا المحيض، إذا أريد به المصدر، شاذاً، وإذا أريد به
الزمان والمكان كان على القياس.
المذهب الثاني: أنك مخير بين أن تفتح عينه أو تكسره، كما جاء في هذا المحيض
والمحاض، وحجة هذا القول أنه كثر في ذلك الوجهان فاقتاسا.
المذهب الثالث: القصر على السماع، فما قالت فيه العرب: مفعل، بالكسر أو مفعل
بالفتح لا نتعدّاه، وهذا هو أولى المذاهب.
وأصل الحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض السيل وفاض، وقال الفراء:
حاضت الشجرة إذا سال صمغها، وقال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض، لأن الماء
يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو، ولأنها من حيز
واحد وهو الهواء.
الاعتزال: ضد الاجتماع، وهو التيأس من الشيء والتباعد منه، وتارة يكون بالبدن،
وتارة بالقلب، وهو افتعال من العزل، وهو تنجية الشيء من الشيء.
أنَّى: اسم ويستعمل شرطاً ظرف مكان، ويأتي ظرف زمان بمعنى: متى واستفهاماً
بمعنى: كيف، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط، وحرف الإستفهام، وهو في موضع
نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة ..
﴿ويسألونك عن الخمر والميسر﴾ سبب نزولها سؤال عمر ومعاذ، قالا:
يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر، فإنه مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون؟ فبين لهم مصرف ذلك
في الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد
في سبيل الله، ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر، إذ هما أيضاً من مصارف المال،

٤٠٣
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
ومع مداومتهما قل أن يبقى مال فتتصدق به، أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.
وقال بعض من ألف في الناسخ والمنسوخ: أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان
مباحاً من شرب الخمر، وسورة الأنعام مكية، فلا يعتبر بما فيها من قوله: ﴿قل لا أجد﴾(١)
وقال ابن جبير: لما نزل ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربتها
قوم للمنافع، حتى نزل: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾(٢) فاجتنبوها في أوقات
الصلاة، حتى نزل: ﴿فاجتنبوه﴾(٣) فحرمت. قال مكي: فهذا يدل على أن هذه منسوخة
بآية المائدة، ولا شك في أن نزول المائدة بعد البقرة، وقال قتادة: ذم الله الخمر بهذه الآية
ولم يحرمها، وقال بعض الناس: لا يقال إن هذه الآية ناسخة لما كان مباحاً من شرب
الخمر، لأنه يلزم منه أن الله أنزل إباحتها، ثم نسخ، ولم يكن ذلك، وإنما كان مسكوتاً عن
شربها، فكانوا جارين في شربها على عادتهم، ثم نزل التحريم. كما سكت عنهم في غيرها
من المحرمات إلى وقت التحریم.
وجاء: ﴿ويسألونك﴾ بواو الجمع وإن كان من سأل اثنين: وهما عمرو ومعاذ، على
ما روي في سبب النزول، لأن العرب تنسب الفعل الصادر من الواحد إلى الجماعة في
کلامها، وقد تبین ذلك.
والسؤال هنا ليس عن الذات، وإنما هو عن حكم هذين من حل وحرمة وانتفاع،
ولذلك جاء الجواب مناسباً لذلك، لا جواباً عن ذات.
وتقدم تفسير الخمر في اللغة، وأما في الشريعة، فقال الجمهور: كل ما خامر العقل
وأفسده مما يشرب يسمى خمراً، وقال الرازي، عن أبي حنيفة: الخمر اسم ما يتخذ من
العنب خاصة، ونقل عنه السمر قندي: أن الخمر عنده هو اسم ما اتخذ من العنب والزبيب
والتمر، وقال: إن المتخذ من الذرة والحنطة ليس من الأشربة، وإنما هو من الأغذية
المشوّشة للعقل: كالبنج والسيكران، وقيل: الصحيح، عن أبي حنيفة، أن القطرة من هذه
الأشربة من الخمر.
وتقدم تفسير الميسر وهو: قمار أهل الجاهلية، وأما في الشريعة فاسم الميسر يطلق
على سائر ضروب القمار، والإجماع منعقد على تحريمه، قال علي، وابن عباس، وعطاء
(١) سورة الأنعام: ١٤٥/٦.
(٢) سورة النساء: ٥٤٣/٤.
(٣) سورة المائدة: ٩٠/٥.

٤٠٤
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
وابن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، وطاووس، ومجاهد، ومعاوية بن صالح :
كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز
إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إبراز الحقوق. وقال مالك: الميسر ميسران:
ميسر اللهو فمنه: النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: وهو ما يتخاطر الناس
عليه، وقال على الشطرنج: ميسر العجم، وقال القاسم، كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن
الصلاة فهو ميسر.
﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾. أنزل في الخمر أربع آيات. ﴿ومن ثمرات
النخيل والأعناب﴾(١) بمكة ثم هذه الآية، ثم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾(٢) ثم
﴿إنما الخمر والميسر﴾(٣) قال القفال: ووقع التحريم على هذا الترتيب، لأنه تعالى علم أن
القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيراً، فجاء التحريم بهذا التدريج، رفقاً منه تعالى.
انتهى ملخصاً.
وقال الربيع: نزلت هذه الآية بعد تحريم الخمر، واختلف المفسرون: هل تدل هذه
الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل؟ والظاهر أنها تدل على ذلك، والمعنى: قل في
تعاطيهما إثم كبير، أي: حصول إثم كبير، فقد صار تعاطيهما من الكبائر، وقد قال تعالى :
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾(٤) فما كان إثماً، أو اشتمل
على الإثم، فهو حرام، والإثم هو الذنب، وإذا كان الذنب كثيراً أو كبيراً في ارتكاب شيء
لم يجز ارتكابه، وكيف يقدم على ذلك مع التصريح بالخسران إذا كان الإثم أكبر من
النفع؟ وقال الحسن: ما فيه الإثم محرم، ولما كان في شربها الإثم سميت إثماً في قول
الشاعر:
كذاك الإثم يذهب بالعقول
شربت الإثم حتى زل عقلي
ومن قال: لا تدل على التحريم، استدل بقوله: ومنافع للناس، والمحرم لا يكون فيه
منفعة، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية
المائدة، وآية التحريم في الصلاة، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في
(١) سورة النحل: ١٦ /٦٧.
(٢) سورة النساء: ٤٣/٤.
(٣) سورة المائدة: ٩٠/٥.
(٤) سورة الأعراف: ٣٣/٧.

٤٠٥
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
الدنيا، وبأن بعض الصحابة سأل أن ينزل التحريم بالأمر الواضح الذي لا يلتبس على
أحد، فيكون آكد في التحريم.
وظاهر الآية الإخبار بأن فيهما إثماً كبيراً. ومنافع حالة الجواب وزمانه، وقال ابن
عباس، والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبل التحريم، فعلى هذا يكون
الإثم في وقت، والمنفعة في وقت، والظاهر أنه إخبار عن الحال، والإثم الذي فيهما هو
الذنب الذي يترتب عليه العقاب، وقالت طائفة: الإثم الذي في الخمر: ذهاب العقل،
والسباب، والافتراء، والتعدّي الذي يكون من شاربها، والمنفعة التي في الخمر، قال
الأكثرون: ما يحصل منها من الأرباح والاكساب، وهو معنى قول مجاهد: وقيل ما ذكر
الأطباء في منافعها من ذهاب الهم، وحصول الفرح، وهضم الطعام، وتقوية الضعيف،
والإعانة على الباءة، وتسخية البخيل، وتصفية اللون، وتشجيع الجبان، وغير ذلك من
منافعها. وقد صنفوا في ذلك مقالات وكتباً، ويسمونها: الشراب الريحاني، وقد ذكروا
أيضاً لها مضار كثيرة من جهة الطب.
والمنفعة التي في الميسر إيسار القامر بغير كدّ ولا تعب، وقيل: التوسعة على
المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور، ويفرقه على الفقراء. وذكر
المفسرون هنا حكم ما أسكر كثيره من غير الخمر العنبية، وحدّ الشارب، وكيفية الضرب،
وما يتوقى من المضروب فلا يضرب عليه، ولم تتعرض الآية لشيء من ذلك، وهو مذكور
في علم الفقه.
وقرأ حمزة، والكسائي: إثم كثير، بالثاء، ووصف الإثم بالكثرة إما باعتبار الآثمين،
فكأنه قيل: فيه للناس آثام، أي لكل واحد من متعاطيها إثم، أو باعتبار ما يترتب على شربها
من توالي العقاب وتضعيفه، فناسب أن ينعت بالكثرة، أو باعتبار ما يترتب على شربها مما
يصدر من شاربها من الأفعال والأقوال المحرمة، أو باعتبار من زوالها من لدن كانت إلى أن
بيعت وشريت، فقد لعن رسول الله و ﴿ الخمر، ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها،
والمشتراة له، وعاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له وساقيها، وشاربها، وحاملها،
والمحمولة له، وآكل ثمنها. فناسب وصف الإثم بالكثرة بهذا الاعتبار.
وقرأ الباقون: كبير، بالباء، وذلك ظاهر، لأن شرب الخمر والقمار ذنبهما من
الكبائر، وقد ذكر بعض الناس ترجيحاً لكل قراءة من هاتين القراءتين على الأخرى، وهذا
٠%

٤٠٦
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
خطأ، لأن كلاً من القراءتين كلام الله تعالى، فلا يجوز تفضيل شيء منه على شيء من قبل
أنفسنا، إذ كله كلام الله تعالى.
﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ في مصحف عبد الله وقراءته: أكثر، بالثاء كما في
مصحفه: كثير، بالثاء المثلثة فيهما.
قال الزمخشري: وعقاب الإثم في تعاطيهما أكبر من نفعهما، وهو الالتذاذ بشرب
الخمر، والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم، والنيل
من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم، وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام؛ وفي
قراءة أبي: وإثمهما أقرب، ومعنى الكثرة أن: أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام
من وجوه كثيرة. انتهى كلام الزمخشري .
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل: إثمهما بعد التحريم أكبر من
نفعهما قبل التحريم، وقيل: أكبر، لأن عقابه باق مستمر والمنافع زائلة، والباقي أكبر من
الفاني .
﴿ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ تقدّم هذا السؤال وأجيبوا هنا بذكر الكمية
والمقدار، والسائل في هذه الآية، قيل: هو عمروبن الجموح، وقيل: المؤمنون وهو
الظاهر من واو الجمع.
والنفقة هنا قيل: في الجهاد، وقيل: في الصدقات، والقائلون في الصدقات، قيل:
في التطوع وهو قول الجمهور، وقيل: في الواجب، والقائلون في الواجب، قيل: هي
الزكاة المفروضة، وجاء ذكرها هنا مجملاً، وفصلتها السنة. وقيل كان واجباً عليهم قبل
فرض الزكاة أن ينفقوا ما فضل من مكاسبهم عن ما يكفيهم في عامهم، ثم نسخ ذلك بآية
الزكاة .
والعفو: ما فضل عن الأهل والمال، قاله ابن عباس، أو اليسير السهل الذي لا يجحف
بالمال قاله طاووس، أو الوسط الذي لا سرف فيه ولا تقصير، قاله الحسن، أو: الطيب
الأفضل، قاله الربيع، أو: الكثير، من قوله ﴿حتى عفوا﴾(١) أي: كثروا، قال الشاعر:
بأسوق عافيات اللحم كوم
ولكنا بعض السيف منها
(١) سورة الأعراف: ٩٥/٧.

٤٠٧
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
أو: الصفو، يقال؛ أتاك عفواً، أي: صفواً بلا كدر، قال الشاعر:
ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
خذي العفو مني تستديمي مودتي
أو: ما فضل عن ألف درهم، أو: قيمة ذلك من الذهب، وكان ذلك فرض عليهم قبل فرض
الزكاة، قاله، قتادة. أو: ما فضل عن الثلث، أو: عن ما يقوتهم حولاً لذوي الزراعة،
وشهراً لذوي الفلات، أو: عن ما يقوته يومه للعامل بهذه، وكانوا مأمورين بذلك، فشق
عليهم، ففرضت الزكاة، أو: الصدقة المفروضة، قاله مجاهد، و: ما لا يستنفد المال
ويبقى صاحبه يسأل الناس، قاله الحسن أيضاً.
وقد روي في حديث الذي جاء يتصدّق ببيضة من ذهب، حدف رسول الله وَله إياه
بها، وقوله: ((يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة على
ظهر غنى)). وفي حديث سعد: ((لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون
الناس)).
وقال الزمخشري: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد،
واستفراغ الوسع؛ وقال ابن عطية: المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤدوا فيه
أنفسكم فتكونوا عالة؛ وقال الراغب: العفو متناول لما هو واجب ولما هو تبرع، وهو الفضل
عن الغنى، وقال الماتريدي: الفضل عن القوت.
وقرأ الجمهور: العفو، بالنصب وهو منصوب بفعل مضمر تقديره: قل ينفقون العفو،
وعلى هذا الأولى في قوله: ماذا ينفقون؟ أن يكون ماذا في موضع نصب ينفقون، ويكون
كلها استفهامية، التقدير: أي شيء ينفقون؟ فاجيبوا بالنصب ليطابق الجواب السؤال.
ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا موصولة بمعنى الذي،
وهي خبره، ولا يكون إذ ذاك الجواب مطابقاً للسؤال من حيث اللفظ، بل من حيث المعنى،
ويكون العائد على الموصول محذوفاً لوجود شرط الحذف فيه، تقديره: ما الذي ينفقونه؟.
وقرأ أبو عمرو: قل العفو، بالرفع، والأولى إذ ذاك أن تكون خبر مبتدأ محذوف
تقديره: قل المنفق العفو، وأن يكون: ما، في موضع رفع بالإبتداء، و: ذا، موصول، كما
قررناه ليطابق الجواب السؤال، ويجوز أن يكون ماذا كله استفهاماً منصوباً بينفقون، وتكون
المطابقة من حيث المعنى لا من جهة اللفظ، واختلف عن ابن كثير في العفو، فروي عنه
النصب کالجمهور، والرفع کأبي عمرو.

٤٠٨
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
وقال ابن عطية، وقد ذكر القراءتين في العفو ما نصُّه: وهذا متركب على: ما، فمن
جعل ما ابتداء، وذا خبره بمعنى الذي، وقدّر الضمير في ينفقونه عائداً قرأ العفو بالرفع
لتصح مناسبة الحمل، ورفعه على الابتداء تقديره: العفو إنفاقكم، أو الذي ينفقون العفو،
ومن جعل ماذا إسماً واحداً مفعولا: ينفقون، قرأ العفو بالنصب بإضمار فعل، وصح له
التناسب، ورفع العفو مع نصب: ما، جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. انتهى
كلامه. وتقديره: العفو إنفاقكم، ليس بجيد، لأنه أتى بالمصدر، وليس السؤال عن
المصدر، وقوله: جائز، ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها ليس كما ذكر، بل هو جائز،
ولیس بضعيف.
﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ الكاف للتشبيه
وهي في موضع نعت لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه، أي:
تبيينا مثل ذلك يبين، أو في حال كونه منها ذلك التبيين يبينه، أي: يبين التبيين مماثلاً لذلك
التبيين، واسم الإشارة الأقرب أن يعود إلى الأقرب من تبينه حال المنفق، قاله ابن الأنباري،
وقال الزمخشري: ما يؤول إليه وهو تبيين أن العفو أصلح من الجهد في النفقة. أوحكم الخمر
والميسر، والإنفاق القريب أي: مثل ما يبين في هذا يبين في المستقبل، والمعنى: أنه يوضح
الآيات مثل ما أوضح هذا، ويجوز أن يشار به إلى بيان ما سألوا عنه، فبين لهم كتبيين مصرف
ما ينفقون، وتبيين ما ترتب عليه من الجزاء الدال عليه علم الله في قوله: ﴿فإن الله به عليم)
وتبيين حكم القتال، وتبيين حاله في الشهر الحرام، وما تضمنته الآية التي ذكر في القتال في
الشهر الحرام، وتبيين حال الخمر والميسر، وتبيين مقدار ما ينفقون .
وأبعَدَ من خص اسم الإشارة ببيان حكم الخمر والميسر فقط، وأبعد من ذلك من
جعله إشارة إلى بيان ما سبق في السورة من الأحكام.
وكاف الخطاب إما أن تكون للنبي صل و، أو للسامع أو للقبيل، فلذلك أفرد أو
للجماعة المؤمنين فيكون بمعنى: كذلكم، وهي لغة العرب يخاطبون الجمع بخطاب
الواحد، وذلك في إسم الإشارة، ويؤيد هذا هنا قوله: ﴿يبين لكم) فأتى بضمير الجمع
فدل على أن الخطاب للجمع.
﴿لكم﴾ متعلق: بيبين، واللام فيها للتبليغ، كقولك: قلت لك، ويبعد فيها التعليل،

:
٤٠٩
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
والآيات: العلامات، والدلائل لعلكم تتفكرون، ترجئة للتفكر تحصل عند تبيين الآيات.
لأنه متى كانت الآية مبينة وواضحة لا لبس فيها، ترتب عليها التفكر والتدبر فيما جاءت له
تلك الآية الواضحة من أمر الدنيا وأمر الآخرة.
و﴿في الدنيا والآخرة﴾ الأحسن أن يكون ظرفاً للتفكر ومتعلقاً به، ويكون توضيح
الآيات لرجاء التفكر في أمر الدنيا والآخرة مطلقاً، لا بالنسبة إلى شيء مخصوص من
أحوالها، بل ليحصل التفكر فيما يعنّ من أمرهما، وهذا ذكر معناه أولاً الزمخشري فقال:
تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم، وقيل: تتفكرون في أوامر الله
ونواهيه، وتستدركون طاعته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، وقال المفضل بن سلمة:
تتفكرون في أمر النفقة في الدنيا والآخرة، فتمسكون من أموالكم ما يصلحكم في معاش
الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى، وقيل: تتفكرون في زوال الدنيا وبقاء
الآخرة، فتعملون للباقي منهما. قال معناه ابن عباس والزمخشري، وقيل: تتفكرون في
منافع الخمر في الدنيا، ومضارها في الآخرة، فلا تختاروا النفع العاجل على النجاة من
العقاب المستمر، وقال قريباً منه الزمخشري، تتفكرون في الدنيا فتمسكون، وفي الآخرة
فتتصدّقون.
وجوّزوا أن يكون، في الدنيا، متعلقاً بقوله: يبين لكم. الآيات، لا: بتتفكرون،
ويتعلق بلفظ: يبين، أي: يبين الله في الدنيا والآخرة. وروي هذا عن الحسن.
ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا، فيكون التقدير في
أمر الدنيا والآخرة، وإن كان يقع فيهما، فلا يحتاج إلى تأويل، لأن الآيات، وهي:
العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير، إذ تقديره عنده: كذلك. يبين الله
لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون. وقال: ويمكن الحمل على ظاهر الكلام
لتعلق: في الدنيا والآخرة، بتتفكرون، ففرض التقديم والتأخير، على ما قاله الحسن، يكون
عدولاً عن الظاهر لا الدليل، وإنه لا يجوز، وليس هذا من باب التقديم والتأخير، لأن:
لعل، هنا جارية مجرى التعليل، فهي كالمتعلقة: بيبين، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من
مطلوب: يبين، وتقدّم أحد المطلوبين، وتأخر الآخر، لا يكون ذلك من باب التقديم
والتأخير.

٤١٠
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣ .
ويحتمل أن تكون: لعلكم تتفكرون، جملة اعتراضية، فلا يكون ذلك من باب
التقديم والتأخير، لأن شرط جملة الإعتراض أن تكون فاصلة بين متقاضيين.
قال ابن عطية، وقال مكي: معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة،
يدل عليهما وعلى منزلتهما، لعلكم تتفكرون في تلك الآيات. قال ابن عطية: فقوله: في
الدنيا، متعلق على هذا التأويل: بالآيات، انتهى كلامه. وشرح مكي الآية بأن جعل الآيات
منكرة، حتى يجعل الظرفين صفة للآيات، والمعنى عنده: آيات كائنة في الدنيا والآخرة،
وهو شرح معنى لا شرح إعراب، وما ذكره ابن عطية من أنه متعلق على هذا التأويل
بالآيات؛ إن عنى ظاهر ما يريده النحاة بالتعلق فهو فاسد، لأن الآيات لا يتعلق بها جار
ومجرور، ولا تعمل في شيء البتة، وإن عنى أنه يكون الظرف من تمام الآيات، وذلك
لا يتأتى إلَّ باعتقاد أن تكون في موضع الحال، أي: كائنة في الدنيا والآخرة، ولذلك فسره
مكي بما يقتضي أن تكون صفة، إذ قدّر الآيات منكرة، والحال والصفة سواء في أن العامل
فيهما محذوف إذا كانا ظرفين أو مجرورين، فعلى هذا تكون: في الدنيا، متعلقاً بمحذوف
لا بالآيات، وعلى رأي الكوفيين، تكون الآيات موصولاً وصل بالظرف؛ ولتقرير مذهبهم
ورده موضع غير هذا.
﴿ويسألونك عن اليتامى﴾: سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة
اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما، ويتجنبون أموالهم، قاله الضحاك، والسدي. وقيل:
لما نزلت ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾(١) ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾(٢) تجنبوا اليتامى
وأموالهم، وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت، قاله ابن عباس، وابن المسيب.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما
مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم،
ناسب ذلك النظر في حال اليتيم، وحفظ ماله، وتنميته، وإصلاح اليتيم بالنظر في تربيته،
فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم، وفي النظر في
حال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه، فيكون قد جمعوا بين النفع
لأنفسهم ولغيرهم.
والظاهر أن السائل جمع الإثنين بواو الجمع وهي للجمع به وقيل به.
(١) سورة الأنعام: ١٥٢/٦. والإسراء: ٣٤/١٧.
(٢) سورة النساء: ١٠/٤.

٤١١
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
وقال مقاتل: السائل ثابت بن رفاعة الأنصاري، وقيل: عبد الله بن رواحة، وقيل:
السائل من كان بحضرة النبي صل18 من المؤمنين، فإن العرب كانت تتشاءم بخلط أموال
اليتامى بأموالهم، فأعلم تعالى المؤمنين أنما كانت مخالطتهم مشؤومة لتصرفهم في أموالهم
تصرفاً غير سديد، كانوا يضعون الهزيلة مكان السمينة، ويعوضون التافه عن النفيس، فقال
تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب،
وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ.
وإصلاح: مبتدأ وهو نكرة، ومسوغ جواز الإبتداء بالنكرة هنا هو التقييد بالمجرور
الذي هو: لهم، فإما أن يكون على سبيل الوصف، أو على سبيل المعمول للمصدر،
و: خير، خبر عن إصلاح، وإصلاح كما ذكرنا مصدر حذف فاعله، فيكون: خير، شاملاً
للإصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول، فتكون الخيرية للجانبين معاً، أي إن إصلاحهم
لليتامى خير للمصلح والمصلح، فيتناول حال اليتيم، والكفيل، وقيل: خير للولي،
والمعنى: إصلاحه من غير عوض ولا أجرة خير له وأعظم أجراً، وقيل: خير، عائد للیتیم،
أي: إصلاح الولي لليتيم، ومخالطته له، خير لليتيم من إعراض الولي عنه، وتفرده عنه،
ولفظ: خير، مطلق فتخصيصه بأحد الجانبين يحتاج إلى مرجح، والحمل على الإطلاق
أحسن.
وقرأ طاووس: قل إصلاح إليهم، أي: في رعاية المال وغيره خير من تحرجكم، أو
خير في الثواب من إصلاح أموالكم.
﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ هذا التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله
و: يسألونك، فالواو ضمير للغائب، وحكمة هذا الالتفات ما في الإقبال بالخطاب على
المخاطب ليتهيأ لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه، فالواو ضمير الكفلاء، وهم ضمير
اليتامى، والمعنى: أنهم إخوانكم في الدين، فينبغي أن تنظروا لهم كما تنظرون لإخوانكم
من النسب من الشفقة والتلطف والإصلاح لذواتهم وأموالهم.
والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو الامتزاج، والمعنى: في المأكل، فتجعل نفقة
اليتيم مع نفقة عياله بالتحري، إذ يشق عليه إفراده وحده بطعامه، فلا يجد بداً من خلطه
بماله لعياله، فجاءت الآية بالرخصة في ذلك، قاله أبو عبيد. أو: المشاركة في الأموال
والمتاجرة لهم فيها، فتتناولون من الربح ما يختص بكم، وتتركون لهم ما يختص بهم. أو:

٤١٢
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
المصاهرة فإن كان اليتيم غلاماً زوجه ابنته، أو جارية زوجها ابنه، ورجح هذا القول بأن هذا
خلطة لليتيم نفسه، والشركة خلطة لماله، ولأن الشركة داخلة في قوله: ﴿قل إصلاح له
خير﴾ ولم يدخل فيه الخلط من جهة النكاح، فحمله على هذا الخلط أقرب. وبقوله:
فإخوانكم في الدين، فإن اليتيم إذا كان من أولاد الكفار وجب أن يتحرى صلاح ماله كما
يتحرى في المسلم، فوجب أن تكون الإشارة بقوله: فإخوانكم، إلى نوع آخر من
المخالطة، وبقوله بعد: ولا تنكحوا المشركات، فكأن المعنى: إن المخالطة المندوب
إليها في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام. أو الشرب من لبنه وشربه من لبنك،
وأكلك في قصعته وأكله في قصعتك، قاله ابن عباس. أو: خلط المال بالمال في النفقة
والمطعم والمسكن والخدم والدواب، فيتناولون من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم،
بقدر ما يكون أجرة مثل ذلك في العمل، والقائلون بهذا منهم من جوّز له ذلك، سواء كان
القيم غنياً أو فقيراً، ومنهم من قال: إذا كان غنياً لم يأكل من ماله. أو: المضاربة التي
يحصل بها تنمية أموالهم. والذي يظهر أن المخالطة لم تقيد بشيء لم يقل في كذا فتحمل
على أي: مخالطة كانت مما فيه إصلاح لليتيم، ولذلك قال: فإخوانكم، أي: تنظرون لهم
نظركم إلى إخوانكم مما فيه إصلاحهم.
وقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح قبل وبعد، فقبل بقوله: ﴿قل إصلاح له خير﴾
وبعد بقوله: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه إصلاح
لليتيم بأي طريق كان، من مخالطة في مطعم أو مسكن أو متاجرة أو مشاركة أو مضاربة أو
مصاهرة أو غير ذلك.
وجواب الشرط: فإخوانكم، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: فهم إخوانكم، وقرأ أبو
مجلز: فإخوانكم على إضمار فعل التقدير: فتخالطون إخوانكم، وجاء جواب السؤال
بجملتين: إحداهما: منعقدة من مبتدأ وخبر؛ والثانية: من شرط وجزاء.
فالأولى: تتضمن إصلاح اليتامى وأنه خير، وأبرزت ثبوتية منكراً مبتدأها ليدل على
تناوله كل إصلاح على طريق البدلية، ولو أضيف لعم، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص،
فالعموم لا يمكن وقوعه، والمعهود لا يتناول غيره، فلذلك جاء التنكير الدال على عموم
البدل، وأخبر عنه: بخير، الدال على تحصيل الثواب، ليبادر المسلم إلى فعل ما فيه الخير
طلباً لثواب الله تعالى .

٤١٣
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
وأبرزت الثانية: شرطية لأنها أتت لجواز الوقوع لا لطلبه وندبته.
ودل الجواب الأول على ضروب من الأحكام مما فيه مصلحة اليتيم، لجواز تعليمه
أمر دين وأدب، والاستيجار له على ذلك، وكالإنفاق عليه من ماله، وقبول ما يوهب له،
وتزويجه ومؤاجرته، وبيعه ماله لليتيم، وتصرفه في ماله بالبيع والشراء، وفي عمله فيه بنفسه
مضاربة، ودفعه إلى غيره مضاربة، وغير ذلك من التصرفات المنوطة بالإصلاح.
ودل الجواب الثاني على جواز مخالطة اليتامى بما فيه إصلاح لهم، فيخلطه بنفسه
في مناكحه وماله بماله في مؤونة وتجارة وغيرهما.
قيل: وقد انتظمت الآية على جواز المخالطة، فدلت على جواز المناهدة التي يفعلها
المسافرون في الأسفار، وهي أن يخرج هذا شيئاً من ماله، وهذا شيئاً من ماله فيخلط
وينفق ويأكل الناس، وإن اختلف مقدار ما يأكلون، وإذا أبيح لك في مال اليتيم فهو في مال
البالغ بطيب نفسه أجوز.
ونظير جواز المناهدة قصة أهل الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾(١) الآية، وقد
اختلف في بعض الأحكام التي قدمناها، فمن ذلك: شراء الوصي من مال اليتيم،
والمضاربة فيه، وإنكاح الوصي بيتيمته من نفسه، وإنكاح اليتيم لابنته، وهذا مذكور في کتب
الفقه .
قيل: وجعلهم إخواناً لوجهين: أحدهما: أخوة الدين، والثاني: لانتفاعهم بهم، إما في
الثواب من الله تعالى وإما بما يأخذونه من أجرة عملهم في أموالهم، وكل من نفعك فهو
أخوك.
وقال الباقر لشخص: رأيتك في قوم لم أعرفهم، فقال: هم إخواني، فقال: أفيهم من
إذا احتجت أدخلت يدك في كمه فأخذت منه من غير استئذان؟ قال: لا، قال: إذن لستم
بإخوان.
قيل: وفي قوله: ﴿فإخوانكم﴾ دليل على أن أطفال المؤمنين مؤمنون في الأحكام لتسمية
الله تعالى إياهم إخواناً لنا.
﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ جملة معناها التحذير، أخبر تعالى فيها أنه عالم بالذي
(١) سورة الكهف: ١٨ /١٩.

٤١٤
-
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
يفسد من الذي يصلح، ومعنى ذلك: أنه يجازي كلاً منهما على الوصف الذي قام به، وكثيراً
ما ينسب العلم إلى الله تعالى على سبيل التحذير، لأن من علم بالشيء جازى عليه، فهو تعبير
بالسبب عن المسبب، و: يعلم، هنا متعدٍ إلى واحد، وجاء الخبر هنا بالفعل المقتضي للتجدد،
وإن كان علم الله لا يتجدد، لأنه قصد به العقاب والثواب للمفسد والمصلح، وهما وصفان
يتجدّدان من الموصوف بهما، فتكرر ترتيب الجزاء عليهما لتكررهما، وتعلق العمل بالمفسد أولاً
ليقع الامساك عن الإفساد.
ومن، متعلقة بيعلم على تضمين ما يتعدّى بمن، كأن المعنى: والله يميز بعلمه المفسد من
المصلح .
وظاهر الألف واللام أنها للاستغراق في جميع أنواع المفسد والمصلح، والمصلح في مال
اليتيم من جملة مدلولات ذلك، ويجوز أن تكون الألف واللام للعهد، أي: المفسد في مال
اليتيم من المصلح فيه، والمفسد بالإهمال في تربيته من المصلح له بالتأديب ، وجاءت هذه
الجملة بهذا التقسيم لإن المخالطة على قسمين: مخالطة بإفساد، ومخالطة بإصلاح. ولأنه لما
قيل: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ فهم مقابله، وهو أن الإفساد شر، فجاء هذا التقسيم باعتبار
الإصلاح. ومقابله ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ أي: لأخرجكم وشدد عليكم قاله ابن عباس،
والسدّي وغيرهما، أو: لأهلككم، قاله أبو عبيدة، أو: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى
موبقاً، قاله ابن عباس، وهو معنى ما قبله، أو: لكلفكم ما يشق عليكم، قاله الزجاج،
أو: لآثمكم بمخالطتهم أو: لضيق عليكم الأمر في مخالطتهم، قاله عطاء، أو: لحرم عليكم
مخالطتهم، قاله ابن جرير. وهذه أقوال كلها متقاربة.
ومفعول: شاء، محذوف لدلالة الجواب عليه، التقدير: ولو شاء الله إعناتكم، واللام
في الفعل الموجب الأكثر في لسان العرب المجيء بها فيه، وقرأ الجمهور لأعنتكم بتخفيف
الهمزة، وهو الأصل، وقرأ البزي من طريق أبي ربيعة ((بتليين الهمزة)) وقرىء بطرح الهمزة
والقاء حركتها على اللام كقراءة من قرأ: فلا اثم عليه، بطرح الهمزة.
قال أبو عبد الله نصر بن علي المعروف بابن مريم: لم يذكر ابن مجاهد هذا
الحرف، وابن كثير لم يحذف الهمزة، وإنما لينها وحققها، فتوهموا أنها محذوفة، فإن
الهمزة همزة قطع فلا تسقط حالة الوصل ما تسقط همزات الوصل عند الوصل. انتهى
كلامه. فجعل إسقاط الهمزة وهماً، وقد نقلها غيره قراءة كما ذكرناه.

٤١٥
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
وفي هذه الجملة الشرطية إعلام وتذكير بإحسان الله وإنعامه على أوصياء اليتامى، إذ
أزال إعناتهم ومشقتهم في مخالطتهم، والنظر في أحوالهم وأموالهم.
﴿إن الله عزيز حكيم﴾ قال الزمخشري: عزيز غالب يقدر على أن يعنت عباده
ويحرجهم، لكنه حكيم لا يكلف إلّ ما تتسع فيه طاقتهم. وقال ابن عطية: عزيز لا يرد أمره،
وحکیم أي محکم ما ینفذه. إنتهى .
في وصفه تعالى بالعزة، وهو الغلبة والإستيلاء، إشارة إلى أنه مختص بذلك لا
يشارك فيه، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى نبههم على أنهم لا يقهرونهم، ولا
يغالبونهم، ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر، فإن هذا الوصف لا يكون إلاّ لله.
وفي وصفه تعالى بالحكمة إشارة إلى أنه لا يتعدّى ما أذن هو تعالى فيهم وفي
أموالهم، فليس لكم نظر إلّ بما أذنت فيه لكم الشريعة، واقتضته الحكمة الإلهية. إذ هو
الحكيم المتقن لما صنع وشرع، فالإصلاح لهم ليس راجعاً إلى نظركم، إنما هو راجع
لاتباع ما شرع في حقهم.
﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنٌ﴾ قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن رواحة،
أعتق أمة وتزوّجها، وكانت مسلمة، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا: نكح أمة،
وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم، فنزلت. وقال مقاتل: نزلت
في أبي مرثد الغنوي، واسمه كناز بن الحصين، وفي قول: إنه مرثد بن أبي مرتد، وهو
حليف لبني هاشم استأذن أن يتزوّج عناق، وهي امرأة من قريش ذات حظ من جمال،
مشركة، وقال: يا رسول الله إنها تعجبني، وروي هذا السبب أيضاً عن ابن عباس بأطول
من هذا.
وقيل: نزلت في حسناء وليدة سوداء لحذيفة بن اليمان، أعتقها وتزوّجها، ويحتمل
أن يكون السبب جميع هذه الحكايات.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة، وكانت
تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة، حتى إن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط،
ورجح ذلك كما تقدم ذكره، وكان من اليتامى من يكون من أولاد الكفار، نهى الله تعالى
عن مناكحة المشركات والمشركين، وأشار إلى العلة المسوّغة للنكاح، وهي: الأخوة

٤١٦
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
الدينية، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوة، واندرج يتامى الكفار في عموم من
أُشرك .
ومناسبة أخرى: أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر، والأكل في الميسر، وذكر
حكم المنكح، فكما حرم الخمر من المشروبات، وما يجر إليه الميسر من المأكولات،
حرّم المشركات من المنكوحات.
وقرأ الجمهور: ولا تنكحوا، بفتح التاء من نكح، وهو يطلق بمعنى العقد، وبمعنى
الوطء بملك وغيره؛ وقرأ الأعمش: ولا تنكحوا بضم التاء من انكح، أي: ولا تنكحوا
أنفسكم المشركات. والمشركات هنا: الكفار فتدخل الكتابيات، ومن جعل مع الله إلهاً
آخر، وقيل: لا تدخل الكتابيات، والصحيح دخولهنّ لعبادة اليهود عزيراً، والنصارى
عيسى، ولقوله: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾(١) وهذا القول الثاني هو قول جل
المفسرين.
وقيل: المراد مشركات العرب، قاله قتادة.
فعلى قول من قال: إنه تدخل فيهنّ الكتابيات، يحتاج إلى مجوّز نكاحهنّ فروي عن
ابن عباس أنه عموم نسخ، وعن مجاهد عموم خص منه الکتابیات، وروي عن ابن عباس :
أن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير دين الإسلام،
ونكاحهنّ حرام.
والآية محكمة على هذا، ناسخة لآية المائدة. وآية المائدة متقدمة في النزول على
هذه الآية، وإن كانت متأخرة في التلاوة، ويؤكد هذا قول ابن عمر في (الموطأ): ولا أعلم
إشراكآ أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروي أن طلحة بن عبيد الله نكح يهودية،
وان حذيفة نكح نصرانية، وان عمر غضب عليهما غضباً شديداً حتى هَمَّ أن يسطو
عليهما، وتزوّج عثمان نائله بنت الفرافصة، وكانت نصرانية.
ويجوز نكاح الكتابيات، قال جمهور الصحابة والتابعين، عمر، وعثمان، وجابر،
وطلحة، وحذيفة، وعطاء، وابن المسيب، والحسن، وطاووس، وابن جبير، والزهري،
وبه قال الشافعي: وعامة أهل المدينة والكوفة، قيل: أجمع علماء الأمصار على جواز
(١) سورة يونس: ١٨/١٠. والنحل: ١/١٦، والروم: ٤٠/٣٠؛ والزمر: ٦٧/٣٩.

٤١٧
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
تزويج الكتابيات، غير أن مالكاً وإبن حنبل كرها ذلك مع وجود المسلمات والقدرة على
نکاحھن.
واختلف في تزويج المجوسيات، وقد تزوّج حذيفة بمجوسية، وفي كونهم أهل
کتاب خلاف، وروي عن جماعة أن لهم نبياً یسمی زرادشت، وكتاباً قديماً رفع، روي
حديث الكتاب عن علي، وابن عباس، وذكر لرفعه وتغيير شريعتهم سبب طويل، والله أعلم
بصحته .
ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب الفقه، وظاهر النهي في قوله: ولا تنكحوا
التحريم، وقيل: هو نهي كراهة، حتى يؤمن، غاية للمنع من نكاحهنّ، ومعنى إيمانهنّ
اقرارهنّ بكلمتي الشهادة والتزام شرائع الإسلام.
﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ الظاهر أنه أريد بالأمة الرقيقة، ومعنى: خير من
مشركة، أي: من حرة مشركة، فحذف الموصوف لدلالة مقابله عليه، وهو أمة، وقيل:
الأمة هنا بمعنى المرأة ، فيشمل الحرّة والرقيقة، ومنه: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)).
وهذا قول الضحاك: ولم يذكر الزمخشري غيره، وفي هذا دليل على جواز نكاح الأمة
المؤمنة، ومفهوم الصفة يقتضي أنه لا يجوز نكاح الأمة الكافرة، كتابية كانت أو غيرها،
وهذا مذهب مالك وغيره؛ وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح الأمة المجوسية، وفي الأمة
المجوسية خلاف: مذهب مالك وجماعة أنه لا يجوز أن توطأ بنكاح ولا ملك، وروي عن
عطاء، وعمرو بن دينار أنه لا بأس بنكاحها بملك اليمين، وتأولا: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾
على العقد لا على الأمة المشتراة، واحتجًا بسبي أوطاس، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهم
ملك اليمين.
قيل: وفي هذه الآية دليل لجواز نكاح القادر على طول الحرّة المسلمة للأمة
المسلمة، ووجه الاستدلال أن قوله: ﴿خير من مشركة﴾ معناه من: حرة مشركة، وواجد
طول الحرة المشركة واجد لطول الحرّة المسلمة، لأنه لا يتفاوت الطولان بالنسبة إلى
الإيمان والكفر، فقدر المال المحتاج إليه في أهبة نكاحها سواء، فيلزم من هذا أن واجد
طول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة المسلمة وهذا استدلال لطيف.
وأمة: مبتدأ، ومسوّغ جواز الابتداء الوصف، و: خير، خبر. وقد استدل بقوله:
خير، على جواز نكاح المشركة لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أوّلاً
على سبيل الكراهة، قالوا: والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين، ولا حجة في ذلك،
تفسير البحر المحيط ج٢ م٢٧

٤١٨
سورة البقرة / الآيات : ٢١٩ - ٢٢٣
لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد. لا على سبيل الوجود، ومنه: ﴿أصحاب الجنة
يومئذ خير مستقراً﴾(١) و: العسل أحلى من الخل؛ وقال عمر، في رسالته لأبي موسى:
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويحتمل إبقاء الخيرية على الاشتراك
الوجودي، ولا يدل ذلك على جواز النكاح بأن نكاح المشركة يشتمل على منافع دنيوية،
ونكاح الأمة المؤمنة على منافع أخروية، فقد اشترك النفعان في مطلق النفع إلا أن نفع
الآخرة له المزية العظمى، فالحكم بهذا النفع الدنيوي لا يقتضي التسويغ، كما أن الخمر
والميسر فيهما منافع، ولا يقتضي ذلك الإباحة، وما من شيء محرم إلّ يكاد يكون فيه نفع
مًا.
وهذه التأويلات في أفعل التفضيل هو على مذهب سيبويه والبصريين في أن لفظة:
أفعل، التي للتفضيل، لا تصح حيث لا اشتراك، كقولك: الثلج أبرد من النار، والنور
أضوء من الظلمة؛ وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: يصح حيث الاشتراك، وحيث لا
يكون اشتراك؛ وقال ابراهيم بن عرفة: لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً
للأول، ونفياً عن الثاني، فعلى قول هو لا يصح أن لا يكون خير في المشركة وإنما هو في
الأمة المؤمنة .
﴿ولو أعجبتكم﴾ لو: هذه بمعنى إن الشرطية، نحو: ((ردّوا السائل ولو بظلف شاة
محرق)). والواو في: ولو، للعطف على حال محذوفة، التقدير: خير من مشركة على كل
حال، ولو في هذه الحال، وقد ذكرنا أن هذا يكون لاستقصاء الأحوال، وأن ما بعد لو هذه
إنما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه مّا، فالإعجاب منافٍ لحكم الخيرية، ومقتضٍ جواز
النكاح لرغبة الناكح فيها، وأسند الإعجاب إلى ذات المشركة، ولم يبين ما للعجب منها،
فالمراد مطلق الإعجاب، إما لجمال، أو شرف، أو مال أو غير ذلك مما يقع به الإعجاب.
والمعنى: أن المشركة، وإن كانت فائقة في الجمال والمال والنسب، فالأمة المؤمنة
خير منها، لأن ما فاقت به المشركة يتعلق بالدنيا، والإيمان يتعلق بالآخرة، والآخرة خير من
الدنيا، فبالتوافق في الدين تكمل المحبة ومنافع الدنيا من الصحبة والطاعة وحفظ الأموال
والأولاد، وبالتباين في الدين لا تحصل المحبة ولا شيء من منافع الدنيا.
﴾.
﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ القراءة بضم التاء إجماع من القراء،
(١) سورة الفرقان: ٢٤/٢٥.

٤١٩
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣.
والخطاب للأولياء، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ولا تنكحوا المشركين المؤمنات.
وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه مّا، والنهي هنا للتحريم، وقد استدل
بهذا الخطاب على الولاية في النكاح وأن ذلك نص فيها.
﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾: الكلام في هذه الجملة كالكلام في
الجملة التي قبلها، والخلاف في المراد بالعبد: أهو بمعنى الرقيق أم بمعنى الرجل؟ كهو
في الأمة هناك، وهل المعنى: خير من حر مشرك، حتى يقابل العبد؟ أو من مشرك على
الإطلاق فيشمل العبد والحر، كما هو في قوله: خير من مشركة؟
﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ هذه إشارة إلى الصنفين، المشركات والمشركين،
و: يدعون، يحتمل أن يكون الدعاء بالقول، كقول: ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى
تهتدوا﴾(١) ويحتمل أن لا يكون القول، بل بسبب المحبة والمخالطة تسرق إليه من طباع
الكفار ما يحمله على الموافقة لهم في دينهم، والعياذ بالله، فتكون من أهل النار.
وقيل: معناه يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار،
وتفرق صاحب هذا التأويل بين الذمّية وغيرها، فإن الذمّية لا يحمل زوجها على المقاتلة.
وقيل: المعنى أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيوافق، فيكون من
أهل النار، والذي يدل عليه ظاهر الآية: أن الكفار يدعون إلى النار قطعاً، إما بالقول. واما
أن تؤدي إليه الخلطة، والتآلف والتناكح، والمعنى: أن من كان داعياً إلى النار يجب
اجتنابه لئلا يستميل بدعائه دائماً معاشره فيجيبه إلى ما دعاه، فيهلك.
وفي هذه الآية تنبيه على العلة المانعة من المناكحة في الكفار، لما هم عليه من
الالتباس بالمحرّمات من: الخمر والخنزير، والانغماس في القاذورات، وتربية النسل
وسرقة الطباع من طباعهم، وغير ذلك مما لا تعادل فيه شهوة النكاح في بعض ما هم عليه،
وإذا نظر إلى هذه العلة فهي موجودة في كل كافر وكافرة فتقتضي المنع من المناكحة
مطلقاً. وسيأتي الكلام في سورة المائدة إن شاء الله تعالى، ونبدي هناك ان شاء الله كونها
لا تعارض هذه.
(١) سورة البقرة: ١٣٥/٢.

٤٢٠
سورة البقرة / الآيات: ٢١٩ - ٢٢٣
و: إلى، متعلق بيدعون كقوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾(١) ويتعدى أيضاً
باللام، کقوله.
دعوت لما نابني مسوراً
ومفعول يدعون محذوف: إما اقتصاراً إذ المقصود إثبات أن من شأنهم الدعاء إلى
النار من غير ملاحظة مفعول خاص، وإما اختصاراً، فالمعنى: أولئك يدعونكم إلى النار.
﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة﴾ هذا مما يؤكد منع مناكحة الكفار، إذ ذكر
قسيمان: أحدهما يجب اتباعه، وآخر يجب اجتنابه، فتباين القسيمان، ولا يمكن إجابة
دعاء الله واتباع ما أمر به إلّا باجتناب دعاء الكفار وتركهم رأساً، ودعاء الله إلى اتباع دينه
الذي هو سبب في دخول الجنة، فعبر بالمسبب عن السبب لترتبه عليه.
وظاهر الآية الإخبار عن الله تعالى بأنه هو تعالى يدعو إلى الجنة، وقال الزمخشري :
يعني: وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، وما يوصل إليهما، فهم الذين
تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم. انتهى. وحامله على أن ذلك هو
على حذف مضاف طلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين في الدعاء، فلما أخبر عن من
أشرك أنه يدعو إلى النار، جعل من آمن يدعو إلى الجنة، ولا يلزم ما ذكر، بل إجراء اللفظ
على ظاهره من نسبة الدعاء إلى الله تعالى هو آكد في التباعد من المشركين، حيث جعل
موجد العالم منافياً لهم في الدعاء، فهذا أبلغ من المعادلة بين المشركين والمؤمنين.
وقرأ الجمهور: والمغفرة، بالخفض عطفاً على الجنة، والمعنى أنه تعالى يدعو إلى
المغفرة، أي: إلى سبب المغفرة، وهي التوبة والتزام الطاعات، وتقدم هنا الجنة على
المغفرة، وتأخر عنها في قوله: ﴿سارعو إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ (٢) وفي قوله: ﴿سابقوا
إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾(٣) والاصل فيه تقدم المغفرة على الجنة، لأن دخول الجنة
متسبب عن حصول المغفرة، ففي تلك الآيتين جاء على هذا الأصل، وأما هنا، فتقدم ذكر
الجنة على المغفرة لتحسن المقابلة، فإن قبله ﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ فجاء ﴿والله يدعو
إلى الجنة﴾ وليبدأ بما تتشوف إليه النفس حين ذكر دعاء الله، فأتى بالأشرف للأشرف، ثم
أتبع بالمغفرة على سبيل التتمة في الإحسان، وتهيئة سبب دخول الجنة.
(١) سورة يونس: ٢٥/١٠.
(٢) سورة آل عمران: ١٣٣/٣.
(٣) سورة الحديد: ٢١/٥٧.