Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة البقرة / الآيتان ٦ و ٧
الختم بينه وبين القلوب، ويحتمل أن يكون أشرك في الغشاوة بينه وبين الأبصار. لكن حمله
على الأول أولى للتصريح بذلك في قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره
غشاوة﴾(١). وتكرير حرف الجر يدل على أن الختم ختمان، أو على التوكيد، إن كان الختم
واحداً فيكون أدل على شدة الختم .
وقرأ ابن أبي عبلة أسماعهم فطابق في الجمع بين القلوب والأسماع والأبصار. وأما
الجمهور فقرأوا على التوحيد، إما لكونه مصدراً في الأصل فلمح فيه الأصل، وإما اكتفاء
بالمفرد عن الجمع لأن ما قبله وما بعده يدل على أنه أريد به الجمع، وإما لكونه مصدراً
حقيقة وحذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى أي حواس سمعهم. وقد اختلف الناس في أي
الحاستين السمع والبصر أفضل، وهو اختلاف لا يجدي كبير شيء. والإمالة في أبصارهم
جائزة، وقد قرىء بها، وقد غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء، إذ لولاها لما جازت
الإمالة، وهذا بتمامه مذكور في النحو. وقرأ الجمهور: غشاوة بكسر الغين ورفع التاء،
وكانت هذه الجملة ابتدائية ليشمل الكلام الإسنادين: إسناد الجملة الفعلية وإسناد الجملة
الابتدائية، فيكون ذلك آكد لأن الفعلية تدل على التجدد والحدوث، والإسمية تدل على
الثبوت. وكان تقديم الفعلية أولى لأن فيها أن ذلك قد وقع وفرغ منه، وتقديم المجرور
الذي هو على أبصارهم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة، مع أن فيه مطابقة بالجملة قبله لأنه
تقدم فيها الجزء المحكوم به. وهذه كذلك الجملتان تؤول دلالتهما إلى معنى واحد، وهو
منعهم من الإيمان، ونصب المفضل غشاوة يحتاج إلى إضمار ما أظهر في قوله: ﴿وجعل
على بصره غشاوة﴾، أي وجعل على أبصارهم غشاوة، أو إلى عطف أبصارهم على ما قبله
ونصبها على حذف حرف الجر، أي بغشاوة، وهو ضعيف. ويحتمل عندي أن تكون اسماً
وضع موضع مصدر من معنى ختم، لأن معنى ختم غشي وستر، كأنه قيل تغشية على سبيل
التأكيد، وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة. وقال أبو علي: وقراءة
الرفع أولى لأن النصب إما أن يحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين
حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وما أن تحمله على فعل
يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم فيجيء الكلام من باب:
متقلداً سيفاً ورمحاً
(١) سورة الجاثية: ٢٣/٤٥.
تفسير البحر المحيط ج١ م٦

٨٢
سورة البقرة / الآيتان ٦ و ٧
وقول الآخر:
علفتها تبناً وماء بارداً
ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون
الواو عاطفة جملة على جملة. انتهى كلام أبي علي، رحمه الله تعالى. ولا أدري ما معنى
قوله: لأن النصب إنما يحمله على ختم الظاهر، وكيف تحمل غشاوة المنصوب على ختم
الذي هو فعل؟ هذا ما لا حمل فيه اللهم إلا إن أراد أن يكون قوله تعالى: ﴿ختم الله على
قلوبهم) دعاء عليهم لا خبراً، فإن ذلك يناسب مذهبه لاعتزاله، ويكون غشاوة في معنى
المصدر المدعو به عليهم القائم مقام الفعل فكأنه قيل: وغشى الله على أبصارهم، فيكون
إذ ذاك معطوفاً على ختم عطف المصدر النائب مناب فعله في الدعاء، نحو قولك: رحم
الله زيداً وسقياً له، وتكون إذ ذاك قد حلت بين غشاوة المعطوف وبين ختم المعطوف عليه
بالجار والمجرور. وأما إن جعلت ذلك خبراً محضاً وجعلت غشاوة في موضع المصدر
البدل عن الفعل في الخبر فهو ضعيف لا ينقاس ذلك بل يقتصر فيه على مورد السماع،
وقرأ الحسن باختلاف عنه وزيد بن علي: غشاوة بضم الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله
بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلا أنه رفع التاء. وقرأ بعضهم
غشوة بالكسر والرفع، وبعضهم غشوة وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش قرأ بالفتح والرفع
والنصب. وقال الثوري: كان أصحاب عبد الله يقرأونها غشية بفتح الغين والياء والرفع.
اهـ. وقال يعقوب: غشوة بالضم لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراءة.
قال بعض المفسرين: وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر
الغين على وزن عمامة، والأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهذا يجيء وزنها: كالصمامة،
والعمامة، والعصابة، والريانة، وغير ذلك. وقرأ بعضهم: غشاوة بالعين المهملة المكسورة
والرفع من العشي، وهو شبه العمى في العين. وتقديم القلوب على السمع من باب التقديم
بالشرف وتقديم الجملة التي انتظمتها على الجملة التي تضمنت الأبصار من هذا الباب
أيضاً. وذكر أهل البيان أن التقديم يكون باعتبارات خمسة: تقدم العلة والسبب على
المعلول والمسبب، كتقديم الأموال على الأولاد في قوله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم
فتنة﴾، فإنه إنما يشرع في النكاح عند قدرته على المؤنة، فهي سبب إلى التزوج، والنكاح
سبب للتناسل. والعلة: كتقدم المضيء على الضوء، وليس تقدم زمان، لأن جرم الشمس
(١) سورة التغابن: ١٥/٦٤.

٨٣
سورة البقرة / الآيتان ٦ و ٧
لا ينفك عن الضوء. وتقدم بالذات، كالواحد مع الإثنين، وليس الواحد علة للاثنين
بخلاف القسم الأول. وتقدم بالشرف، كتقدم الإمام على المأموم. وتقدم بالزمان، كتقدم
الوالد على الولد بالوجود، وزاد بعضهم سادساً وهو: التقدم بالوجود حيث لا زمان. ولما
ذكر تعالى حال هؤلاء الكفار في الدنيا، أخبر بما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من العذاب
العظيم. ولما كان قد أعد لهم العذاب صير كأنه ملك لهم لازم، والعظيم هو الكبير.
وقيل: العظيم فوق، لأن الكبير يقابله الصغير، والعظيم يقابله الحقير. قيل: والحقير دون
الصغير، وأصل العظم في الجثة ثم يستعمل في المعنى، وعظم العذاب بالنسبة لي عذاب
دونه بتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما شبع
من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد.
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾ إلى قوله:
﴿عظيم﴾، أقوالاً: أحدها: أنها نزلت في يهود كانوا حول المدينة، قاله ابن عباس، وكان
يسميهم. الثاني: نزلت في قادة الأحزاب من مشركي قريش، قاله أبو العالية. الثالث: في
أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. الرابع: في أصحاب القليب: وهم أبو
جهل، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة.
الخامس: في مشركي العرب قريش وغيرها. السادس: في المنافقين، فإن كانت نزلت في
ناس بأعيانهم وافوا على الكفر، فالذين كفروا معهودون، وإن كانت لا في ناس مخصوصين
وافوا على الكفر، فيكون عاماً مخصوصاً . ألا ترى أنه قد أسلم من مشركي قريش وغيرها
ومن المنافقين ومن اليهود خلق كثير بعد نزول هاتين الآيتين؟ .
وذكروا أيضاً أن في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعاً. الأول: الخطاب
العام اللفظ الخاص المعنى. الثاني: الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس، أي
يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم. الثالث: المجاز، ويسمى: الاستعارة، وهو قوله
تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، وحقيقة الختم وضع محسوس على
محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا معنوي، فإن القلب لما لم
يقبل الحق مع ظهوره استعير له اسم المختوم عليه فبين أنه من مجاز الاستعارة. الرابع:
الحذف، وهو في مواضع: منها: أن الذين كفروا، أي أن القوم الذين كفروا بالله وبك وبما
جئت به. ومنها: لا يؤمنون بالله وبما أخبرتهم به عنه. ومنها: ختم الله على قلوبهم فلا تعي
وعلى أسماعهم فلا تصغي. ومنها: وعلى أبصارهم غشاوة على من نصب، أي وجعل على

٨٤ -
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
أبصارهم غشاوة فلا يبصرون سبيل الهداية. ومنها: ولهم عذاب، أي ولهم يوم القيامة
عذاب عظيم دائم، ويجوز أن يكون التقدير: ولهم عذاب عظيم في الدنيا بالقتل والسبي أو
بالإذلال ووضع الجزية وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم. الخامس: التعميم: وهو في
قوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل
والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في
المقدار وإما في الإيلام والدوام. السادس: الإشارة، فإن قوله: ﴿سواء عليهم﴾ إشارة إلى
أن السواء الذي أضيف إليهم وباله ونكاله عليهم ومستعل فوقهم، لأنه لو أراد بيان أن ذلك
من وصفهم فحسب لقال: سواء عندهم، فلما قال: سواء عليهم، نبه على أنه مستعل
عليهم، فإن كلمة على للاستعلاء وهو الذي قاله هذا القائل من أن على تشعر بالاستعلاء
صحيح، وأما أنها تدل على أن الكلام تضمن معنى الوبال والنكال عليهم فليس بصحيح،
بل المعنى في قولك سواء عليك وعندك كذا وكذا واحد، وإن كان أكثر الاستعمال بعلى،
قال تعالى: ﴿سواء علينا أوعظت أو لم تكن من الواعظين﴾(١)، ﴿سواء علينا أجزعنا أم
صبرنا﴾(٢)، سواء عليها رحلتي ومقامي، وكل هذا لا يدل على معنى الوبال والنكال
عليهم. السابع: مجاز التشبيه شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع
داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود
منافذه المغشى بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها
ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره، وهذا كله من مجاز التشبيه، إذ الختم
والغشاوة لم يوجدا حقيقة، وهو بالاستعارة أولى، إذ من شرط التشبيه أن يذكر المشبه
والمشبه به .
يُخَدِعُونَ
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضُ
اُللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِ بُونَ
١٠
﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين
آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾، الناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه،
(١) سورة الشعراء: ١٣٦/٢٦.
(٢) سورة إبراهيم: ٢١/١٤.

٨٥
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
ومرادفه: أناسي، جمع: إنسان أو إنسي. قد قالت العرب: ناس من الجن، حكاه ابن
خالويه، وهو مجاز إذ أصله في بني آدم، ومادته عند سيبويه رحمه الله والفراء: همزة ونون
وسين، وحذفت همزته شذوذاً، وأصله أناس ونطق بهذا الأصل، قال تعالى: ﴿يوم ندعوا
کل أناس بإمامهم﴾(١)، فمادته ومادة الإنس واحدة. وذهب الكسائي إلی أن مادته نون وواو
وسين، ووزنه فعل مشتق من النوس وهو الحركة، يقال: ناس ينوس نوساً إذا تحرك،
والنوس: تذبذب الشيء في الهواء، ومنه نوس القرط في الأذن وذلك لكثرة حركته. وذهب
قوم إلى أنه من نسي، وأصله نسي ثم قلب فصار نيس، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت
ألفاً فقيل: ناس، ثم دخلت الألف واللام. والكلام على هذا الأقوال مذكور في علم
التصريف. من: موصولة، وشرطية، واستفهامية، ونكرة موصوفة، وتقع على ذي العلم،
وتقع أيضاً على غير ذي العلم إذا عومل معاملة العالم، أو اختلط به فيما وقعت عليه أو فيما
فصل بها، ولا تقع على آحاد ما لا يعقل مطلقاً خلافاً لزاعم ذلك. وأكثر لسان العرب أنها
لا تكون نكرة موصوفة إلا في موضع يختص بالنكرة، كقول سويد بن أبي كاهل:
لو تمنى لي موتاً لم يطع
رب من أنضجت غيظاً صدره
ويقلّ استعمالها في موضع لا يختص بالنكرة، نحو قول الشاعر:
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا
حب النبي محمد إيانا
وزعم الكسائي أن العرب لا تستعمل من نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع
لا يقع فيه إلا النكرة، وزعم هو وأبو الحسن الهنائي أنها تكون زائدة، وقال الجمهور:
لا تزاد. وتقع من على العاقل المعدوم الذي لم يسبقه وجود، تتوهمه، موجوداً خلافاً لبشر
المريسي، وفاقاً للقراء، وصححه أصحابنا. فأما قول العرب: أصبحت كمن لم يخلق
فنزيد: كمن قد مات، وأكثر المعربين للقرآن متى صلح عندهم تقدير ما أو من بشيء
جوزوا فيها أن تكون نکرة موصوفة، وإثبات کون ما نکرة موصوفة یحتاج إلی دلیل، ولا دلیل
قاطع في قولهم: مررت بما معجب لك لإمكان الزيادة، فإن اطرد ذلك في الرفع والنصب
من كلام العرب، كان سرني ما معجب لك وأحببت ما معجباً لك، كان في ذلك تقوية لما
دعى النحويون من ذلك، ولو سمع لأمكنت الزيادة أيضاً لأنهم زادوا ما بين الفعل ومرفوعه
والفعل ومنصوبه. الزيادة أمر ثابت لما، فإذا أمكن ذلك فيها فينبغي أن يحمل على ذلك ولا
(١) سورة الإسراء: ١٧ /٧١.
١٠٠

٨٦-
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
يثبت لها معنى إلا بدليل قاطع. وأمعنت الكلام في هذه المسألة بالنسبة إلى ما يقع في هذا
الكتاب من علم النحو لما ينبني على ذلك في فهم القرآن.
القول: هو اللفظ الموضوع لمعنى وينطلق على اللفظ الدال على النسبة الإسنادية،
وهو الكلام وعلى الكلام النفساني، ويقولون في أنفسهم: ﴿لولا يعذبنا الله﴾(١)، وتراكيبه
الست تدل على معنى الخفة والسرعة، وهو متعد لمفعول واحد، فإن وقعت جملة محكية
كانت في موضع المفعول، وللقول فصل معقود في النحو. الخداع: قيل إظهار غير ما في
النفس، وأصله الإخفاء، ومنه سمي البيت المفرد في المنزل مخدعاً لتستر أهل صاحب
المنزل فيه، ومنه الأخدعان: وهما العرقان المستبطنان في العنق، وسمي الدهر خادعاً لما
يخفي من غوائله، وقيل الخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، من قولهم:
ضب خادع وخدع إذا أمر الحارث، وهو صائد الضب، يده على باب حجره أوهمه إقباله
عليه ثم خرج من باب آخر، وهو راجع إلى معنى القول الأول، وقيل أصله الفساد، من
قول الشاعر:
أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع
أي فسد. إلا: حرف، وهو أصل لذوات الاستثناء، وقد يكون ما بعده وصفاً، وشرط
الوصف به جواز صلاحية الموضع للاستثناء. وأحكام إلا مستوفاة في علم النحو. النفس:
الدم، أو النفس: المودع في الهيكل القائم به الحياة، والنفس: الخاطر، ما يدري أي نفسيه
يطيع، وهل النفس الروح أم هي غيره؟ في ذلك خلاف. وفي حقيقة النفس خلاف كثير ومجمع
على أنفس ونفوس، وهما قياس فعل الإسم الصحيح العين في جميعه القليل والكثير. الشعور:
إدراك الشيء من وجه يدق مشتق من الشعر، والإدراك بالحاسة مشتق من الشعار، وهو ثوب بلی
الجسد ومشاعر الإنسان حواسه.
﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾،
المرض: مصدر مرض، ويطلق في اللغة على الضعف والفتور، ومنه قيل: فلان يمرض
الحديث أي يفسده ويضعفه. وقال ابن عرفة: المرض في القلب: الفتور عن الحق، وفي
البدن: فتور الأعضاء، وفي العين: فتور النظر، ويطلق ويراد به الظلمة، قال:
فما يحس به نجم ولا قمر
في ليلة مرضت من كل ناحية
(١) سورة المجادلة: ٨/٥٨.

٨٧
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
وقيل: المرض: الفساد، وقال أهل اللغة: المرض والألم والوجع نظائر. الزيادة:
قبلها يتعدى إلى اثنين من باب أعطى وكسى، وقد تستعمل لازماً نحو: زاد المال. أليم:
فعيل من الألم بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، أو للمبالغة وأصله ألم. كان: فعل
يدخل على المبتدأ والخبر بالشروط التي ذكرت في النحو، فيدل على زمان مضمون الجملة
فقط، أو عليه وعلى الصيرورة، وتسمى ناقصة وتكتفي بمرفوع فتارة تكون فعلاً لازماً وتارة
متعدياً، بمعنى كفل أو غزل: كنت الصبي كفلت، وكنت الصوف غزلته، وهذا من غريب
اللغات، وقد تزاد ولا فاعل لها إذ ذاك خلافاً لأبي سعيد، وأحكامها مستوفاة في النحو.
التكذيب: مصدر كذب، والتضعيف فيه للرمي به كقولك: شجعته وجبنته، أي رميته
بالشجاعة والجبن، وهي أحد المعاني التي جاءت لها فعل وهي أربعة عشرة: الرمي،
والتعدية، والتكثير، والجعل على صفة، والتسمية، والدعاء للشيء أو عليه، والقيام على
الشيء، والإزالة، والتوجه، واختصار الحكاية، وموافقة تفعل وفعل، والإغناء عنهما، مثل
ذلك: جبنته، وفرحته، وكثرته، وفطرته، وفسقته، وسقيته، وعقرته، ومرضته، وقذيت
عينه، وشوق، وأمن، قال: آمين، وولى: موافق تولى، وقدر: موافق قدر، وحمر: تكلم
بلغة حمير، وعرد في القتال. وأما الكذب فسيأتي الكلام عليه، لما ذكر من الكتاب هدى
لهم، وهم المتقون الذين جمعوا أوصاف الإيمان من خلوص الإعتقاد وأوصاف الإسلام
من الأفعال البدنية والمالية، ولما ذكر ما آل أمرهم إليه في الدنيا من الهدى وفي الآخرة من
الفلاح. ثم أعقب ذلك بمقابلهم من الكفار الذين ختم عليهم بعدم الإيمان، وختم لهم بما
يؤولون إليه من العذاب في النيران. وبقي قسم ثالث أظهروا الإسلام مقالاً وأبطنوا الكفر
اعتقادً وهم المنافقون، أخذ يذكر شيئاً من أحوالهم.
ومن في قوله: ومن الناس للتبعيض، وأبعد من ذهب إلى أنها لبيان الجنس لأنه لم
يتقدم شيء مبهم فيبين جنسه. والألف واللام في الناس للجنس أو للعهد، فكأنه قال: ومن
الكفار السابق ذكرهم من يقول ولا يتوهم أنهم غير مختوم على قلوبهم، كما ذهب إليه
الزمخشري فقال: فإن قلت كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقين غير مختوم على قلوبهم؟
وأجاب بأن الكفر جمع الفريقين وصيرهم جنساً واحداً، وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا
الجنس مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء
لا يخرجهم من أن يكونوا بعضاً من الجنس، انتهى. لأن المنافقين داخلون في الأوصاف
التي ذكرت للكفار من استواء الإنذار وعدمه، وكونهم لا يؤمنون، وكونهم مختوماً على

٨٨.
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
قلوبهم وعلى سمعهم ومجعولاً على أبصارهم غشاوة ومخبراً عنهم أنهم لهم عذاب عظيم،
فهم قد اندرجوا في عموم الذين كفروا وزادوا أنهم قد ادعوا الإيمان وأكذبهم الله في
دعواهم. وسيأتي شرح ذلك.
وسأل سائل: ما معنى: ﴿ومن الناس من يقول﴾؟ ومعلوم أن الذي يقول هو من
الناس، فكيف يصلح لهذا الجار والمجرور وقوعه خبراً للمبتدأ بعده؟ فأجيب بأن هذا
تفصيل معنوي لأنه تقدم ذكر المؤمنين، ثم ذكر الكافرين، ثم أعقب بذكر المنافقين، فصار
نظير التفصيل اللفظي في قوله: ومن الناس من يعجبك، ومن الناس من یشري نفسه، فهو
في قوة تفصیل الناس إلى مؤمن وکافر ومنافق، کما فصلوا إلى من يعجبك قوله، ومن يشري
نفسه، ومن: في قوله تعالى: ﴿من يقول) نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء، والخبر الجار
والمجرور المتقدم الذكر. ويقول: صفة، هذا اختيار أبي البقاء، وجوز الزمخشري هذا
الوجه. وكأنه قال: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا﴾(١)
قال: إن جعلت اللام للجنس يعني في قوله: ومن الناس، قال: وإن جعلها للعهد
فموصولة كقوله: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾(٢). واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة
بمعنى الذي قال، لأن الذي يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام والتقدير، ومن
الناس فريق يقول: وما ذهب إليه الزمخشري من أن اللام في الناس، إن كانت للجنس
كانت من نكرة موصوفة، وإن كانت للعهد كانت موصولة، أمر لا تحقيق له، كأنه أراد
مناسبة الجنس للجنس والعهد للعهد، ولا يلزم ذلك، بل يجوز أن تكون اللام للجنس ومن
موصولة، ويجوز أن تكون للعهد، ومن نكرة موصوفة فلا تلازم بين ما ذكره.
وأما استضعاف أبي البقاء كون من موصولة وزعمه أن المعنى على الإبهام فغير
مسلم، بل المعنى أنها نزلت في ناس بأعيانهم معروفين، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول،
وأصحابه، ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وقد وصفهم الله
تعالى في ثلاث عشرة آية، وذكر عنهم أقاويل معينة قالوها، فلا يكون ذلك صادراً إلا من
معين فأخبر عن ذلك المعين. والذي نختار أن تكون من موصولة، وإنما اخترنا ذلك
لأنه الراجح من حيث المعنى ومن حيث التركيب الفصيح. ألا ترى جعل من نكرة موصوفة
إنما يكون ذلك إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في أكثر كلام العرب، وهذا الكلام ليس
(١) سورة الأحزاب: ٢٣/٣٣.
(٢) سورة التوبة: ٦١/٩.

٨٩
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
من المواضع التي تختص بالنكرة، وأما أن تقع في غير ذلك فهو قليل جداً، حتى أن
الكسائي أنكر ذلك وهو إمام نحو وسامع لغة، فلا نحمل كتاب الله ما أثبته بعض النحويين
في قليل وأنكر وقوعه أصلاً الكسائي، فلذلك اخترنا أن تكون موصولة. ومن: من الأسماء
التي لفظها مفرد مذكر دائماً، وتنطلق عليه فروع المفرد والمذكر إذا كان معناها كذلك فُتارة
يراعي اللفظ فيفرد ما يعود على من مذكراً، وتارة يراعي المعنى فيحمل عليه ويطلق
المعربون ذلك، وفي ذلك تفصيل كثير ذكر في النحو. قال ابن عطية: من يقول آمنا رجع
من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ من ومعناها وحسن ذلك لأن الواحد قبل
الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحد، لو قلت: ومن الناس
من يقولون ويتكلم لم يجز، انتهى كلامه. وما ذكر من أنه لا يرجع من لفظ جمع إلى توحد
خطأ، بل نص النحويون على جواز الجملتين، لكن البدء بالحمل على اللفظ ثم على
المعنى أولى من الابتداء بالحمل على المعنى، ثم يرجع إلى الحمل على اللفظ، ومما
رجع فيه إلى الإفراد بعد الجمع قول الشاعر:
ن إذا كافحته خيل الأعادي
لست ممن يكع أو يستكينو
وفي بعض هذه المسائل تفصيل، كما أشرنا إليه. ويقول: أفرد فيه الضمير مذكراً
على لفظ من، وآمنا: جملة هي المقولة، فهي في موضع المفعول وأتى بلفظ الجمع رعياً
للمعنى، إذ لو راعى لفظ من قال آمنت. واقتصروا من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر
حيدة منهم عن أن يعترفوا بالإيمان برسول الله وم ليه وبما أنزل إليه وإيهاماً أنهم من طائفة
المؤمنين، وإن كان هؤلاء، كما زعم الزمخشري، يهوداً. فإيمانهم بالله ليس بإيمان،
كقولهم: ﴿عزير ابن الله﴾(١) وباليوم الآخر، كذلك لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته،
وهم لو قالوا ذلك على أصل عقيدتهم لكان كفراً، فكيف إذا قالوا ذلك على طريقة النفاق
خديعة للمسلمين واستهزاءً بهم؟ وفي تكرير الباء دليل على مقصود كل ما دخلت عليه الباء
بالإيمان. واليوم الآخر يحتمل أن يراد به: الوقت المحدود من البعث إلى استقرار كل من
المؤمنين والكافرين فيما أعد لهم، ويحتمل أن يراد به: الأبد الدائم الذي لا ينقطع.
وسمي آخراً لتأخره، إما عن الأوقات المحدودة باعتبار الاحتمال الأول أو عن الأوقات
(١) سورة التوبة: ٣٠/٩.

٩٠
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
المحدودة باعتبار الاحتمال الثاني. والباء في بمؤمنين زائدة والموضع نصب لأن ما حجازية
وأكثر لسان الحجاز جر الخبر بالباء، وجاء القرآن على الأكثر، وجاء النصب في القرآن في
قوله: ﴿ما هذا بشراً﴾(١) ﴿وما هنّ أمّهاتهم﴾. وأما في أشعار العرب فزعموا أنه لم يحفظ منه أيضاً
إلا قول الشاعر:
تصل الجيوش إليكم أقوادها
وأنا النذير بحرة مسودة
حنقوا الصدور وما هم أولادها
أبناؤها متكفون أباهم
ولا تختص زيادة الباء باللغة الحجازية، بل تزاد في لغة تميم خلافاً لمن منع ذلك،
وإنما ادعينا أن قوله: بمؤمنين في موضع نصب لأن القرآن نزل بلغة الحجاز، لأنه حين
حذفت الباء من الخبر ظهر النصب فيه، ولها أحكام كثيرة في باب معقود في النحو. وإنما
زيدت الباء في الخبر للتأكيد، ولأجل التأكيد في مبالغة نفي إيمانهم، جاءت الجملة المنفية
إسمية مصدرة بهم، وتسلط النفي على إسم الفاعل الذي ليس مقيداً بزمان ليشمل النفي
جميع الأزمان، إذ لو جاء اللفظ منسحباً على اللفظ المحكي الذي هو: آمنا، لكان: وما
آمنوا، فكان يكون نفياً للإيمان الماضي، والمقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان
في وقت مّا من الأوقات، وهذا أحسن من أن يحمل على تقييد الإيمان المنفي، أي وما هم
بمؤمنين بالله واليوم الآخر، ولم يردّ الله تعالى عليهم قولهم: آمنا، إنما رد عليهم متعلق
القول وهو الإيمان، وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم: إن الإيمان قول باللسان وإن لم
يعتقد بالقلب. وهم في قوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ عائد على معنى من، إذ أعاد أولاً على
اللفظ فأفرد الضمير في يقول، ثم أعاد على المعنى فجمع. وهكذا جاء في القرآن أنه إذا
اجتمع اللفظ والمعنى بدىء باللفظ ثم أتبع بالحمل على المعنى. قال تعالى: ﴿ومنهم من
يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا﴾(٢)، ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله
النصَّدقن﴾(٣) الآية، ﴿ومن يقنت منكنّ الله ورسوله وتعمل صالحاً﴾(٤).
وذكر شيخنا الإمام علم الدين أبو محمد عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري
الأندلسي الأصل المصري المولد والمنشأ، المعروف بابن بنت العراقي، رحمه الله تعالى،
أنه جاء موضع واحد في القرآن بدىء فيه بالحمل على المعنى أولاً ثم أتبع بالحمل على
اللفظ، وهو قوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على
(١) سورة يوسف: ٣١/١٢.
(٢) سورة التوبة: ٤٩/٩.
(٣) سورة التوبة: ٧٥/٩.
(٤) سورة الأحزاب: ٣١/٣٣.

٩١
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
أزواجنا﴾(١)، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأورد بعضهم
قراءة من قرأ في الشاذ: ﴿وأن منكم لمن ليبطئنّ﴾ بضم الهمزة متخيلاً أنه مما بدىء فيه بالحمل
على المعنى، وسيأتي الكلام عليه في موضعه. ولا يجيز الكوفيون الجمع بين الجملتين إلا
بفاصل بينهما، ولم يعتبر البصريون الفاصل، قال ابن عصفور، ولم يرد السماع إلا
بالفصل، كما ذهب الكوفيون إليه، وليس ما ذكر بصحيح، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وقالوا لن
يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾(٢)؟ فحمل على اللفظ في كان، إذ أفرد الضمير
وجاء الخبر على المعنى، إذ جاء جمعاً ولا فصل بين الجملتين، وإنما جاء أكثر ذلك
بالفصل لما فيه من إزالة قلق التنافر الذي يكون بين الجملتين.
وقراءة الجمهور: يخادعون الله، مضارع خادع. وقرأ عبد الله وأبو حياة يخدعون
الله، مضارع خدع لمجرد، ويحتمل قوله: ﴿يخادعون الله﴾ أن يكون مستأنفاً، كأن قائلاً
يقول: لمٍ يتظاهرون بالإيمان وليسوا بمؤمنين في الحقيقة؟ فقيل: يخادعون، ويحتمل أن
يكون بدلاً من قوله: يقول آمنا، ويكون ذلك بياناً، لأن قولهم: آمنا وليسوا بمؤمنين في
الحقيقة مخادعة، فيكون بدل فعل من فعل لأنه في معناه، وعلى كلا الوجهين لا موضع
للجملة من الإعراب. ويحتمل أن تكون الجملة في موضع الحال، وذو الحال الضمير
المستكن في يقول، أي: ومن الناس من يقول آمنا، مخادعين الله والذين آمنوا. وجوّز أبو
البقاء أن يكون حالاً، والعامل فيها اسم الفاعل الذي هو: بمؤمنين، وذو الحال: الضمير
المستكن في اسم الفاعل. وهذا إعراب خطأ، وذلك أن ما دخلت على الجملة فنفت نسبة
الإيمان إليهم، فإذا قيدت تلك النسبة بحال تسلط النفي على تلك الحال، وهو القيد،
فنفته، ولذلك طريقان في لسان العرب: أحدهما: وهو الأكثر أن ينتفي ذلك القيد فقط،
ويكون إذ ذاك قد ثبت العامل في ذلك القيد، فإذا قلت: ما زيد أقبل ضاحكاً فمفهومه نفي
الضحك ويكون قد أقبل غير ضاحك، وليس معنى الآية على هذا، إذ لا ينفي عنهم
الخداع فقط، ويثبت لهم الإيمان بغير خداع، بل المعنى: نفي الإيمان عنهم مطلقاً.
والطريق الثاني: وهو الأقل، أن ينتفي القيد وينتفي العامل فيه، فكأنه قال في المثال
السابق: لم يقبل زيد ولم يضحك: أي لم يكن منه إقبال ولا ضحك. وليس معنى الآية
على هذا، إذ ليس المراد نفي الإيمان عنهم ونفي الخداع.
(١) سورة الأنعام: ١٣٩/٦.
(٢) سورة البقرة: ١١١/٢.

٩٢
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
والعجب من أبي البقاء كيف تنبه لشيء من هذا فمنع أن يكون يخادعون في موضع
الصفة فقال: ولا يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لمؤمنين، لأن ذلك يوجب نفي
خداعهم، والمعنى على إثبات الخداع، انتهى كلامه. فأجاز ذلك في الحال ولم يجز ذلك
في الصفة، وهما سواء، ولا فرق بين الحال والصفة في ذلك، بل كل منهما قيد يتسلط
النفي عليه، والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. فمخادعة المنافقين الله هو من
حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله
جماعة، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه. فالتقدير الأول
مجاز والثاني حقيقة، أو يكون على حذف مضاف، أي يخادعون رسول الله وَلقر والذين
آمنوا، فتارة يكون المحذوف مراداً وتارة لا يكون مراداً، بل نزل مخادعتهم رسول الله ومؤقد
بمنزلة مخادعة الله، فجاء: ﴿يخادعون الله﴾، وهذا الوجه قاله الحسن والزجاج.
وإذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله تعالى بالأوجه التي ذكرناها، كما ذكرناها، فلا
ضرورة تدعو إلى أن نذهب إلى أن اسم مقحم، لأن المعنى يخادعون الذين آمنوا، كما
ذهب إليه الزمخشري، وقال: يكون من باب: أعجبني زيد وكرمه، المعنى هذا أعجبني
كرم زيد، وذكر زيد توطئة لذكر كرمه، والنسبة إلى الإعجاب إلى كرمه هي المقصودة،
وجعل من ذلك والله ورسوله أحق أن يرضوه، إن الذين يؤذون الله ورسوله وما ذكره في هذه
المثل غير مسلّم له. وللآيتين الشريفتين محامل تأتي في مكانها، إن شاء الله تعالى. وأما
أعجبني زيد وكرمه، فإن الإعجاب أسند إلى زيد بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته
تمييزاً لصفة الكرم من سائر الصفات التي انطوى عليها لشرف هذه الصفة، فصار من
المعنى نظيراً لقوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾(١)، فلا يدعي كما ادعى
الزمخشري أن الاسم مقحم، وأنه ذكر توطئة لذكر الكرم. وخادع الذي مضارعه يخادع
على وزن فاعل، وفاعل يأتي لخمسة معان: لاقتسام الفاعلية، والمفعولية في اللفظ،
والاشتراك فيهما من حيث المعنى، ولموافقة أفعل المتعدي، وموافقة المجرد للإغناء عن
أفعل وعن المجرد. ومثل ذلك: ضارب زيداً عمر، وباعدته، وواريت الشيء، وقاسيت.
وخادع هنا إما لموافقة الفعل المجرد فيكون بمعنى خدع، وكأنه قال: يخدعون الله، ويبينه
قراءة ابن مسعود وأبي حياة، وقد تقدمت. ويحتمل أن يكون خادع من باب المفاعلة،
فمخادعتهم تقدم تفسيرها، ومخادعة الله لهم حيث أجرى عليهم أحكام المسلمين واكتفى
(١) سورة البقرة: ٩٨/٢.

٩٣
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
منهم في الدنيا بإظهار الإسلام، وإن أبطنوا خلافه، ومخادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا
أحكام المسلمین علیهم.
وفي مخادعتهم هم للمؤمنين فوائد لهم، من تعظيمهم عند المؤمنين، والتطلع على
أسرارهم فيغشونها إلى أعدائهم، ورفع حكم الكفار عنهم من القتل وضرب الجزية، وغير
ذلك، وما ينالون من الإحسان بالهداية وقسم الغنائم. وقرأ: وما يخادعون، الحرميان، وأبو
عمرو. وقرأ باقي السبعة: وما يخدعون. وقرأ الجارود بن أبي سبرة، وأبو طالوت
عبد السلام بن شداد: وما يخدعون مبنياً للمفعول. وقرأ بعضهم: وما يخادعون، بفتح
الدال مبنياً للمفعول. وقرأ قتادة، ومورق العجلي: وما يخدعون، من خدّع المشدّد مبنياً
للفاعل، وبعضهم يفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة. فهذه ست قراءات توجيه:
الأولى: أن المعنى في الخداع إنما هو الوصول إلى المقصود من المخدوع، بأن ينفعل له
فيما يختار، وينال منه ما يطلب على غرة من المخدوع وتمكن منه وتفعل له، ووبال ذلك
ليس راجعاً للمخدوع، إنما وباله راجع إلى المخادع، فكأنه ما خادع ولا كاد إلا نفسه
بإيرادها موارد الهلكة، وهو لا يشعر بذلك جهلاً منه بقبيح انتحاله وسوء مآله. وعبر عن هذا
المعنى بالمخادعة على وجه المقابلة، وتسمية الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له،
كما قال:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ألا لا يجهلن أحد علينا
جعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزح هنا أنه قد يجيء من واحد: کعاقبت اللص،
وطارقت النعل. ويحتمل أن تكون المخادعة على بابها من اثنين، فهم خادعون أنفسهم
حيث منوها الأباطيل، وأنفسهم خادعتهم حيث منتهم أيضاً ذلك، فكأنها مجاورة بين
اثنين، وقال الشاعر:
تذكر من أني ومن أين شربه
يؤامر نفسيه لذي البهجة الإبل
وأنشد ابن الأعرابي :
عمرك ما عشت آخر الأبد
لم تدر ما ولست قائلها
فيها وفي أختها ولم تلد
ولم تؤامر نفسيك ممترياً
وقال :
* أيستويع الذوبان أم لا يطورها
يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة

٩٤
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي :
تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني
وكنت كذات الضي لم تدر إذ بغت
ففي هذه الأبيات قد جعل للشخص نفسين على معنى الخاطرين، ولها جنسين، أو
يكون فاعل بمعنى فعل، فيكون موافقاً لقراءة: وما يخدعون. وتقول العرب: خادعت
الرجل، أعملت التحيل عليه فخدعته، أي تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، خدعاً،
بكسر الخاء في المصدر وخديعة، حكاه أبو زيد. فالمعنى: وما ينفذ السوء إلا على
أنفسهم، والمراد بالأنفس هنا: ذواتهم. فالفاعل هو المفعول، وقد ادعى بعضهم أن هذا
من المقلوب وأن المعنى: وما يخادعهم إلا أنفسهم قال: لأن الإنسان لا يخدع نفسه، بل
نفسه هي التي تخدعه وتسوّل له وتأمره بالسوء. وأورد أشياء مما قلبته العرب، وللنحويين
في القلب مذهبان: أحدهما: أنه يجوز في الكلام والشعر اتساعاً واتكالاً على فهم
المعنى. والثاني: أنه لا يجوز في الكلام ويجوز في الشعر حالة الاضطرار، وهذا هو الذي
صححه أصحابنا، وكان هذا الذي ادعى القلب لما رأى قولهم: منتك نفسك، وقوله
تعالى: ﴿بل سولت لكم أنفسكم﴾(١) تخيل أن الممني والمسوّل غير الممنيَّ والمسؤَّل له،
وليس على ما تخيل، بل الفاعل هنا هو المفعول. ألا ترى أنك تقول: أحب زيد نفسه،
وعظم زيد نفسه؟ فلا يتخيل هنا تباين الفاعل والمفعول إلا من حيث اللفظ، وأما المدلول
فهو واحد. وإذا كان المعنى صحيحاً دون قلب، فأي حاجة تدعو إليه هذا؟ مع أن الصحيح
أنه لا يجوز إلا في الشعر، فينبغي أن ينزه كتاب الله تعالى منه.
ومن قرأ: وما يخادعون أو يخدعون مبنياً للمفعول، فانتصاب ما بعد إلا على ما
انتصب عليه زيد غبن رأيه، إما على التمييز على مذهب الكوفيين، وإما على التشبيه
بالمفعول به على ما زعم بعضهم، وإما على إسقاط حرف الجر، أي: في أنفسهم، أو عن
أنفسهم، أو ضمن الفعل معنى ينتقضون ويستلبون، فينتصب على أنه مفعول به، كما
ضمن الرفث معنى الإفضاء فعدى بإلى في قوله: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾(٢)، ولا يقال رفث
إلى كذا، وكما ضمن ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾(٣)، معنى أجذبك، ولا يقال: إلا هل لك
في كذا. وفي قراءة: وما يخدعون، فالتشديد إما للتكثير بالنسبة للفاعلين أو للمبالغة في
(١) سورة يوسف: ١٨/١٢ و٨٣.
(٢) سورة البقرة: ١٨٧/٢.
(٣) سورة النازعات: ١٨/٧٩.
٠٠٠

٩٥
۔
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
نفس الفعل، إذ هو مصير إلى عذاب الله وإما لموافقة فعل نحو: قدر الله وقدر، وقد تقدم
ذكر معاني فعل. وقراءة من قرأ: وما يخدعون، أصلها يختدعون فأدغم، ويكون افتعل فيه
موافقاً لفعل نحو: اقتدر على زيد، وقدر عليه، وهو أحد المعاني التي جاءت لها افتعل،
وهي اثنا عشر معنى، وقد تقدم ذكرها. ﴿وما يشعرون﴾: جملة معطوفة على: وما يخادعون
إلا أنفسهم، فلا موضع لها من الإعراب، ومفعول يشعرون محذوف تقديره إطلاع الله نبيه
على خداعهم وكذبهم، روي ذلك عن ابن عباس، أو تقديره هلاك أنفسهم وإيقاعها في
الشقاء الأبدي بكفرهم ونفاقهم، روي ذلك عن زيد. ويحتمل أن يكون وما يشعرون:
جملة حالية تقديره وما يخادعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك، لأنهم لو شعروا أن
خداعهم لله وللمؤمنين إنما هو خداع لأنفسهم لما خادعوا الله والمؤمنين. وجاء: يخادعون
الله بلفظ المضارع لا بلفظ الماضي لأن المضي يشعر بالانقطاع بخلاف المضارع، فإنه يشعر
في معرض الذم أو المدح بالديمومة، نحو: زيد يدعّ اليتيم، وعمرو يقري الضيف.
والقراء على فتح راء مرض في الموضعين إلا الأصمعي، عن أبي عمرو، فإنه قرأ
بالسكون فيهما، وهما لغتان كالحلب والحلب، والقياس الفتح، ولهذا قرأ به الجمهور،
ويحتمل أن يراد بالمرض الحقيقة، وأن المرض الذي هو الفساد أو الظلمة أو الضعف أو
الألم كائن في قلوبهم حقيقة، وسبب إيجاده في قلوبهم هو ظهور الرسول صل﴿ه وأتباعه،
وفشو الإسلام ونصر أهله. ويحتمل أن يراد به المجاز، فيكون قد كنى به عما حل القلب
من الشك، قاله ابن عباس، أو عن الحسد والغل، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول، أو
عن الضعف والخور لما رأوا من نصر دين الله وإظهاره على سائر الأديان، وحمله على
المجاز أولى لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانت أجسامهم مريضة بمرضها، أو كان
الحمام عاجلهم، قال: بعض المفسرين يشهد لهذا الحديث النبوي والقانون الطبي، أما
الحديث، فقوله وَالر: ((إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا
فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب)).
وأما القانون الطبي، فإن الحكماء وصفوا القلب على ما اقتضاه علم التشريح، ثم
قالوا: إذا حصلت فيه مادة غليظة، فإن تملكت منه ومن غلافه أو من أحدهما فلا يبقى مع
ذلك حياة وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرت تأخيراً يسيراً، وإن لم تتمكن منه المادة
المنصبة إليه ولا من غلافه، أخرت الحياة مدة يسيرة؟ وقالوا: لا سبيل إلى بقاء الحياة مع
مرض القلب، وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة. وقد تلخص في القرآن

٩٦
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
من المعاني السببية التي تحصل في القلب سبعة وعشرون مرضاً، وهي: الرين، والزيغ،
والطبع، والصرف، والضيق، والحرج، والختم، والإقفال، والإشراب، والرعب،
والقساوة، والإصرار، وعدم التطهير، والنفور، والاشمئزاز، والإنكار، والشكوك،
والعمى، والإبعاد بصيغة اللعن، والتأبى، والحمية، والبغضاء، والغفلة، والغمزة، واللهو،
والارتياب، والنفاق. وظاهر آيات القرآن تدل على أن هذه الأمراض معان تحصل في
القلب فتغلب عليه، وللقلب أمراض غير هذه من الغل والحقد والحسد، ذكرها الله تعالى
مضافة إلى جملة الكفار. والزيادة تجاوز المقدار المعلوم، وعلم الله محيط بما أضمروه من
سوء الاعتقاد والبغض والمخادعة، فهو معلوم عنده، كما قال تعالى: ﴿وكل شيء عنده
بمقدار﴾(١)، وفي كل وقت يقذف في قلوبهم من ذلك القدر المعلوم شيئاً معلوم المقدار
عنده، ثم يقذف بعد ذلك شيئاً آخر، فيصير الثاني زيادة على الأول، إذا لو لم يكن الأول
معلوم المقدار لما تحققت الزيادة، وعلى هذا المعنى يحمل: ﴿فزادتهم رجساً إلى
رجسهم﴾(٢). وزيادة المرض إما من حيث أن ظلمات كفرهم تحل في قلوبهم شيئاً فشيئاً،
وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾(٣)، أو من حيث أن المرض
حصل في قلوبهم بطريق الحسد أو الهم، بما يجدد الله سبحانه لدينه من علو الكلمة
ولرسوله وللمؤمنين من النصر ونفاذ الأمر، أو لما يحصل في قلوبهم من الرعب، وإسناد
الزيادة إلى الله تعالى إسناد حقيقي بخلاف الإسناد في قوله تعالى: ﴿فزادتهم رجساً إلى
رجسهم﴾، ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾ (٤) .
وقالت المعتزلة: لا يجوز أن تكون زيادة المرض من جنس المزيد عليه، إذ المزيد
عليه هو الكفر، فتأولوا ذلك على أن يحمل المرض على الغم لأنهم كانوا يغتمون بعلو أمر
رسول الله ﴿، أو على منع زيادة الألطاف، أو على ألم القلب، أو على فتور النية في
المحاربة لأنهم كانت أولاً قلوبهم قوية على ذلك، أو على أن كفرهم كان يزداد بسبب
ازدياد التكليف من الله تعالى. وهذه التأويلات كلها إنما تكون إذا كان قوله: ﴿فزادهم الله
مرضاً﴾ خبراً، وإما إذا كان دعاء فلا، بل يحتمل أن يكون الدعاء حقيقة فيكون دعاء بوقوع
زيادة المرض، أو مجازاً فلا تقصد به الإجابة لكون المدعو به واقعاً، بل المراد به السب
(١) سورة الرعد: ٨/١٣.
(٢) سورة التوبة: ١٢٥/٩.
(٣) سورة النور: ٤٠/٢٤.
(٤) سورة التوبة: ١٢٤/٩.

٩٧
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
واللعن والنقص، كقوله تعالى: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾(١)، ﴿ثم انصرفوا صرف الله
قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾(٢)، وكقوله: لعن الله إبليس وأخزاه، ومعلوم أن ذلك قد
وقع، وأنه قد باء بخزي ولعن لا مزيد عليه لأنه لا انتهاء له، وتنكير مرض من قوله: ﴿في
قلوبهم مرض﴾ لا يدل على أن جميع أجناس المرض في قلوبهم، كما زعم بعض
المفسرين، لأن دلالة النكرة على ما وضعت له إنما هي دلالة على طريقة البدل، لأنها دلالة
تنتظم كل فرد فرد على جهة العموم، ولم يحتج إلى جمع مرض لأن تعداد المحال يدل
على تعداد الحال عقلاً، فاكتفى بالمفرد عن الجمع، وتعدية الزيادة إليهم لا إلى القلوب،
إذ قال تعالى: ﴿فزادهم﴾، ولم يقل: فزادها، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على
حذف مضاف، أي فزاد الله قلوبهم مرضاً، والثاني: أنه زاد ذواتهم مرضاً لأن مرض القلب
مرض لسائر الجسد، فصح نسبة الزيادة إلى الذوات، ويكون ذلك تنبيهاً على أن في
ذواتهم مرضاً، وإنما أضاف ذلك إلى قلوبهم لأنها محل الإدراك والعقل. وأمال حمزة
فزادهم في عشرة أفعال ألفها منقلبة عن ياء إلا فعلاً واحداً ألفه منقلبة عن واو ووزنه فعل
بفتح العين، إلا ذلك الفعل فإن وزنه فعل بكسر العين، وقد جمعتها في بيتين في قصيدتي
المسماة، بعقد اللآلي في القراءات السبع العوالي، وهما:
فجاء وشاء ضاق ران وكملا
وعشرة أفعال تمال لحمزة
بزاد وخاب طاب خاف معاً
وحاق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا
يعني أنه قد استثنى حمزة، ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾(٣)، في سورة الأحزاب، ﴿وإذ
زاغت عنهم الأبصار﴾ (٤)، في سورة ص، فلم يملها. ووافق ابن ذكوان حمزة على إمالة
جاء وشاء في جميع القرآن، وعلى زاد في أول البقرة، وعنه خلاف في زاد هذه في سائر
القرآن، وبالوجهين قرأته له، والإمالة لتميم، والتفخيم للحجاز. وأليم: تقدم تفسيره. فإذا
قلنا إنه للمبالغة فيكون محوّلاً من فعل لها ونسبته إلى العذاب مجاز، لأن العذاب لا يألم،
إنما يألم صاحبه، فصار نظير قولهم: شعر شاعر، والشعر لا يشعر إنما الشاعر ناظمه. وإذا
قلنا إنه بمعنی : مؤلم، كما قال عمرو بن معدي کرب :
(١) سورة المنافقون: ٤/٦٣.
(٢) سورة التوبة: ١٢٧/٩.
(٣) سورة الأحزاب: ١٠/٣٣.
(٤) سورة صّ: ٦٣/٣٨.
تفسير البحر المحيط ج١ م٧

٩٨
سورة البقرة / الآيات ٨ - ١٠
أمن ريحانة الداعي السميع
أي المسمع، وفعيل: بمعنى مفعل مجاز، لأن قياس أفعل مفعل، فالأول مجاز في
التركيب، وهذا مجاز في الإفراد. وقد حصل للمنافقين مجموع العذابين: العذاب العظيم
المذكور في الآية، قيل لانخراطهم معهم ولانتظامهم فيهم. ألا ترى أن الله تعالى في تلك
الآية قد أخبر أنهم لا يؤمنون في قوله: لا يؤمنون، وأخبر بذلك في هذه الآية بقوله: وما هم
بمؤمنين؟ والعذاب الأليم، فصار المنافقون أشد عذاباً من غيرهم من الكفار، بالنص على
حصول العذابين المذكورين لهم، ولذلك قال تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من
النار﴾(١)، ثم ذكر تعالى أن كينونة العذاب الأليم لهؤلاء سببها كذبهم وتكذيبهم وما منسوية
أي بكونهم يكذبون، ولا ضمير يعود عليها لأنها حرف، خلافاً لأبي الحسن. ومن زعم أن
كان الناقصة لا مصدر لها، فمذهبه مردود، وهو مذهب أبي علي الفارسي. وقد كثر في
كتاب سيبويه المجيء بمصدر كان الناقصة، والأصح أنه لا يلفظ به معها، فلا يقال: كان
زيد قائماً كوناً، ومن أجاز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، فالعائد عنده محذوف تقديره
يكذبونه أو يكذبونه. وزعم أبو البقاء أن كون ما موصولة أظهر، قال: لأن الهاء المقدرة
عائدة إلى الذي دون المصدر، ولا يلزم أن يكون، ثم هاء مقدرة، بل من قرأ: يكذبون،
بالتخفيف، وهم الكوفيون، فالفعل غير متعد، ومن قرأ بالتشديد، وهم الحرمیان،
والعربيان، فالمفعول محذوف لفهم المعنى تقديره فكونهم يكذبون الله في أخباره والرسول
فيما جاء به، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف على جهة المبالغة، كما قالوا
في : صدق صدق، وفي : بان الشيء بين، وفي : قلص الثوب قلص.
والكذب له محامل في لسان العرب: أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو
عليه، وعمرو بن بحر يزيد في ذلك أن يكون المخبر عالماً بالمخالفة، وهي مسألة تكلموا
عليها في أصول الفقه. الثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، قالوا:
ومنه ما ورد في الحديث عن إبراهيم صلوات الله عليه وعلى نبينا. الثالث: الخطأ، كقول
عبادة فيمن زعم: أن الوتر واجب، كذب أبو محمد أي أخطأ. الرابع: البطول، كقولهم:
كذب الرجل، أي بطل عليه أمله وما رجا وقدر. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء
المذكور، كقولهم: كذب عليك العسل، أي أكل العسل، والمغرى به مرفوع بكذب،
(١) سورة النساء: ٤ /١٤٥.

٩٩
سورة البقرة / الآيات ١١ - ١٦.
وقالوا: لا يجوز نصبه إلا في حرف شاذ، ورواه القاسم بن سلام عن معمر بن المثنى،
والمؤثم هو الأول.
وقد اختلف الناس في الكذب فقال قوم: الكذب کله قبيح لا خير فيه، وقالوا: سئل
مالك عن الرجل يكذب لزوجته ولابنه تطبيباً للقلب فقال: لا خير فيه. وقال قوم: الكذب
محرم ومباج، فالمحرم الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن في مراعاته
مصلحة شرعية، والمباح ما كان فيه ذلك، كالكذب لإصلاح ذات البين.
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات خلافاً، قال قوم: نزلت في منافقي أهل
الكتاب، كعبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، حين قالوا: تعالوا
إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونتمسك مع ذلك بديننا، فأظهروا الإيمان باللسان
واعتقدوا خلافه. ورواه أبو صالح، عن ابن عباس، وقال قوم: نزلت في منافقي أهل
الكتاب وغيرهم، رواه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال أبو العالية، وقتادة،
وابن زيد.
وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُ واْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (9) أَلَآ إِنَّهُمْ
وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْكَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ:
أَنُؤْمِنُ كَمَآءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿ وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ
١٤
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ
١٥
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمْدُهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (
١٦
بِالْهُدَى فَمَارَبَحَت تَّجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
إذا: ظرف زمان، ويغلب كونها شرطاً، وتقع للمفاجأة ظرف زمان وفاقاً للرياشي،
والزجاج، لا ظرف مكان خلافاً للمبرد، ولظاهر مذهب سيبويه، ولا حرفاً خلافاً للكوفيين.
وإذا كانت حرفاً، فهي لما تيقن أو رجح وجوده، ويجزم بها في الشعر، وأحكامها مستوفاة
في علم النحو. الفعل الثلاثي الذي انقلب عين فعله ألفاً في الماضي، إذا بني للمفعول،
أخلص كسر أوله وسكنت عينه ياء في لغة قريش ومجاوريهم من بني كنانة، وضم أولها عند

١٠٠
سورة البقرة / الآيات ١١ - ١٦
كثير من قيس وعقيل ومن جاورهم، وعامة بني أسد. وبهذه اللغة قرأ الكسائي وهشام في :
قيل، وغيض، وحيل، وسيىء، وسيئت، وجيء، وسيق. وافقه نافع وابن ذكوان في :
سيىء، وسيئت. زاد ابن ذكوان: حيل، وساق. وباللغة الأولى قرأ باقي القراءة، وفي ذلك
لغة ثالثة، وهي إخلاص ضم فاء الكلمة وسكون عينه واواً، ولم يقرأ بها، وهي لغة لهذيل،
وبني دبير. والكلام على توجيه هذه اللغات وتكميل أحكامها مذكور في النحو. الفساد:
التغير عن حالة الاعتدال والاستقامة. قال سهيل في الفصيح: فسد، ونقيضه: الصلاح،
وهو اعتدال الحال واستواؤه على الحالة الحسنة.
الأرض: مؤنثة، وتجمع على أرّض وأراض، وبالواو والنون رفعاً وبالياء والنون نصباً
وجراً شذوذاً، فتفتح العين، وبالألف والتاء، قالوا: أرضات، والأراضي جمع جمع
كأواظب. إنما: ما: صلة لأن وتكفها عن العمل، فإن وليتها جملة فعلية كانت مهيئة، وفي
ألفاظ المتأخرين من النحويين وبعض أهل الأصول إنها للحصر، وكونها مركبة من ما
النافية، دخل عليها إن التي للإثبات فأفادت الحصر، قول رکیك فاسد صادر عن غير عارف
بالنحو، والذي نذهب إليه أنها لا تدل على الحصر بالوضع، كما أن الحصر لا يفهم من
أخواتها التي كفت بما، فلا فرق بين: لعل زيداً قائم، ولعل ما زيد قائم، فكذلك: إن زيداً
قائم، وإنما زيد قائم، وإذا فهم حصر، فإنما يفهم من سياق الكلام لا أن إنما دلت عليه،
وبهذا الذي قررناه يزول الإشكال الذي أوردوه في نحو قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر﴾(١)،
﴿قل إنما أنا بشر﴾(٢)، ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾. وأعمال إنما قد زعم بعضهم أنه
مسموع من لسان العرب، والذي عليه أصحابنا أنه غير مسموع.
نحن: ضمير رفع منفصل لمتكلم معه غيره أو لمعظم نفسه، وفي اعتلال بنائه على
الضم أقوال تذكر في النحو. ألا: حرف تنبيه زعموا أنه مركب من همزة الاستفهام ولا
النافية للدلالة على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً، كقوله
تعالى: ﴿أليس ذلك بقادر﴾(٣)، ولكونها من المنصب في هذه لا تكاد تقع الجملة بعدها
إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، وقال ذلك الزمخشري. والذي نختاره أن ألا التنبيهية
(١) سورة الرعد: ٧/١٣، وسورة النازعات: ٤٥/٧٩.
(٢) سورة الكهف: ١١٠/١٨.
(٣) سورة القيامة: ٤٠/٧٥.