Indexed OCR Text

Pages 261-280

تنبيه: لما ذكر ابن الحاج ما يحصل ليلة الختم من البدع،
د
ومنها الاختلاط، قال(١):
(فإن قيل: أليس قد روى عبد الرزاق في: التفسير: أن أنس بن
مالك رضي الله عنه كان إذا أراد أن يختم جمع أهله؟
قلنا: هذا هو الحجة عليكم ... وأيضاً: فإنه ما روي أنه دعا،
وإنما جمع أهله فحسب) اهـ.
ورواية ((فدعا)) ثابتة كما تقدم، والله أعلم.
١٣ - عن أنس بن مالك، رضي الله عنه :
قال: كان رسول الله وَل﴾ إذا ختم جمع أهله ودعا.
متروك). اهـ.
E
فهو متروك الحديث مع صلاحه وزهادته، والمتروك لا يعتبر بحديثه في باب
الشواهد ولا المتابعات، وهذا يتفق مع ما قرره العلامة الألباني في ((الضعيفة
٢١٤/١، ٣٠٩))، خلاف ما قرره في تعليقه على ((مشكاة المصابيح ٣٦/١ رقم ٩٨)
فإنه اعتبر به؛ فليصحح، وهذا لا يُشغب به على أهل العلم، كالحال في تعدد
الروايات عن الإِمام الواحد في الفقهيات، وفي رتبة الحديث الواحد، وكذا في منزلة
الراوي، وللحافظين الذهبي، وابن حجر، في هذا شيء غير قليل يُعْلَمُ من المقابلة
بين: الكاشف والمغني كلاهما للذهبي، وبين التقريب والتلخيص والفتح ثلاثتها
لابن حجر. والأعذار في هذا مبسوطة. وانظر: ((رفع الملام)) لابن تيمية، لكن هذا
يوافق لدى المبتدعة شهوة يعالجون بها كمد الحسرة من ظهور أهل السنة، ولهم في
الإيذاء وقائع مشهودة على مر التاريخ لكنها تنتهي بخذلانهم. والله الموعد.
(١) المدخل ٢٩٧/٢.
٢٦١

رواه: أبو نعيم في ترجمة ((مسعر بن كدام)) وقال(١): (غريب من
حدیث مسعر بن کدام) اهـ.
ورواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) بسنده عن أبي نعيم به، ثم
قال(٢):
(رفعه وهم، وفي إسناده مجاهيل، والصحيح رواية ابن المبارك
عن مسعر موقوفاً على أنس) اهـ.
ورواه: ابن النجار(٣).
وقال الحافظ ابن حجر(2)
(في سنده من يضعف، أو يجهل، والصحيح: الموقوف عن:
أنس) اهـ.
وقد فات السيوطي(٥)، ومِنْ بَعْدِهِ: الفتني (٦)، عَزْوُهُ إِلى:
أبي نعيم، والبيهقي، واقتصرا على عزوه إِلى: ابن النجار، ومعلوم أن
العزو إليه كالعزو إلى أصله ((تاريخ بغداد))؛ يُعْلِمُ بالضعف(٧)
(١) الحلية ٢٦٠/٧.
(٢) شعب الإيمان ١/٣٥٢/١.
(٣) كنز العمال ٣٤٩/٢. ولم نره في ذيل ابن النجار المطبوع.
(٤) شرح ابن علان على الأذكار ٢٤٥/٣، ٢٤٧.
(٥) كنز العمال ٣٩٤/٢.
(٦) كنز العمال ٣٩٤/٢.
(٧) كنز العمال ١٠/١ -١١.
٢٦٢

١٤ - أثر ابن عباس، رضي الله عنهما:
عن قتادة قال: كان رجل يقرأ في مسجد المدينة، وكان ابن عباس
قد وضع عليه الرَّصد، فإذا كان يوم ختمه قام فتحول إليه.
رواه: أبو عبيد(١)، وابن الضريس(٢)، وابن أبي داود(٣)،
والدارمى (٤)
٠
وقد ذكره القرطبي في ((التذكار))(٥) وفاته مخرجه، واقتصر
النووي في ((التبيان)»(٦) على عزوه إلى: الدارمي، وابن أبي داود.
وفي سنده عند من أخرجه: صالح بن بشير المري، وهو متروك
الحدیث، كما تقدم.
ورواية قتادة عن ابن عباس منقطعة. والله أعلم.
الخلاصة
يتنقّح مما تقدم أن الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة
رضي الله عنهم في دعاء ختم القرآن، على ما يلي:
(١) فضائل القرآن ٨/أ. وعنه في: شرح الأذكار ٢٤٣/٣، وجلاء الأفهام ص ٢٧٨ -
٢٧٩، ومقاصد النظر للبقاعي ٣٦٦/١.
(٢) فضائل القرآن ٧٥/١/أ. وعنه في: شرح الأذكار ٢٤٣/٣.
(٣) في كتاب الشريعة له كما في: شرح الأذكار ٢٤٣/٣.
(٤) السنن ٤٦٨/٢.
(٥) ص ٧٩.
(٦) ص ١٢٦.
٢٦٣

■ أولاً: أحاديث وآثار تفيد أن الدعاء عند ختم القرآن من مواطن
الإِجابة، وهي من رواية: أنس رضي الله عنه من طريقين، في كل منهما
((وضّاع)). وعطاء عن ابن عباس وإسناده واهٍ. وعن جابر وفي سنده مَنْ
كذّبوه. والعرباض وفي سنده متروك الحديث، وآخر مجهول مع إعلاله
بالانقطاع.
وقول ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه، وفي سنده انقطاع.
وقول التابعي: مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى: (الرحمة تنزل عند ختم
القرآن) وهو أثر مقطوع، من قوله بأسانيد صحيحة.
وعليه فليس منها حديث يصح عن النبي ◌َّر، فهي ما بين موضوع أو
ما يتقاعد عن الجابر. ولم يصح سوى قول مجاهد، رحمه الله تعالى.
■ ثانياً: أحاديث أفادت أدعية نبوية عقب الختم، وهي: حديث
أبي أمامة رضي الله عنه وفي سنده وضّاع، وحديث أبي هريرة لم يعلم
مخرجه، وحديث علي بن الحسين مرسل مع ما فيه ممن رمي بالكذب
والرفض، وحديث داود بن قيس: معضل، وحديث زر بن حبيش عن
علي: رواه ابن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد)) ولم نره في المطبوع منه،
والعزو إِليه معلم بالضعف، كما تقدم.
■ ثالثاً: الرواية في حضور الأهل والأولاد للختم: ثابتة من فعل:
الصحابي الجليل أنس رضي الله عنه، وروايته له مرفوعاً لا تصح، وأثر
ابن عباس رضي الله عنهما مُعلٌّ بالانقطاع وفي سنده متروك.
٢٦٤

ولعله لما كانت الرواية في هذا الباب لا يثبت منها شيء في
المرفوع إِلى النبي ◌َل﴿، وقد خلت منها دواوين الإِسلام المشهورة
كالستة، والموطأ، ومسند أحمد - تَنَكَّبَ المؤلفون في الأحكام ذِكْرَ
هذا الباب بالكلية، أمثال: ابن دقيق العيد في ((الإلمام)) والمجد في
((المنتقى))، وابن حجر في ((البلوغ))، وغيرهم، لا يعرجون على شيء من
ذلك. والله أعلم.
٢٦٥

الفصل الثاني
بيانهما في كلام الفقهاء
لم أرَ من كلام الأئمة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، رحمهم
الله تعالى - في مشروعية دعاء ختم القرآن، داخل الصلاة أو خارجها،
شيئاً يؤثر، مع عظيم مقامهم في التعبد، وصدق اللهج، لا سيما قراءة
القرآن، وختمه مرة بعد أخرى، وقد ورد في هذا عن السلف العجب
العجاب، مما به تعلم أنهم أوتوا العلم والعمل رحمهم الله تعالى(١)،
وفي بعض هذا المروي ما يستحيل وقوعه كختم القرآن بين العشائين،
وقد علم أن المنقولات إنما تعرف صحتها بالأسانيد الثابتة، وعدم
الاستحالة العقلية للمروي(٢).
(١) انظر جملة من المروي في هذا في كتابي النووي: التبيان والأذكار مع شرحها
وكتاب فضائل القرآن لابن كثير ص ١٧٢ - ١٧٧. وكتاب إقامة الحجة
للكنوي .
(٢) انظر هذا المبحث محرراً في: الكفاية للخطيب ص ٦٠٢ - ٦٠٣، ومنهاج السنَّة
النبوية لابن تيمية ١٢٣/٢، ١٢٩. وشرح العلل لابن رجب ص ٢٠٥، ٢٠٦،
والنكت لابن حجر ٨٤٥/٢. والأنور الكاشفة للمعلمي. رحم الله الجميع.
٢٦٧

نعم لمتأخري الحنفية: استحسان الدعاء عقب الختم فلا يمنع منه،
كما في ((فتاوى قاضي خان)) (١) وغيره، وعنه في ((شرح شرعة الإِسلام))(٢).
ولمتأخري المالكية: استحباب الدعاء عند الختم، كما في
(التَّذْكَار)) للقرطبي (٣).
وعند متأخري الشافعية: استحباب الدعاء عند الختم، كما في
((التِّبيان))(٤)، و((الأذكار)) للنووي(٥)، و ((حاشية الباجوري))(٦) وغيرها.
وما استحبه المتأخرون في هذه المذاهب الثلاثة هو في ((مطلق
الدعاء))، أما في الصلاة فلم أرَ من ذكره منهم سوى النووي رحمه الله
تعالى في حق منفرد؛ إذ قال(٧):
(يستحب - للقارىء وحده - أن يكون في الصلاة، وأنه قيل:
يستحب أن يكون في ركعتي الفجر، وركعتي سنَّة المغرب، وفي ركعتي
سنَّة الفجر أفضل).
(١) بواسطة: شرح شرعة الإِسلام ص ٧٣.
(٢) ص ٧٣ مؤلفه: علي زاده، رحمه الله تعالى. طبع عام ١٣٢٦هـ. بمطبعة إقدام،
بدار الخلافة العلية.
(٣) ض ٨٠، ٨٥.
(٤) ص ١٢٦. فائدة لغوية: كلما جاء على وزن (تَفْعَال) فهو بفتح أوله مثله: تَذْكَار،
سوی: تِلْقَاء، وتِبْیَان. وقيل بزيادة أحرف سواهما.
(٥) ٢٤٢/٣ مع شرحها.
٠
(٦) ١٢٢/١.
(٧) ص ١٢٤.
:
٢٦٨

ونحوه في ((الأذكار)) وزاد فيها(١):
(يستحب الدعاء عند الختم استحباباً متأكداً شديداً، لما
قدمناه(٢)، ولأثر حميد الأعرج (٣): (من قرأ القرآن ثم دعا؛ أمَّن على
دعائه أربعة آلاف ملك) اهـ.
وقال ابن قدامة الحنبلي، م سنة ٦٢٠هـ رحمه الله تعالى(٤):
(وقال بعض أهل العلم: يستحب أن يجعل ختمة النهار في ركعتي
الفجر أو بعدهما، وختمة الليل في ركعتي المغرب أو بعدهما، يستقبل
بختمه أول اللیل وأول النهار)، اهـ.
لكن لم يذكر أنه يدعو، ولعلّه مراد. والله أعلم.
أما في مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى ففي ((المستخرجة)) عن
ابن القاسم قال(٥):
(سُئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه، ثم يدعو؟ قال: ما
سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس) اهـ. وقال
شارحها ابن رشد في ((البيان والتحصيل»:
(١) الأذكار مع شرحها ٢٤٢/٣، وانظر ٢٣٦/٣ - ٢٣٧.
(٢) ما قدمه من أدلة المشروعية للدعاء بعد الختم: بعض ما تقدم ذكره في هذا الجزء مع
بيان حاله ومرتبته.
(٣) سيأتي في آخر هذا الفصل أنه ضعيف الإِسناد.
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٨٠٣/١.
(٥) بواسطة: المدخل لابن الحاج ٢٩٩/٢.
٢٦٩

(الدعاء حسن، ولكنه كره ابتداع القيام له عند تمام القرآن، وقيام
الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم، واجتماعهم لذلك
عند خاتمة القرآن، كنحو ما يفعل بعض الأئمة عندنا من الخطبة على
الناس عند الختمة، في رمضان، والدعاء فيها، وتأمين الناس على
دعائه، وهي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف) اهـ. وهذا صريح
من المالكية من أنهم إذا ختموا في الصلاة يدعون خارجها، وكرهوا ما
يحف بذلك من المحدثات كالخطبة والقيام ... فتأمله.
وفي ((مختصر ما ليس في المختصر)) قال(١):
(قال مالك: لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم،
أو يفتح كل واحد منهم فيما يقرأ، قال:
ويكره الدعاء بعد فراغهم) اهـ.
وفي ((المدونة)) قال(٢):
(ليس ختم القرآن في رمضان بسنَّةٍ للقيام).
في مذهب الإِمام أحمد، رحمه الله تعالی :
وأما في مذهب الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ففيه عنه في
مشروعية الدعاء عقب الختم - روايات يذكرها علماء المذهب، رواها
عنه :
(١) بواسطة: المدخل لابن الحاج ٢٩٩/٢.
(٢) ١٩٤/١، وانظر: إعلام السنن ٦٥/٧، والجراب الجامع، لعبد الصمد كنون
ص ٢١٦.
٢٧٠

حرب، وأبو الحارث، ويوسف بن موسى، وحنبل، والفضل بن
زياد، والحربي، وسابعة في ((الفائق))، وثامنة في ((الإِنصاف)). ورواية
لعُبْدوس بن مالك العطار، في خصوص التقيد بالوارد في دعاء القنوت.
وهذه الروايات في موضوعاتها على ثلاثة أقسام:
■ الأول: رواية حرب، وأبي الحارث، ويوسف بن موسى، في
مطلق الدعاء وجمع الأهل والأولاد. وقد ساقها ابن القيم رحمه الله
تعالى فقال(١):
(وقد نص الإِمام أحمد رحمه الله تعالى على الدعاء عقيب
الختمة، فقال في رواية أبي الحارث(٢):
كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده. وقال - أي الإِمام
أحمد - في رواية يوسف بن موسى، وقد سُئل عن الرجل يختم القرآن
فيجتمع إليه قوم فيدعون، قال: نعم، رأيت معمراً يفعله إذا ختم.
وقال في رواية حرب: (أستحب إذا ختم الرجل القرآن أن يجمع
أهله ویدعو) اهـ.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى (٣):
(فصل: ويستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم لحضور
(١) جلاء الأفهام ص ٢٨٨. الموطن السابع عشر من مواطن الصلاة عليه وتظهر: عقيب
ختم القرآن.
(٢) هذه في ((المغني) ٨٠٣/١.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٨٠٣/١.
٢٧١

الدعاء، قال أحمد: كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، روي
ذلك عن ابن مسعود(١) وغيره. ورواه ابن شاهين مرفوعاً إلى
النبي ◌َل*) اهـ(٢).
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: (كان أبي يختم من جمعة إلى
جمعة، فإذا ختم يدعو ونؤمِّن)(٣).
■ القسم الثاني: رواية حنبل، والفضل بن زياد، والحربي،
ورابعة في ((الفائق)) في دعاء الختم في التراويح قبل الركوع، أما رواية
حنبل والفضل، فقال ابن قدامة رحمه الله تعالى(٤):
(فصل: في ختم القرآن.
قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله فقلت: أختم القرآن،
أجعله في الوتر، أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح حتی یکون
لنا دعاء بين اثنين. قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن
فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام. قلت:
بم أدعو؟ قال: بما شئت. قال: ففعلت بما أمرني، وهو خلفي يدعو
قائماً ويرفع يديه .
(١) تقدم برقم/ ٥، وأن في سنده انقطاع.
(٢) تقدم برقم/ ١٣، وأن سنده لا يصح لتسلسله بالمجاهيل.
(٣) سيرة الإِمام أحمد لابنه صالح ص ١١٢، ومناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي :
ص ٤٥١، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢٧٦/١١).
(٤) المغني مع الشرح الكبير ١/ ٨٠٢. وانظر: جلاء الأفهام لابن القيم ص ٢٧٩.
والإنصاف للمرداوي ١٨٥/٢ .
٢٧٢

قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من
قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع،
قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان
سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة .
قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة
وبمكة.
ويروي أهل المدينة في هذا شيئاً. وذكر عن عثمان بن عفان)(١)
اهـ.
وأما رواية إبراهيم الحربي فذكرها القاضي أبو يعلى في ترجمته
فقال(٢):
(وقال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن الرجل يختم القرآن في
شهر رمضان في الصلاة، أيدعو قائماً في الصلاة أم يركع ويسلم ويدعو
بعد السلام؟ فقال: لا، بل يدعو في الصلاة وهو قائم بعد الختمة. قيل
له: فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم) اهـ.
وأما الرواية الرابعة، فقال المرداوي نقلاً عن ((الفائق)) ولم يذكر
مخرجها (٣):
(١) لم أر من أسند هذا، مع بالغ التتبع والمباحثة مع عدد من المشتغلين بهذا العلم،
فالله أعلم.
(٢) طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/ ٩١.
(٣) الإنصاف للمرداوي ١٨٥/٢ .
٢٧٣

(ويُسَنُّ ختمه آخر ركعة من التراويح قبل الركوع، وموعظته بعد
الختم وقراءة القرآن، مع رفع الأيدي. نص علیه) اهـ.
القسم الثالث: رواية ذكرها المرداوي في ((الإِنصاف)» ولم يذكر
د
مخرجها، من أن الإِمام أحمد رحمه الله تعالى سهّل في دعاء الختم في
الوترفقال(١): (وقيل للإِمام أحمد: يختم في الوتر ويدعو؟ فسهّل فيه) اهـ.
فالإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يقل باستحباب دعاء الختم في
الوتر، بل سهّل فيه. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى؛ لأن الوتر يدعى
فيه بما يناسب المشروع فيه، لا يدعو المصلي بما خطر له. ودعاء
الختم لا يتناسب مع دعاء القنوت، فليس دعاء الختم من جنس
المشروع في الوتر. وهكذا في القنوت للنوازل؛ يدعو من الدعاء
المشروع بما يناسب سبب القنوت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله تعالى(٢): (وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل، وأن
الدعاء في القنوت ليس شيئاً معيناً، ولا يدعو بما خطر له، بل يدعو من
الدعاء المشروع بما يناسب سبب القنوت، كما أنه إذا دعا في الاستسقاء
١
دعا بما يناسب المقصود، فكذلك إذا دعا في الاستنصار دعا بما يناسب
المقصود، كما لو دعا خارج الصلاة لذلك السبب؛ فإنه کان یدعو بما
يناسب المقصود، فهذا هو الذي جاءت به سنَّة رسول الله وَّهِ، وسنَّة:
خلفائه الراشدین) اهـ.
(١) الإنصاف ٢/ ١٨٥ .
(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١٥/٢٣.
٢٧٤

ودعاء الختم ليس من جنس الدعاء المقصود المشروع في الوتر،
لهذا فإن تحويل دعاء الختم من آخر ركعة في التراويح إلى الوتر لا يتجه
ولا يكون مخرجاً وإن استظهره بعض المعاصرين، ويرد عليه أيضاً ما
يرد على المحال منه في أصل المشروعية، مما ستراه محرراً في
الخاتمة. والله أعلم.
■ تنبيه: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى رواية عبدوس عن الإِمام
أحمد في حكم الزيادة على الوارد في دعاء القنوت، فقال(١):
(قال عبدوس بن مالك العطار: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل،
فقلت: إني رجل غريب من أهل البصرة وإن قوماً قد اختلفوا عندنا في
أشياء، وأحب أن أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه، فقال: سَلْ عما أحْبَبت.
قلت: فإن بالبصرة قوماً يقنتون، كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت؟
فقال: قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت،
فإن زاد في القنوت حرفاً أو دعاءً بمثل(٢) :
إنا نستعينك، أو: عذابك الجد، أو : نَحْفِد، فإن كنت في الصلاة
فاقطعها) اهـ.
وشيخ الإسلام ابن تيمية النميري رحمه الله تعالى(٣): (سئل عمن
(١) رسالة الصلاة ص ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) هذا هو القنوت المشهور بسورتي أبي، قنت به عمر رضي الله عنه في النوازل،
وانظر في: إرواء الغليل ٢/ ١٧٠ - ١٧٢ .
(٣) مجموع الفتاوى ٣٢١/٢٤ - ٣٢٣. وعنه مختصراً في: حاشية الروض المربع
٢٠٧/٢. ونحوه مختصراً في: الاختيارات ص ١٧١ .
٢٧٥

يقرأ القرآن العظيم، أو شيئاً منه، هل الأفضل أن يهدي ثوابه لوالديه،
ولموتى المسلمين، أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة؟
فأجاب: أفضل العبادات ما وافق هدي رسول الله صل# وهدي
الصحابة، كما صح عن النبي ول# أنه كان يقول في خطبته: ((خير الكلام
كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
ضلالة)» .
وقال : ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)).
وقال ابن مسعود: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات؛ فإن
الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد.
فإذا عرف هذا الأصل ، فالأمر الذي كان معروفاً بين
المسلمين في القرون المفضلة، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات
المشروعة؛ فرضها، ونفلها، من الصلاة، والصيام، والقراءة،
والذكر، وغير ذلك، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات، كما أمر الله
بذلك لأحيائهم، وأمواتهم في صلاتهم على الجنازة، وعند زيارة
القبور، وغير ذلك.
وروي عن طائفة من السلف: (عند كل ختمة دعوة مستجابة) فإذا
دعا الرجل عقيب الختمة لنفسه، ولوالديه، ولمشايخه، وغيرهم من
المؤمنين والمؤمنات؛ كان هذا من جنس المشروع، وكذلك دعاؤه لهم
في قيام الليل، وغير ذلك من مواطن الإجابة) اهـ.
٢٧٦

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى(١):
(فصل: الموطن السابع عشر من مواطن الصلاة عليه وَّله: عقيب
ختم القرآن.
وهذا لأن المحل محل دعاء، وقد نص الإِمام أحمد .. فذكر
روايات أبي الحارث، ويوسف، وحرب، وحتبل، والفضل، وقول
عباس بن عبد العظيم، وأثر مجاهد، وحديث ابن مسعود، وأثر ابن
عباس، وقد تقدمت جميعها، ثم قال:
وإذا كان هذا من آكد مواطن الدعاء وأحقها بالإجابة فهو من آكد
مواطن الصلاة على النبي (وَلّر) اهـ.
وفي كتاب: لفتة الكبد، لابن الجوزي، قال(٢):
فإني لما رُزقت شرف النكاح، وطلب الأولاد، ختمت ختمة. قال
الألباني معلقاً على قوله: ختمت ختمة:
(يشير بذلك إلى أن الدعاء بعد ختم القرآن ترجى استجابته، وقد
جاء في ذلك آثار كثيرة عن السلف الصالح، منها ما رواه ثابت البناني
عن أنس رضي الله عنه فذكره - أخرجه الدارمي بسند صحيح) اهـ.
وفي شرح السفاريني لمنظومة الآداب(٣):
(١) جلاء الأفهام ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) ص ٧.
(٣) ٥١٣/٢.
٢٧٧

ذكر الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، وعد نحواً من ثلاثين
وقتاً: (منها: شهر رمضان، وعقب تلاوة القرآن؛ لاسيما الختم) اهـ.
دعاء الختم في السجود :
أخرج البيهقي في ((شعب الإِيمان)) عن عبد الله بن المبارك بسنده،
قائلاً(١):
(أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر الجرجاني، ثنا يحيى بن
ساسويه، ثنا عبد الكريم السكري، أخبرني علي الناشاني، قال:
كان عبد الله بن المبارك يعجبه إذا ختم القرآن أن يكون في
السجود) اهـ.
وذكره الذهبي في: سير أعلام النبلاء(٢).
وفي ((شعب الإِيمان)) أيضاً ١/ ١٦٨/ ب: (أن ابن المبارك كان إذا
ختم القرآن، أكثر دعاءه للمؤمنين والمؤمنات).
وعن حميد الأعرج رحمه الله تعالى قال:
من قرأ القرآن، ثم دعا؛ أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك.
رواه الدارمي(٣). وفيه: قَزَعَةُ بن سويد الباهلي، وهو ضعيف(٤)
(١) شعب الإيمان ٣٥٥/١/ ب.
(٢) ٣٥٩/٨.
(٣) سنن الدارمي ٢/ ٤٧٠.
(٤) التقريب لابن حجر.
٢٧٨

ولذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (١): (أثر مقطوع، وسنده
ضعيف) اهـ.
وقال القرطبي في ((التذكار))(٢):
(وقال وهيب بن الورد: قال لي عطاء: بلغني أن حميداً الأعرج
يريد أن يختم القرآن فانظر، فإذا أراد أن يختم فأخبرني حتى أحضر
الختمة) اهـ.
ولم يذكر رحمه الله تعالى له مخرجاً حتى نتبين حاله، ولم أره
عند غيره، فالله أعلم.
وساق الخطيب بسنده في ترجمة البخاري من تاريخه (٢/ ١٢) عن
نسج بن سعيد، قال: (كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلة
من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة
عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين
النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال،
وكان يختم بالنهار كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلة،
ويقول: عند كل ختم دعوة مستجابة) اهـ. ومن طريق الحاكم ساقه ابن
حجر في ((هدي الساري)) ص ٤٨١ .
وفي ((العلل للإِمام أحمد ١٤/٢)) قال ابنه عبد الله: (سمعت
أبي يقول: كان معتمر - أي ابن سليمان - له جمة، وكان يختم كل
(١) الفتوحات الربانية، لابن علان ٢٤٦/٣.
أــ
.(٢) ص ٧٩.
٢٧٩

جمعة القرآن، فإذا كان يوم ختمته، اجتمع إليه ناس، ثم يدعو إذا فرغ
من الختمة) اهـ.
وكان يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى يدعو يقول: اللهم
لا تفتنا، سبعين مرة (١).
وساق ابن الجوزي رحمه الله تعالى بإسناده، في ترجمة: زهير بن
محمد المروزي، م سنة ٢٥٧ أن ابنه محمداً قال(٢).
(كان أبي يجمعنا في وقت ختمة القرآن في شهر رمضان، في كل
يوم وليلة ثلاث مرات، تسعين ختمة في شهر رمضان) اهـ.
الخلاصة
ومما تقدم يتضح للناظر ما يلي:
١ - أن القول بدعاء ختم القرآن في صلاة التراويح قبل الركوع يكاد
يكون من مفردات الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الثلاثة. معللاً
بأنه عمل المِصْرَيْنِ: مكة، والبصرة. وأنه في رواية عنه: سَهَّلَ:
بجعل دعاء الختم في الوتر.
- ---
وأنه في روايتي: الفضل، والحربي، قال فيهما: يدعو بما شاء.
وفي رواية: عبدوس، في دعاء القنوت في الصلاة عند من قال
به، جاء: إن زاد حرفاً على الوارد فاقطع صلاتك؟؟
(١) مختصر قيام الليل ص ١١١.
(٢) المنتظم ٤/٥.
٢٨٠
٦