Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ • سُوَرَّةُ القِيَامَةِّ (٢٦، ٤٠) وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لا يؤمر ولا ينهى (١). والظاهر أن الآية تعم الحالين؛ أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى ﴾ أي: أما كان الإنسان مستدلاً على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: ﴿أَلَمَّ يَكُ نُظْفَةً مِّنْ تَِّّ يُعْنَى ( نطفة ضعيفة من ماء مهين. يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام ﴿ثُمَّ كَنَ عَلَقَةٌ فَخَلَقَ فَسَوَّى أي: فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقاً سوياً سليم الأعضاء ذكراً أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ ثم قال تعالى: ﴿أَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْعِىَ المُؤَّقَى ﴾﴾ أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُوَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧] والأول أشهر كما تقدم في سورة الروم(٢) بيانه وتقريره، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد [بن](٣) الصباح، حدثنا شبابة، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن آخر أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ ◌ِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْعِىَ المُؤَّنَّ ﴾﴾ قال: سبحانك اللَّهم فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله وَله يقول ذلك(٤). وقال أبو داود ◌َّتُهُ: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحُِّىَ المُؤَنَّ ®﴾ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله وَ ل﴾(٥). تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي ولا يضر ذلك. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أُمية، سمعت أعرابياً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَليقول: ((من قرأ منكم بالتين والزيتون ﴾ [التين] فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَّكَمِ الْحَكِمِينَ قرأ: ﴿لََّ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴾﴾ فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْفِىَ الْمََّ ﴾﴾ فليقل بلى، ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَتِ﴾ [المرسلات: ١] فبلغ ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فليقل: آمنا بالله))(٦). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) آية ٢٧. (٤) سنده حسن، ويتقوى بما يليه. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، باب الدعاء في الصلاة ح٨٨٤)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٧٨٦). (٦) المصدر السابق، باب مقدار الركوع والسجود (ح٨٨٧)؛ وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح١٨٨). ٤٤٢ سُورَةُ القِيَامَةَ (٢٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل صدق عن أبي هريرة(١). وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿أَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ المُؤَّقَى ﴾﴾ ذُكر لنا أن رسول الله وَّه كان إذا قرأها قال: ((سبحانك وبلى))(٢). ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ للمؤََّّى (٣)﴾؟ قال: سبحانك قبلى (٣). آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنّة. (١) المسند (٣٥٢/١٢ - ٧٣٩٠) وضعفه محققوه لجهالة الراوي عن أبي هريرة؛ وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة والتين ح٣٣٤٧)؛ وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن عياض عن إسماعيل بن أُمية عن أبي اليسع عن أبي هريرة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥١٠)، ولكن يزيد بن عياض كذبه مالك وغيره. (التقريب ص ٦٠٤). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٣) رجاله ثقات وسنده صحيح. ٤٤٣ • سُوَرَّةُ الإِنْشَاعِ (١، ٣) 0000000000000000000 000 000 000 000000000 000 000 000 000000 000000000 000 000 000000 000000000 ٨٢ 300000 سُورَةُ الإِنْسِّنَاِ وهي مكية قد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله مير كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الّ ﴾ تَزِلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾(١). وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا ابن زيد أن رسول الله وَله قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَ عَلَ اُلْإِسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَهْرِ﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود فلما، بلغ صفة الجنان زفر فخرجت نفسه فقال رسول الله وَلجر: ((أخرج نفس صاحبكم أو قال: أخيكم الشوق إلى الجنة))(٢). مرسل غريب. بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَّبْتَلِهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾. يقول تعالى مخبراً عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه فقال تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (٣) ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض. قال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون(٣)، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس الأمشاج هو: اختلاط ماء الرجل بماء المرأة (٤). وقوله: ﴿يَبْتَلِهِ﴾ أي: نختبره كقوله: ﴿لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. ﴿فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. (١) تقدم في تفسير سورة السجدة. (٢) سنده ضعيف لأنه مرسل، وسيأتي وصله والمزيد من التخريج في تفسير آية ٢٠ من هذه السورة الكريمة. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((مختلفة الألوان)). (٤) وأخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق سعيد بن مسروق عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري وآدم بسند حسن من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. ٤٤٤ • سُوَرَّةُ الإِنَّاعِ (١، ٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ [البلد] أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد في المشهور عنه والجمهور وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ يعني: خروجه من الرحم. وهذا قول غريب والصحيح المشهور الأول. وقوله: ﴿إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ تقديره فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله رضي: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها))(٢). وقد تقدم في سورة الروم عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ [٣٠] من رواية جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَّر: ((كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ قال ((ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان راية بيد ملك وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى . پرجع إلى بيته))(٤) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله أن النبي ◌َ ﴿ قال لكعب بن عجرة: ((أعاذك الله من إمارة السفهاء. قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي ومن لم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان، يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها)) (٥). ورواه عن عفان، عن وهيب، عن عبد الله بن خثيم به (٦). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((الشقاوة والسعادة)). ونسبه السيوطي إلى ابن المنذر عن عطية العوفي. (٢) أخرجه مسلم بلفظه وأطول (الصحيح، الطهارة، باب فضل الوضوء ح٢٢٣). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية ٣٠. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٤٢/١٤ ح ٨٢٨٦). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند ٣٣٢/٢٢ ح ١٤٤٤١). (٦) (المسند ح١٥٢٨٤) وحكمه كسابقه. ٤٤٥ • سُورَةُ الإِنسَّذِ (٤، ١٢) ] ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا ڪَافُورًا (٨٠َ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا ﴿﴿ يُونُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُهُ مُسْتَطِيرً (جَ وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَمَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَِمًا وَأَسِيرًا ﴿ إِنََّا نُطِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُمْ جَزَّهُ وَلَا شَكُرًا ﴿ إِنَّا غَخَافُ مِن رَِّنَ . ﴾ فَوقَدُهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿﴿ وَجَّهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا يَوْمًا عَبُوسًا قَتْطَرِيرًا يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه من السلاسل والأغلال والسعير؛ وهو: اللهيب والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٨ فِ اَلْحِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ (٣)﴾ [غافر]. ولما ذكر ما أعدَّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ اُلْأَبْرَارَ كَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (@) وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة . قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل. ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا ﴾﴾ أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفاً بلا مزج ويروون بها، ولهذا ضمن يشرب معنى يروى حتى عدَّاه بالباء ونصب عيناً على التمييز. قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوباً بـ(يشرب) حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير(١). وقوله تعالى: ﴿يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٣٥)﴾ [الإسراء] وقال: ﴿وَفَجَّرْنَاَ خِلَلَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] قال مجاهد: ﴿يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا(٢)، وكذا قال عكرمة وقتادة(٣). وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا(٤). وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالتَّدْرِ وَيَخَفُونَ يَوْمًا كَانَ شَُ مُسْتَطِيرًا أي: يتعبدون الله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك: عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة فيها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))(٥). رواه البخاري من حديث مالك(٦). ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير؛ أي: منتشر عام على الناس إلا من رحم الله. (١) ذكره الطبري بنحوه. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان. (٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، النذور والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور في معصية الله ح٨). (٦) صحيح البخاري، الأيمان والنذر، باب النذر في الطاعة (ح٦٦٩٦). ٤٤٦ • سُوَّرَةُ الإِنْتَّذِ (٤، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال ابن عباس: فاشياً. وقال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض(١). قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال، ومنه قول الأعشى: فبانت وقد أسأرت في الفؤاد صدعاً على نأيها مستطيرا(٢) يعني: ممتداً فاشياً. وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: على حب الله تعالى وجعلوا الضمير عائداً إلى الله رَت لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام؛ أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد ومقاتل(٣) واختاره ابن جرير، كقوله تعالى ﴿وَءَاتَ اٌلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ [البقرة: ١٧٧] وكقوله تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وروى البيهقي من طريق الأعمش، عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية؛ يعني: امرأته فاشترت عنقوداً بدرهم فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال: السائل السائل فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقوداً، فاتبع الرسول السائل فلما دخل قال: السائل السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عدت لا تصيب منه خيراً أبداً، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به (٤) . وفي الصحيح: أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر(٥)؛ أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا أما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة (٦) وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذٍ مشركين(٧)، ويشهد لهذا أن رسول الله وَلخير أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء. وقال عكرمة: هم العبيد(٨). واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) ذكره الطبري بلفظه وأطول. (٣) أخرجه هناد وبسند صحيح من طريق ليث عن مجاهد (الزهد رقم ٦٣٣) وليث هو ابن أبي سليم فيه مقال ولكنه توبع فقد أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد، فيكون سنده حسناً لغيره. (٤) أخرجه البيهقي من طريق الأعمش به (السنن الكبرى ١٨٥/٤) وسنده صحيح. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير. (المصنف ٦٨/٣) ولكن ما ورد عن الحسن أنه من أهل الشرك فقد أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عثمان البتي عن الحسن. (المصنف ٦٨/٣) ونحوه في تفسير الطبري. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف جداً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. (٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. ٤٤٧ • سُورَةُ الإِنِّذِ (٤، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد وصى رسول الله وَ ل و بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث حتى أنه كان آخر ما أوصى (١) أن جعل يقول الصلاة وما ملكت أيمانكم" قال مجاهد: هو المحبوس(٢)؛ أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال ﴿إِنّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ أي: رجاء ثواب الله ورضاه ﴿لَا نُبِدُ مِنْكُرْ جَزَاءٍ وَلَا شُكُورًا﴾ أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب(٣). أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَتْطَرِيرًا في اليوم العبوس القمطرير. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَبُوسًا﴾ ضيقاً ﴿فَطَرِرً﴾ طويلاً(٤). وقال عكرمة وغيره عنه في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُسًا فَتْطَرِرًا﴾ قال: يعبس الكافر يومئذٍ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران(٥). وقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾ العابس الشفتين ﴿قَطَرًِ﴾ قال: يقبض الوجه بالبسور (٦). وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول ﴿قَطَرِيرًا﴾ تقليص الجبين وما بين العينين من الهول(٧). وقال ابن زيد العبوس: الشر، والقمطرير: الشديد(٨)، وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها ـيًّا. وأعلاها وأولاها قول ابن عباس قال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد يقال: هو يوم قمطرير، ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب وقد اقمطر اليوم يقمطر اقمطراراً، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة ومنه قول بعضهم : (٩) عليكم إذا ما كان يوم قَماطر بني عمنا هل تذكرون بلاءنا قال الله تعالى: ﴿فَوقَدُهُمُ اللَّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَرِ وَلَّقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾﴾ وهذا من باب التجانس البليغ (١) أخرجه الإمام أحمد من حديث علي ظه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٢٤/٢ ح٥٨٥). (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سالم، وهو الأفطس، عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سالم، وهو الأفطس، عن سعيد بن جبير. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه الطبري من طريق مصعب بن سلام التميمي عن سعد عن عكرمة عن ابن عباس، ومصعب له أوهام وهو يروي أبي سعد البقال وكان كثير الغلط (تهذيب التهذيب ١٦١/١٠) واخشى أنه وهم باسم شيخه فإن كان أبا سعد البقال فالسند ضعيف. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٩) ذكره الطبري بلفظه. ٤٤٨ • سُورَةُ الإِنَّذِ (١٣، ٢٢) 0000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 ﴿فَوَقَّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَمِ﴾ أي: آمنهم مما خافوا منه ﴿وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً﴾ أي: في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس(١). وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٨َ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (6)﴾ [عبس]، وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول الله وَ﴿ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر(٢). وقالت عائشة: ((دخل عليَّ رسول الله وَّ ر مسروراً تبرق أسارير وجهه)) الحديث(٣). وقوله تعالى: ﴿وَجَزَئُهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم ﴿حَّةً وَحَرِيرًا﴾ أي: منزلاً رحباً وعيشاً رغداً ولباساً حسناً. وروى الحافظ بن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ علي أبي سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَّهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا (3﴾﴾ قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد يقول: أف من مشتهي خلاف الجميل كم قتيل لشهوة وأسير وتلقيه في البلاء الطويل(٤) شهوات الإنسان تورثه الذل وَدَائَةٌ عَلَيْهِم ◌ِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا 2- ﴿ُّكِينَ فِبَهَا عَلَى الْأَرَّبِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١) وَيُطَافُ عَلَهِمِ ◌َِانَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَبٍ كَانَتْ قَوَارِيَاً ﴿ قَوَارِرَأْ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيرً ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأْسًا كَانَ ﴿ وَبَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانْ تُخَلَّدُونَ إِذَا رَهُمْ حَسِبَهُمْ لُوْلُؤَّا مَنْتُورًا (٦َ) مِنَ اجُّهَا زَتْجِيلًا (٣ عَنًا فِيهَا تُعَّى سَلْسَيْلًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كبيرًا ـ) عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقَّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَآءُ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (9َ)﴾. يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أسبغ عليهم من الفضل العميم فقال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِ﴾، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وذكر الخلاف في الاتكاء هل هو الاضطجاع أو التمرفق أو التربع أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال. وقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا﴾ أي: ليس عندهم حر مزعج ولا برد مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]. ﴿وَدَائِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا﴾ أي: قريبة إليهم أغصانها ﴿وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِلًا﴾ أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَ اٌلْجَنََّيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ (®َ﴾ [الحاقة]. (١) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١١٨. (٣) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، المناقب، باب صفة النبي ◌َّ ح٣٥٥٦)؛ وصحيح مسلم، الرضاع، باب العمل بإلحاف القائف الولد (ح١٤٥٩). (٤) ينظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٨٦/٢٧. • سُورَةُ الإِنَّاعِ (١٣، ٢٢) ٤٤٩ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال مجاهد: ﴿وَذُلِلَتْ قُطُوقُهَا نَذْلِيلًا﴾ إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى: ﴿نَذْلِيلاً﴾(١). وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد (٢). وقال مجاهد: أرض الجنة من ورق وترابها المسك وأصول شجرها من ذهب وفضة وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت والورق والثمر بين ذلك، فمن أكل منها قائماً لم تؤذه، ومن أكل منها قاعداً لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعاً لم تؤذه(٣). وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَّهِمْ بِِّيَةٍ مِّن فِضَّةِ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب، وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. قَوَارِيرَاً مِن فِضَّةٍ﴾ فالأول: منصوب بخبر ((كان)) أي: كانت قوارير. ١٥ وقوله: ﴿قَوَارِيراً والثاني: منصوب إما على البدلية أو تمييز لأنه بيَّنْه بقوله: ﴿قَوَرِيرًا مِن فِضَّةٍ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج(٤). والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا . قال ابن المبارك: عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة(٥). رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿فَذَّرُهَا نَقْدِرًا﴾ أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي مُعدَّة لذلك، مقدرة بحسب ريِّ صاحبها هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح وقتادة وابن أبزى وعبد الله بن عمير والشعبي وابن زيد(٦)، وقاله ابن جرير وغير واحد، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَُّوهَا نَقْدِيرً﴾ قدرت للكفّ(٧)، وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك: على قدر كف الخادم. وهذا لا ينافي القول الأول فإنها مقدرة في القدر والري. وقوله تعالى: ﴿وَ يُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَنْجِيلًا (٣)﴾ أي: ويسقون يعني الأبرار أيضاً في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمراً ﴿كَانَ مِنَ اجُهَا زَبِيلًا﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو: بارد، وتارة (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (المصنف ٦٧/٨) وله شواهد في الصحيح وغيره. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن. (٥) سنده ضعيف لأبهام الراوي عن ابن عباس. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد. (المصنف ٢٨٧/٨)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ٤٥٠ سُورَةُ الإِنسَاءِ (١٣، ٢٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالزنجبيل وهو: حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفاً كما قاله قتادة وغير واحد (١)، وقد تقدم قوله جلَّ وعلا: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ وقال لههنا ﴿عَيْنَا فِيَا ◌ُمَّى سَلْسِيلًا (®﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلاً. قال عكرمة: اسم عين في الجنة(٢). وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها(٣). وقال قتادة: عيناً فيها تسمى سلسبيلاً عين سلسة مستقيد ماؤها(٤). وحكى ابن جرير، عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق(٥)، واختار هو أنها تعم ذلك کله، وهو كما قال. وقوله تعالى: ﴿﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَُّونَ إِذَا رَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُوَا ◌َنْتُورًا (٨)﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة ﴿تُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَهُمْ حَسِبَهُمْ ◌ُؤْلُوا مَّتُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه (٦). وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ أي: وإذا رأيت يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك يعني في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ﴿رَأَيْتَ نَعِمًا وَمُلْكًا كبيرًا﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطاناً باهراً، وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها (٧)، وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ويليقول: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه))(٨) فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى. وقد روى الطبراني لههنا حديثاً غريباً جداً فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: ((تُمزج بالزنجبيل)). وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((يشربها المقربون صِرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة)). (٢) معناه صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٥) ذكره الطبري ونسبه إلى بعض نحوبي الكوفة، ومنهم الفراء فقد ذكره في معاني القرآن ٢١٧/٣. (٦) أخرجه هناد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. (الزهد رقم ١٧٤) وسنده صحيح. (٧) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود به (الصحيح، الإيمان، باب آخر أهل النار خروجاً ح١٨٦). (٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة القيامة آية ٢٣. ٤٥١ • سُوَّرَةُ الإِنْشَاءِ (٢٣، ٣١) الموصلي، حدثنا عقبة بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﴿ فقال له رسول الله وَله: ((سل واستفهم)) فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به وعملتُ بما عملتَ به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام ثم قال رسول الله ◌َله: ((من قال: لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟)) فقال رسول الله وَله: ((إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة أو نعم الله، فتكاد تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده الله برحمته، ونزلت هذه السورة ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكَا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم فاستبكى حتى فاضت نفسه)). قال ابن عمر: ولقد رأيت رسول الله وَ ل* يدليه في حفرته بيده(١). وقوله: ﴿َعَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقُّ﴾ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس. ﴿وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُقًّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين فكأنما علي بن أبي طالب أُلهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر ◌َ بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءَ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (49)﴾ أي: يقال لهم ذلك تكريماً لهم وإحساناً إليهم كما قال تعالى: ﴿كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيََّمِ لَْلِيَةِ (29)﴾ [الحاقة] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوَّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَشْكُورًا﴾ أي: جزاكم الله تعالى على القليل بالكثير. - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَ عَلَيْكَ الْقُرََّانَ تَفِيلًا (٣) فَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (١٤) وَأَذْكُرٍ ،وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُّدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ٢٥ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (﴿٨ ثَّحْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْشَلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿ إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ٠ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَلَِّمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيًّا يقول تعالى ممتناً على رسوله وَّله بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلاً: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْرِ رَبِّكَ﴾ (١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٤٣٦/١٢ ح١٣٥٩٥) وسنده ضعيف لضعف أيوب بن عتبة. (مجمع الزوائد ٤٣٣/١٠ والتقريب ص١١٨). ٤٥٢ • سُوَّرَّةُ الإِنْشِاِ (٢٣، ٣١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَلَا أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله، فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه ﴿وَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُّرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ أي: أول النهار وآخره ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (®﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَنَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا (٣)﴾ [الإسراء] وكقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ ﴿ قُِّ الَّيْلَ إِلَّ قِيلًا ﴾ نِصِفَهُو أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَرِيلًا ﴾﴾ [المزمل]. ثم قال تعالى منكراً على الكفار ومن أشبههم في حبِّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَالَِةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (49)﴾ يعني: يوم القيامة ثم قال تعالى: ﴿أَعْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمَّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني: خلقهم(١). ﴿وَإِذَا شِْنَا بَدَّلْنَا أَمْشَلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقاً جديداً، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْتَلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم(٢). كقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣)﴾ [النساء] وكقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُدْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ (٥)﴾ [إبراهيم]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شَآءَ أُمَّخَذَ إِلَى رَبِهِ، سَبِيلًا﴾ أي: طريقاً ومسلكاً؛ أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَاَلْيَوْمِ آلْآَخِ﴾ الآية [النساء: ٣٩]. ثم قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعاً ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالَّلِمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيًّا ﴾﴾ أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. آخر تفسير سورة الإنسان، [والله أعلم](٣). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) ذكره الطبري بنحوه، وأخرجه بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه. (٣) زيادة من (حم). ٤٥٣ • سُورَةُ المُرسِلَتِ (١، ١٥) 47 00000 سُورَةُ المُسَلاَتِ وهي مكية قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله هو ابن مسعود ظنه قال: بينما نحن مع رسول الله وَّر في غار بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ فإنه ليتولها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حيَّة فقال النبي ◌َّ: ((اقتلوها)) فابتدرناها فذهبت فقال النبي ◌َّ: ((وقيتْ شرَّكم كما وُقيتم شرَّها))(١). وأخرجه مسلم أيضاً من طريق الأعمش(٢). وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أُمه أنها سمعت النبي وَلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً(٣). وفي رواية مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن أُم الفضل سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْهًا ﴾﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله و ﴿ يقرأ بها في المغرب(٤). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به (٥) . بسم الله الرحمن الحكيم ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرَفَا (١٦) (١) وَالنَّشِرَتِ نَشْراً فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ ﴿ فَإِذَا اُلتُّجُومُ مُطْمِسَت ◌َ وَإِذَا اُلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ ◌ُسِغَتْ ١٠ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَّتْ ﴿ لِأَتِ يَوْمٍ أُعِلَتْ ١ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يَوَصَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَيْلٌ وَمَآ أَدْرَكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا زكريا بن سهل المروزي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾﴾ قال: الملائكة(٦). وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب ح ١٨٣٠). (٢) صحيح مسلم، السلام، باب قتل الحيات (ح ٢٢٣٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٨/٦) وسنده صحيح. (٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح٢٤). وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، الأذان، باب القراءة في المغرب (ح٧٦٣)؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في الصبح (ح ٤٦٢). (٦) أخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسن بن شفيق به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥١١/٢). ٤٥٤ سُورَةُ المرسلات (١، ١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أنس مثل ذلك(١)، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل(٢)، وفي رواية عنه: إنها الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات: إنها الملائكة. وقال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْهَا ﴾﴾ قال: الريح(٣)، وكذا قال في ﴿فَلْمَصِفَتِ عَصْفًا ﴾ وَالنَّشِرَتِ نَشْرً إنها الريح، وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح فى رواية عنه (2). وتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾﴾ هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضاً أو هي الرياح إذا هبت شيئاً فشيئاً؟ وقطع بأن العاصفات عصفاً: الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في ﴿فَلْعَصِفَتِ عَصْفًا ﴾﴾﴾ أيضاً علي بن أبي طالب والسدي(٥)، وتوقف في ﴿وَالنَِّرَتِ نَشْرًا ﴾﴾ هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم. وعن أبي صالح أن ﴿وَالنَّشِرَتِ نَشْرً ﴾﴾ هي: المطر(٦)، والأظهر أن ﴿وَلْمُرْسَلَتِ﴾ هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرَّجَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشَرًّا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهكذا العاصفات هي الرياح يقال: عصفت الرياح إذا هبَّت بتصويت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب ريك. فَالْمُلْقِيَّتِ ذِكْرًا جَ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾﴾ يعني: الملائكة. قاله ابن ﴿فَلْفَرِقَتِ فَرْقًا وقوله تعالى: مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري(٧)، ولا خلاف لهُهنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدي والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَيِعُ ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام؛ أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر إن هذا كله لواقع؛ أي: لكائن لا محالة. ثم قال: ﴿فَإِذَا اُلتُّجُومُ ◌ُمِسَتْ جَ﴾ أي: ذهب ضوءها كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ [الانفطار]. [التكوير] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَّتْ (®)﴾ ﴿وَإِذَا السَّمَّةُ فُرِجَتْ ﴾﴾ أي: انفطرت وانشقت وتدلَّت أرجاؤها ووهت أطرافها ﴿وَإِذَا الْبَالُ (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسلم، وهو ابن صُبيح، عن مسروق، . (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح. (٣) سنده صحيح وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق المسعودي عن سلمة بن كهيل به. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح. (٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق خالد بن عرعرة عن علي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥١١/٢)، وقول السدي تقدم ضمن الرواية السابقة. (٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق إسماعيل عن أبي صالح. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسماعيل، وهو السدي الكبير، عن أبي صالح. ٤٥٥ • سُوَّةُ المُرسِلاَتِ (١٦، ٢٨) ، أي: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ ◌ُِّفَتْ نَسْفًا (٣٥)﴾ الآية [طه] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْحِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (39)﴾ [الكهف]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُفِنَتْ ﴾﴾ قال العوفي عن ابن عباس: جمعت(١). وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩](٢). وقال مجاهد: ﴿أُقِنَتْ﴾ أجلت(٣). وقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿أُقِنَّتْ﴾ أوعدت(٤)، وكأنه يجعلها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَبِأْىَهَ بِلنَّبْتِنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَ يُظْلَمُونَ (9)﴾ [الزمر]. وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَضْلِ ﴿٣] وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ ثم قال تعالى: ﴿لِأَتِّ يَّوْرٍ أُثِلَتْ ﴿﴿ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتى تقوم الساعة. كما قال لِلْمُكَذِّبِينَ تعالى: ﴿فَلَ تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو آنِقَاءِ ﴿﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيّرَ اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾﴾ [إبراهيم] وهو يوم الفصل كما قال تعالى: ﴿لِيَوْمِ اَلْفَصْلِ (َا﴾. ثم قال تعالى معظماً لشأنه: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ اُلْفَصْلِ ﴿ وَبِلٌ يَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غداً، وقد قدمنا فى الحديث أن ويل وادٍ في جهنم، ولا يصح. ] ﴿أَمْ نُهْلِكِ الْأَوَِّينَ ﴿٨ ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ (٣) وَيْلٌ يَوَمَِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ فَجَعَلْنَهُ فِی قَرَارٍ مُّكِينٍ ٢٠ أَ نَخْلُقُكُم مِّن مَّاءِ شَهِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ٢٣ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْفَيْنَكُمْ مََّ وَيْلٌ يَوَمَِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتَّا (٣٥) أَخْيَاءُ وَأَمْوَتًا وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى: ﴿أَلَمَّ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ ﴾﴾؟ يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به ﴿ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ أي: ممن أشبههم ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ وَيْلٌ يَوَصَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِنَ (٣)﴾ قاله ابن جرير (٥). ثم قال تعالى ممتناً على خلقه ومحتجاً على الإعادة بالبداءة: ﴿أَلَ نَخْلُقُكُ مِن مَّآءِ نَّهِينٍ أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري ربك كما تقدم في سورة يس في حديث بشر بن جحاش بن آدم: أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه(٦)؟ ﴿فَجَعَلْتَهُ فِ قَرَارٍ تَكِينٍ (4)﴾ يعني: (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) سنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق سفيان به. (٥) ذكره الطبري بنحوه. (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة يس آية ٧٧. ٤٥٦ سُورَةُ المُرسَلَات (٢٩، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جمعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم مُعدّ لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء. يعني: إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر ولهذا قال وقوله: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْتُكَذِّبِينَ تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ اُلْأَرْضَ كِفَاتَّا (٣٥) أَخْيَّءٍ وَأَمْوَتَا (٨)﴾ قال ابن عباس: ﴿كِفَانًا﴾ كنََّ(١). وقال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء (٢). وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم (٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة(٤). ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسِىَ شَِخَتٍ﴾ يعني: الجبال أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب ﴿وَأَسْقَيْنَكُمْ نَّءُ فُرَاتًا﴾ أي: عذباً زلالاً من السحاب أو مما أنبعه من عيون الأرض. ﴿وَبِّلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها. ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره. ] ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ( ﴿ أُنطَلِّقُواْ إِلَ ظِلّ ذِى ثَلَاثِ شَعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ ﴿ إِنَّهَ تَرْبِى بِشَرَدٍ كَالْقَصْرِ اُللَّهَبِ هَذَا يَوْمُ لَا وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ كَأَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ وَيِّلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ يَنْطِقُونَ فَإِن ◌َ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَعْنَكُمْ وَالْأَوَلِينَ وَيَّلٌ يَوْمَِدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ كَانَ لَكُرْ کَیْدٌ فَكِیدُونِ يقول تعالى مخبراً عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنطَلِّقُواْ إِلَى ظِلَّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ ﴾ يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب ﴿لَّا ظَلِلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ أي: ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب. وقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَدٍ كَالْقَصْرِ ﴾﴾ أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون(٥) . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وغيرهم يعني: أصول الشجر(٦). (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق بيان عن الشعبي. (٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٥) أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود في سنده خديج بن معاوية وهو ضعيف (ينظر: مجمع الزوائد ١٣٢/٧). (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن عابس عن ابن عباس بنحوه؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٤٥٧ • سُورَةُ المُرسِلَاتِ (٢٩، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: كالإبل السود. قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك واختاره ﴿كَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ ! ابن جرير(١). وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﴿يِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ يعني: حبال السفن (٢)، وعنه أعني ابن عباس ﴿ِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ قطع نحاس(٣). وقال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن (٣)﴾ قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة عابس، قال سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للبناء فنسميه القصر ﴿كَأَنَّمُ جِمَلَتُ صُفْرٌ (6)﴾ حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال(٤). ﴿وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم قال تعالى: ﴿هَذَا يَوَمُ لَا يَطِقُونَ (٣٥)﴾ أي: لا يتكلمون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ ﴾﴾ أي: لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القول عليهم بما ظلموا، فهم لا ينطقون وعرصات القيامة حالات، والربُّ تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحال تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذٍ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام ﴿وَيْلٌ يَدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ اٌلْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (4)﴾ وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (®)﴾ يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِدُونِ (٣) تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك كما قال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ لَلْنِ وَالْإِسِ إِن أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ لَا نَفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنِ (َ)﴾ [الرحمن] وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئً﴾ [هود: ٥٧]. وفي الحديث: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني))(٥). وقد قال ابن أبي حاتم: ثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، ثنا محمد بن فضيل، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم ويسمعهم الداعي ويقول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (﴾﴾ اليوم لا (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الحسن؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري من طريق خصيف عن مجاهد، وخصيف سيء الحفظ. (٢) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ((كأنه جمالات صفر)) ح٤٩٣٣). (٥) أخرجه مسلم من حديث أبي ذرِّ ◌ُه مطولاً (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم ح ٢٥٧٧). ٤٥٨ سُورَةُ المُرسِلَاتَ (٤١، ٥٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ينجو مني جبار عنيد ولا شيطان مريد. فقال عبد الله بن عمرو: فإنا نحدث يومئذٍ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرَفُ بهم من الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، لا يغيبهم عني وزر، ولا تخفيهم عني خافية الذي جعل مع الله إلهاً آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة(١) . كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَئَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ ٤٣ وَفَوَكِهَ مِمَا يَشْتَهُونَ - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿ كُواْ وَتَعَنَعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجْزِعُونَ ﴾ وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَبِّلٌ يَدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ٥٠ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَزَكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ ﴾ وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمَكَذِّبِيِنَ ٤٧ يقول تعالى مخبراً عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات: إنهم يوم القيامة يكونون في جنان وعيون؛ أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن. أي: ومن سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا ﴿كُلُواْ وقوله تعالى: ﴿وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم ثم قال تعالى مخبراً خبراً مستأنفاً: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ﴿وَيْلٌ يَدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴾﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ مُجْرِمُونَ (4)﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا﴾ أي: مدة قليلة قريبة قصيرة ﴿إِنَّكُ ◌ُجُمُونَ﴾ أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها ﴿وَيْلٌ يَوَمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ ﴾﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ (٣٥)﴾ [يونس]. بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرَكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ (3)﴾ أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْتَكَذِّبِينَ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام ٥٠ ثم قال تعالى: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ٤٩ يؤمنون به كقوله تعالى: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَئِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]. قال ابن أبي حاتم: ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية سمعت رجلاً أعرابياً بدوياً يقول سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ والمرسلات عرفاً فقرأ: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة(٢). ٥٠ آخر سورة المرسلات، [ولله الحمد والمنَّة](٣). (١) أخرجه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل به. (المصنف ١٠٠/٨) وفي سنده حسان بن أبي المخارق سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٣٣/٣) وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢٣٥/٣) وذكره ابن حبان في الثقات (٢٢٣/٦). ويتقوى بالشواهد فقد وردت له شواهد في الصحاح والسنن. (٢) تقدم تخريجه في سورة القيامة آية ٤٠. (٣) زيادة من (ح). ٤٥٩ سُورَةُ النَّبَا (١، ١٦) 009900000000000000000000000000000 000000000000 000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 00 0.00000 07 00000 سُورَةُ النَّبَا وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم ٠ ثُوُ كََّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ () 2] ﴿عَمَّ يَتَسَلَلُونَ ﴿ عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ (أَـ سَيَعْلَمُونَ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا (٦) وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجًا أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْ قَادًا () ١٠ وَجَعَلْنَا الَّلَ لَِاسًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ،وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿﴿ وَبَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا يَّام لِنُخْرِجَ بِهِ، حَبًا وَنَبَاتًا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ فَجَّابًا وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا يقول تعالى منكراً على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكاراً لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَلَّلُونَ عَنِ النََّةِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ أي: عن أي شيء يتساءلون؟ عن أمر القيامة وهو: النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة وابن زيد: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ البعث بعد الموت(١). وقال مجاهد: هو القرآن(٢). والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِى ◌ُّ فِيهِ مُخْلِفُونَ ﴾﴾ يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به وكافر. ثم قال تعالى متوعداً لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿ ذُوَ كَلَا سَيَعْلَمُونَ ﴾﴾﴾ وهذا تهديد شدید ووعيد أكد، ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال: ﴿أَمْ تَجْعَلِ اْأَرْضَ مِهَدًا ﴾﴾ أي: ممهدة للخلائق ذلولاً لهم قارة ساكنة ثابتة ﴿وَالْجِبَالَ أَوْقَادًا ﴾﴾ أي: جعلها لها أوتاداً أرساها بها، وثبّتها وقرَّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمَن عليها . ثم قال: ﴿وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا ﴾﴾ يعني: ذكراً وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا ﴾﴾ أي: قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار، وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان(٣). ﴿وَجَعَلْنَا (١)﴾ [الشمس] أَيْلَ لِبَاسًا ﴾﴾ أي: يغشى الناس ظلامه وسواده كما قال: ﴿وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) آية ٤٧. ٤٦٠ • سُوَرَّةُ النَّهَا (١، ١٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0000 0 0 وقال الشاعر(١): فلما لَبِسنَ الليل أو حين نَصَّبت له من خذا (٢) آذانها وهو جانحُ(٣) وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ لَِاسًا ﴾﴾: أي سكناً. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النََّارَ مَعَاشًا ﴾﴾ أي: جعلناه مشرقاً نيِّراً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. يعني: السماوات السبع في اتساعها. وارتفاعها وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَزَّلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَّهُ تَجَّابًا ﴾﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَتِ﴾ (٤) الريح (٤). وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ﴾ قال: الرياح(٥). وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن أنها الرياح (٦). ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَتِ﴾ أي: من السحاب(٧). وكذا قال عكرمة أيضاً وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره ابن جرير(٨). وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد كما يقال: امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض(٩) . وعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَتِ﴾ يعني: السماوات(١٠). وهذا قول غريب والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ (١) هو ذو الرُّمَّة صرح به الطبري في تفسير سورة البقرة آية ١٧. (٢) خذيت الأذن: استرخت من أصلها وانكسرت مقبلة على الوجه. (لسان العرب: خ ذ ي). (٣) استشهد به الطبري. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وله متابعات كما يليه في رواية ابن أبي حاتم، ويتقوى أيضاً بالشواهد فقد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زید. (٥) سنده حسن. (٦) تقدم تخريجه عن بعضهم كما في الحاشية قبل السابقة. (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٨) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. (٩) لم أجده في كتابه («معاني القرآن)). (١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن؛ وأخرجه أيضاً بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.