Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ العبادة المشروعة؟ وقال القفال: دعاهم إلى أن لا يتحرّوا في أعمالهم غير وجه الله تعالى، ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف عليهم أن تشغلهم دنياهم. وفي ذلك دليل على أن شفقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليهم. من بعدي: يريد من بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خير، كما يخير الأنبياء، اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا القول. ﴿قالوا نعبد إلّهك وإلّه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾: هذه قراءة الجمهور. وقرأ أبي: وإلّه إبراهيم، بإسقاط آبائك. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدري، وأبو رجاء: وإلّه أبيك. فأما على قراءة الجمهور، فإبراهيم وما بعده بدل من آبائك، أو عطف بيان. وإذا كان بدلاً، فهو من البدل التفصيلي، ولو قرىء فيه بالقطع، لكان ذلك جائزاً. وأجاز المهدوي أن يكون إبراهيم وما بعده منصوباً على إضمار، أعني : وفيه دلالة على أن العم يطلق عليه أب. وقد جاء في العباس: هذا بقية آبائي، وردّوا عليّ أبي، وأنا ابن الذبيحين، على القول الشهير: أن الذبيح هو إسحاق، وفيه دلالة على أن الجدّ يسمى أباً لقوله: ﴿وإلّه آبائك إبراهيم﴾، وإبراهيم جدّ ليعقوب. وقد استدل ابن عباس بذلك وبقوله: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾(١) على توريث الجدّ دون الإخوة، وإنزاله منزلة الأب في الميراث، عند فقد الأب، وأن لا يختلف حكمه وحكم الأب في الميراث، إذا لم يكن أب، وهو مذهب الصديق وجماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، وهو قول أبي حنيفة. وقال زيد بن ثابت: هو بمنزلة الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فيعطى الثلث، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي. وقال علي: هو بمنزلة أحد الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من السدس، فيعطى السدس، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال ابن أبي ليلى، وحجج هذه الأقوال في كتب الفقه. وأما قراءة أبيّ فظاهرة، وأما على قراءة ابن عباس، ومن ذكر معه، فالظاهر أن لفظ أبيك أريد به الإفراد ويكون إبراهيم بدلاً منه، أو عطف بيان. وقيل: هو جمع سقطت منه النون للإضافة، فقد جمع أب على أبين نصباً وجراً، وأبون رفعاً، حكى ذلك سيبويه، وقال الشاعر: (١) سورة يوسف: ٣٨/١٢. تفسير البحر المحيط ج١ م٤١ ٦٤٢ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ بكين وفدّيننا بالأبينا فلما تبين أصواتنا وعلى هذا الوجه يكون إعراب إبراهيم مثل إعرابه حين كان جمع تكسير. وفي إجابتهم له بإظهار الفعل تأكيد لما أجابوه به، إذ كان يجوز أن يقال: قالوا إلَهك، فتصريحهم بالفعل تأكيد في الجواب أنه مطابق للسؤال، أعني في العامل الملفوظ به في السؤال. وإضافة الإِلّه إلى يعقوب فيه دليل على اتحاد معبود السائل والمجيب لفظاً. وفي قوله: وإلّه آبائك دليل على اتحاد المعبود أيضاً من حيث اللفظ، وإنما كرر لفظ وإلّه، لأنه لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة جارّه، إلا في الشعر، أو على مذهب من يرى ذلك، وهو عنده قليل. فلو كان المعطوف عليه ظاهراً، لكان حذف الجار، إذا كان اسماً، أولى من إثباته، لما يوهم إثباته من المغايرة. فإن حذفه يدل على الاتحاد. وبدأ أولاً بإضافة الإلّه إلى يعقوب، لأنه هو السائل، وقدم إبراهيم، لأنه الأصل، وقدم إسماعيل على إسحاق، لأنه أسنّ أو أفضل، لكون رسول الله وَ ◌ّر من ذريته، وهو في عمود نسبه. واقتصر على هؤلاء، لأنهم كانوا خير الناس في أزمانهم، ولم يعم، لأن الناس كان لهم معبودون کثیرون دون الله . ﴿إلها واحداً﴾: يجوز أن يكون بدلاً، وهو بدل نكرة موصوفة من معرفة، ويجوز أن يكون حالاً، ويكون حالاً موطئة نحو: رأيتك رجلاً صالحاً. فالمقصود إنما هو الوصف، وجيء باسم الذات توطئة للوصف. وجوّز الزمخشري أن ينتصب على الاختصاص، أي يريد بإلَهك إلّهاً واحداً. وقد نص النحويون على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً. وفائدة هذه الحال، أو البدل، هو التنصيص على أن معبودهم واحد فرد، إذ قد توهم إضافة الشيء إلى كثيرين تعداد ذلك المضاف، فنهض بهذه الحال أو البدل على نفي ذلك الإيهام. ﴿ونحن له مسلمون﴾: أي منقادون لما ذكر الجواب بالفعل الذي هو نعبد، لأن العبادة متجددة دائماً. ذكر هذه الجملة الإسمية المخبر عن المبتدأ فيها باسم الفاعل الدال على الثبوت، لأن الانقياد لا ينفكون عنه دائماً، وعنه تكون العبادة، فيكون قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ أحد جملتي الجواب. فأجابوه بشيئين: أحدهما: الذي سأل عنه، والثاني: مؤكد لما أجابوا به، فيكون من باب الجواب المربي على السؤال. وأجاز بعضهم أن تكون الجملة حالية من الضمير في نعبد، والأول أبلغ، وهو أن تكون الجملة معطوفة على قوله: ﴿نعبد﴾، فيكون أحد شقي الجواب. وأجاز الزمخشري أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي: ومن حالنا أنا نحن له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون. ٦٤٣ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ والذي ذكره النحويون أن جملة الاعتراض هي الجملة التي تفيد تقوية بين جزأي موصول وصلة، نحو قوله: ماذا ولا عتب في المقدور رمت إما تخطيك بالنجح أو خسر وتضليل وقال : والحق يدفع ترهات الباطل ذاك الذي وأبيك يعرف مالكاً أو بین جزأي إسناد، نحو قوله: وقد أدركتني والحوادث جمة أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل أو بين فعل شرط وجزائه، أو بين قسم وجوابه، أو بين منعوت ونعته، أو ما أشبه ذلك مما بينهما تلازم مّا. وهذه الجملة التي هي قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ ليست من هذا الباب، لأن قبلها كلاماً مستقلاً، وبعدها كلام مستقل، وهو قوله: ﴿تلك أمّة قد خلت﴾. لا يقال: إن بين المشار إليه وبين الإخبار عنه تلازم يصح به أن تكون الجملة معترضة، لأن ما قبلها من كلام بني يعقوب، حكاه الله عنهم، وما بعدها من كلام الله تعالى، أخبر عنهم بما أخبر تعالى. والجملة الاعتراضية الواقعة بين متلازمين لا تكون إلا من الناطق بالمتلازمين، يؤكد بها ويقوي ما تضمن كلامه. فتبين بهذا كله أن قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ ليس جملة اعتراضية. وقال ابن عطية: ﴿ونحن له مسلمون﴾ ابتداء وخبر، أي: كذلك كنا ونحن نكون. ويحتمل أن يكون في موضع الحال. والعامل نعبد والتأويل الأول أمدح. انتهى كلامه. ويظهر منه أنه جعل الجملة معطوفة على جملة محذوفة، وهي قوله: كذلك كنا، ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار، لأنه يصح عطفها على نعبد إلّهك، كما ذكرناه وقررناه قبل. ومتى أمكن حمل الكلام على غير إضمار، مع صحة المعنى، كان أولى من حمله على الإضمار. وفي المنتخب ما ملخصه تمسك بهذه الآية المقلدة، وقالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، ولم ينكره هو عليهم، فدل على أن التقليد كاف، واستدل بها التعليمية، قالوا: لا طريق لمعرفة الله تعالى إلا بتعليم الرسول والإمام، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: لا نعبد إلا الذي أنت تعبده وآباؤك تعبده، وهذا يدل على أن طريقة المعرفة التعلم. وما ذهبوا إليه لا دليل في الآية عليه، لأن الآية لم تتضمن إلا الإقرار بعبادة الإله. والإقرار بالعبادة لله لا تدل على أن ذلك ناشىء عن تقليد، ولا تعليم، ولا أنه أيضاً ٦٤٤ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ ناشىء عن استدلال بالعقل، فبطل تمسكهم بالآية. وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال العقلي، لأنها لم تجىء في معرض ذلك، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد موته، فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه، وهو الله تعالى، وكان ذلك أخصر في القول من شرح صفاته تعالى من الوحدانية والعلم والقدرة وغير ذلك من صفاته، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب، فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على طريقتك. وقد يقال: إن في قوله: ﴿نعبد إلّهك وإلّه آبائك﴾ إشارة إلى الاستدلال العقلي على وجود الصانع، لأنه قد تقدّم في أول السورة: ﴿يا أيّها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾(١)، فمرادهم هنا بقولهم: ﴿نعبد إلَهك وإلّه آبائك﴾ الإله الذي دل عليه وجود آبائك، وهذا إشارة إلى الاستدلال. ﴿تلك أمّة قد خلت﴾، تلك: إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وأبنائهما. ومعنى خلت: ماتت وانقضت وصارت إلى الخلاء، وهو الأرض الذي لا أنيس به. والمخاطب هم اليهود والنصارى الذين ادّعوا لإبراهيم وبنيه اليهودية والنصرانية. والجملة من قوله: قد خلت، صفة لأمّة. ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾: أي تلك الأمّة مختصة بجزاء ما كسبت، كما أنكم كذلك مختصون بجزاء ما كسبتم من خير وشرّ، فلا ينفع أحداً كسب غيره. وظاهر ما أنها موصولة وحذف العائد، أي لها ما كسبته. وجوّزوا أن تكون ما مصدرية، أي لها كسبها، وكذلك ما في قوله: ﴿ولكم ما كسبتم﴾. ويجوز أن تكون الجملة من قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ استئنافاً، ويجوز أن تكون جملة خالية من الضمير في خلت، أي انقضت مستقراً ثابتاً، لها ما كسبت. والأظهر الأول، لعطف قوله: ﴿ولكم ما كسبتم﴾ على قوله: ﴿لها ما كسبت﴾. ولا يصح أن يكون ﴿ولكم ما كسبتم﴾ عطفاً على جملة الحال قبلها، لاختلاف زمان استقرار كسبها لها. وزمان استقرار كسب المخاطبين، وعطف الحال على الحال، يوجب اتحاد الزمان. افتخروا بأسلافهم، فأخبروا أن أحداً لا ينفع أحداً، متقدّماً كان أو متأخراً. وروي: يا بني هاشم! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم! با فاطمة، لا أغني عنك من الله شيئاً! قال ابن عطية: وفي هذه الآية ردّ على الجبرية القائلین: لا اكتساب للعبد. انتهى. وهذه مسألة يبحث فيها في أصول الدين، وهي من المسائل المعضلة، ومذاهب أهل (١) سورة البقرة: ٢١/٢. ٦٤٥ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ الإسلام فيها أربعة. أحدها: قول الجبرية، وهو أن العبد مجبور على فعله، وأنه لا اختيار له في ذلك، بل هو ملجأ إليه، وأن نسبة الفعل إليه كنسبة حركة الغصن إليه، إذا حركه محرك. والثاني: قول القدرية، وهو أنهم ليسوا مجبورين على الفعل، بل لهم قدرة على إيجاد الفعل. والثالث: قول المعتزلة، أن العبد له قدرة يخلقها الله له قبل الفعل، وهو متمكن من إيقاعه وعدم إيقاعه. والرابع: مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله يخلق للعبد تمكيناً وقدرة مع الفعل يفعل بها الخير والشر، لا على سبيل الاضطرار والإلجاء، وهذا التمكين هو مناط التكليف الذي يترتب عليه العقاب والثواب. ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل، اختلفوا في تفسيره على ثلاثة تفاسير: أحدها: قول أبي الحسن: أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير في المقدور، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله، وهو متعلق القدرة الحادثة، هو الكسب. والثاني: قول الباقلاني: أن ذات الفعل لم تحصل له صفة، كونه طاعة ومعصية، بل هذه الصفة حصلت له بالقدرة الحادثة. والثالث: قول أبي إسحاق الإسفرائني: أن القدرتين، القديمة والحديثة، إذا تعلقتا بمقدور وقع بهما، فكان فعل العبد يوقع بإعانة، فهذا هو الكسب. ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾: جملة توكيدية لما قبلها، لأنه قد أخبر بأن كل أحد مختص بكسبه من خير، وإذا كان كذلك، فلا يسأل أحد عن عمل أحد. فكما أنه لا ينفعكم حسناتهم، فكذلك لا تسألون ولا تؤاخذون بسيئات من اكتسبها. ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(١)، كل شاة برجلها تناط. قالوا: وفي هذه الآية، وما قبلها، دليل على أن للإنسان أن يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله، إفحاماً له، وإن لم يكن ذلك حجة في نفسه، لأن من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج على نبوّته بأمثال هذه الكلمات، بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة. لكنه لما أقام الحجة بها وأزاح العلة، وجدهم معاندين مستمرين على باطلهم. فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس ما كانوا عليه، فقال: إن كان الدين بالاتباع، فالمتفق عليه أولى. وفي قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ إلى آخره، دلالة على بطلان قول من يقول بجواز تعذيب أولاد المشركين بذنوب آبائهم. وفي الآية قبلها دلالة على أن الأبناء يثابون على طاعة الآباء. ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾: الضمير عائد في قالوا على رؤساء اليهود (١) سورة الأنعام: ١٦٤/٦، وسورة الإسراء: ١٧ /١٥، وسورة فاطر: ١٨/٣٥، وسورة الزمر: ٧/٣٩. ٦٤٦ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ الذين كانوا بالمدينة، وعلى نصارى نجران، وفيهم نزلت. كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب، وأبيّ بن ياس بن أخطب، والسيد، والعاقب وأصحابهما خاصموا المسلمين في الدين، كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله من غيرها، فأخبر الله عنهم وردّ عليهم. وأو هنا للتفصيل، كأو في قوله: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾(١). والمعنى: وقالت اليهود كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، فالمجموع قالوا للمجموع، لا أن كل فرد فرد أمر باتباع أي الملتين. وقد تقدّم إيضاح ذلك وإشباع الكلام فيه في قوله: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة﴾. ﴿قل بل ملة إبراهيم): قرأ الجمهور: بنصب ملة بإضمار فعل. أما على المفعول، أي بل نتبع ملة، لأن معنى قوله: ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾: اتبعوا اليهودية أو النصرانية. وأما على أنه خبر كان، أي بل تكون ملة إبراهيم، أي أهل ملة إبراهيم، كما قال عدي بن حاتم، إني من دين، أي من أهل دين، قاله الزجاح. وأما على أنه منصوب على الإعراء، أي الزموا ملة إبراهيم، قاله أبو عبيد. وأما على أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي نقتدي ملة، أي بملة، وهو يحتمل أن يكون خطاباً للكفار، فيكون المضمر اتبعوا، أو كونوا. ويحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، فيقدر بنتبع، أو تكون، أو نقتدي على ما تقدم تقديره. وقرأ ابن هرمز الأعرج، وابن أبي عبلة: ﴿بل ملة إبراهيم﴾، برفع ملة، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي بل الهدى ملة، أو أمرنا ملته، أو نحن ملته، أي أهل ملته، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي بل ملة إبراهيم حنيفاً ملتنا. ﴿حنيفاً﴾: ذكروا أنه منصوب على الحال من إبراهيم، أي في حال حنيفيته، قاله المهدوي وابن عطية والزمخشري وغيرهم. قال الزمخشري: كقولك رأيت وجه هند قائمة، وأنه منصوب بإضمار فعل، حكاه ابن عطية. وقال: لأن الحال تعلق من المضاف إليه. انتهى. وتقدير الفعل نتبع حنيفاً، وأنه منصوب على القطع، حكاه السجاوندي، وهو تخريج كوفي، لأن النصب على القطع إنما هو مذهب الكوفيين. وقد تقدم لنا الكلام فيه، واختلاف الفراء والكسائي، فكان التقدير: بل ملة إبراهيم الحنيف، فلما نكره، لم يمكن اتباعه إياه، فنصبه على القطع. أما الحال من المضاف إليه، إذا كان المضاف غير عامل في المضاف إليه قبل الإضافة، فنحن لا نجيزه، سواء كان جزءاً مما أضيف إليه، أو كالجزء، أو غير ذلك. وقد أمعنا الكلام على ذلك في (كتاب منهج المسالك) من تأليفنا. (١) سورة البقرة: ١١١/٢. ٦٤٧ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ وأما النصب على القطع، فقد ردّ هذا الأصل البصريون. وأما إضمار الفعل فهو قريب، ويمكن أن يكون منصوباً على الحال من المضاف، وذكر حنيفاً ولم يؤنث لتأنيث ملة، لأنه حمل على المعنى، لأن الملة هي الدين، فكأنه قيل: نتبع دين إبراهيم حنيفاً. وعلى هذا خرجه هبة الله بن الشجري في المجلس الثالث من أماليه. قال: قيل إن حنيفاً حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندي أن يجعله حالاً من الملة، وإن خالفها بالتذكير، لأن الملة في معنى الدين. ألا ترى أنها قد أبدلت من الدين في قوله جل وعز: ﴿ديناً قيماً ملة إبراهيم﴾(١)؟ فإذا جعلت حنيفاً حالاً من الملة، فالناصب له هو الناصب للملة، وتقديره: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وإنما ضعف الحال من المضاف إليه، لأن العامل في الحال ينبغي أن يكون هو العامل في ذي الحال. انتهى كلامه. وتكون حالاً لازمة، لأن دين إبراهيم لم ينفك عن الحنيفية، وكذلك يلزم من جعل حنيفاً حالاً من إبراهيم أن يكون حالاً لازمة، لأن إبراهيم لم ينفك عن الحنيفية. والحنيف: هو المائل عن الأديان كلها، قاله ابن عباس؛ أو المائل عما عليه العامّة، قاله الزجاج، أو المستقيم، قاله ابن قتيبة؛ أو الحاج، قاله ابن عباس أيضاً؛ وابن الحنفية، أو المتبع، قاله مجاهد؛ أو المخلص، قاله السدّي؛ أو المخالف للكل، قاله ابن بحر؛ أو المسلم، قاله الضحاك، قال: فإذا جمع الحنيف مع المسلم فهو الحاج، أو المختتن. أو الحنف: هو الاختتان، وإقامة المناسك، وتحريم الأمّهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، عشرة أقوال متقاربة في المعنى. وإنما خص إبراهيم دون غيره من الأنبياء، وإن كانوا كلهم مائلين إلى الحق، مستقيمي الطريقة حنفاء، لأن الله اختص إبراهيم بالإمامة، لما سنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، مما يقتدى به إلى قيام الساعة. وصارت الحنيفية علماً مميزاً بين المؤمن والكافر. وسمي بالحنيف: من اتبعه واستقام على هديه، وسمي المنكث عن ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: يهودي ونصراني ومجوسي، وغير ذلك من ضروب النحل. ﴿وما كان من المشركين): أخبر الله تعالى أنه لم يكن يعبد وثناً، ولا شمساً، ولا قمراً، ولا كوكباً، ولا شيئاً غير الله تعالى. وكان في قوله: ﴿بل ملة إبراهيم﴾ دليل على أن ملته مخالفة لملة اليهود والنصارى، ولذلك أضرب ببل عنهما، فثبت أنه لم یکن یهودیاً ولا نصرانياً. وكانت العرب ممن تدين بأشياء من دين إبراهيم، ثم كانت تشرك، فنفى الله عن إبراهيم أن يكون من المشركين. وقيل: في الآية تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأن (١) سورة الأنعام: ١٦١/٦ . ٦٤٨ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ كلا منهم يدعي اتباع إبراهيم، وهو على الشرك، قاله الزمخشري. فإشراك اليهود بقولهم: عزير ابن الله، وإشراك النصارى بقولهم: ﴿المسيح ابن الله﴾، وإشراك غيرهما بعبادة الأوثان وغيرها . ﴿قولوا آمنا بالله﴾ الآية، خرج البخاري، عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ويتليفون: ((لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، ولكن قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية، فإن كان حقاً لم تكذبوه وإن كان كذباً لم تصدّقوه)). والضمير في قوله: ﴿قولوا﴾، عائد على الذين قالوا: ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾. أمروا بأن يكونوا على الحق، ويصرحوا به. ويجوز أن يعود على المؤمنين، وهو أظهر. وارتبطت هذه الآية بما قبلها، لأنه لما ذكر في قوله: ﴿بل ملة إبراهيم﴾، جواباً إلزامياً، وهو أنهم: وما أمروا باتباع اليهودية والنصرانية، وإنما كان ذلك منهم على سبيل التقليد. هذا، وكل طائفة منهما تكفر الأخرى، أجيبوا بأن الأولى في التقليد اتباع ابراهيم، لأنهم، أعني الطائفتين المختلفتين، قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم. والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف فيه، إن كان الدين بالتقليد. فلما ذكر هنا جواباً إلزامياً، ذكر بعده برهاناً في هذه الآية، وهو ظهور المعجزة عليهم بإنزال الآيات. وقد ظهرت على يد محمد وَلر، فوجب الإيمان بنبوّته. فإن تخصيص بعض بالقبول وبعض بالرّ، يوجب التناقض في الدليل، وهو ممتنع عقلاً. ﴿وما أنزل إلينا﴾: إن كان الضمير في قولوا للمؤمنين، فالمنزل إليهم هو القرآن، وصح نسبة إنزاله إليهم، لأنهم فيه هم المخاطبون بتكاليفه من الأمر والنهي وغير ذلك، وتعدية أنزل بإلى، دليل على انتهاء المنزل إليهم. وإن كان الضمير في قولوا عائداً على اليهود والنصارى، فالمنزل إلى اليهود: التوراة، والمنزل إلى النصارى: الإنجيل، ويلزم من الإيمان بهما، الإيمان برسول الله وَطه. ويصح أن يراد بالمنزل إليهم: القرآن، لأنهم أمروا باتباعه، وبالإيمان به، وبمن جاء على يديه. ﴿وما أنزل إلى إبراهيم﴾: الذي أنزل على إبراهيم عشر صحائف. قال: ﴿إِن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى﴾(١)، وكرر الموصول، لأن المنزل إلينا، وهو القرآن، غير تلك الصحائف التي أنزلت على إبراهيم. فلو حذف الموصول، لأوهم (١) سورة الأعلى: ١٨/٨٧ - ١٩. ٦٤٩ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ أن المنزل إلينا هو المنزل إلى ابراهيم، قالوا: ولم ينزل إلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وعطفوا على إبراهيم، لأنهم كلفوا العمل به والدعاء إليه، فأضيف الإنزال إليهم، كما أضيف في قوله: ﴿وما أنزل إلينا﴾. والأسباط هم أولاد يعقوب، وهم اثنا عشر سبطاً. قال الشريف أبو البركات الجوّاني النسابة: وولد يعقوب النبي ◌َّ: يوسف النبي ◌َّر، صاحب مصر وعزيزها، وهو السبط الأول من أسباط يعقوب عليه السلام الاثني عشر، والأسباط سوى يوسف: كاذ، وبنيامين، ويهوذا، ويفتالي، وزبولون، وشمعون، وروبين، ويساخا، ولاوي، وذان، وياشيرخا من يهوذا بن يعقوب، وسليمان النبي ◌َّ. وجاء من سليمان عليه السلام النبي: مريم ابنة عمران، أمّ المسيح عليهما السلام. وجاء من لاوي بن يعقوب: موسى كليم الله وهارون أخوه عليهما السلام. انتهى كلامه. وقال ابن عطية: والأسباط هم ولد يعقوب. وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ورفالون، وبشجر، وذينة بنته، وأمّهم لياثم. خلف على أختها راحيل، فولدت له: یوسف، وبنيامين. وولد له من سريتين: داني، ونفتالي، وجاد، وآشر. انتهى كلامه، وهو مخالف لكلام الجواني في بعض الأسماء. وقيل: روبيل أكبر ولده. وقال الحسين بن أحمد بن عبد الرحيم البيساني: روبيل أصح وأثبت، يعني باللام، قال: وقبره في قرافة مصر، في لحف الجبل، في تربة أليسع عليهما السلام. ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾: أي: وآمنا بالذي أوتي موسى من التوراة والآيات، وعيسى من الإنجيل والآيات. وموسى هنا: هو موسى بن عمران، كليم الله. وقال الحسين بن أحمد البيساني: وفي ولد ميشا بن يوسف، يعني الصديق: موسى بن ميشا بن يوسف. وزعم أهل التوراة أن الله نبأه، وأنه صاحب الخضر. وذكر المؤرّخون أنه لما مات يعقوب، فشا في الأسباط الكهانة، فبعث الله موسى بن ميشا يدعوهم إلى عبادة الله، وهو قبل موسى بن عمران بمائة سنة، والله أعلم بصحة ذلك. انتھی کلامه، ونص على موسى وعيسى، لأنهما متبوعا اليهود والنصارى بزعمهم، والكلام معهم، ولم يكرر الموصول في عيسى، لأن عيسى إنما جاء مصدقاً لما في التوراة، لم ينسخ منها إلا نزراً يسيراً. فالذي أوتيه عيسى هو ما أوتيه موسى، وإن كان قد خالف في نزر يسير. وجاء: ﴿وما أنزل إلينا﴾، وجاء: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾، تنويعاً في الكلام وتصرفاً في ألفاظه، وإن كان المعنى واحداً، إذ لو كان كله بلفظ الإيتاء، أو بلفظ الإنزال، لما كان فيه حلاوة التنوع في الألفاظ. ألا تراهم لم يستحسنوا قول أبي الطيب: ٦٥٠ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ بأهل النهب من نهب القماش ونهب نفوس أهل النهب أولى ولما ذكر في الإنزال أوّلاً خاصاً، عطف عليه جمعاً. كذلك لما ذكر في الإيتاء خاصاً، عطف عليه جمعاً. ولما أظهر الموصول في الإنزال في العطف، أظهره في الإيتاء فقال: ﴿وما أوتي النبيون من ربهم﴾، وهو تعميم بعد تخصيص. وظاهر قوله: ﴿وما أوتي﴾ يقتضي التعميم في الكتب والشرائع. وفي حديث لأبي سعيد الخدري، قلت: يا رسول الله، كم أنزل الله؟ قال: ((مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، ثم أنزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان. وأما عدد الأنبياء، فروي عن ابن عباس ووهب بن منبه: أنهم مائة ألف نبي، ومائة وعشرون ألف نبي، كلهم من بني إسرائيل، إلا عشرين ألف نبي. وعدد الرسل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، كلهم من ولد يعقوب، إلا عشرين رسولاً، ذكر منهم في القرآن خمسة وعشرين، نص على أسمائهم وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وأليسع، وإلياس، ويونس، وأيوب، وداود، وسليمان، وزكريا، وعزير، ويحيى، وعيسى، ومحمد، ﴿. وفي رواية عن ابن عباس: أن الأنبياء كلهم من بني إسرائيل، إلا عشرة: نوحاً، وهوداً، وشعيباً، وصالحاً، ولوطاً، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمداً، صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وابتدىء أولاً بالإيمان بالله، لأن ذلك أصل الشرائع، وقدم ﴿ما أنزل إلينا﴾، وإن كان متأخراً في الإنزال عن ما بعده، لأنه أولى بالذكر، لأن الناس، بعد بعثة محمد ◌َّر، مدعوّون إلى الإيمان بما أنزل إليه جملة وتفصيلاً. وقدم ﴿ما أنزل إلى إبراهيم) على (ما أوتي موسى وعيسى﴾، للتقدّم في الزمان، أو لأن المنزل على موسى، ومن ذكر معه، هو المنزل إلى إبراهيم، إذ هم داخلون تحت شريعته. ﴿وما أوتي موسى﴾: ظاهره العطف على ما قبله من المجرورات المتعلقة بالإيمان، وجوّزوا أن يكون: ﴿وما أوتي موسى وعيسى) في موضع رفع بالابتداء، وما أوتي الثانية عطف على ما أوتي، فيكون في موضع رفع. والخبر في قوله ﴿من ربهم﴾، أو لا نفرق، أو يكون: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾ معطوفاً على المجرور قبله، ﴿وما أوتي النبيون﴾ رفع على الابتداء، و﴿من ربهم) الخبر، أو لا نفرق هو الخبر. والظاهر أن من ربهم في موضع نصب، ومن لابتداء الغاية، فتتعلق بما أوتي الثانية، أو بما أوتي الأولى، ٦٥١ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ وتكون الثانية توكيداً. ألا ترى إلى سقوطها في آل عمران في قوله: ﴿وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم﴾(١)؟ ويجوز أن يكون في موضع حال من الضمير العائد على الموصول، فتتعلق بمحذوف، أي وما أوتيه النبيون كائناً من ربهم. ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾: ظاهره الاستئناف. والمعنى: أنا نؤمن بالجميع، فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى. فإن اليهود آمنوا بالأنبياء كلهم، وكفروا بمحمد وعيسى، صلوات الله على الجميع. والنصارى آمنوا بالأنبياء، وكفروا بمحمد . وقيل: معناه لا نقول إنهم يتفرقون في أصول الديانات. وقيل: معناه لا نشق عصاهم، كما يقال شق عصا المسلمين، إذا فارق جماعتهم. وأحد هنا، قيل: هو المستعمل في النفي، فأصوله: الهمزة والحاء والدال، وهو للعموم، فلذلك لم يفتقر بين إلى معطوف عليه، إذ هو اسم عام تحته أفراد، فيصح دخول بين عليه، كما تدخل على المجموع فتقول: المال بين الزيدين، ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه. وقيل: أحد هنا بمعنى: واحد، والهمزة بدل من الواو، إذ أصله: وحد، وحذف المعطوف لفهم السامع، والتقدير: بين أحد منهم وبين نظيره، فاختصر، أو بين أحد منهم والآخر، ويكون نظير قول الشاعر: فما كان بين الخير لو جاء سالماً أبو حجر إلا ليال قلائل. يريد: بين الخير وبيني، فحذف لدلالة المعنى عليه، إذ قد علم أن بين لا بد أن تدخل بين شيئين، كما حذف المعطوف في قوله: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (٢). ومعلوم أن ما وقي الحر وقي البرد، فحذف والبرد لفهم المعنى. ولم يذكر ابن عطية غير هذا الوجه. وذكر الوجهين غير الزمخشري وابن عطية، والوجه الأول أرجح، لأنه لا حذف فيه. ﴿ونحن له مسلمون﴾: هذا كله مندرج تحت قوله: ﴿قولوا﴾. ولما ذكر أولاً الإيمان، وهو التصديق، وهو متعلق بالقلب، ختم بذكر الإسلام، وهو الانقياد الناشىء عن الإيمان الظاهر عن الجوارح. فجمع بين الإيمان والإسلام، ليجتمع الأصل والناشىء عن الأصل. وقد فسر رسول اللّه ◌َّ ر الإيمان والإسلام حين سئل عنهما، وذلك في حديث جبريل عليه السلام. وقد فسروا قوله: ﴿مسلمون﴾ بأقوال متقاربة في المعنى، فقيل: خاضعون، وقيل: مطيعون، وقيل: مذعنون للعبودية، وقيل: مذعنون لأمره ونهيه عقلاً (١) سورة آل عمران: ٨٤/٣. (٢) سورة النحل: ٨١/١٦. ٦٥٢ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ وفعلاً، وقيل: داخلون في حكم الإسلام، وقيل: منقادون، وقيل: مخلصون. وله متعلق بمسلمون، وتأخر عنه العامل لأجل الفواصل، أو تقدّم له للاعتناء بالعائد على الله تعالى لما نزل قوله: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ الآية، قرأها رسول الله وبلجر على اليهود والنصارى وقال: ((الله أمرني بهذا)). فلما سمعوا بذكر عيسى أنكروا وكفروا. وقالت النصارى: إن عيسى ليس بمنزلة سائر الأنبياء، ولكنه ابن الله تعالى، فأنزل الله: ﴿فإن آمنوا﴾ الآية. والضمير في آمنوا عائد على من عاد عليه في قوله: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى﴾. ويجوز أن يكون الخطاب خاصاً، والمراد به العموم، ويجوز أن يكون عائداً على كل كافر، فيفسره المعنى . وقرأ الجمهور: ﴿بمثل ما آمنتم به﴾. وقرأ عبد الله بن مسعود وابن عباس: بما آمنتم به. وقرأ أبيّ: بالذي آمنتم به، وقال ابن عباس: ليس لله مثل. وهذا يدل على إقرار الباء على حالها في آمنت بالله، وإطلاق ما على الله تعالى. كما ذهب إليه بعضهم في قوله: ﴿والسماء وما بناها﴾(١)، يريد ومن بناها على قوله. وقراءة أبيّ ظاهرة، ويشمل جميع ما آمن به المؤمنون. وأما قراءة الجمهور، فخرجت الباء على الزيادة، والتقدير: إيماناً مثل إيمانكم، كما زيدت في قوله: ﴿وهزّي إليكِ بجذع النخلة﴾(٢). وسود المحاجر لا يقرأن بالسور ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾(٣)، وتكون ما مصدرية. وقيل: ليست بزائدة، وهي بمعنى على، أي فإن آمنوا على مثل ما آمنتم به، وكون الباء بمعنى على، قد قيل به، وممن قال به ابن مالك، قال ذلك في قوله تعالى: ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ (٤)، أي على قنطار. وقيل: هي للاستعانة، كقولك: عملت بالقدوم، وكتبت بالقلم، أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم، وذلك فرار من زيادة الباء، لأنه ليس من أماكن زيادة الباء قياساً. والمؤمن به على هذه الأوجه الثلاثة محذوف، التقدير: فإن آمنوا بالله، ويكون الضمير في به عائداً على ما عاد عليه قوله: ﴿ونحن له﴾، وهو الله تعالى. وقيل: يعود على ما، وتكون إذ ذاك موصولة. وأما مثل، فقيل: زائدة، والتقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به، قالوا: كهي في قوله: ﴿ليس كمثله شيءٍ﴾(٥)، أي ليس كهو شيء، وكقوله: (١) سورة الشمس: ٥/٩١. (٢) سورة مريم: ٢٥/١٩. (٣) سورة البقرة: ١٩٥/٢. (٤) سورة آل عمران: ٧٥/٣. (٥) سورة الشورى: ٤٢ /١١. ٦٥٣ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ فصيروا مثل كعصف مأكول وکقوله : يا عاذلي دعني من عذلكا مثلي لا يقبل من مثلكا وقيل: ليست بزائدة. والمثلية هنا متعلقة بالاعتقاد، أي فإن اعتقدوا مثل اعتقادكم، أو متعلقة بالكتاب، أي فإن آمنوا بكتاب مثل الكتاب الذي آمنتم به. والمعنى: فإن آمنوا بكتابكم المماثل لكتابهم، أي فإن آمنوا بالقرآن الذي هو مصدق لما في التوراة والإنجيل، وعلى هذا التأويل، لا تكون الباء زائدة، بل هي مثلها في قوله: آمنت بالكتاب. وقالت فرقة: هذا من مجاز الكلام، يقول: هذا أمر لا يفعله مثلك، أي لا تفعله أنت. والمعنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، وهذا يؤول إلى إلغاء مثل، وزيادتها من حيث المعنى. وقال الزمخشري : بمثل ما آمنتم به من باب التبکیت، لأن دین الحق واحد، لا مثل له، وهو دین الإسلام. ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾(١)، فلا يوجد إذاً دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقاً، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له، كانوا مهتدين، فقيل: فإن آمنوا بكلمة الشك، على سبيل العرض، والتقدير: أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم، مساوياً له في الصحة والسداد. ﴿فقد اهتدوا﴾ : وفيه أن دينهم الذي هم عليه، وکل دین سواه مغاير له غير مماثل، لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال، ونحو هذا قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه، فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك ترید تبکیت صاحبك وتوقيفه علی أن ما رأيت لا رأي وراءه. انتهى كلامه، وهو حسن. وجواب الشرط قوله: ﴿فقد اهتدوا﴾، وليس الجواب محذوفاً، كهو في قوله : ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل﴾(٢) لمعنى تكذيب الرسل قطعاً، واستقبال الهداية هنا، لأنها معلقة على مستقبل، ولم تكن واقعة قبل. ﴿وإن تولوا﴾: أي إن أعرضوا عن الدخول في الإيمان. ﴿فإنما هم في شقاق): أكد الجملة الواقعة شرطاً بأن، وتأكد معنى الخبر بحيث صار ظرفاً لهم، وهم مظروفون له. فالشقاق مستول عليهم من جميع جوانبهم، ومحيط بهم إحاطة البيت بمن فيه. وهذه (١) سورة آل عمران: ٨٥/٣. (٢) سورة فاطر: ٤/٣٥. ٦٥٤ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ مبالغة في الشقاق الحاصل لهم بالتولي، وهذا كقوله: ﴿إنا لنراك في ضلال مبين﴾(١)، ﴿إنا لنراك في سفاهة﴾(٢)، هو أبلغ من قولك: زيد مشاق لعمرو، وزيد ضال، وبكر سفيه. والشقاق هنا: الخلاف، قاله ابن عباس، أو العداوة، أو الفراق، أو المنازعة، قاله زيد بن أسلم، أو المجادلة، أو الضلال والاختلاف، أو خلع الطاعة، قاله الكسائي؛ أو البعاد والفراق إلى يوم القيامة. وهذه تفاسير للشقاق متقاربة المعنى. وقد ذكرنا مدار ذلك في المفردات على معنيين: إما من المشقة، وإما أن يصير في شق وصاحبه في شق، أي يقع بينهم خلاف. قال القاضي: ولا يكاد يقال في العداوة على وجه الحق شقاق، لأن الشقاق في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه، وهذا وعيد لهم . . انتهى. ﴿فسيكفيكهم الله﴾: لما ذكر أن توليهم يترتب عليه الشقاق، وهو العداوة العظيمة، أخبر تعالى أن تلك العداوة لا يصلون إليك بشيء منها، لأنه تعالى قد كفاه شرهم. وهذا الإخبار ضمان من الله لرسوله، كفايته ومنعه منهم، ويضمن ذلك إظهاره على أعدائه، وغلبته إياهم، لأن من كان مشاقاً لك غاية الشقاق هو مجتهد في أذاك، إذا لم يتوصل إلى ذلك، فإنما ذلك لظهورك عليه وقوّة منعتك منه، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾(٣). وكفاه الله أمرهم بالسبي والقتل في قريظة وبني قينقاع، والنفي في بني النضير، والجزية في نصارى نجران. وعطف الجملة بالفاء مشعر بتعقب الكفاية عقيب شقاقهم، والمجيء بالسين يدل على قرب الاستقبال، إذ السين في وضعها أقرب في التنفيس من سوف، والذوات ليست المكفية، فهو على حذف مضاف، أي فسيكفيك شقاقهم، والمكفى به محذوف، أي بمن يهديه الله من المؤمنين، أو بتفريق كلمة المشاقين، أو بإهلاك أعيانهم وإذلال باقيهم بالسبي والنفي والجزية، كما بيناه. ﴿وهو السميع العليم﴾، مناسبة هاتين الصفتين: أن كلا من الإيمان وضدّه مشتمل على أقوال وأفعال، وعلى عقائد ينشأ عنها تلك الأقوال والأفعال، فناسب أن يختتم ذلك بهما، أي وهو السميع لأقوالكم، العليم بنياتكم واعتقادكم. ولما كانت الأقوال هي الظاهرة لنا الدالة على ما في الباطن، قدّمت صفة السميع على العليم، ولأن العليم فاصلة أيضاً. وتضمنت هاتان الصفتان الوعيد، لأن المعنى، وهو السميع العليم، فيجازيكم بما يصدر منكم. (١) سورة الأعراف: ٦٠/٧. (٢) سورة الأعراف: ٦٦/٧ . (٣) سورة المائدة: ٦٧/٥. ٦٥٥ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ ﴿صَبغة الله﴾: أي دين الله، قاله ابن عباس وسمي صبغة لظهور أثر الدين على. صاحبه، كظهور أثر الصبغ على الثوب، ولأنه يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ في الثوب، أو فطرة الله، قاله مجاهد ومقاتل؛ أو خلقة الله، قاله الزجاج وأبو عبيد؛ أو سنة الله، قاله أبو عبيدة؛ أو الإسلام، قاله مجاهد أيضاً؛ أو جهة الله يعني القبلة، قاله ابن كيسان؛ أو حجة الله على عباده، قاله الأصم: أو الختان، لأنه يصبغ صاحبه بالدم. والنصارى إذا ولد لهم مولود غمسوه في السابع في ماء يقال له المعمودية، فيتطهر عندهم ويصير نصرانياً. استغنوا به عن الختان، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿صبغة الله﴾، أو الاغتسال للدخول في الإسلام عوضاً عن ماء المعمودية، حكاه الماوردي؛ أو القربة إلى الله، حكاه ابن فارس في المجمل؛ أو التلقين، يقال: فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه، كما يجعل الصبغ لازماً للثوب. وهذه أقوال متقاربة، والأقرب منها هو الدين والملة، لأن قبله: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية. وقد تضمنت هذه الآية أصل الدين الحنيفي، فكنى بالصبغة عنه، ومجازه ظهور الأثر، أو ملازمته لمن ينتحله. فهو كالصبغ في هذين الوصفين، كما قال. وكذلك الإيمان، حين تخالط بشاشة القلوب. والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء، واتصافه به صبغة. قال بعض شعراء ملوكهم: وصبغة همدان خير الصبغ وكل أناس لهم صبغة فأكرم بصبغتنا في الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا وقد روي عن ابن عباس أن الأصل في تسمية الدين صبغة: أن عيسى حين قصد يحيى بن زكريا فقال: جئت لأصبغ منك، وأغتسل في نهر الأردن. فلما خرج، نزل عليه روح القدس، فصارت النصارى يفعلون ذلك بأولادهم في كنائسهم، تشبيهاً بعيسى، ويقولون: الآن صار نصرانياً حقاً. وزعموا أن في الإنجيل ذكر عيسى بأنه الصابغ. ويسمون الماء الذي يغمسون فيه أولادهم: المعمودية، بالدال، ويقال: المعمورية بالراء. قال: ويسمون ذلك الفعل التغميس، ومنهم من يسميه الصبغ، فردّ الله ذلك بقوله: ﴿صبغة الله﴾. وقال الراغب: الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة. وسمي ذلك بالصبغة من حيث أن قوى الإنسان، إذا اعتبرت، جرت مجرى الصبغة في المصبوغ، ولما كانت النصارى، إذا لقنوا أولادهم النصرانية يقولون: نصرناه، فقال: إن الإيمان بمثل ما آمنتم به صبغه الله . ٦٥٦ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ وقرأ الجمهور: صبغة الله بالنصب، ومن قرأ برفع ملة، قرأ برفع صبغة، قاله الطبري. وقد تقدّم أن تلك قراءة الأعرج وابن أبي عبلة. فأما النصب، فوجه على أوجه، أظهرها أنه منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قولوا آمنا بالله﴾. وقيل: عن قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾. وقيل: عن قوله: ﴿فقد اهتدوا﴾ وقيل: هو نصب على الإغراء، أي الزموا صبغة الله. وقيل: بدل من قوله: ﴿ملة إبراهيم﴾، أما الإغراء فتنافره آخر الآية وهو قوله: ﴿ونحن له عابدون﴾، إلا إن قدر هناك قول، وهو إضمار، لا حاجة تدعو إليه، ولا دليل من الكلام عليه. وأما البدل، فهو بعيد، وقد طال بين المبدل منه والبدل بجمل، ومثل ذلك لا يجوز. والأحسن أن يكون منتصباً انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قولوا آمنا﴾، فإن كان الأمر للمؤمنين، كان المعنى: صبغنا الله بالإيمان صبغة، ولم يصبغ صبغتكم. وإن كان الأمر لليهود والنصارى، فالمعنى: صبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا. ونظير نصب هذا المصدر نصب قوله: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ﴾ (١)، إذ قبله: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾(٢)، معناه: صنع الله ذلك صنعه، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة، كما تقول لرجل يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، يريد رجلًا يصطنع الكرم. وأما قراءة الرفع، فذلك خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك الإيمان صبغة الله . ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾: هذا استفهام ومعناه: النفي، أي ولا أحد أحسن من الله صبغة. وأحسن هنا لا يراد بها حقيقة التفضيل، إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن، أو يراد التفضيل، باعتبار من يظن أن في صبغة غير الله حسناً، لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء. وانتصاب صبغة هنا على التمييز، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ. وقد ذكرنا أن ذلك غريب، أعني نص النحويين على أن من التمييز المنقول تمييزاً نقل من المبتدأ، والتقدير: ومن صبغته أحسن من صبغة الله. فالتفضيل إنما يجري بين الصبغثين، لا بين الصابغین . ﴿ونحن له عابدون﴾: متصل بقوله: ﴿آمنا بالله﴾، ومعطوف عليه. قال الزمخشري: وهذا العطف يرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة، أو نصب على الإغراء، بمعنى: عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه (١) سورة النمل: ٨٨/٢٧. (٢) سورة النمل: ٨٨/٢٧. ٦٥٧ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ واتساقه. وانتصابها يعني: صبغة الله على أنها مصدر مؤكد، هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. انتهى. وتقديره: في الإغراء عليكم صبغة الله ليس بجيد، لأن الإغراء، إذا كان بالظرف والمجرور، لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدرناه بالزموا صبغة الله. وتقدم الكلام على العبادة في قوله: ﴿إياك نعبد﴾(١)، وأما هنا فقيل: عابدون موحدون، ومنه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾(٢)، أي ليوحدون. وقيل: مطيعون متبعون ملة إبراهيم وصبغة الله. وقيل: خاضعون مستكينون في اتباع ملة إبراهيم، غير مستكبرين، وهذه أقوال متقاربة. ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾: سبب النزول، قيل: إن اليهود والنصارى قالوا: يا محمد! إن الأنبياء كانوا منا، وعلى ديننا، ولم تكن من العرب، ولو كنت نبياً، لكنت منا وعلى ديننا. وقيل: حاجوا المسلمين فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وأصحاب الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزلت. قرأ الجمهور: أتحاجوننا بنونين، إحداهما نون الرفع، والأخرى الضمير؟ وقرأ زيد بن ثابت، والحسن، والأعمش، وابن محيصن: بإدغام النون في النون، وأجاز بعضهم حذف النون. أما قراءة الجمهور فظاهرة، وأما قراءة زيد ومن ذكر معه، فوجهها أنه لما التقى مثلان، وکان قبل الأول حرف مدّ ولين، جاز الإدغام كقولك: هذه دار راشد، لأن المد يقوم مقام الحركة في نحو: جعل لك. وأما جواز حذف النون الأولى، فوجهه من أجاز ذلك على قراءة من قرأ: فيم تبشرون، بكسر النون، وأنشدوا: يسوء الفاليات إذا قليني تراه كالثغام يعل مسكاً يريد: قلينني. والخطاب بقوله: قل للرسول، أو السامع، والهمزة للاستفهام مصحوباً بالإنكار عليهم، والواو ضمير اليهود والنصارى. وقيل: مشركو العرب، إذ قالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. وقيل: ضمير اليهود والنصارى والمشركين. والمحاجة هنا: المجادلة. والمعنى: أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوّة منا؟ ﴿وهو ربنا وربكم﴾: جملة حالية، يعني أنه مالكهم كلهم، فهم مشتركون في العبودية، فله أن يخص من شاء بما شاء من الكرامة. والمعنى: أنه مع اعترافنا كلنا أنا مربوبون لرب (١) سورة الفاتحة: ٥/١. (٢) سورة الذاريات: ٥٦/٥١. تفسير البحر المحيط ج١ م٤٢ ٦٥٨ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ واحد، فلا يناسب الجدال فيما شاء من أفعاله، وما خص به بعض مربوباته من الشرف والزلفى، لأنه متصرف في كلهم تصرف المالك. وقيل المعنى: أتجادلوننا في دين الله، وتقولون إن دينكم أفضل الأديان، وكتابكم أفضل الكتب؟ والظاهر إنكار المجادلة في الله، حيث زعمت النصارى أن الله هو المسيح، وحيث زعم بعضهم أن الله ثالث ثلاثة، وحيث زعمت اليهود أن الله له ولد، وزعموا أنه شيخ أبيض الرأس واللحية، إلى ما يدعونه فيه من سمات الحدوث والنقص، تعالى الله عن ذلك، فأنكر عليهم کیف يدعون ذلك، والرب واحد لهم، فوجب أن يكون الاعتقاد فيه واحداً، وهو أن تثبت صفاته العلا، وينزه عن الحدوث والنقص. ﴿ولنا أعمالكم ولكم أعمالكم﴾، المعنى: ولنا جزاء أعمالنا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. والمعنى: أن الرب واحد، وهو المجازي على الأعمال، فلا تنبغي المجادلة فيه ولا المنازعة. ﴿ونحن له مخلصون﴾: ولما بين القدر المشترك من الربوبية والجزاء، ذكر ما يميز به المؤمنون من الإخلاص لله تعالى في العمل والاعتقاد، وعدم الإشراك الذي هو موجود في النصارى وفي اليهود، لأن من عبد موصوفاً بصفات الحدوث والنقص، فقد أشرك مع الله إلَهاً آخر. والمعنى: أنا لم نشب عقائدنا وأفعالنا بشيء من الشرك، كما ادعت اليهود في العجل، والنصارى في عيسى. وهذه الجملة من باب التعريض بالذم، لأن ذكر المختص بعد ذكر المشترك نفي لذلك المختص عمن شارك في المشترك، ويناسب أن يكون استطراداً، وهو أن يذكر معنى يقتضي أن يكون مدحاً لفاعله وذماً لتاركه، نحو قوله: وأنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول وهي منبهة على أن من أخلص لله، كان حقيقاً أن يكون منهم الأنبياء وأهل الكرامة، وقد كثرت أقوال أرباب المعاني في الإخلاص. فروي أن رسول الله وسلم قال: ((سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سر من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي)). وقال سعيد بن جبير: الإخلاص: أن لا يشرك في دينه، ولا يرائي في عمله أحداً. وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال ابن معاذ: تمييزاً لعمل من الذنوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم. وقال البوشنجي: هو معنى لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان، أي لا يطلع عليه إلا الله. ٦٥٩ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ وقال رويم: هو ارتفاع عملك عن الرؤية. وقال حذيفة المرعشي: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. وقال أبو يعقوب المكفوف: أن يكتم العبد حسناته، كما يكتم سيئاته. وقال سهل: هو الإفلاس، ومعناه أن يرجع إلى احتقار العمل. وقال أبو سليمان الداراني: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه. وهذا القول الذي أمر به # أن يقوله على وجه الشفقة والنصيحة في الدين، لينبهوا على أن تلك المجادلة منكم ليست واقعة موقع الصحة، ولا هي مما ينبغي أن تكون. وليس مقصودنا بهذا التنبيه دفع ضرر منكم، وإنما مقصودنا نصحكم وإرشادكم إلى تخليص اعتقادكم من الشرك، وأن تخلصوا كما أخلصنا، فنكون سواء في ذلك. ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى﴾: قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: أم تقولون بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. فأما قراءة التاء، فيحتمل أم فيه وجهين. أحدهما: أن تكون فيه أم متصلة، فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين: المحاجة في الله، والادعاء على إبراهيم ومن ذكر معه، أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وهو استفهام صحبه الإنكار والتقريع والتوبيخ، لأن كلاً من المستفهم عنه ليس بصحيح. الوجه الثاني: أن تكون أم فيه منقطعة، فتقدّر ببل والهمزة، التقدير: بل أتقولون، فأضرب عن الجملة السابقة، وانتقل إلى الاستفهام عن هذه الجملة اللاحقة، على سبيل الإنكار أيضاً، أي أن نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، ليست بصحيحة، بشهادة القول الصدق الذي أتى به الصادق من قوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾(١)، وبشهادة التوراة والإنجيل على أنهم كانوا على التوحيد والحنيفية، وبشهادة أن اليهودية والنصرانية لمن اقتفى طريقة عيسى، وبأن ما يدعونه من ذلك قول بلا برهان، فهو باطل. وأما قراءة الياء، فالظاهر أن أم فيها منقطعة . وحكى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن بعض النحاة: أنها ليست بمنقطعة، لأنك إذا قلت: أتقوم أم يقوم عمرو؟ فالمعنى: أيكون هذا أم هذا؟ وقال ابن عطية: هذا المثال يعني: أتقوم أم يقوم عمرو؟ غير جيد، لأن القائل فيه واحد، والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين، والمخاطب اثنان غير أن، وإنما يتجه معادلة أم للألف على الحكم المعنوي، كان معنى قل أتحاجوننا، أيحاجون يا محمد، أم يقولون؟ انتهى. ومعنى بقوله: لأن القائل فيه واحد، يعني في المثال الذي هو: أيقوم أم يقوم عمرو؟ فالناطق بهاتين (١) سورة آل عمران: ٦٧/٣. ٦٦٠ سورة البقرة / الآيات ١٣٢ - ١٤١ الجملتين هو واحد، وقوله والمخاطب واحد، يعني الذي خوطب بهذا الكلام، والمعادلة وقعت بين قيام المواجه بالخطاب وبين قيام عمرو وقوله. والقول في الآية من اثنين، يعني أن أتحاجوننا من قول الرسول، إذ أمر أن يخاطبهم بذلك، وأتقولون بالتاء من قول الله تعالى. وقوله والمخاطب اثنان غير أن، أما الأول فقوله أتحاجوننا، وأما الثاني فهو للرسول وأمته الذين خوطبوا بقوله: أم يقولون. وقال الزمخشري: وفيمن قرأ بالياء، لا تكون إلا منقطعة. انتهى. ويمكن الاتصال فيها مع قراءة التاء، ويكون ذلك من الالتفات، إذ صار فيه خروج من خطاب إلى غيبة، والضمير لناس مخصوصين. والأحسن أن تكون أم في القراءتين معاً منقطعة، وكأنه أنكر عليهم محاجتهم في الله ونسبة أنبيائه لليهودية والنصرانية، وقد وقع منهم ما أنكر عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم﴾(١) الآيات. وإذا جعلناها متصلة، كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين، بل إحداهما، وصار السؤال عن تعيين إحداهما، وليس الأمر كذلك، إذ وقعا معاً. والقول في أو في قول: ﴿هوداً أو نصارى﴾، قد تقدّم في قوله: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾. وقوله: ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾، وأنها للتفصيل، أي قالت اليهود: هم يهود، وقالت النصارى: هم نصارى. ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾: القول في القراءات في أأنتم، كهو في قوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾(٢)، وقد توسط هنا المسؤول عنه، وهو أحسن من تقدمه وتأخره، إذ يجوز في العربية أن يقول: أأعلم أنتم أم الله؟ ويجوز: أأنتم أم الله أعلم؟ ولا مشاركة بينهم وبين الله في العلم حتى يسأل: أهم أزيد علماً أم الله؟ ولكن ذلك على سبيل التهكم بهم والاستهزاء، وعلى تقدير أن يظن بهم علم، وهذا نظير قول حسان: فشركما لخيركما الفداء وقد علم أن الذي هو خير كله، هو الرسول عليه السلام، وأن الذي هو شر كله، هو هاجيه. وفي هذا ردّ على اليهود والنصارى، لأن الله قد أخبر بقوله: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾(٣)، ولأن اليهودية والنصرانية إنما حدثتا بعد إبراهيم، ولأنه أخبر في التوراة والإنجيل أنهم كانوا مسلمين مميزين عن (١) سورة آل عمران: ٦٥/٣. (٢) سورة البقرة: ٦/٢. (٣) سورة آل عمران: ٦٧/٣.