Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ - - سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ وقال مالك في (المختصر): يكبر ما دام في مجلسه، فإذا قام منه فلا شيء عليه وقال في (المدوّنة): إن نسيه وكان قريباً قعد فكبر، أو تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب الامام والقوم جلوس فليكبروا، وكذلك قال أبو حنيفة، ومن نسي صلاة في أيام التشريق من تلك السنة قضاها وكبر، وإن قضى بعدها لم يكبر، ودلائل هذه المسائل مذكورة في كتب الفقة. والذي يظهر ما قدمناه من أن هذا الخطاب هو للحجاج، وأن هذا الذكر هو مما يختص به الحاج من أفعال الحج، سواء كان الذكر عند الرمي أم عند أعقاب الصلوات، وأنه لا يشركهم غيرهم في الذكر المأمور به إلّ بدليل، وأن الذكر في أيام منى، وفي يوم النحر عقب الصلوات لغير الحجاج، وتعيين كيفية الذكر وابتدائه وانتهائه يحتاج إلى دليل سمعي. ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الظاهر أن: تعجل، هنا لازم لمقابلته بلازم في قوله ﴿من تأخر﴾ فيكون مطاوعاً لعجل، فتعجل، نحو كسره فتكسر، ومتعلق التعجل محذوف، التقدير: بالنفس، ويجوز أن يكون تعجل متعدياً ومفعوله محذوف أي: فمن تعجل النفر، ومعنى: في يومين من الأيام المعدودات. وقالوا: المراد أنه ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، وسبق كلامنا على تعليق في يومين بلفظ تعجل، وظاهر قوله: فمن تعجل، العموم، فسواء في ذلك الآفاقي والمكي، لكل منهما أن ينفر في اليوم الثاني، وبهذا قال عطاء. قال ابن المنذر: وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه نقول، انتهى كلامه. فتكون الرخصة لجميع الناس من أهل مكة وغيرهم. وقال مالك وغيره: ولم يبح التعجيل إلَّا لمن بَعُدَ قطره لا للمكي ولا للقريب إلَّ أن یکون له عذر. وروي عن عمر أنه قال: من شاء من الناس كلهم فلينفر في النفر الأول، إلَّ آل خزيمة. فإنهم لا ينفرون إلّ في النفر الآخر، وجعل أحمد، واسحاق قول عمر: إلَّ آل خزيمة، أي: أنهم أهل حرم، وكان أحمد يقول: لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة. وظاهر قوله: في يومين، أن التعجل لا يكون بالليل بل في شيء من النهار، ينفر إذا فرغ من رمي الجمار، وهو مذهب الشافعي، وهو مروي عن قتادة. وقال أبو حنيفة: قبل طلوع الفجر، ويعني من اليوم الثالث، وروي عن عمر، وابن عامر، وجابر بن زيد، والحسن، والنخعي. أنهم قالوا: من أدركه العصر وهو بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغدو، وهذا مخالف لظاهر القرآن لأنه قال: في يومين، وما بقي من تفسير البحر المحيط ج٢ م٢١ - .. ٣٢٢ سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ · اليومين شيء فسائغ له النفر فيه، قال ابن المنذر: ويمكن أن يقولوا ذلك استحباباً . ٠٠٠ وظاهر قوله: ومن تعجل، سقوط الرمي عنه في اليوم الثالث، فلا يرمي جمرات اليوم الثالث في يوم نفره. وقال ابن أبي زمنين: يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل. قال ابن المواز: يرمي المتعجل في يومين إحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، يعنى: لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر. قال ابن المواز: ويسقط رمي اليوم الثالث. وظاهر قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل﴾ إلى آخره. مشروعية المبيت بمنى أيام التشريق. لأن التعجل والتأخر إنما هو في النفر من منى، وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد من الحجاج أن يبيت إلّ بها إلاّ للرعاء، ومن ولي السقاية من آل العباس، فمن ترك المبيت من غيرهما ليلة من ليالي منى، فقال مالك، وأبو حنيفة: عليه دم، وقال الشافعي: من ترك المبيت في الثلاث الليالي، فإن ترك مبيت ليلة واحدة فيلزمه ثلث دم، أو مد أو درهم، ثلاثة أقوال، ولم تتعرض الآية للرمي، لا حكماً، ولا وقتاً، ولا عدداً، ولا مكاناً لشهرته عندهم. وتؤخذ أحكامه من السنة. وقيل: في قوله: واذكروا الله، تنبيه عليه، إذ من سنته التكبير على كل حصاة منها، فلا إثم عليه . وقرأ سالم بن عبد الله: فلا إثم عليه، بوصل الألف، ووجهه أنه سهل الهمزة بين بين، فقربت بذلك من السكون فحذفها تشبيهاً بالألف، ثم حذف الألف لسكونها وسكون التاء، وهذا جواب الشرط إن جعلنا: مِنْ، شرطية، وهو الظاهر، وإن جعلناها موصولة كان ذلك في موضع الخبر، وظاهره نفي الإثم عنه، ففسر بأنه مغفور له، وكذلك من تأخر مغفور له لا ذنب عليه، روي هذا عن علي، وأبي ذر، وابن مسعود، وابن عباس، والشعبي، ومطرف بن الشخير. وقال معاوية بن قرة :خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه، وروي عن عمر ما يؤيد هذا القول، وقال مجاهد: المعنى من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل. والذي يظهر أن المعنى: فلا إثم عليه في التعجيل ولا إثم عليه في التأخير، لأن الجزاء مرتب على الشرط، والمعنى أنه لا حرج على من تعجل ولا على من تأخر، وقاله ٠٠ .. ٣٢٣ سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ عطاء، وذلك أنه لما أمرهم تعالى بالذكر في أيام معلومات، وهذه الأيام قد فسرت بما أقله جمع وهي: ثلاثة أيام، أو بأربعة، أو بالعشر، ثم أبيح لهم النفر في ثاني أيام التشريق، وكان يقتضي الأمر بالذكر في جميع هذه الأيام أن لا تعجيل، فنفى بقوله: فلا إثم عليه الحرج عن من خفف عنه المقام إلى اليوم الثالث، فينفر فيه، وسوَّى بينه في الاباحة وعدم الحرج، وبين من تأخر فعم الأيام الثلاثة بالذكر، وهذا التقسيم يدل على التخيير بين التعجيل والتأخر، والتخيير قد يتبع بين الفاضل والأفضل، فقيل: جاء ومن تأخر فلا إثم عليه، لأجل مقابلة: فمن تعجل فلا إثم عليه، فنفى الإثم عنه وإن كان أفضل لذلك، وقيل: فلا إثم عليه في ترك الرخصة . وقيل: كان أهل الجاهلية فريقين: منهم من يؤثم المتعجل، ومنهم من يؤثم المتأخر، فجاء القرآن برفع الإثم عنهما، وقيل: إنه عبر بذلك عن المغفرة، كما روي عن علي ومن معه. وهذا أمر اشترك فيه المتعجل والمتأخر، وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع عامة الناس فلا إثم عليه، فكأنه قيل: أيام منى ثلاثة، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر فلا إثم عليه. وفي هاتين الجملتين الشرطيتين من علم البديع الطباق في قوله: فمن تعجل، ومن تأخر، والطباق ذكر الشيء وضده، كقوله ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾(١) وهو هنا طباق غريب، لأنه ذكر تعجل مطابق تأخر، وفي الحقيقة مطابق تعجل تأنى، ومطابق تأخر تقدم، فعبر في تعجل بالملزوم عن اللازم، وعبر في تأخر باللازم عن الملزوم. وفيها من علم البيان المقابلة اللفظية، إذ المتأخر أتى بزيادة في العبادة، فله زيادة في الأجر، وإنما أتى بقوله: فلا إثم عليه، مقابلاً لقوله: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، كقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾(٢) وتقدّمت الإشارة إلى هذا ﴿لمن اتقى) قيل: هو متعلق بقوله: واذكروا الله، أي الذكر لمن اتقى، وقيل: بانتفاء الإثم أي: يغفر له بشرط اتقائه الله فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وقيل: المعنى ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي، لئلا يختلج في قلبه شيء منهما، فيحسب أن أحدهما ترهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأن ذا التقوى حذر متحرز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة، قاله الزمخشري، وقال أيضاً: لا يجوز أن يراد ذلك الذي مرّ (١) سورة النجم: ٤٣/٥٣. (٢) سورة البقرة: ١٩٤/٢. ٣٢٤. - ١ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى، لأنه هو المنتفع به دون من سواه، كقوله: ذلك خير للذین یریدون وجهه انتھی کلامه. واتقى: هنا حاصلة لِمَنْ. وهي بلفظ الماضي، فقيل: هو ماضي المعنى أيضاً، أي: المغفرة لا تحصل إلا لمن كان متقياً منيباً قبل حجه، نحو: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (١) وحقيقته أن المصرّ على الذنب لا ينفعه حجه وإن كان قد أدّى الفرض في الظاهر، وقيل: اتقى جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج، قاله قتادة، وأبو صالح. وقال ابن عباس: لمن اتقى في الاحرام الرفث والفسوق والجدال، وقال الماتريدي: لمن اتقى قتل الصيد في الإحرام، وقيل: يراد به المستقبل، أي: لمن يتقي الله في باقي عمره كما قدمناه. والظاهر تعلقه بالآخر وهو انتفاء الإثم لقربه منه، ولصحة المعنى أيضاً، إذ من لم یکن متقیاً لم يرتفع الإثم عنه. والظاهر أن مفعول اتقى المحذوف هو: الله، أي: لمن اتقى الله، وكذا جاء مصرحاً به في مصحف عبد الله . ﴿واتقوا الله﴾ لما ذكر تعالى رفع الإثم، وأن ذلك يكون لمن اتقى الله، أمر بالتقوى عموماً، ونبه على ما يحمل على اتقاء الله بالحشر إليه للمجازات، فيكون ذلك حاملاً لهم على اتقاء الله، لأن من علم أنه يحاسب في الآخرة على ما اجترح في الدنيا اجتهد في أن يخلص من العذاب، وأن يعظم له الثواب، وإذا كان المأمور بالتقوى موصوفاً بها، كان ذلك الأمر أمراً بالدوام، في ذكر الحشر تخويف من المعاصي، وذكر الأمر بالعلم دليل على أنه لا يكفي في اعتقاد الحشر إلّ الجزم الذي لا يجامعه شيء من الظن، وقدم إليه للاعتناء بمن يكون الحشر إليه، ولتواخي الفواصل والمعنى إلى جزائه. وقد تكملت أحكام الحج المذكورة في هذه السورة من ذكر: وقت الحج إلى آخر فعل، وهو: النفر، وبدئت أولاً بالأمر بالتقوى، وختمت به، وتخلل الأمر بها في غضون الآية، وذلك ما يدل على تأكيد مطلوبيتها، ولِمَ لا تكون كذلك وهي اجتناب مناهي الله وإمساك مأموراته، وهذا غاية الطاعة الله تعالى، وبها يتميز الطائع من العاصي؟ (١) سورة المائدة: ٢٧/٥. ٣٢٥ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ نزلت في الأخنس بن شريق واسمه: أبي، وكان حلو اللسان والمنظر، يجالس رسول الله وَّر، ويظهر حبه، والإسلام، ويحلف على ذلك، فكان يدنيه ولا يعلم ما أضمر، وكان من ثقيف حليفاً لبني زهرة، فجرى بينه وبين ثقيف شيء، فبيتهم ليلاً وأحرق زرعهم، وأهلك مواشيهم، قاله عطاء، والكلبي ، ومقاتل. وقال السدي: فمر بزرع للمسلمين وحُمْرٍ، فأحرق الزرع، وغفر الحمر، قيل: وفيه نزلت ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾(١) و﴿ويل لكل همزة لمزة﴾(٢). وقال ابن عباس: في كفار قريش، أرسلوا إلى رسول الله وصطاهر: إنا قد أسلمنا، فابعث إلينا من يعلمنا دينك، وكان ذلك مكراً منهم، فبعث إليهم خبيبً، ومرشداً، وعاصم بن ثابت، وابن الدنية، وغيرهم، وتسمى: سرية الرجيع، والرجيع موضع بين مكة والمدينة، فقتلوا، وحديثهم طويل مشهور في الصحاح. وقال قتادة، وابن زيد: نزلت في كل منافق أظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وروي عن ابن عباس: أنها في المنافقين، قالوا عن سرية الرجيع: ويح هؤلاء ما فقدوا في بيوتهم، ولا أدوا رسالة صاحبهم. : ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه: لما قسم السائلين الله قبلُ إلى: مقتصر على أمر الدنيا، وسائل حسنة الدنيا والآخرة، والوقاية من النار، أتى بذكر النوعين هنا، فذكر مِن النوع الأول من هو حلو المنطق، مظهر الود، وليس ظاهره كباطنه، وعطف عليه من يقصد رضى الله تعالى، ويبيع نفسه في طلبه، وقدم هنا الأول لأنه هناكِ المقدم في قوله: ﴿فمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ وأحال هنا على إعجاب قوله دون غيره، من الأوصاف، لأن القول هو الظاهر منه أولاً في قوله تعالى: ﴿فمن الناس من يقول ربنا﴾، فكان من حيث توجهه. إلى الله تعالى في الدعاء، ينبغي أن يكون لا يقتصر على الدنيا، وإن سأل منه ما ينجيه من عذابه، وكذلك هذا الثاني ينبغي أن لا يقتصر على حلاوة منطقه، بل كان يطابق في سريرته لعلانیته . و: مَنْ، من قوله: من يعجبك، موصولة، وقيل: نكرة موصوفة، والكاف في: يعجبك، خطاب للنبي و ﴿ إن كانت نزلت في معين، كالأخنس أو غيره، أو خطاب لمن كان مؤمناً إن كانت نزلت في غير معين ممن ينافق قديماً أو حديثاً. (١) سورة القلم: ١٠/٦٨. (٢) سورة الهُمَزَة: ١/١٠٤. ٦٠ كـ ٠ ٥٠١٢٠ ٣٢٦ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ ومعنى إعجاب قوله استحسانه لموافقة ما أنت عليه من الإيمان والخير، وجاء في الترمذي: ((أن في بعض كتب الله أن من عباد الله قوماً ألسنتهم من العسل، وقلوبهم أمرٌ من الصبر))، الحديث. في الحياة: متعلق بقوله، أي يعجبك مقالته في معنى الدنيا، لأن ادعاءه المحبة والتبعية بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا، ولا يريد به الآخرة، إذ لا تراد الآخرة إلَّ بالإيمان الحقيقي، والمحبة الصادقة، وقال الزمخشري، بعد أن ذكر هذا الوجه: ويجوز أن يتعلق بيعجبك أي: قوله حلو، فيصح: في الدنيا، فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة، لما ترهقه في الموقف من الحبسة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام، فلا يتكلم حتى یعجبك کلامه. انتھی. وفيه بُعد. والذي يظهر أنه متعلق بيعجبك لا على المعنى الذي قاله، والمعنى أنك تستحسن مقالته دائماً في مدة حياته، إذ لا يصدر منه من القول إلّ ما هو معجب رائق لطيف، فمقالته في الظاهر معجبة دائماً. ألا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائقة، إلى مقالة خشنة منافية، ومع ذلك أفعاله منافية لأقواله الظاهرة، وأقواله الباطلة مخالفة أيضاً لأقواله الظاهرة؟ إذ لا يحمل قوله: يعجبك قوله، وقوله: ﴿وهو ألدّ الخصام﴾ إلّ على حالتين: فهو حلو المقالة في الظاهر، شديد الخصومة في الباطن. ﴿ويشهد الله على في ما قلبه﴾ قرأ الجمهور بضم الياء وكسر الهاء. ونصب الجلالة من: أشهد، وقرأ أبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء والهاء ورفع الجلالة، من شهد، وقرأ أبي، وابن مسعود: ويستشهد الله، والمعنى على قراءة الجمهور، وتفسير الجمهور، أنه يحلف بالله ويشهده أنه صادق وقائل حقاً، وأنه محب في الرسول والإسلام، وقد جاءت الشهادة في معنى القسم في قصة الملاعنة في سورة النور، قيل: ويكون اسم الله انتصب بسقوط حرف الجر، والتقدير: ويقسم بالله على ما في قلبه، وهذا سهو، لأن الذي يكون يقسم به هو الثلاثي لا الرباعي، تقول: أشهد بالله لأفعلن، ولا تقول: أشهد بالله. والظاهر عندي أن المعنى: أنه يطلع الله على ما في قلبه، ولا يعلم به أحداً لشدة تكتمه وإخفائه الكفر، وهو ظاهر قوله: ﴿على ما في قلبه﴾، لأن الذي في قلبه هو خلاف ما أظهر بقوله. وعلى تفسير الجمهور يحتاج إلى حذف ما يصح به المعنى، أي: ويحلف بالله على ٣٢٧ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ ١ ٠٠ ١ خلاف ما في قلبه، لأن الذي فيّ قلبه هو الكفر، وهو لا يحلف عليه، إنما يحلف على ضده، وهو الذي يعجب به. ويقوي هذا التأويل قراءة أبي حيوة، وابن محيصن، إذ معناها: ويطلع الله على ما في قلبه من الكفر الذي هو خلاف قوله. 1 وقراءة: ويستشهد، بجواز أن تكون فيها: استفعل، بمعنى: أفعل: نحو أيقن واستيقن، فيوافق قراءة الجمهور، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون فيها: استفعل، بمعنى المجرد، فيكون استشهد بمعنى شهد، ويظهر إذ ذاك أن لفظ الجلالة منصوب على إسقاط حرف الجر، أي ويستشهد بالله، كما تقول: ويشهد بالله، ولا بد من الحذف حتى يصح المعنى، أي: ويستشهد بالله على خلاف ما في قلبه، والظاهر أن قوله: ويشهد الله، معطوف على قوله: يعجبك، فهو صلة، أو صفة. وجوز أن تكون الواو واو الحال لا واو العطف، فتكون الجملة حالاً من الفاعل المستكن في: يعجبك، أو: من الضمير المجرور في قوله. التقدير: وهو يشهد الله، فيكون ذلك قيداً في الإعجاب، أو في القول، والظاهر عدم التقييد، وأنه صلة، ولما يلزم في الحال من الإضمار للمبتدأ لأن المضارع المثبت، ومعه الواو، يقع حالاً بنفسه، فأحتيج إلى إضمار كما احتاجوا إليه في قولهم: قمت وأصك عينه، أي وأنا أصك، والإضمار على خلاف الأصل. ﴿وهو ألدّ الخصام﴾ أي: أشد المخاصمين، فالخصام جمع خصم، قاله الزجاج، وإن أريد بالخصام المصدر، كما قاله الخليل، فلا بد من حذف مصحح لجريان الخبر على المبتدأ، إما من المبتدأ، أي: وخصامه ألدّ الخصام، وإما من متعلق الخبر، أي: وهو ألدّ ذوي الخصام، وجوز أن يراد هنا بالخصام المصدر على معنى اسم الفاعل، كما يوصف بالمصدر في: رجل خصم، وأن يكون أفعل لا للمفاضلة، كأنه قيل: وهو شديد الخصومة، وأن يكون هو ضمير الخصومة، يفسره سياق الكلام، أي: وخصامه أشدّ الخصام. وتقاربت أقاويل المفسرين في: ألدّ الخصام، قال ابن عباس: معناه ذو الجدال، وقال الحسن: الكاذب المبطل، وقال قتادة: شديد القسوة في معصية الله، وقال السدي: أعوج الخصومة. وقال مجاهد: لا يستقيم على حق في الخصومة. والظاهر أن هذه الجملة الابتدائية معطوفة على صلة مَنْ، فهي صلة، وجوزوا أن ٣٢٨ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ تكون حالاً معطوفة على: ويشهد إذا كانت حالاً، أو حالاً من الضمير المستكن في: ویشهد . وإذا كان الخصام جمعاً، كان ألدّ من إضافة بعض إلى كل، وإذا كان مصدراً فقد ذكرنا تصحيح ذلك بالحذف الذي قررناه، فإن جعلته بمعنى اسم الفاعل فهو كالجمع في أن أفعل بعض ما أضيف إليه، وإن تأولت أفعل على غير بابها، فألدّ من باب إضافة الصفة المشبهة . وقال الزمخشري: والخصام المخاصمة، وإضافة الألدّ بمعنى في كقولهم ثبت الغدر. انتهى . يعنى أن: أفعل ليس من باب ما أضيف إلى ما هو بعضه، بل هي إضافة على معنى: في، وهذا مخالف لما يزعمه النحاة من أن أفعل التفضيل لا يضاف إلّ لما هي بعض له، وفيه إثبات الإضافة بمعنى في، وهو قول مرجوح في النحو، قالوا: وفي هذه الآية دليل على الاحتياط بما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستواء أحوال الشهود والقضاة، وان الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم، حتى يبحث عن باطنهم، لأن الله بين أحوال الناس، وأن منهم من يظهر جميلاً وينوي قبيحاً . ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ حقيقة التولي الانصراف بالبدن، ثم اتسع فيه حتى استعمل فيما يرجع عنه من قول وفعل، ومعناه هنا، قال ابن عباس: غضب لأنه رجوع عن الرضى الذي كان قبله، وقال الحسن: انصرف عن القول الذي قاله، وقال مقاتل، وابن قتيبة: انصرف ببدنه، وقال مجاهد: من الولاية، أي: صار والياً . والسعي حقيقة المشي بالقدمين بسرعة، وعلى ذلك حمله هنا أبو سليمان الدمشقي، وابن عباس، فيما ذكر ابن عطية عنه، والمعنى: وإذا نهض عنك يا محمد بعد إلانة القول وحلاوة المنطق، فسعى بقدميه في الأرض، فقطع الطريق وأفسد فيها، كما فعله الأخنس بثقيف . وقيل: السعي هنا العمل، وهو مجاز سائغ في استعمال العرب، ومنه: ﴿وأن ليس ٣٢٩ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ للإنسان إلا ما سعى﴾(١) ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾(٢) وقال الشاعر: كفاني، ولم أطلب، قليل من المال فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقال الأعشى : قيس فصدّ عدوها ونبالها وسعى لكندة غير سعي مواكل وقال آخر: أسعى على حيي بني مالك كل امرىء في شأنه ساع والمعنى: سعى بحيلة وإدارة الدوائر على الإسلام، وإلى هذا القول نحا مجاهد، وابن جريج، وذكر أيضاً عن ابن عباس: والقائلون بهذا القول: قال قوم منهم: معناه سعى فيها بالكفر، وقال قوم بالظلم. وقد يقع السعي بالقول، يقال: سعى بين فلان وفلان نقل إليهما قولا يوجب الفرقة، ومنه: سعي عدو بيننا يرجف ما قلت ما قال وشاة سعوا في الأرض، معلوم أن السعي لا يكون إلاّ في الأرض، لكن أفاد العموم بمعنى في: أي مكان حل منها سعى للفساد، ويدل لفظ: في الأرض، على كثرة سعيه ونقلته في نواحي الأرض، لأنه يلزم من عموم الأرض تكرار السعي وتقدّم ما يشبهه في قوله: ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾(٣). وإذا كان المراد الأخنس فالأرض أرض المدينة، فالألف واللام للعهد. ليفسد فيها، هذا علة سعيه، والحامل له على السعي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، وهو معاندة الله في قوله: ﴿واستعمركم فيها﴾ (٤). والفساد يكون بأنواع من: الجور، والقتل، والنهب، والسبي، ويكون: بالكفر. و: يهلك الحرث، والنسل، عطف هذه العلة على العلة قبلها، وهو: ليفسد فيها، وهو شبيه بقوله: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾(٥) وقوله : (١) سورة النجم: ٣٩/٥٣. (٢) سورة الإسراء: ١٧ /١٩. (٣) سورة البقرة: ١١/٢. (٤) سورة هود: ١١ /٦١. (٥) سورة البقرة: ٩٨/٢. ٣٣٠ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ أكرّ عليهم دعلجاً ولبانه لأن الإفساد شامل يدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، ولكنه خصهما بالذكر لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد. من فسر الإفساد بالتخريب، جعل هذا من باب التفصيل بعد الإجمال. و: يهلك الحرث والنسل، تقدم ذكر الحرث في قوله: ﴿ولا تسقى الحرث﴾(١) وتقدم ذكر النسل في الكلام على المفردات، وعلى ما تقدم من أن الآية في الأخنس، يكون الحرث الزرع، والنسل الحمر التي قتلها، فيكون النسل المراد به الدواب ذوات النسل. وقيل: المراد هنا بالحرث هنا النساء، وبالنسل الأولاد، وقال تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾(٢) وذكره ابن عطية عن الزجاج احتمالاً، فيكون من الكناية، وهو من ضروب البيان . وقرأ الجمهور: ويهلك، من أهلك. عطفاً على: ليفسد، وقرأ أبي: وليهلك، بإظهار لام العلة، وقرأ قوم: ويهلك، من أهلك، وبرفع الكاف. وخرج على أن يكون عطفاً على قوله: يعجبك، أو على: سعى، لأنه في معنى: يسعى، وأما على الاستئناف، أو على إضمار مبتدأ، أي: وهو يهلك. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وابن محيصن: ويهلك من هلك، ويرفع الكاف، والحرث والنسل على الفاعلية، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن ابن كثير، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي رواه حماد عن ابن كثير، إنما هو: ويهلك من أهلك، ويضم الكاف، الحرث بالنصب. وقرأ قوم: ويهلك من هلك، وبفتح اللام، ورفع الكاف ورفع الحرث، وهي لغة شاذة نحو: ركن يركن، ونسب هذه القراءة إلى الحسن الزمخشري . قال الزمخشري: وروي عنه، يعنى عن الحسن، ويهلك مبنياً للمفعول، فيكون في هذه اللفظة ست قراءات: ويهلك وليهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة منصوب، لأن في الفعل ضمير الفاعل، ويهلك ويهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة مرفوع بالفعل، وهذه (١) سورة البقرة: ٧١/٢. (٢) سورة البقرة: ٢٢٣/٢. ٣٣١ سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ الجملة الشرطية إما مستأنفة، وتم الكلام عند قوله: وهو ألدّ الخصام، وإما معطوفة على صلة مَنْ أو صفتها، من قوله: ويعجبك. ﴿والله لا يحب الفساد﴾ تقدمت علتان، والثانية داخلة تحت الأولى، فأخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، واكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية وإن فسرت المحبة بالإرادة، وقد جاءت كذلك في مواضع منها: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾(١) فلا بد من التخصيص، أي: لا يحب من أهل الصلاح الفساد، ولا يمكن الحمل على العموم إذ ذاك على مذهبنا لوقوع الفساد، فلو لم يكن مراداً لما كان واقعاً. وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية في أن الله لا يريد الفساد، فما وقع منه فليس مراد الله تعالى، ولا مفعولاً له، لأنه لو فعله لكان مريداً له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد؛ قالوا: ويدل على أن محبته الفعل هي إرادته له، أنه غير جائز أن يحب كونه ولا يريد أن يكون، بل يكره أن يكون. وفي هذا ما فيه من التناقض. انتهى ما قالوا: وقيل: المعنى والله لا يحب الفساد ديناً، وقيل: هو على حذف مضاف أي: أهل الفساد، وقال ابن عباس: المعنى لا يرضى المعاصي، وقيل: عبر بالمحبة عن الأمر أي : لا يأمر بالفساد. وقال الراغب: الإفساد إخراج الشي من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، وهذه التأويلات كلها هو على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة، قال ابن عطية: والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد: إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته. انتهى كلامه. وإذا صح هذا اتضح الفرق بين الإرادة والمحبة، وصح أن الله یرید الشيء ولا یحبه. وقال بعضهم: سوَّى المعتزلة بين المحبة والإرادة واستدلوا بهذه، وجمهور العلماء على خلاف ذلك، والفرق بين الإرادة والمحبة بيِّن، فإن الإنسان يريد بطىء الجرح ولا يحبه وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾(٢) انتهى كلامه. (١) سورة النور: ١٩/٢٤. (٢) سورة الزمر: ٧/٣٩. ٣٣٢ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ وجاء في كتاب الله تعالى نفي محبة الله تعالى أشياء، إذ لا واسطة بين الحب وعدمه بالنسبة إليه تعالى، بخلاف غيره، فإنه قد يعرف عنهما فالمحبة ومقابلها بالنسبة إلى الله تعالى نقيضان، وبالنسبة إلى غيره ضدّان، وظاهر الفساد يعم كل فساد في أرض أو مال أو دين، وقد استدل عطاء بقوله: ﴿والله لا يحب الفساد﴾ على منع شق الإنسان ثوبه. وقال ابن عباس: الفساد هنا الخراب. ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم﴾ تحتمل أيضاً هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وتحتمل أن تكون داخلة في الصلة، تقدم الكلام في نحو هذا في قوله: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾(١) و: ما، الذي أقيم مقام الفاعل، فأغنى عن ذكره هنا، و: أخذته العزة، احتوت عليه وأحاطت به، وصار كالمأخوذ لها كما يأخذ الشيء باليد. قال الزمخشري: من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه، وألزمته إياه، أي: حملته العزة التي فيه، وحمية الجاهلية، على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرراً ولجاجاً، أو على رد قول الواعظ. انتهى كلامه. ٠٠٤ فإلباء، على كلامه للتعدية، كأن المعنى ألزمته العزة الإثم، والتعدية بالباء بابها الفعل اللازم، نحو: ﴿الذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ (٢) أي: لأذهب سمعهم، وندرت التعدية بالباء في المتعدي، نحو: صككت الحجر بالحجر، أي أصككت الحجر الحجر، بمعنى جعلت أحدهما يصك الآخر، ويحتمل الباء أن تكون للمصاحبة، أي: أخذته مصحوباً بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول أو الفاعل، ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى: أن إثمه السابق كان سبباً لأخذ العزة له، حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله تعالى، فتكون الباء هنا: كمن، في قول الشاعر: أخذته عزة من جهله فتولى مغضباً فعل الضَّجر وعلى أن تكون: الباء، سببية فسره الحسن، قال. أي من أجل الإثم الذي في قلبه، يعني الكفر. وقد فسرت العزة بالقوة وبالحمية والمنعة، وكلها متقاربة. وفي قوله: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ نوع من البديع يسمى التتميم، وهو إرداف الكلام (١) سورة البقرة: ١١/٢. (٢) سورة البقرة: ٢٠/٢. ٣٣٣ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ بكلمة يرفع عنه اللبس، وتقربه للفهم، كقوله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾(١) وذلك أن العزة محمودة ومذمومة، فالمحمودة طاعة الله، كما قال: ﴿أعزة على الكافرين﴾(٢) ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ (٣) ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾(٤) فلما قال: بالإثم، اتضح المعنى وتم، وتبين أنها العزة المذمومة المؤثم صاحبها. قال ابن مسعود: لا ينبغي للرجل أن يغضب إذا قيل له اتق الله، أو تقول: أو ◌ِثْلي يقال هذا؟ وقيل لعمر: اتق الله، فوضع خدّه على الأرض تواضعاً، وقيل: سجد، وقال: هذا مقدرتي. وتردّد يهودي إلى باب هارون الرشيد، سنة فلم يقض له حاجة، فتحيل حتى وقف بين يديه، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين: فنزل هارون عن دابته، وخرَّ ساجداً، وقضى حاجته، فقيل له في ذلك، فقال: تذكرت قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالاثم﴾. ﴿فحسبه جهنم﴾ أي: كافيه جزاءً وإذلالاً جهنم، وهي جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وذهب بعضهم إلى أن جهنم فاعل: بحسبه، لأنه جعله اسم فعل، إما بمعنى الفعل الماضي، أي: كفاه جهنم، أو: بمعنى فعل الأمر، ودخول حرف الجر عليه واستعماله صفة، وجريان حركات الإعراب عليه يبطل كونه اسم فعل، وقوبل على اعتزازه بعذاب جهنم، وهو الغاية في الذل، ولما كان قوله: اتق الله، حل به ما أمر أن يتقيه، وهو: عذاب الله، وفي قوله: فحسبه جهنم، استعظام لما حل به من العذاب، كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك! إذا استعظمت وعظمت علیه ما حل به. ﴿ولبئس المهاد﴾ تقدّم الكلام في: بئس، والخلاف في تركيب مثل هذه الجملة مذكور في علم النحو، لكن التفريع على مذهب البصريين في أن: بئس ونعم، فعلان جامدان، وأن المرفوع بعدهما فاعل بهما، وأن المخصوص بالذّم، إن تقدم، فهو مبتدأ، وإن تأخر فكذلك، هذا مذهب سيبويه. وحذف هنا المخصوص بالذم للعلم به إذ هو متقدّم، والتقدير: ولبئس المهاد جهنم. أو: هي، وبهذا الحذف يبطل مذهب من زعم أن المخصوص بالمدح أو بالذمّ إذا تأخر كان خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، لأنه يلزم من حذفه حذف الجملة بأسرها من غير أن ينوب عنها شيء، لأنها تبقى جملة مفلتة من الجملة السابقة قبلها، إذ ليس لها موضع من الإعراب، ولا هي اعتراضية (١) سورة الأنعام: ٣٨/٦. (٢) سورة المائدة: ٥٤/٥. (٣) سورة المنافقون: ٨/٦٣. (٤) سورة النساء: ١٣٩/٤. ٣٣٤ سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ ولا تفسيرية، لأنهما مستغنى عنهما وهذه لا يستغنى عنها، فصارت مرتبطة غير مرتبطة، وذلك لا يجوز. وإذا جعلنا المحذوف من قبيل المفرد. كان فيما قبله ما يدل على حذفه، وتكون جملة واحدة كحاله إذا تقدّم، وأنت لا ترى فرقاً بين قولك: زيد نعم الرجل، ونعم الرجل زيد، كما لا تجد فرقاً بين: زيد قام أبوه، وبين: قام أبوه زيد، وحسن حذف المخصوص بالذمَ هنا كون المهاد وقع فاصلة، وكثيراً ما حذف في القرآن لهذا المعنى نحو قوله: ﴿فنعم المولى ونعم النصير﴾(١) ﴿ولبئس مثوى المتكبرين﴾(٢) وجعل ما أعد لهم مهاداً على سبيل الهزء بهم، إذ المهاد: هو ما يستريح به الإنسان ويوطأ له للنوم، ومثله قول الشاعر: تحية بينهم ضرب وجيع وخيل قد دلفت لها بخيل أي: القائم مقام التحية هو الضرب الوجيع، وكذلك القائم مقام المهاد لهم هو المستقر في النار. ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ قيل المراد: بمن، غير معنى، بل هي في كل من باع نفسه لله تعالى في جهاد، أو صبر على دين، أو كلمة حق عند جائر، أو حمية لله، أو ذب عن شرعه، أو ما أشبه هذا. وقيل: هي في معين، فقيل في: الزبير والمقداد بعثهما رسول الله وَّل إلى مكة ليحطا خبيباً من خشبته، وقيل: في صهيب الرومي خرج مهاجراً فلحقته قريش، فنشل كنانته، وكان جيد الرمي شديد البأس محذوره، وقالوا: لا نترك حتى تدلنا على مالك، فدلهم على موضعه، فرجعوا عنه، وقيل: عذب ليترك دينه فافتدي من ماله وخرج مهاجراً، وقيل: في علي حين خلفه رسول الله وسلم بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع، وأمره بمبيته على فراشه ليلة خرج مهاجراً وَله . وقال الحسن: نزلت في المسلم يلقى الكافر فيقول: قل: لا إله إلا الله، فلا يقول، فيقول: والله لأشرين، فيقاتل حتى يقتل. وقال ابن عباس: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: في صهيب، وأبي ذر، وكان أبو ذر قد أخذه أهله فانقلب، فخرج مهاجراً. وقيل: في المهاجرين والأنصار، وذكر المفسرون غير هذا، وقصصاً طويلاً في أخبار هؤلاء المعينين الذين قيل نزلت فيهم الآية. (١) سورة الحج: ٧٨/٢٢. (٢) سورة النحل: ٢٩/١٦. ----- -- ٠١٠٠٠٠٠ ٣٣٥ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ į والذي ينبغي أن يقال: إنّه تعالى لما ذكر ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ وكان عاماً في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عاماً من: يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أي صعب كان، فكذلك المنافق مدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء، وحلاوة المنطق، وهذا باذلٌ نفسه لله ولمرضاته. وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذكر من تعيين من عين إنما هو على نحو من ضرب المثال، ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً، والمراد عموم اللفظ، ولما طال الفصل هنا بين القسم الأول والقسم الثاني، أتى في التقسيم الثاني بإظهار المقسم منه، فقال: ﴿ومن الناس من يشري﴾ بخلاف قوله: ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ فانه لما قرب ذكر أحد القسمين من القسم، أضمر في الثاني المقسم. ومعنى يشري: يبيع، وهو سائغ في اللسان، قال تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾(١) قال الشاعر: وشريت بُرداً ليتني من بعد بُردٍ كنت هامة ويشري: عبارة عن أن يبذل نفسه في الله، ومنه تسمى الشراة، وكأنهم باعوا أنفسهم من الله، وقال قوم: شری، بمعنى: اشترى، فإن كانت الآية في صھیب فهذا موجود فیه حیث اشتری نفسه بماله ولم یبعها . وانتصاب: ابتغاء، على أنه مفعول من أجله، أي الحامل لهم على بيع أنفسهم، إنما هو طلب رضى الله تعالى، وهو مستوفٍ لشروط المفعول من أجله من كونه مصدراً متحد الفاعل والوقت، وهذه الإضافة، أعنى: إضافة المفعول من أجله، هي محضة، خلافاً للجرمي، والرياشي، والمبرّد، وبعض المتأخرين، فانهم يزعمون أنها إضافة غير محضة، وهذا مذكور في كتب النحو. ومرضاة: مصدر بني على التاء: كمدعاة، والقياس تجريده عنها، كما تقول: مرمى ومغزى، وأمال الكسائي: مرضات، وعن ورش خلاف في إمالة: مرضات، وقرأنا له (١) سورة يوسف: ٢٠/١٢. ٣٣٦ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ بالوجهين، ووقف حمزة عليها بالتاء، ووقف الباقون بالهاء. فأمّا وقف حمزة بالتاء فيحتمل وجھین . أحدهما: أن يكون على مذهب من يقف من العرب على: طلحة، وحمزة، بالتاء، كالوصل، وهو كان القياس دون الإبدال. قال: دار لسلمى بعد حول قد عفت بل جوز تيهاء كظهر الحجفت وقد حكى هذه اللغة سيبويه . والوجه الآخر: أن تكون على نية الإضافة، كأنه نوى تقدير المضاف إليه، فأراد أن يعلم أن الكلمة مضافة، وأن المضاف إليه مراد: كإشمام من أشم الحرف المضموم في الوقف ليعلم أن الضمة مرادة، وفي قوله: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ إشارة إلى حصول أفضل ما عند الله للشهداء، وهو رضاه تعالی. وفي الحديث الصحيح، في مجاورة أهل الجنة ربهم تعالى، حين يسألهم: هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا كيف لا نرضى وقد أدخلتنا جنتك وباعدتنا من نارك؟ فيقول: ولكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: يا ربنا، وما أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده. ﴿والله رؤوف بالعباد﴾ حيث كلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الشهداء، قاله الزمخشري؛ وقال ابن عطية: ترجئة تقتضي الحض على إمتثال ما وقع به المدح في الآية، كما في قوله: ﴿فحسبه جهنم﴾ تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذمّ، وتقدّم أن الرأفة أبلغ من الرحمة. والعباد إن كان عاماً، فرأفته بالكافرين إمهالهم إلى انقضاء آجالهم، وتيسير أرزاقهم لهم، ورأفته بالمؤمنين تهيئته إياهم لطاعته، ورفع درجاتهم في الجنة. وإن كان خاصاً، وهو الأظهر، لأنه لما ختم الآية بالوعيد من قوله: ﴿فحسبه جهنم﴾ وكان ذلك خاصاً بأولئك الكفار، ختم هذه بالوعد المبشر لهم بحسن الثواب، وجزيل المآب، ودل على ذلك بالرأفة التي هي سبب لذلك، فصار ذلك كناية عن إحسان الله إليهم، لأن رأفته بهم تستدعي جميع أنواع الإحسان، ولو ذكر أي نوع من الإحسان لم يفد ما أفاده لفظ الرأفة، ولذلك كانت الكناية أبلغ، ويكون إذ ذاك في لفظ: العباد، التفاتاً، إذ هو خروج من ضمير غائب ٣٣٧ سورة البقرة / الآيات : ١٠٣ - ٢١٢ مفرد إلى اسم ظاهر، فلو جرى على نظم الكلام السابق لكان: والله رؤوف به أو بهم، وحسن الالتفات هنا بهذا الاسم الظاهر شيئان. أحدهما: أن لفظ: العباد، له في استعمال القرآن تشريف واختصاص، كقوله: ﴿إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾(١) ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾(٢) ﴿ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا﴾(٣) ﴿بل عباد مكرمون﴾ (٤). والثاني: مجيء اللفظة فاضلة، لأن قبله: ﴿والله لا يحب الفساد، فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾ فناسب: ﴿والله رؤوف بالعباد﴾. وفي هذه الآية، والتي قبلها من علم البديع: التقسيم، وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ قال بعض الناس: في هذه الآيات نوع من البديع، وهو التقديم والتأخير، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام، وذلك قوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ متقدم على قوله: ﴿فمن الناس من يقول﴾ لأن قوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ معطوف عليه، قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ وقوله: ﴿فمن الناس من يقول﴾ معطوف على قوله: ﴿ومنهم من يقول) وقوله: ﴿ومنهم من يقول﴾ معطوف على قوله: ﴿ومن الناس من يعجبك﴾ وعلى قوله: ﴿ومن الناس من يشري﴾ فيصير الكلام معطوفاً على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى، ويصير التقسيم معطوفاً بعضه على بعض، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ، ثم قال: ومثل هذا، فذكر قصة البقرة، وقتل النفس، وقصة المتوفى عنها زوجها، في الآيتين، قال: ومثل هذا في القرآن كثير، يعني: التقديم والتأخير، ولا يذهب إلى ما ذكره، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات، وتنزه کتاب الله تعالى عنه. ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه، كانوا يتقون السبت، ولحم الحمل، وأشياء تتقيها أهل الكتاب، قاله عكرمة، ورواه أبو صالح عن ابن عباس، أو: في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله وَل﴾، قاله (١) سورة الحجر: ٤٢/١٥. (٢) سورة الإسراء: ١/١٧. (٣) سورة فاطر: ٣٢/٣٥. (٤) سورة الأنبياء: ٢٦/٢١. تفسير البحر المحيط ج٢ م٢٢ ٣٣٨ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ الضحاك. وروي عن ابن عباس: أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام، قاله مجاهد، وقتادة. أو: في المنافقين، واحتج لهذا بورودها عقيب صفة المنافقين، وعلى هذا الاختلاف في سبب النزول اختلفت أقاويل أهل التفسير. وقرأ نافع، وابن كثير، والكسائي: بفتح السين في السلم، وكذلك في الأنفال: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾(١) وفي القتال: ﴿وتدعوا إلى السلم﴾(٢). واختلف في السلم هنا، فقيل: هو الإسلام، لأن الإسلام: قد يسمى: سِلماً بكسر السين، وقد يروى فيه الفتح، كما روي في السلم الذي هو الصلح الفتح والكسر، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل، وجوّز أبو عليّ الفارسي أن يكون السلم هنا هو الذي بمعنى الصلح، لأن الإسلام صلح على الحقيقة، ألا ترى أنه لا قتال بين أهله، وأنهم يد واحدة على من سواهم؟ فإن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه فقد أمروا بالدخول في شرائع الإسلام، وأن لا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بما سبق من أنبيائهم ادخلوا في هذه الشريعة، وهي لهم، كأنه قيل: يا من سبق له الإيمان بالتوراة والإنجيل، وهما دالان على صدق هذه الشريعة، ادخلوا في هذه الشريعة، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى: يا من آمن بقلبه، وصدّق، ادخل في شرائع الإسلام، واجمع إلى الإيمان الإسلام. وقد فسر رسول الله وير الإيمان والإسلام في حديث سؤال جبريل حين سأله عن حقيقة كل واحد منهما. وإن كان الخطاب للمنافقين، فالمعنى: يا من آمن بلسانه، ادخل في الإسلام بالقلب حتى يطابق القول الاعتقاد. والظاهرمن هذه الأقوال أنه خطاب للمؤمنين، أمروا بامتثال شرائع الإسلام، أو بالانقياد، والرضى وعدم الاضطرار، أو بترك الانتقام، وأمروا كلهم بالائتلاف وترك الاختلاف، ولذلك جاء بقوله ﴿كافة﴾ وانتصاب ﴿كافة﴾ على الحال من الفاعل في: ادخلوا، والمعنى ادخلوا في السلم جميعاً، وهي حال تؤكد معنى العموم، فتفيد معنى : كل، فإذا قلت: قام الناس كافة، فالمعنى قاموا كلهم، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون حالاً من السلم، أي في شرائع الإسلام كلها، أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. ١ (١) سورة الأنفال: ٦١/٨. (٢) سورة محمد: ٤٧ /٣٥. ١ ٣٣٩ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ قال الزمخشري: ويجوز أن تكون: كافة، حالاً من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، قال الشاعر: والحرب تكفيك من أنفاسها جُرع السلم تأخذ منها ما رضیت به على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يخلوا بشيء منها. وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن رسول الله وه لال أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل. و: كافة، من الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم. انتهى كلام الزمخشري. وتعليله جواز أن يكون: كافة، حالاً من السلم بقوله: لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، ليس بشيء، لأن التاء في: كافة، وإن كان أصلها للتأنيث، ليست فيها إذا كانت حالاً للتأنيث، بل صار هذا نقلاً محضاً إلى معنى: جميع وكل، كما صار: قاطبة، وعامة، إذا كان حالاً نقلاً محضاً إلى معنى: كل وجميع. فإذا قلت: قام الناس كافة، أو قاطبة، أو عامة، فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث، كما لا يدل عليه: كل، ولا جميع. وتوكيده بقوله: وفي شعب الإسلام وشرائعه كلها، هو الوجه الأول من قوله: بأن يدخلوا في الطاعات كلها، فلا حاجة إلى هذا الترديد بأو. وقال ابن عطية: وقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد نَّر، والمعنى: أمرهم بالثبوت فيه، والزيادة من التزام حدوده. وتستغرق: كافة، حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فيكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾(١) إلى غير ذلك من الأمثلة . ثم قال بعد كلام ذكره: وكافة، معناه: جميعاً. والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها. انتهى كلامه. وقوله: فيكون الحال من شيئين، يعني: من الفاعل في ادخلوا، ومن السلم، وهذا الذي ذكره محتمل، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل، وذلك جائز، يعني: مجيء الحال الواحدة من شيئين، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو. (١) سورة مريم: ٢٧/١٩. س ٣٤٠ سورة البقرة / الآيات: ١٠٣ - ٢١٢ وقوله: نحو قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾(١) يعني أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت، ومن الضمير المجرور بالباء، هذا المثال ليس بمطابق للحال من شيئين، لأن لفظ: تحمله، لا يحتمل شيئين، ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين، والإخبار بتلك الحال عنهما، فمتى صح ذلك صحت الحال، ومتى امتنع امتنعت. مثال ذلك قوله: ولم يبد للأتراب من ثديها حجم وعلقت سلمى وهي ذات موصد إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا فصغيرين: حال من الضمير في علقت، ومن سلمى، لأنه يصلح أن يقول أنا وسلمى صغیران نرعی البهم، ومثله: خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا فنمشي حال من التاء في: خرجت، ومن الضمير المجرور في بها، ويصلح أن تقول: أنا وهي نمشي، وهنا لا يصلح أن تكون تحمله خبراً عنهما، لو قلت: هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً، نحو قوله: هند وزيد تكرمه، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أنّ يقدر إلّ بمفرد، فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال، ولذلك أعرب المعربون في : خرجت بها نمشي تجر وراءنا نمشي: حالاً منهما، وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة، لأنه لو قيل: أنا وهي تجر وراءنا لم يجز أن يكون تجر خبراً عنها، لأن تجر وتحمل إنما يتقدران بمفرد، أي حاملة وجارة، وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما. و﴿كافة﴾ لدلالته على معنى: جميع، يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في: ادخلوا، ومن السلم، بمعنى شرائع الإسلام، لأنك لو قلت: الرجال والنساء جميع في كذا، صح أن يكون خبراً. لا يقال كافة لا يصلح أن يكون خبراً، لا تقول: الزيدون والعمرون كافة، في كذا، فلا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت، لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة: كافة، إذ لم (١) سورة مريم: ٢٧/١٩.