Indexed OCR Text
Pages 121-140
مطلوب ومقدم على جلب المنافع، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وفي الحديث الصحيح: ((لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم)). مع العلم أنه ليس هناك مصلحة راجحة في زيارتها للقبور، كما هو الحال بالنسبة للرجال، والله أعلم. ٧ - تفصيل أدلة المنع : أولاً: ما تقدم عن ثلاثة من سادات أصحاب رسول الله وَاخيه مخبرين عنه بلعنه زائرات القبور، وهو إما خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما دعاء من رسول الله ◌َحجر، فيا ويل من دعا عليه رسول الله وَلتر، وهذا اللعن مفيد لحكمين هما: التحريم والوعيد، فهذا الوعيد الشديد دليل على أن زيارة النساء للقبور محرمة بل وكبيرة من الكبائر؛ لأن معنى اللعن هو الطرد والإِبعاد عن رحمة الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ما نصه: إن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم، وإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها في الوعيد خاصة، فأما بالتحريم فليس فيه خلاف معتد به .. إلى أن قال: بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب. ثانياً: روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي في سننهما، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، من حديث ١٢١ ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبُّلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قَبَرْنَا مع رسول الله و ◌َلّ يوماً، فلما فرغنا انصرف رسول الله وَ﴾ وانصرفنا معه، فلما حاذينا به وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله وتسليغو: «ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟)) قالت: يا رسول الله رَحَّمْتُ على أهل هذا الميت ميتَهم، فقال لها رسول الله وَالتر: ((فلعلك بلغت الكُدَى)) ــ يعني: المقابر، بضم الكاف وفتح الدال المهملة مقصوراً - قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال: ((لو بلغت معهم الكُدَى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك)). فسألت ربيعة عن الكُدَى؟ فقال: القبور. ثالثاً: روى ابن ماجه والبيهقي عن علي رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله و 8﴿ فإذا نسوة جلوس، فقال: ((ما يجلسكن؟)) قلن: ننتظر الجنازة، قال: ((هل تَغْسِلْنَ؟)) قُلْنَ: لا، قال: ((هل تُدْلِيْنَ فِيْمَنْ يُدْلِي؟)) قُلْنَ: لا، قال: ((فارجعن مأزورات غير مأجورات)). وهذا كما قال الإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى يدل على أن: اتباعهن الجنائز وزر لا أجر لهن فيه؛ إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعهن لها، بل فيه مفسدة للحي والميت. اهـ. رابعاً: روى البخاري ومسلم وأحمد وابن جرير وأبو يعلى الموصلي والطبراني، عن أم عطية، قالت:" لما قدم رسول الله والدول المدينة جمع نساء الأنصار في بيت .. ، وفيه: ونهانا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علینا. ١٢٢ والدلالة من الأحاديث الثلاثة - على منع النساء من زيارة القبور - ظاهرة؛ إذ في منعهن من اتباع الجنائز دليل على منعهن من زيارة المقابر، والعلة بين الحكمين مشتركة، وسيأتي ما يشد المنع ويؤيده . وفي حديثي عبد الله بن عمرو، وعلي رضي الله عنهما دليل على أن نهي النساء عن اتباع الجنائز في حديث أم عطية: نهي تحريم، لا نهي تنزيه، كما قال به بعض أهل العلم، رحمهم الله تعالى. وقد رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نساءً في جنازة فطردهن، وقال: والله لَا أَرْجع إن لم ترجعن. وحصبهن بالحجارة، ذكره ابن الحاج في المدخل. والله أعلم. ٨ - أدلة المجيزين والجواب عنها: استدل المجيزون لزيارة النساء للقبور بما يلي: أولاً: بحديث أم عطية المتفق عليه: عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. ثانياً: حديث أنس عند البخاري: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مَرَّ النبي ◌َّليه بامرأة تبكي عند قبر، فقال: ((اتق الله واصبري))، قالت: إليكَ عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ◌َّ فأتت النبي ◌َل﴾ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). ١٢٣ ثالثاً: حديث بريدة عند مسلم: أن النبي 8* قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت)). رابعاً: حديث عائشة عند مسلم والنسائي: وفيه قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: ((قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ... )) الحديث. خامساً: حديث عبد الله بن أبي مليكة عند الترمذي: في زيارة عائشة رضي الله عنها قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، قال ابن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشيِّ(١)، فحمل إلى مكة قدفن فيها، فلما قدمت عائشة رضي الله عنها أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فذكر الحديث، وفيه أنها قالت: لو شهدتك لما زرتك. سادساً: رواية البيهقي عن بسطام بن مسلم: عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله وَّر عن زيارة القبور؟ قالت: كان نهى ثم أمر بزيارتها. سابعاً: ما رواه الحاكم في مستدركه قال: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل، بالطابران - حدثنا تميم بن محمد، (١) جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك. ويطلق على مواضع أخر، كما في: (معجم البلدان): (٢ / ٢١٠). ١٢٤ حدثنا أبو مصعب الزهري، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أن فاطمة بنت محمد 8* كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: رواته عن آخرهم ثقات، وتعقبه الذهبي في تلخيصه فقال: هذا منكر جداً وسليمان ضعيف. هذه جملة ما استدلوا به على الجواز، وقد أوردها شيخ الإِسلام ابن تيمية، وفَصَّلَ الجواب عنها في كثير من كتبه، كما استوفى ذكرها والجواب عنها شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى، وذلك في تهذيبه لسنن أبي داود ونحن إن شاء الله نلخص ما ذكره هذان الإِمامان وما ذكره غيرهما، مع ما يفتح الله به في هذا المقام، والله المستعان. أما حديث أم عطية رضي الله عنها فمحل استدلالهم من قولها: ولم يعزم علينا. والجواب عنه كما قال الإِمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: (وأما قول أم عطية: ولم يعزم علينا، فقد يكون مرادها: لم يؤكد النهي. وهذا يقتضي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ◌َّ لا في ظن غيره). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما قول أم عطية فهو حجة للمنع، وقولها: ولم يعزم علينا، إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كافٍ. ولمّا نهاهن انتهين؛ لطواعيتهن لله ولرسوله وَلل فاستغنين عن ١٢٥ العزيمة عليهن. وأم عطية لم تشهد في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة، فهي مثبتة للعزيمة، فيجب تقديمها. قلت: وفي حديثي عبد الله بن عمرو، وعلي رضي الله عنهما المتقدم ذكرهما ما يدل على أن نهيهن عن اتباع الجنائز نهي تحريم لا تنزيه، وفي ذلك دليل واضح على منعهن من زيارة القبور؛ إذ العلة بين الحكمين مشتركة، فصح أن الاستدلال به في جانب المنع أولى وأرجح، والله أعلم. وأما حديث أنس عند البخاري: مَرَّ النبي ◌َّه بامرأة تبكي عند قبر على صبي لها، فقال: ((اتق الله واصبري ... )) الحديث، فهو كذلك حجة للمنع؛ لأن النبي ◌َّلر لم يقرها، بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها: النهي عن زيارة النساء للقبور، وقال لها: ((إصبري)) ومعلوم أن مجيئها للقبر وبكاءها منافٍ للصبر، فلما أبت أن تقبل منه لأنها لم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه وَ ل ﴿ هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا الحديث على جواز زيارة النساء للقبور؟ ومع هذا فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه ◌َطر زائرات القبور، ونحن نقول: إما أن تكون دالة على الجواز؛ فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع. أو تكون دالة على المنع لأمرها بتقوى الله؛ فلا دلالة فيها على الجواز، وعلى كلا التقديرين فلا تعارض هذه القضية أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها، والله أعلم. ١٢٦ وأما حديث بريدة رضي الله عنه: فقد قال المجيزون: إن هذا الخطاب يتناول النساء بعمومه، بل هن المراد به، فإنه إنما عُلم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنه قد صرح فيه بتقديم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها؛ والنساء قد نُهين عنها فيتناولهن الإذن. والجواب عن هذا: أن الصيغة في هذا الحديث هي خطاب للذكور. والنساء وإن دخلن فيه تغليباً؛ فهذا الحديث ليس دليلاً صريحاً يقتضي عدم دخولهن. وأما حديث التحريم فمن أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور، وقد كان النبي پڼ في أول الإِسلام قد نهى عن زيارة القبور؛ صيانةً لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالأموات، وسداً لذريعة الشرك، التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها، كما قال ابن عباس، رضي الله عنهما: فلما تمكّن التوحيد من قلوبهم، واضمحل الشرك، واستقر الدين؛ أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإِيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذٍ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة، وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام - من فتنة الأحياء، وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه، إلاّ بمنعهن منها - أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أزجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة. اهـ، ١٢٧ من كلام ابن القيم ملخصاً. وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إن الخطاب في الإِذن في قوله: ((فزوروها)) لم يتناول النساء؛ فلا يدخلن في الحكم الناسخ. والعام إذا عرف أنه بعد الخاص؛ لم يكن ناسخاً له عند الجمهور، فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص؟ إذ قد يكون قوله: ((لعن رسول الله ولو زوارات القبور))، بعد إذنه للرجال في الزيارة. يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذها المنهي عنه محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصحيح أن النساء لم يدخلن في الإِذن في زيارة القبور، لعدة أوجه: الأول: أن قوله ◌َ: ((فزوروها)) صيغة تذكير، وصيغة التذكير إنما تناول الرجال بالوضع، وقد تتناول النساء أيضاً على سبيل التغليب، لكنْ هذا فيه قولان. الثاني: أن النبي ◌َّ علل الإذن للرجال بأن ذلك يُذكر الموت ويُرقق القلب وَيُدْمِعُ العين، ومعلوم أن المرأة إذا فُتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنةً وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير مضبوطة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة؛ عُلِّق الحكم بمظنتها، فَيُحَرَّمُ هذا الباب سداً للذريعة، كما حُرِّمَ النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حُرِّمَت الخلوة بالأجنبية، وليس في ١٢٨ ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلاّ دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها .. - إلى أن قال رحمه الله: إن قوله فقلت: (من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان)) معلوم أنه أدَلُّ على العموم من صيغة التذكير المتقدمة، فإن لفظ ((مَنْ)) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد عُلم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء؛ لنهي النبي وَلقر لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك لا يدخلن في العموم المتقدم بطريق الأولى ... فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت، فأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى. وعلى هذا فيكون الإِذن في زيارة القبور مخصوصاً بالرجال، وخُصَّ بلعنه ◌َ ط# زائرات القبور؛ فيكون من العام المخصوص). اهـ. وبمثل هذا قال العلامة النووي في شرح مسلم: (هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمع على أن زيارتها سنة لهم، أما النساء ففيهن خلاف لأصحابنا، وقدمنا أن مَنْ منعهن قال: النساء لا يدخلن في خطاب الرجال، وهو الصحيح عند الأصوليين). اهـ، منه بلفظه. وأما حديث عائشة، عند مسلم والنسائي: الذي فيه: قالت: كيف أقول لهم ... الحديث، فالجواب عنه من وجوه: أولها: حمل سؤالها لرسول الله وَل وتعليمه إياها على ما إذا اجتازت بقبر في طريقها بدون قصد للزيارة، ولفظ الحديث ليس فيه ١٢٩ تصريح بالزيارة عند من خرّجه(١)، بل قالت: ما أقول لهم؟ ولذلك صرح العلماء رحمهم الله تعالى بأنه لا يجوز لها أن تدعو بهذا الدعاء في هذه الحال، بل ولا تسمى زائرة والحالة هذه، فكأنها رضي الله عنها قالت: ماذا أقول إذا جزت بقبر في الطريق؟ فقال: ((قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ... )) الحديث، ولا أدل على ذلك من قولها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن: لو شهدتك لما زرتك. وإلاّ لما كان لقولها هذا كبير معنى، وإن في حمل الحديث على هذا: جمعاً بينه وبين أدلة المنع، ودفعاً للتعارض عن سنَّة رسول الله (صل*، فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما، قال صاحب مراقي السعود في ذلك: والجمع واجب متى ما أمكنا إلَّ فللأخير نسخ بينا وثانيها: إنَّ حديث عائشة هذا يحتمل احتمالاً قوياً أنه كان على البراءة الأصلية، ثم نقل عنها إلى التحريم العام، فنسخ نهي الرجال عن الزيارة وبقي نهي النساء على عمومه، كما أشار إلى ذلك المنذري رحمه الله تعالى بقوله: قد كان النبي وسلو نهى عن زيارة القبور نهياً عاماً للرجال والنساء، ثم أذن للرجال في زيارتها، واستمر النهي في حق النساء؛ الورود ما يقتضي تخصيصهن في ذلك الحكم من أحاديث اللعن وغيرها. (١) وما جاء في: ((الروضة الندية)) لصديق: (٤٤٥/١) من عزوه الحديث لمسلم بلفظ: ((يا رسول الله كيف أقول إذا زرت القبور ... )) الحديث، وَهمٌ؛ فليس عند مسلم ولا النسائي بهذا اللفظ. وانظر: ((أحكام الجنائز)» ص ٢٣٢. ١٣٠ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: وقد قرن الرسول و لعنة الزائرات بلعنة المتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج لم يقل أحد من العلماء بجوازه، فكذلك ما قرن به من لعنة الزائرات، والله أعلم. والثالث: إنّ عائشة رضي الله عنها ليست كغيرها من النساء؛ لما تحلت به من الآداب اللائقة بزيارة القبور، لقوة إيمانها وعظيم صبرها وكمال عقلها ووفور فضلها، قال الله تعالى في عموم نساء النبي ◌َلّ: ﴿يَِسَآءَ النَّبِيِّ لَسَقُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب/ ٣٢]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((كَمُلَ من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلَّ مريم ابنة عمران وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)). أما غيرها من النساء فإنه لا يُؤْمَنُ ممن زارت القبر لجهالتها وضعف عزيمتها وقرب جزعها أن ترتكب شيئاً من المحظورات كالنياحة والجزع والتعديد، خصوصاً في زمننا هذا الذي انضم إلى ما ذكر: كثرة تبرج النساء وارتكابهن فتنة العري والتبرج والاختلاط. والله المستعان. الرابع: حمل سؤالها للرسول ◌َ وتعليمه إياها على أنها مبلغة عن رسول الله وَ﴿﴿ ومثل هذا في السنَّة كثير، في تعلمها وأخذها من رسول الله * ما تخبر به أصحاب رسول الله وَ ل رضوان الله عليهم، مع عدم شرعيته في حق النساء، قال الزركشي - في: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة -: أخرج مسلم عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر، إذ ١٣١ طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله وَل يقول: ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد»، فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلُبها في يده حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. اهـ. وقد لاح لك مما تقدم من الأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء؛ لورود النهي الخاص من النبي ولو عن اتباعهن الجنائز، فكذلك ما هنا، فاحفظ ذلك وكن به حفياً. ■ وخلاصة القول: أن في حمل الحديث على أحد الوجوه المذكورة: جمعاً بين الأحاديث، وتأليفاً لسنن كثيرة، نذكر منها ما يلي : . أولاً: موافقته للنهي الخاص من النبي ول عن زيارة القبور كما في أحاديث اللعن وما في معناها، كحديثي عبد الله بن عمر، وعلي، رضي الله عنهم. ثانياً: إنّ في حمل الحديث على ذلك جمعاً بينه وبين قولها. المتأخر قطعاً على ذلك - لو شهدتك لما زرتك ـ وإلاّ لما كان في قولها هذا کبیر معنی. ١٣٢ ثالثاً: موافقته لحال الصحابة رضوان الله عليهم حيث لم ينقل فيما نعلم أن نساءهم كُنَّ يزرن المقابر، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فَلَمَّا لم ينقل إلينا شيء من ذلك دلّ على أنهم آمنوا بالنهي وأقروه على ظاهره، كما جاء، من غير بحث ولا نظر، وهذا هو مذهب أهل الحديث وأئمة التحقيق كثَّر الله سوادهم، قال الإِمام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: وما علمنا أن أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء في عهد النبي وله وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال. اهـ. بلفظه . رابعاً: إن المُحَرَّمَ لا بدَّ أن يشتمل على مفسدة محضة أو راجحة، وزيارة النساء للقبور تشتمل على مفاسد كثيرة في الغالب، فالتحريم إذاً ألصق بأصول الشرع ومقاصده. خامساً: إنّ أحاديث النهي تضمنت حكماً منطوقاً به، وحديث عائشة عند مسلم صحيح غير صريح فيما استدل به عليه؛ إذ لم تقل ماذا أقول إذا زرت القبور، بل قالت: (ما أقول لهم)، وهذا يحتمل الزيارة وغيرها. قال أبو بكر الحازمي في كتابه: الاعتبار: (الوجه الثالث والثلاثون من وجوه الترجيح: أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به، وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً) اهـ. أي فیجب تقدیم ما هو منطوق به. ١٣٣ سادساً: إنّ عامة العلماء قد رجّحوا الدليل الحاظر كحديث اللعن في هذا المقام على دليل الإِباحة، كحديث عائشة عند مسلم على احتماله، فمن ادعی بعد ذلك أنه أبیح بعد المنع فعلیه البیان، لا سيما وقد ذكر هذا الوعيد الشديد في جانب المنع، فالمسألة إذاً لا مسرح فيها للاجتهاد، والله أعلم. سابعاً: إنّ مما يرجح به أحد الحديثين على الآخر: كثرةُ العددِ في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر، كما حكى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي في اعتباره. : وقد لاح لك مما تقدم أن عدد جانب المنع أکثر، والاستدلال بها أظهر، وبالله التوفيق. والجواب عن حديثها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن: هو كما قال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن: أن المحفوظ في هذا الحديث . .. حديث الترمذي مع ما فيه، وعائشة إنما قدمت مكة للحج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه، وهذا لا بأس به، إنما الكلام في قصدها الخروج لزيارة القبور، ولو قدر أنها عدلت إلیه وقصدت زيارته، فهي قد قالت: (لو شهدتك لما زرتك) وهذا يدل بالصراحة أن من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور، وإلاّ لم يكن في قولها ذلك معنى. اهـ. وأما رواية الحاكم التي فيها أن عائشة قالت لمن سألها: (نهي عنها ثم أمر بزيارتها) فقد قال الإِمام تقي الدين ابن تيمية: لا حجة في ١٣٤ حديث عائشة هذا. فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، وهو كما قالت رضي الله عنها ولم يذكر لها المحتج النهي المختص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة، يُبَيِّن ذلك قولها: قَدْ أَمَرَ بزيارتها، فهذا يُبين أنه أَمَرَ أَمْراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة، ولكن عائشة بينت أن أمره الثاني نسخ نهيه الأول، فلم يصلح أن يحتج به، وهو أن النساء على أصل الإِباحة، ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجل، ولم تقل لأخيها: لما زرتك. وقال ابن القيم رحمه الله في هذه الرواية: إنها من رواية بسطام بن مسلم، ولو صح؛ فإن عائشة رضي الله عنها تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء في الإِذن، والحجة في قول المعصوم، لا في تأويل الراوي، وتأويل الراوي إنما يكون مقبولاً، حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه؛ وهذا الحديث قد عارضه أحاديث منع زيارة النساء للقبور. اهـ. ■ تنبيه: قول ابن القيم رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث من رواية بسطام ابن مسلم، ولو صح قد يفهم منه أن هذا الحديث ضعيف من جهة بسطام هذا، وليس الأمر كما يظن، بل بسطام بن مسلم ثقة، كما قال الحافظ في التقريب: بسطام بن مسلم بن نمير العَوْذي، بفتح العين المهملة وبسكون الواو، بصري ثقة من السابعة. اهـ. وقال أحمد: صالح الحديث، ليس به بأس. وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. والله أعلم. ١٣٥ وأما ما رواه الحاكم: أن فاطمة بنت محمد ێټ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة ... الحديث. فهو حديث ضعيف منكر، كما قاله الذهبي في تلخيصه، وتضعيفه من سليمان بن داود. وقال البيهقي في سننه الكبرى بعد سياقه لهذا الحديث: إن حديث فاطمة رضي الله عنها في زيارتها قبر عمها حمزة: منقطع. اهـ. وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في سبل السلام بشرح بلوغ المرام، ما نصه: وما أخرجه الحاكم من حديث علي بن الحسين أن فاطمة رضي الله عنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي: وتبكي عنده، قلت: وهو حديث مرسل؛ فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت محمد ◌َل38، وعموم ما أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان مرسلاً: من زار قبر الوالدين أو أحدهما في كل جمعة غُفر له وكُتب باراً . اهـ. فهذا الحديث كما رأيت قد رمي بالضعف والنكارة والانقطاع والإِرسال، فلا يكون مثل هذا حجة في الدين، والله أعلم. ٩ - نقل جملة من كلام أئمة التحقيق في هذه المسألة: قال أبو العباس علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم؟ فيه قولان: وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم؛ لاحتجاجه بلعن النبي ول# زائرات القبور. وتصحيحه إياه، ورواه الإِمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وأنه ١٣٦ لا يصح ادعاء النسخ، بل هو باقٍ على حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها، اللهم إلاّ إذا اجتازت بقبر في طريقها، فسلمت علیه ودعت له فهذا حسن . اهـ. وقال صاحب المهذب: ولا يجوز للنساء زيارة القبور؛ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم لعن زوّارات القبور. وقال السيوطي في كتابه زهر الرُّبى على المجتبى للنسائي، عند الحديث المتكلم عليه في النهي: وبقين، أي النساء تحت النهي؛ لقلة صبرهن و کثرة جزعهن. قال السندي: وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر، والله أعلم. وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في: كتابه الزواجر، ما نصه: الكبيرة الحادية والثانية والثالثة والعشرون بعد المائة: اتخاذ المساجد أو السرج على القبور وزيارة النساء لها، وتشييعهن الجنائز، فساق حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر، ثم قال: تنبيه: عَدُّ هذه الثلاثة هو صريح الحديث الأول في الأولين؛ لما فيه من لعن فاعلها، وصريح الحديث الثاني في الثانية، وظاهر حديث فاطمة في الثالثة، بل صريح رواية النسائي: ما رأيتن الجنة .. ، إلى آخرها. ولم أرَ من عد شيئاً من ذلك، بل كلام أصحابنا في الثلاثة مصرح بكراهتها دون حرمتها، فضلاً عن كونها كبيرة، فليحمل كون هذه كبائر على ما إذا عظمت مفاسدها، كما يفعل كثير من النساء من الخروج إلى المقابر وخلف الجنائز بهيئة ١٣٧ قبيحة جداً، إما لاقترانها بالنياحة وغيرها، أو بالزينة عند زيارة القبور بحيث يخشى منها الفتنة .. ، إلى آخر كلامه، رحمه الله تعالى. قلت: وقد تقدم كلام النووي رحمه الله وهو من كبار الشافعية مصرحاً بالتحريم، وأما حمل ابن حجر الهيتمي التحريم على ما إذا عظمت الفتنة فهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما نعلم، وقد صرح بذلك غير واحد، وأما بدون اقتران ذلك فتبين لك مما تقدم ومما يأتي أن مقتضى نصوص الشريعة وقواعدها: التحريم، وما أحسن ما قاله العيني رحمه الله تعالى: إن زيارة القبور مكروهة للنساء، بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر؛ لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة، وإنما رخص في الزيارة لتذكر أمر الآخرة، وللاعتبار بمن مضى، وللتزهيد في الدنيا. قاله صاحب عون المعبود، نقلاً عنه. وهذا: قاله العيني في نساء مصر في القرن التاسع، فكيف لو رأى هو وأمثاله من الغيورين على الإِسلام نساء القرن الرابع عشر وما يرتكبنه من التبرج والسفور وفتنة العري والاختلاط؟ لَمَا تردد هو وأمثاله في منعهن من الزيارة قولاً واحداً. والله أعلم. وقال الساعاتي في الفتح الرباني: قال صاحب المدخل المالكي: قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: أولاً: المنع مطلقاً. ثانياً: الجواز على ما يُعلم في الشرع من الستر والتحفظ، عكس ما يفعل اليوم. ثالثاً: يفرق بين الشابة والمتجالة (أي: العجوز) ـ، ثم قال: اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان، ١٣٨ فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة في الدين بجوازه. وقال العلامة صديق بن حسن البخاري في كتابه: حُسْنُ الأسوة: الراجح نهي النساء عن زيارة القبور، وإليه ذهب عصابة أهل الحديث، كَثَّرَ اللَّهُ سوادهم. وقال صاحب المرعاة: قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهي ورد خاصاً بالنساء، والإِباحة لفظها عام، والعام لاَ يَنْسَخُ الخاص، بل الخاص حاکم علیه ومقید له. وقد سُئل سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عن حكم وقوف النساء عند دخولهن المسجد النبوي الشريف - على قبر نبينا محمد اَلر؟ فأجاب رحمه الله بفتوى قال فيها بعد أن ذكر أحاديث اللعن: إن التعبير برواية ((زائرات القبور)) يدل على عدم تخصيص النهي بالإكثار من الزيارة، كما توهمه بعضهم من التعبير في الروايات الأخرى بلفظ ((زوارات القبور)) .. ، ثم قال بعد أن ذكر تحقيقاً جلياً في المسألة: والخلاصة: أنّه لا يجوز للنساء قصد القبور بحال، ولا يدخلن في عموم الإِذن، بل الإذن خاص بالرجال. والله أعلم. قلت: فالقول بالتحريم هو الموافق لأمر رسول الله وَلهير ونهيه، وقواعد شريعته ومصالح أمته، فأما موافقته لأمره فإنه وَ ل حكم على المرأة التي تبكي عند قبر على صبيٍّ لها بمنافاة ذلك للصبر والتقوى، فأمرها بقوله لها: ((اتق الله واصبري)»، فهذا موافق لأمره، وأما موافقته لنهيه؛ ١٣٩ فلقوله: لعن رسول الله ◌َّ* زائرات القبور. فاجتمع في هذه المسألة أبلغ الطرق لإِثبات هذا الحكم من أمره ونهيه وَ له. وأما موافقته لقواعد شريعته ومصالح أمته فمن وجوه عديدة، نذكر منها ما يلي: أولاً: من المستقر المعلوم من قواعد الشريعة المطهرة: أن درء المفاسد مغلّب على جلب المنافع، لا سيما عند عظمة المفاسد كالحالة هذه؛ إذ ليس في زيارة النساء للمقابر أي مصلحة راجحة كما هي في حق الرجال، والخروج في حقهن لا يكون إلاَّ لحاجة، فكيف يُقَدَّمُ ما ليس بواجب على الواجب، بل كيف إذا لم يكن مشروعاً. ثانياً: إن النساء ناقصات عقل ودين، مع ضعف صبرهن وكثرة جزعهن، ومن جراء هذا نهى النبي ◌َّر عن الجزع المؤدي إلى لطم الخدود وشق الجيوب، وزيارتهن مُجَدِّدَةٌ للحزن والبكاء والنوح، على ما جرت به عادتهن الناتجة من نقصان الدين والعقل وقلة الصبر وكثرة الجزع، فلو لم تحرم زيارة النساء للقبور إلاّ من هذا الباب لكفى، فكيف إذا ترتب عليها من المخالفات الباطلة ما لا يخفى على كل من شهد ما يقع منهن في زماننا هذا؛ من تبرج بزينة واختلاط، وغير ذلك مما أنكره الشرع المطهر؟ ثالثاً: إن حرمة التبرج والاختلاط - معلومةٌ بالضرورة من الدين والعقل السليم، فخروج المرأة من بيتها لغير ضرورة يؤدِّي في الغالب إلى ارتكاب هذه الممنوعات شرعاً، بل وإلى ترك ما هو أهم من إحصانها، وقرارها في بيتها، والقيام بحقوق زوجها، كما قال الله ١٤٠