Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
• سُورَةُ فَرْشِرٍْ (١، ٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000
يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. ولهذا قال: ﴿لِإِيَفِ قُرَيْشٍ
﴿ إِلَفِهِمْ﴾ بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: ﴿إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
وقال ابن جرير: الصواب أن ((اللام)) لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش [ونعمتي
عليهم](١) في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان(٢).
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾﴾ أي:
فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرماً آمناً وبيتاً محرماً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ [النمل].
وقوله: ﴿اَلَّذِى أَلْعَمَهُم مِّنِ جُوعٍ﴾ أي: هو ربُّ البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع،
﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له،
ولا يعبدوا من دونه صنماً ولا نداً ولا وثناً. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَعَ الله له بين أمن
الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ
ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ
[النحل].
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن
ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ◌َّ * يقول: ((ويل
◌ُمکم، قریش، لإيلاف قریش))(٣).
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى - يعني ابن يونس - عن
عُبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله وَليه
يقول: ﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ ﴿ إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾﴾ ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا
ربَّ هذا البيت ((الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف)).
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أُم سلمة
الأنصارية ونا(٤). فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٢) ذكره الطبري بنحوه مطولاً .
(٣) سنده ضعيف لما قيل في شهر بن حوشب وليث، وهو ابن أبي سليم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق عيسى بن يونس به عن أسماء بنت يزيد بن السكن، وضعفه محققوه لضعف
شهر بن حوشب. (المسند ٥٨١/٤٥ ح ٢٧٦٠٧) وهذا يؤكد ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير أن الصواب عن
أسماء بنت يزيد بن السكن.

٦٦٢
سُوَرَّةُ المُجَاعُونَ (١، ٧)
00000
تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون(١)
[وهي](٢) مكية
00000
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَنِمَ ﴿﴿ وَلَا يَحُّ عَى طَعَامِ
المِسْکِینِ
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (@ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ
اُلْمَاعُونَ (ج)﴾
يقول تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾؟ وهو: المعاد والجزاء والثواب،
﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُ اَلْبَنِبِمَ ﴾﴾ أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا
يحسن إليه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾﴾ كما قال تعالى: ﴿كَلَّ بَ لَّا تُكْرِمُونَ الْيَِّيمَ
وَلَا تَُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾﴾ [الفجر] يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده
و كفايته .
ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَائِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ قال ابن عباس، وغيره: يعني
المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر (٣).
ولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها
ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعاً،
فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبو الضحى(٤).
وقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: في صلاتهم
ساهون(٥).
وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائماً أو غالباً. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها
على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكل من
اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تمَّ نصيبه منها، وكمل
(١) هكذا جاء عنوان السورة وهي طريقة ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٢) زيادة من (حم).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمر بن سليمان عن عطاء بن دينار بدون قوله: ولم يقل في صلاتهم
ساهون. ولعله سقط هذا النص.

٦٦٣
سُورَةُ الْجَاعُونِ (٧،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
له النفاق العملي. كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَلقر قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك
صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان قام
فَتَقَرَ أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً))(١). فهذا أَخَّرَ صلاة العصر التي هي الوسطى - كما ثبت به
النصُّ - إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خَشَع
فيها أيضاً؛ ولهذا قال: ((لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)). ولعله إنما حمله [على](٢) القيام إليها مراءاة
الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو إذاً لم يصل بالكلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ
خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا (٣٦)﴾ [النساء].
وقال لهُهنا: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ (
وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد ربه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا
عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي وَّ قال: ((إن في
جهنم لوادياً، تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعدَّ ذلك الوادي للمرائين
من أمة محمد: لحامل كتاب الله، وللمصَدِّق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج
في سبيل الله))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوساً عند
أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال
رسول الله وَّهُ: ((من سَمَّع الناس بعمله، سَمَّع الله به سامعَ خلقه، وحَقَّره وصَغَّره))(٤).
ورواه أيضاً عن غُنْدَر ويحيى القطان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبي وَّرَ، فذكره(٥).
ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾﴾ أن من عمل عملاً لله فاطلع عليه الناس،
فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في
مسنده: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كنت أصلي، فدخل عليَّ رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته
لرسول الله وَّر، فقال: ((كُتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية))(٦).
قال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديثُ للمرائين.
(١) أخرجه مسلم من حديث أنس ظه. (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر
ح ٦٦٢).
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((إلى)).
(٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٧٥/١٢ ح ١٢٨٠٣) وفي سنده عبد الوهاب بن عطاء وهو الخفاف:
صدوق ربما أخطأ. (التقريب ص٣٦٨) وذكر الهيثمي أنه لم يعرف شيخ الطبراني وأباه. (مجمع الزوائد
٢٢٥/١٠) وقال المنذري: رفع حديث ابن عباس غريب ولعله موقوف. (الترغيب والترهيب ٦٧/١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح المحققون سنده. (المسند ٥٦٦/١١ ح٦٩٨٦).
(٥) المسند ٤٣٠/١١ ح ٦٨٣٩ وصحح المحققون سنده.
(٦) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير كما في التقريب وقد روي من طرق أخرى كما سيأتي.

٦٦٤
• سُوَرَّةُ الْجَاعُون (٧،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، [وسعيد بن بشير] (١) متوسط، وروايته عن الأعمش
عزيزة. وقد رواه غيره عنه.
قال أبو يعلى أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان، عن
حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول اللهَ، الرجل
يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه. قال: قال رسول الله وَله: ((له أجران: أجر السر
وأجر العلانية))(٢).
وقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى، وابن ماجه عن بُنْدَار، كلاهما عن أبي داود
الطيالسي، عن أبي سنان الشيباني - واسمه: ضرار بن مرة (٣) -. ثم قال الترمذي: غريب، وقد
رواه الأعمش وغيره. عن حبيب، عن أبي صالح مرسلاً (٤).
وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي،
عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله وَلاجر: ((لما نزلت
هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ قال: ((الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي
كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف
ربه))(٥) .
فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مُبهم لم يُسَم، والله أعلم.
وقال ابن جرير أيضاً: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا
عِكْرِمة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص
قال: سألت رسول الله وَل﴿ل عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ قال: ((هم الذين يؤخرون
الصلاة عن وقتها))(٦).
وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعاً، أو تأخيرها عن
أول الوقت [سهواً عنها حتى ضاع](٧) الوقت.
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((سعيد بن جبير)).
(٢) أخرجه الطيالسي عن أبي سنان سعيد بن سنان به. (المسند ص٣١٨ ح ٢٤٣٠) وفي سنده سعيد بن سنان
صدوق له أوهام. (التقريب ص٢٣٧) وحبيب بن أبي ثابت كثير التدليس والإرسال. (التقريب ص ١٥٠) وقد
روي مرفوعاً ومرسلاً عن أبي صالح كما يلي، وهذا من صنيع حبيب أو أبي سنان.
(٣) بل اسمه سعيد بن سنان كما صرح الطيالسي في الرواية السابقة.
(٤) سنن الترمذي، الزهد، باب عمل السر (ح٢٣٨٤) وتتمة كلام الترمذي: وأصحاب الأعمش لم يذكروا فيه
عن أبي هريرة؛ وسنن ابن ماجه الزهد، باب الثناء الحسن (ح٤٢٢٦)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن
ماجه .
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للعلتين اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف قال أبو زرعة: هذا خطأ والصحيح موقوف. (ينظر: العلل لابن
أبي حاتم ١/ ١٨٧ - ١٨٨). وفي سنده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف. (ينظر: لسان الميزان ١٨١/٤).
(٧) زيادة من (ح) و(حم).

٦٦٥
• سُورَةُ الْجَاعُونِ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذا رواه الحافظ أبو يعلى بن شيبان بن فَرُّوخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي
الربيع، [عن جابر](١)، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفاً. وهذا أصح إسناداً، وقد
ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم(٢).
وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا
بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات
أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قال علي: الماعون: الزكاة (٣). وكذا رواه
السدي، عن أبي صالح، عن علي(٤). وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر. وبه يقول محمد
ابن الحنفية، وسعيد بن جبير، وعِكْرِمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن،
وقتادة، والضحاك، وابن زيد(٥).
وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله (٦). وفي
لفظ: ((صدقة ماله)).
وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وضَمَنت الزكاة فمنعوها (٧).
وقال الأعمش وشعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن
مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس، والقدر، والدلو(٨).
[وقال المسعودي، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي العُبَيدين: أنه سأل ابنُ مسعود عن الماعون،
فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر](٩)، والدلو، وأشباه ذلك(١٠).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق،
عن أبي العُبَيدين وسعد بن عياض، عن عبد الله قال: كنا أصحاب رسول الله وَّ نتحدث أن
.(١١)
الماعون الدلوُ، والفأس، والقدر، لا يستغنى عنهن"
وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيْل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت
سعدَ بن عياض يحدث عن أصحاب النبي وَلفر مثله (١٢).
(١) زيادة من (ح)، وفي مسند أبي يعلى باسم: حماد.
(٢) مسند أبي يعلى ٦٣/٢ ح ٧٠٤؛ والسنن الكبرى للبيهقي ٢١٤/٢.
(٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق ابن أبي نجيح به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله:
منقطع. (المستدرك ٥٣٦/٢) وهو كما قال لأن مجاهداً لم يسمع من علي ويتقوى بالآثار التي تليه.
(٤) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري. (المصنف ٩٤/٣). وأخرجه الطبري
بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن ابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة والحسن وابن الحنفية وابن زيد والضحاك.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك - وهو ابن فضالة - عن الحسن.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم.
(٨) أخرجه الطبري عن الأعمش وشعبة به، وسنده حسن.
(٩) زيادة من (ح).
(١٠) أخرجه الطبري من طريق المسعودي به، وسنده حسن.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١٢) يشهد له سابقه ولا حقه.

٦٦٦
سُورَةُ المَاعُونِ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سُوَيْد، عن عبد الله: أنه سئل عن الماعون،
فقال: ما يتعاوره الناس بينهم: الفأس والدلو، وشبهه(١).
وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود - هو الطيالسي - حدثنا أبو
عَوانَة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا مع نبينا ◌َّ﴿ ونحن نقول:
الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك(٢).
وقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه(٣). ولفظ النسائي عن
عبد الله قال: كل معروف صدقة، كنا نعد الماعون على عهد رسول الله وَّهُ عاريَّة الدلو والقدر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ،
عن عبد الله قال: الماعون: العَواري: القدر، والميزان، والدلو(٤).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ يعني: متاع
البيت(٥). وكذا قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد: إنها
العاريَّة للأمتعة.
وقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عباس: [﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ قال: لم
يجيء أهلها بعد(٦).
وقال العوفي، عن ابن عباس](٧): ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ قال: اختلف الناس في ذلك،
فمنهم من قال: يمنعون الزكاة. ومنهم من قال: يمنعون الطاعة. ومنهم من قال: يمنعون
العارية. رواه ابن جرير(٨). ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَة، عن ليث بن أبي
سُليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: الماعون: منع الناس الفأس، والقدر،
والدلو(٩).
وقال عكرمة: رأس الماعون زكاةُ المال، وأدناه المنخل، والدلو، والإبرة. رواه ابن أبي
حاتم (١٠).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي به. (المصنف ٩٢/٣) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) سنن أبي داود، الزكاة، باب في حقوق المال (ح١٦٥٧)؛ والسنن الكبرى للنسائي، الماعون (ح ١١٧٠١)؛
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٤٥٩).
(٤) سنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن علية عن ابن أبي نجيح به.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة من طريق ابن علية عن ليث به. (المصنف ٢٠٣/٣). وليث هو ابن أبي سُليم
فيه مقال وسنده ضعيف وخصوصاً أنه خالف الطريق الصحيح الذي قبله.
(٧) زيادة من (ح) و(حم).
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح كما تقدم.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن علية به. (المصنف ٢٠٣/٣)، وسنده
ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني وكذلك فيه ليث بن أبي سُليم.
(١٠) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة.

٦٦٧
• سُورَةُ الْجَاعُونَ (١، ٧)
وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد. وهو
(9)) قال:
ترك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ
المعروف(١). ولهذا جاء في الحديث: ((كل معروف صدقة))(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري:
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ قال: بلسان قريش: المال(٣).
وَرَوى لهُهنا حديثاً غريباً عجيباً في إسناده ومتنه، فقال: حدثنا أبي، وأبو زُرْعَة قالا: حدثنا
قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دَهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النَّميري، حدثني
قرة بن دُعُموص النَميري: أنهم وفدوا إلى رسول الله وَّ فقالوا: يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟
قال: ((لا تمنعوا الماعون)). قالوا: يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: ((في الحَجَر، وفي
الحديدة، وفي الماء)). قالوا: فأي حديدة؟ قال: ((قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون
به)). قالوا: وما الحَجَر؟ قال: ((قدوركم الحجارة» (٤)
غريب جداً، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم.
وقد ذكر ابنُ الأثير في الصحابة ترجمة «علي النميري)»، فقال: روى ابن قانع بسنده إلى
عائذ بن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري: سمعت رسول الله وَاللّه يقول:
((المسلم أخو المسلم. إذا لقيه حَيَّاه بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون)).
قلت: يا رسول الله، ما الماعون؟ قال: ((الحَجَر، والحديد، وأشباه ذلك))(٥).
آخر تفسير سورة ((الماعون)»، ولله الحمد.
(١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق محمد بن رفاعة عن محمد بن كعب.
(٢) أخرجه البخاري من حديث جابر ظه. (الصحيح، الأدب، باب كل معروف صدقة ح٦٠٢١).
(٣) سنده صحيح.
(٤) ضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً.
(٥) ذكره ابن الأثير (أسد الغابة ١٢٧/٤)، والحافظ ابن حجر (الإصابة ٥١١/٢)، والحافظ ابن كثير (جامع
المسانيد ٢٩٢/٦ رقم ٧٧٤٧)، وعائذ بن ربيعة بن قيس النميري لم أجد له ترجمة.

٦٦٨
• سُورَّةُ الْكِّوْرَ (٣،١)
00000
Poo
0.00000
سُوَّةُ الْكُوْرَ
مدنية، وقيل: مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
- ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴿ إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْرَّ
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك قال:
أغفى رسول الله صل إغفاءة، فرفع رأسه مبتسماً، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال
رسول الله وَ *: ((إنه أنزلت عليَّ آنفاً سورة). فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ حتى ختمها، قال: ((هل تدرون ما الكوثر؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هو
نهر أعطانيه ربي 34، في الجنة، عليه خيرٍ كثير، تَرِدُ عليه أُمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب،
يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا ربِّ، إنه من أُمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))(١).
هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق.
وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يَشْخَب فيه ميزابان من السماء عن نهر الكوثر، وأن
عليه آنية عدد نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، من طريق
محمد بن فضيل، وعلي بن مُسْهِر، كلاهما عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس. ولفظ مسلم قال:
((بينا رسول الله ◌َ و بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسماً، قلنا: ما
أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((أنزلت عليّ آنفاً سورة))، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴿﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴿ إِنَّ شَائِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾﴾. ثم قال: ((أتدرون
ما الكوثر؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنه نهر وَعَدنيه ربي ﴾، علیه خير كثير، هو حوض
تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فَيختلجُ العبد منهم، فأقول: ربِّ إنه من أُمتي.
فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك))(٢).
وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من
السورة، وأنها منزلة معها .
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٠٢/٣)، وسنده صحيح، وقد أخرجه مسلم من طريق المختار بن
فلفل به. (الصحيح، الصلاة، باب حجة من قال: إن البسملة آية من كل سورة سوى براءة ح ٤٠٠).
(٢) المصدر السابق وسنن أبي داود، الصلاة، باب من لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (ح ٧٨٤)؛ وسنن
النسائي، الافتتاح، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ٢/ ١٣٣)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي
داود( ح ٧٠٦).

٦٦٩
• سُورَّةُ الْكِّوْرَ (٣،١)
فأما قوله تعالى: ﴿إِنََّ أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴾﴾ فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا
ثابت، عن أنس أنه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾﴾ قال: قال رسول الله وَّ:
((أُعطيتُ الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يُشقْ شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي في
تربته، فإذا مسْكه ذَفَرة، وإذا حصاه اللؤلؤ))(١) .
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: قال
رسول الله وَله: ((دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه
الماء، فإذا مسك أذفر. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله رغمٍ))(٢).
ورواه البخاري في صحيحه، ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن
أنس بن مالك قال: لما عُرِجَ بالنبي ◌َّ إلى السماء قال: ((أتيتُ على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ
المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)) وهذا لفظ البخاري تخذ لهُ(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن هلال، عن شريك بن أبي
نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله وَّر، مضى به جبريل في
السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه [قصر](٤) من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يَشمّ تُرَابه، فإذا هو مسك.
قال: ((يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خَبَأ لك ربك)»(٥).
وقد تقدم [في](٦) حديث الإسراء في سورة ((سبحان))، من طريق شريك عن أنس [عن
النبي وَلِير](٧). وهو مخرج في الصحيحين(٨).
وقال سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله وَلّر قال: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا عَرَض
لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مُجَوف، فقال الملك الذي معه: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي
أعطاك الله. وضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك))(٩). وكذا رواه سليمان بن
طِرْخان، ومعمر وهَمَام وغيرهم، عن قتادة، به.
وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا أبو أيوب العباسي، حدثنا إبراهيم بن
سعد، حدثني محمد بن عبد الله، ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس قال: سُئل
رسول الله وَ* عن الكوثر، فقال: ((هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك أبيض من اللبن،
وأحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجُزُر))(١٠). فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنها
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٤٧/٣)، وسند صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٠٣/٣)، وسند صحيح.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴾﴾ [الكوثر] (ح ٤٩٦٤).
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: قبة.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده شريك سيئ الحفظ ولكنه توبع في الروايات السابقة واللاحقة.
(٧) كذا في (ح) و(حم).
(٦) كذا في (ح) و(حم).
(٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء.
(٩) أخرجه الطبري عن بشر عن سعيد به، وسنده صحيح.
(١٠) أي: الإبل.

٦٧٠
• سُورَةُ الْكِّوْرَ (٣،١)
الناعمة؟ قال: ((أكلها أنعم منها))(١).
وقال أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب،
عن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أنس، أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: ((نهر
في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق
الجزر)). قال عمر: يا رسول الله، إنها لناعمة؟ قال: ((أكلها أنعم منها يا عمر))(٢).
رواه ابن جرير، من حديث الزهري، عن أخيه عبد الله، عن أنس: أنه سأل رسول الله وله
عن الكوثر، فذكر مثله سواء(٣).
وقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي
عبيدة، عن عائشة قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ قالت: نهر أعطيه
نبيكم وَلّ، شاطئاه عليه دُرّ مجوف، آنيته كعدد النجوم.
ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف، عن أبي إسحاق(٤).
ورواه أحمد والنسائي، من طريق مُطرّف، به(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
أبي عبيدة، عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة، شاطئاه در مُجَوف، وقال إسرائيل: نهر في
(٦)
الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء
وحدثنا ابن حُمَيد، حدثنا يعقوب القُمي، عن حفص بن حميد، عن شَمِر بن عطية، عن شقيق
أو مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، حدثيني عن الكوثر. قالت: نهر في بطنان الجنة.
قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصاؤه
اللؤلؤ والياقوت(٧) .
وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن عائشة
قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فَلْيَجعل أصبعيه في أذنيه(٨).
وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات: ((عن رجل، عنها)). ومعنى هذا
أنه يسمع نظير ذلك، لا أنه يسمعه نفسه، والله أعلم.
قال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعاً، من طريق مالك بن مِغْوَل، عن الشعبي، عن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن سعد به، وحسنه محققوه وصححوه
بالشواهد. (المسند ١٣٢/٢١ ح ١٣٤٧٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٠/٢١ ح ١٣٣٠٦).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الزهري به، وسنده صحيح كسابقه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب سورة الكوثر ح٤٩٦٥).
(٥) المسند ٣٨١/٦؛ والسنن الكبرى، التفسير، باب سورة الكوثر (ح ١١٧٠٥).
(٦) يشهد له ما سبق.
(٧) في سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويعقوب القمي فيه مقال ويتقوى بما سبق.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع من عائشة پا.

٦٧١
• سُورَةُ الْكَوْرَ (٣،١)
مسروق، عن عائشة، عن النبي وَل﴾(١).
ثم قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن
جُبَير، عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت
لسعيد بن جبير: فإن ناساً يَزْعُمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير
الذي أعطاه الله إياه(٢).
ورواه أيضاً من حديث هُشَيم، عن أبي بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس قال: الكوثر: الخير الكثير(٣).
[وقال الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر الخير
الكثير](٤)(٥).
وهذا التفسير يعمُّ النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما
قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحارب بن دِثَار، والحسن بن أبي
الحسن البصري(٦). حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة(٧) .
وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، ثواب الآخرة (٨).
وقد صحَّ عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضاً، فقال ابن جرير:
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج
وأحلى من العسل(٩).
وروى العوفي، عن ابن عباس، نحو ذلك(١٠).
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هُشَيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن محارب بن
(١) ذكره السهيلي. (الروض الأنف ٢٤١/١) والحديث فيه غرابة.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (صحيح البخاري، التفسير، باب سورة الكوثر ح ٤٩٦٦).
(٣) أخرجه البخاري عن عمرو بن محمد عن هشيم به. (الصحيح، الرقاق، باب في الحوض ٦٥٧٨).
(٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده حسن ويرتقي بسابقه إلى صحيح لغيره.
(٥) زيادة من (حم).
(٦) قول ابن عباس تقدم وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمارة بن أبي حفصة عنه، وأما
قول سعيد بن جبير فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عنه، وأما قول مجاهد فقد أخرجه
آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وهذه الرواية
تخالف الرواية الصحيحة السابقة عن مجاهد.
(٨) أخرجه هناد (الزهد رقم ١٤٢)، وابن أبي شيبة. (المصنف ٥٠٨/١١)، والطبري كلهم بسند صحيح من
طريق بدر بن عثمان عن عكرمة.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ولكنه يتقوى بالمتابعات في الرواية السابقة التي صححها
الحافظ ابن كثير.

٦٧٢
• سُورَّةُ الْكِّوْرِ (٣،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
دِثار، عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر
والياقوت، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل(١).
وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء بن السائب، به مثله(٢)، موقوفاً.
وقد روي مرفوعاً فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء [بن
السائب](٣) عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَيقول: ((الكوثر نهر في
الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضاً من اللين، وأحلى من
العسل)»(٤).
وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمد بن فضيل،
عن عطاء بن السائب، به مرفوعاً. وقال الترمذي: حسن صحيح(٥).
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي
محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حَدَثنا عن ابن عباس أنه قال: هو
الخير الكثير. فقال: صدق، والله إنه للخير الكثير. ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾﴾ قال رسول الله وَطهير: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري
على الدر والياقوت))(٦).
وقال ابن جرير: حدثني ابن [البرقي] (٧)، حدثنا [ابن أبي مريم] (٨)، حدثنا محمد بن
جعفر بن أبي كثير، أخبرني حَرَام بن عثمان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أسامة بن زيد: أن
رسول الله ﴿ أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده، فسأل امرأته عنه - وكانت من بني
النجار - فقالت: خرج يا نبي الله آنفاً عامداً نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار،
أَوَلا تدخلُ يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حَيْساً، فأكل منه، فقالت: يا رسول الله، هنيئاً
لك ومريئاً، لقد جئتَ وأنا أريد أن آتيك فأهْنيك وأَمْريك؛ أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً
في الجنة يدعى الكوثر. فقال: ((أجل، وعرضه - يعني أرضه - ياقوت ومرجان، وزبرجد
ولؤلؤ))(٩) .
حَرَام بن عثمان ضعيف. ولكن هذا سياق حسن، وقد صحَّ أصل هذا، بل قد تواتر من طريق
تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به. وقال: حسن صحيح. (السنن،
التفسير، باب ومن سورة الكوثر ح٣٣٦١؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٧٧).
(٣) زياد من (ح).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقواه محققوه بالمتابعات. (المسند ٢٥٧/٩ ح٥٣٥٥).
(٥) ينظر المصدر قبل السابق وسنن ابن ماجه، الزهد، صفة الجنة (٤٣٣٤) وتفسير الطبري.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما قبله من الروايات المرفوعة والموقوفة.
(٧) كذا (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل بياض.
(٨) كذا (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ابن إبراهيم.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف حرام بن عثمان ولمعظمه شواهد تقدمت.

·
سُوَدَّةُ الْكَوْرَ (٣،١)
٦٧٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا رُوي عن أنس، وأبي العالية، ومجاهد(١)، وغير واحدٍ من السلف: أن الكوثر: نهر
في الجنة. وقال عطاء: هو حوض فى الجنة(٢).
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن
ذلك النهرُ الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، فاعبده وحده لا
شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَتَحْيَاىَ
﴿٨َ لَا شَرِكَ لََّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْشُّلِينَ (٣)﴾ [الأنعام]، قال ابن عباس،
وَمَمَاقِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة،
ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي
خالد، وغير واحد من السلف(٣). وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله،
والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية
[الأنعام: ١٢١].
وقيل: المراد بقوله: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. يُروَى هذا عن
علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله (٤).
وعن أبي جعفر الباقر: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ يعني: ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة(٥).
وقيل: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ أي: استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم لههنا حديثاً منكراً جداً فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم [الفامي](٦) - سنة
خمس وخمسين ومائتين - حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن
الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي وَلّ: ﴿إِنَّا
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴿ فَصَلِ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ قال رسول الله: ((يا جبريل، ما هذه النَّحيرة التي
أمرني بها ربي؟)) فقال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت
وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين
(١) قول أنس تقدم، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس. وقول مجاهد أخرجه
الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الوهاب عن مجاهد، وعبد الوهاب هو ابن مجاهد وهو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق فطر - وهو ابن خليفة - عن عطاء. (المصنف ٤٤٣/٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق فطر عن عطاء؛ وأخرجه الطبري
بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف،
وهو الأعرابي، عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند
صحیح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه الطبري بأسانيد من طريق عقبة بن ظبيان عن علي، ومن طريق عقبة بن ظهير، وهما واحد وقد
سكت عنه البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وأخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق عوف عن أبي القموص.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر عن أبي جعفر الباقر، وجعفر هو الجعفي وهو ضعيف.
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: العاصي.

٦٧٤
• سُورَةُ الْكِّوْرَ (٣،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.
وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، من حديث إسرائيل بن حاتم، به(١).
وعن عطاء الخراساني: ﴿وَأَتْحَرْ﴾ أي: ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل، وأبرز نحرك، يعني
به: الاعتدال. رواه ابن أبي حاتم(٢).
[كل هذه الأقوال غريبة جداً](٣). والصحيح القول الأول، أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛
ولهذا كان رسول الله ويشير يصلي العيد، ثم ينحر نسكه ويقول: ((من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا،
فقد أصاب النسك. ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)). فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا
رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: ((شاتك
شاة لحم)). قال: فإن عندي عناقاً هي أحب إليَّ من شاتين، أفتجزيء عني؟ قال: ((تجزئك، ولا
تجزئ أحداً بعدك)) (٤).
قال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك
خالصاً دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نَحُرك اجعله له دون الأوثان؛ شكراً له على ما
أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كُفْءَ له، وخصّك به(٥).
وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القرظي،
وعطاء.
وقوله: ﴿إِنَّ شَانِثَكَ هُوَ الْأَبَّْ ﴾﴾ أي: إن مبغضك - يا محمد - ومبغض ما جئت به
من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكْرُه.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل(٦).
وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله وَله
يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة(٧).
وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي مُعَيط(٨).
(١) أخرجه الحاكم من طريق إسرائيل بن حاتم به وتعقبه الذهبي بقوله: إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه،
وأصبغ شيعي متروك عند النسائي. (المستدرك ٢/ ٥٣٧، ٥٣٨).
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عطاء بنحوه.
(٣) زيادة من (حم).
(٤) أخرجه الشيخان من حديث البراء ظابه. (صحيح البخاري، العيدين، باب الأكل يوم النحر ح ٩٥٥؛
وصحيح مسلم، الأضاحي، باب وقتها ح ١٩٦١).
(٥) ذكره الطبري بلفظه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالمراسيل التالية؛ فقد أخرجه آدم
والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من
طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق هلال بن خباب عن سعيد بن جبير.
(٧) سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق ولأنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.

٦٧٥
سُورَةُ الكوثرَ (٣،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن عباس - أيضاً -، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش (١).
وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحَسَّاني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا
المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟
(٢)
فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبَْ ﴾﴾
هكذا رواه [البزار](٣)، وهو إسناد صحيح.
وقال عطاء: نزلت في أبي لهب(٤)، وذلك حين مات ابن رسول الله صل ﴿ فذهب أبو لهب إلى
المشركين وقال: بُثِرَ محمد الليلة. فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْرَ
وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل وعنه: ﴿إِنَّ شَائِئَكَ﴾ يعني: عدوك(٥). وهذا يَعُمُّ
جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم.
وقال عكرمة: ﴿اَلْأَبْرُ﴾: الفرد. وقال السُّدِّي: كانوا إذا مات ذكورُ الرجل قالوا: بُتر. فلما
مات أبناء رسول الله وَ﴿ قالوا: بُتر محمد. فأنزل الله: ﴿ إِنَّ شَائِثَكَ هُوَ الْأَبَّ ﴾﴾.
وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات
بنوه ينقطع ذكره، وحاشا [وكلا] (٦)، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه
على رقاب العباد، مستمراً على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه
دائماً إلى يوم التناد.
آخر تفسير سورة ﴿اُلْكَوْثَرَ﴾، ولله الحمد والمنة.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه. (مختصر زوائد مسند البزار ١٢١/٢ ح ١٥٣٨)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير
وضعفه الحافظ ابن حجر.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: الترمذي.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عطاء.
(٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٦) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ولما.

٦٧٦
• سُورَةُ الْكَافِرُونَ
00000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000000
0127 00000
سُؤْرَةٌ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾
وهي مكية
ثبت في صحيح مسلم، عن جابر: أن رسول الله وَليه قرأ بهذه السورة، وب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ
﴾ [الإخلاص] في ركعتي الطواف(١).
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة: أن رسول الله وسلّم قرأ بهما في ركعتي الفجر(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن
عمر: أن رسول الله وَ ل﴿ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعاً وعشرين مرة
- أو: بضع عشرة مرة - ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾(٣).
وقال أحمد - أيضاً -: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن مجاهد، عن ابن عمر قال: رمقتُ النبيَّ وَّ أربعاً وعشرين - أو خمساً وعشرين - مرة، يقرأ
و﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ
في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بـ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
(6﴾ (٤).
وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد - هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري -، حدثنا سفيان - هو
الثوري - عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: رَمقتُ النبي ◌َّ شهراً، وكان يقرأ في
الركعتين قبل الفجر ب﴿قُلْ بَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾(٥).
وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث أبي أحمد الزبيري. أخرجه النسائي من وجه آخر،
عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن(٦).
وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] تعدل ربع القرآن(٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن فروةً بن
(١) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي وَلٌو (ح١٢١٨).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر (ح٧٢٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣٨١/٨ ح ٤٧٦٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٢/١٠ ح ٥٧٤٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٤/٢) وسنده صحيح.
(٦) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر (ح٤١٧)؛ وسنن النسائي، الإفتتاح، باب
القراءة في الركعتين بعد المغرب ١٧٠/٢؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء فيما يُقرأ في الركعتين
قبل الفجر (ح١١٤٩)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٩٤٣).
(٧) تقدم في بداية تفسير سورة الزلزلة.

٦٧٧
سُورَةُ الكَافِرُونَ (١، ٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
نَوفل - هو ابن معاوية - عن أبيه، أن رسول الله وَ لفي قال له: ((هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟)) قال:
أراها زينب. قال: ثم جاء فسأله النبي وَ ◌ّر عنها، قال: ((ما فعلت الجارية؟)) قال: تركتها عند
أُمها. قال: فمجيء ما جاءك بك؟ قال: جئت لتعلمني شيئاً أقوله عند منامي. قال: ((اقرأ: ﴿قُلّ
بَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ ثم نُم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك)). تفرد به أحمد (١).
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عَمرو القطراني، حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا
شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة - وهو أخو زيد بن حارثة - أن النبي وَلو قال: ((إذا
أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن
الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئاً أقوله عند منامي. قال: ((إذا أخذت
مضجعَك من الليل فاقرأ: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ فإنها براءة من الشرك))(٣).
وروى الطبراني من طريق شريك، عن جابر، عن معقل الزبيدي، عن [عباد أبي الأخضر عن
خباب](٤)، أن رسول الله وَل﴿ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾ حتى يختمها (٥).
بسم الله الرحمن الحكيم
وَلَا أَنَا
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
عَابِدٌ مَا عَبَدُ ﴿ وَلَآ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (جَ لَكُرْ دِيِئُكُمْ وَلَِ دِينِ
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله:
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم
کفار قریش.
وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله بيه إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة،
فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله وَ ل* فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَاّ أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ ﴾﴾ يعني: من الأصنام والأنداد ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾﴾ وهو الله وحده لا
شريك له. فـ((ما)) ههنا بمعنى: ((من)).
ثم قال: ﴿وَلَآَ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُ ﴿ وَلَآَ أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾﴾ أي: ولا أعبد عبادتكم؛
أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال:
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وقال محققوه: حديث حسن على اضطراب في
إسناده. (المسند ٢٢٤/٣٩ ح ٢٣٨٠٧).
(٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣٧٠٨١/٤) ويشهد له سابقه.
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/ ٢٢٠) ويشهد له قبل سابقه.
(٤) كذا في المعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل: ((عبد البر أخضر أو أحمر)).
(٥) أخرجه الطبراني من طريق جابر الجعفي به (المعجم الكبير ٩٣/٤ ح ٣٧٠٨). وسنده ضعيف لضعف جابر
الجعفي (مجمع الزوائد ١٢١/١٠).

٦٧٨
• سُوَدَّةُ الْكَافِرُونَ (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾﴾ أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم
شيئاً من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِن يَتَِّعُونَ إِلَّ الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُْ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن نَّتِهِمُ
اٌلْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بدّ له من معبود يعبده، وعبادة
يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام ((لا إله إلا الله
محمد رسول الله))؛ أي: لا مبعود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول وَلقوله والمشركون
يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول وَل: ﴿لَكُرْ دِینُكُمْ وَلِیَ دِينِ
كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِّيِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيَّعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ
﴾ [يونس]، وقال: ﴿لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وقال البخاري: يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر ﴿وَلِىَ دِينِ﴾ الإسلام. ولم يقل: ((ديني)) لأن
الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَدِينٍ﴾ [الشعراء: ٧٨] و﴿يَشْفِيْنِ﴾ [الشعراء: ٨٠]
وقال غيره(١): لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما
أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِّنْهُم مَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكَ مُفْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤].
انتهى ما ذكره(٢).
ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُْرًا ﴾﴾ [الشرح] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْمَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَؤُنَهَا عَيْنَ اُلْيَّقِينِ
[التكاثر] وحكاه بعضهم - كابن الجوزي، وغيره - عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال:
أولها: ما ذكرناه أولاً. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: ﴿لَّ أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ ﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنْ عَاِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴾ وَلَّ أَنْتُمْ
عَدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾﴾ في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض.
وثم قول رابع، نصره أبو العباس ابن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لَّ أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ ﴾﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية ﴿وَلَا أَنْ عَابِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴾﴾ نفي قبوله لذلك بالكلية؛
لأن النفي بالجملة الإسمية آكد فكأنه نفي الفعل، وكونه قابلاً لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي
الإمكان الشرعي أيضاً. وهو قول حسن أيضاً، والله أعلم.
وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَگُرْ دِینُُ وَلِیَ دِینِ
على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس؛ إذا كان بينهم نسب أو سبب
يتوارث به؛ لأن الأديان ــ ما عدا الإسلام - كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن
حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى))(٣).
آخر تفسير سورة ﴿قُلٌ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، ولله الحمد والمنّة.
(١) السابق ذكره البخاري من كلام الفراء واللاحق من كلام أبي عبيدة (ينظر فتح الباري ٧٣٣/٨).
(٢) ذكره البخاري. (الصحيح، التفسير، باب ١٠٩ سورة الكافرون).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٧٣.

٦٧٩
سُورَةِ النَّصْر (١، ٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000
سُؤْرَةُ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
وهي مدنية
قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة] تعدل ربع القرآن(١).
وقال النسائي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح)
وأخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العُمَيس، عن عبد المجيد بن سهل،
عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من
القرآن نزلت؟ قلت: نعم ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ قال: صدقت(٢).
وروى الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الرّبذي، عن صدقة بن
يَسَار، عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ على
رسول الله ﴿ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فَرحلَت، ثم قام
فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة(٣).
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا
الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا [عباد بن](٤) العوام، عن هلال بن خباب، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ دعا رسول الله وَيه
فاطمة وقال: ((إنه قد نُعِيت إليّ نفسي))، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نُعيت إليه نفسُه
فبكيت، ثم قال: ((اصبري فإنك أول أهلي لحاقاً بي)) فضحكت(٥).
وقد رواه النسائي - كما سيأتي - بدون ذكر فاطمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴿﴿ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِىِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
فسبح
٢
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن
(١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الزلزلة.
(٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة النصر ح١١٧١٣) وسنده صحيح وأخرجه
مسلم من طريق جعفر بن عون به (الصحيح، التفسير ح٣٠٢٤).
(٣) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ١٥٢/٥) وعزاه الهيثمي إلى البزار وأعله بموسى بن عبيدة لأنه ضعيف.
(مجمع الزوائد ٢٦٩/٣).
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل حُرف إلى: ((عساكر)).
(٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه. (دلائل النبوة ٧/ ١٦٧) وفي سنده هلال بن خباب صدوق تغيّر بأخرة.
(التقريب ص ٥٧٥) تارة يذكر فاطمة ريا وتارة لم يذكرها كما سيأتي في رواية الطبراني.

٦٨٠
• سُورَةُ النَّصْرِ (١، ٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
جُبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، وكان بعضهم وجَد في نفسَه فقال:
لم يَدْخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم،
فما رئيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليُريهم فقال: ما تقولون في قول الله رَت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اَللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نَحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا. وسكت
بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت:
هو أجلُ رسول اللهِ وَّ﴿ أعلمه لِه، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ فذلك علامة
أجلك، ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا ﴾﴾ فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم
منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري(١).
وروى ابن جرير، عن محمد بن حُمَيد، عن مِهْران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رَزِین،
عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة، أو نحوها(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فُضَيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس
قال: لما نَزَلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ قال رسول الله وَّهُ: (نُعِيَت إليّ نفسي)) ...
بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد(٣).
وروى العوفي، عن ابن عباس، مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير
واحد: إنها أجل رسول الله وَّمِ نُعِي إليه (٤).
وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن مَعْمَر،
عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس قال: بينما رسول الله وَّر في المدينة إذ قال:
((الله أكبر، الله أكبر! جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن)). قيل: يا رسول الله، وما أهل
اليمن؟ قال: ((قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة
يمانية)»(٥).
ثم رواه عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن عكرمة، مرسلاً (٦).
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا
(٣)﴾ [النصر] ح ٤٩٧٠).
(٢) أخرجه الطبري عن محمد بن حميد به، وفي سنده محمد بن حميد وهو ضعيف، وقد توبع في رواية
البخاري السابقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٧/١) وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما سبق؛ وأخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن أبي العالية فيه
محمد بن حميد، ويتقوى بما سبق؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري،
ويتقوى بما سبق.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث باطل ليس له أصل، الزهري عن
أبي حازم لا يجيء (العلل ١٥٨/٢).
(٦) سنده ضعيف لأنه مرسل.