Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ • سُوَرَّةُ المَنَافِقُونَ (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمَّ﴾ أي: وكانوا أشكالاً حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: ﴿يَخْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم كما قال تعالى: ﴿أَشِحَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ اٌلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْبِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب] فهم جَهَامات وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى: ﴿هُ اٌلْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ فَلَهُمُ اللّهُ أَّى يُؤْفَّكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال؟ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ظله أن النبي وَّ قال: ((إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة وغنيمتهم غلول ولا يقربون المساجد إلا هُجراً، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خُشُب بالليل، صُخُب بالنهار)) وقال يزيد بن مرة: سخب بالنهار(١). ﴿وَإِذَا قِلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُم مُسْتَكْبُونَ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ ٥ اُلْفَاسِقِينَ ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْقَضُواْ وَلِلَّهِ خَائِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴿ يَقُولُونَ لَبِن رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ اْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (﴾﴾ . يقول تعالى مخبراً عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُ﴾ أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكباراً عن ذلك واحتقاراً لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ تُسْتَكْيُونَ﴾ ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسَتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللََّ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾﴾ كما قال في سورة براءة، وقد تقدم الكلام على ذلك وإيراد الأحاديث المروية هنالك(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان: ﴿لَوَّأْ رُءُوسَهُ﴾ قال ابن أبي عمر: وحوّل سفيان وجهه على يمينه ونظر شزراً ثم قال: هو هذا(٣). وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول كما سنورده قريباً إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله 18 المدينة؛ يعني: مرجعه من أحد، وكان عبد الله بن أبي بن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شرفاً له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفاً، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢/١٣، ٣٠٣ ح ٧٩٢٦) وضعف سنده محققوه لضعف عبد الملك بن قدامة، وجهالة إسحاق بن بكر بن أبي الفرات. (٢) تقدم في تفسير سورة التوبة آية ١١٣، ١١٤. (٣) سنده صحيح. ٢٨٢ • سُوَرَّةُ المُنَّافِقُونَ (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إذا جلس النبي * يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله وَله بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع؛ يعني: مرجعه بثلث الجيش ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجراً أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجراً أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله وَله، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي(١). وقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى رسول الله ( ، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله وَّل﴿ فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله ( * فجعل يلوي رأسه؛ أي: لست فاعلاً(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أن رسول الله ﴿ كان إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي بن سلول قال: ليخرجن الأعز منها الأذل، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي: ائت النبي ◌َّ حتى يستغفر لك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَتْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوَأْ رُؤُوسَهُمْ﴾(٣) وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق، فبينما رسول الله وَليل مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيراً لعمر بن الخطاب وسنان بن وبر. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم (١) سنده ضعيف لأنه مرسل، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٠٥/٢)، ويتقوى بالمراسيل التالية. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات عن معمر عن قتادة لكنه مرسل، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر، ويتقوى أيضاً بالروايات المرسلة والموصولة التالية. (٣) رجاله ثقات لكنه مرسل، ويتقوى بسابقه ولاحقه. ٢٨٣ • سُؤَدَّةُ المَنَافِقُونَ (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم فذهب بها إلى رسول الله وَل: وهو غليم عند عمر بن الخطاب ظُه، فأخبره الخبر، فقال عمر ظُه: يا رسول الله مُر عباد بن بشر فليضرب عنقه، قال رسول الله وَله: ((فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمداً يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل)) فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلّغ رسول الله وَ لّ أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل . وراح رسول الله وَي مهجراً في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أُسيد بن الحضير ◌َرُهُ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله وكليه: ((أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل)) قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجّه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً، فسار رسول الله وَله بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مسَّ الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقين(١). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمر بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله ◌َّل في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار: فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله وَالحجر: ((ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة)). وقال عبد الله بن أبي بن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله وَ طير، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ◌ُّيقول: ((دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه))(٢). ورواه الإمام أحمد، عن حسين بن محمد المروزي، عن سفيان بن عيينة، ورواه البخاري، عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان به نحوه(٣) . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن کعب القرظي، عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله وَ﴿ في غزوة تبوك فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت النبي وَل فأخبرته، قال: فحلف (١) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى. (دلائل النبوة ٥٢/٤، ٥٣) وذكره ابن هشام في السيرة ٢٩٠/٢ - ٢٩٢. وسنده مرسل لكنه ورد عن عدة رواة ويتقوى بالروايات الموصولة التالية. (٢) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥٣/٤) وسنده صحيح. (٣) مسند الإمام أحمد ٣٩٢/٣، وصحيح البخاري، التفسير باب ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨] (ح ٤٩٠٧) وصحيح مسلم، البر والصلة، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً (ح ٢٥٨٤). ٢٨٤ سُورَةُ المُنَافِقُونَ (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيباً حزيناً، قال: فأرسل إلي نبي الله وَ ل﴿ فقال: ((إن الله قد أنزل عذرٍك وصدقك)) قال: فنزلت هذه الآية ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُواْ﴾ حتى بلغ ﴿لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾(١) ورواه البخاري عند هذه الآية، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي ◌َّهُ(٢)، ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضاً من حديث شعبة به (٣). طریق أخری عن زيد: قال الإمام أحمد كَُّهُ: حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال ابن أبي بكير، عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله وَصَلـ ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله وَلات، فأرسل إلى رسول الله وَّر فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله وَسير وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله وَ ◌ّه ومقتك! قال حتى أنزل الله ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ قال: فبعث إلي رسول الله وَ ل﴿ فقرأها رسول الله وَّه ثم قال: ((إن الله قد صدقك))(٤). ثم قال أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله وس18 في سفر فأصاب الناس شدة فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله وَل﴿ حتى ينفضوا من حوله، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي وَلقر فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أُبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل الله تصديقي ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ قال: ودعاهم رسول الله وَّ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ [المنافقون: ٤] قال: كانوا رجالاً أجمل شيء(٥)، وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير ورواه البخاري أيضاً والترمذي من حديث إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، عن زيد به(٦). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٨/٤) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ... ﴾ [المنافقون: ٣] (ح ٤٩٠٢). (٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المنافقون (ح٣٣١٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة المنافقون (ح ١١٥٩٤). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٣/٤) وسنده صحيح. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٣/٤) وسنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ ... ﴾ [المنافقون: ٤] (ح ٤٩٠٣) وصحيح مسلم، صفات المنافقِين (ح٢٧٧٢)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿لَيْنِ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (ح١١٥٩٨). ٢٨٥ • سُورَةُ المنافقون (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 طریق أخری عن زيد: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله وَّة، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله؛ يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ◌َ﴿ عند الطعام، فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضُّوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف عمي، قال فسمعت عبد الله بن أبي يقول ما قال: فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله وَه فأرسل إليه رسول الله وَ له فحلف وجحد، قال فصدقه رسول الله وَله وكذبني، قال: فجاء إلي عمي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله وَل18 وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علي من الغمِّ ما لم يقع على أحد قط، قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله وَّر في سفر، وقد خفقت برأسي من الهمِّ، إذ أتاني رسول الله وَطّ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله ◌َ ﴿؟ قلت: ما قال شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله وجل اله سورة المنافقين(١). انفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم [عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن سعيد بن مسعود عن](٢) عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله سورة المنافقين ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] حتى بلغ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ حتى بلغ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ . وقد روى عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضاً هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلّغ رسول الله وَّل كلام عبد الله بن أبي بن سلول إنما هو أوس بن أرقم من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر أو تصحيف من جهة السمع والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم تَّتُهُ: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل، (١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المنافقون ح٣٣١٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٦٤٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٨٨/٢ - ٤٨٩) وأخرجه البيهقي عن الحاكم به (دلائل النبوة ٥٤/٤). (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. ٢٨٦ سُورَةُ المُنَّافِقُون (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري(١) أخبراه أن رسول الله وَ اليهود غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله وَّ ر فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله 8م خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله* تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي بن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب، فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل. قال مالك بن الدخشن وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فسمع بذلك عمر بن الخطاب فأقبل يمشي حتى أتى رسول الله وَالله فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أُبي، فقال رسول الله ( 18 العمر: ((أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟)) قال عمر: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله وَله: ((اجلس)) فأقبل أُسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله وَ له: ((أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟)) قال: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه، فقال رسول الله وتليفون: ((اجلس)) ثم قال رسول الله وَلجر: ((آذنوا بالرحيل)) فهجَّر بالناس فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل. فلما قدم رسول الله وَليه المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله وَل: ((أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟)) قال عمر: نعم، فقال رسول الله وَلجر: ((والله لو قتلته يومئذٍ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله امتثلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً)) وأنزل الله رَمَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية(٢). وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أُبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا (١) كذا في الأصول. قال الحافظ ابن حجر: صوابه عمر بن ثابت الأنصاري (التقريب ص٤١٩). (٢) سنده ضعيف لإرساله ولبعضه شواهد تقدم ذكرها . ٢٨٧ سُورَةُ المَنَّافِقُونَ (٩، ١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله وَّيقول: ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا))(١). وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستلَّ سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك! فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من لههنا حتى يأذن لك رسول الله ﴿ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﴿ وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله * فقال: أما إذا أذن لك رسول الله وَل﴿ فجز الآن(٢). وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن أبي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول: رسول الله﴿ الأعز وأنا الأذل، قال وجاء إلى النبي وَله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فوالذي بعثك بالحق، ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك فإني أكره أن أرى قاتل أبي(٣) . ﴾ ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَقْوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ وَأَنِفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرَبِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِينَ ﴾ وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاْ وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يقول تعالى آمراً لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهياً لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبراً لهم بأنه من الْتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿وَأَنِفِقُوْ مِن مَّا رَزَقَْكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرَنِىّ إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِينَ ﴾﴾ فكل مفرط يندم عند الاحتضار ويسأل طول المدة ولو شيئاً يسيراً ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كان ما كان وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَاً أَخِرْنَاً إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ تُجِبْ دَعْوَتَكَ وَشَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ (®﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿ لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآءِهِم بَزَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]. (١) ذكره ابن هشام وسنده مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية (السيرة النبوية ٢٩٢/٢). (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وهذه المراسيل تتقوى ببعضها وبما سبق. (٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ٥٢٠/٢ ح ١٢٤٠) وسنده مرسل، ويشهد له ما تقدم. ٢٨٨ • سُؤَدَّةُ المَنَافِقُونَ (٩، ١١) ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاْ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: لا ينظر أحداً بعد حلول أجله. وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقاً في قوله وسؤاله ممن لورد لعاد إلى شر مما كان عليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآناً ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَقَوَّلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ وَأَنْفِقُواْ مِن مَا رَزَقَْكُم مِّن قَبْلِ أَنَ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَاَ لَخَرَبِىِّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّذَفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِينَ ﴾﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلَهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعداً، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير(١). ثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حية وهو: أبو جناب الكلبي، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ◌ّ بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب، عن الضحاك، عن ابن عباس من قوله وهو أصح، (٢) وضعف أبا جناب الكلبي قلت: ورواية الضحاك، عن ابن عباس فيها انقطاع والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة الجهني، عن عمه يعني: أبا مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ظُه قال: ذكرنا عند رسول الله وَلايه الزيادة في العمر فقال: ((إن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فيلحقه دعاؤهم في قبره))(٣). آخر تفسير سورة المنافقين. ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، آمين. (١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المنافقون ح٣٣١٦) وسنده ضعيف لضعف أبي جناب الكلبي، والضحاك لم يلق ابن عباس (٢) الحديث تتمه لسابقه. (٣) سنده ضعيف جداً فيه سليمان بن عطاء وهو منكر الحديث كما في التقريب، ومتنه مخالف لما في الصحيح أن الزيادة في العمر غير ما ذكر في هذه الرواية. ٢٨٩ • سُورَةُ النَّخَابُ (١، ٤) سُورَةُ النَّخَابُ وهي مدنية [وقيل: مكية](١) قال الطبراني: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو ظراته قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن))(٢) أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح(٣) وهو غريب جداً بل منكر. بسم الله الرحمن الرحيم هُوَ 12 ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُِّ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا فُرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الضُّدُورِ (@). هذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ أي: هو المتصرف في جميع الكائنات المحمود على جميع ما يخلق ويقدره. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم یکن. وقوله: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُمْ فِينْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ﴾ أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة وأراد منكم ذلك فلا بدّ من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتمَّ الجزاء، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾. ثم قال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحِّ﴾ أي: بالعدل والحكمة، ﴿وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكْ﴾ أي: أحسن أشكالكم كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيِ ﴿ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّكَ فَعَدَلَكَ (١) زيادة من (ح). (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ح ٣٢٩٠) وسنده ضعيف جداً لأن الوليد بن الوليد يروي عن ابن ثوبان الغرائب والعجائب. (ينظر المجروحين لابن حبان ٨١/٣) وضعفه الحافظ ابن كثير. (٣) أخرجه ابن عساكر من طريق الطبراني به (تاريخ دمشق ١٧/ ل٨٣١) وسنده كسابقه. ٢٩٠ • سُوَرَّةُ التَّخَابُ (١٠،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فِىّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَكَّ رَكْبَكَ ﴾﴾ [الانفطار] وكقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّتِبَتِ﴾ الآية [غافر: ٦٤] وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب. ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُبِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت ] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُوْ وَبَلَ أَعْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ثَّأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِلِْتَتِ فَقَالُواْ أَبَرٌ بَدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَاسْتَغْنَى اَللَّهَّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ (@)﴾ يقول تعالى مخبراً عن الأمم الماضين وما حلَّ بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُرْ نَبَؤُّأْ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: خبرهم وما كان من أمرهم ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَعْرِهِمْ﴾ أي: وخيم تكذيبهم، ورديء أفعالهم، وهو ما حلَّ بهم في الدنيا من العقوبة، والخزي ﴿وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي ثم علَّل ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَنَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِلْبِنْتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل والبراهين ﴿فَقَالُواْ أَبْشَرٌ بَهَدُونَنَا﴾ أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّا﴾ أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل ﴿وَأُسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: عنهم ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ . فَامِنُواْ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَنْ يُعَنُوَأَ قُلْ بَى وَرَبِّ لَتُعَثُنَّ ثُمَّ لَُوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الَهِ يَسِيرٌ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنَزَّلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيٌ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَنِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّائِهِ، وَيُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا ذَلِكَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾. ٩ يقول تعالى مخبراً عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون ﴿قُلّ بَى وَرَبٍ لَُّعَثُنَّ ثُمَ لَيْنَوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ أي: لتُخبرنَّ بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها ﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: بعثكم ومجازاتكم. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله و * أن يقسم بربه رمق على وقوع المعاد ووجوده فالأولى في سورة يونس: OF هٌ وَيَسْتَنْيُونَكَ أَحَقُّ هُّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحٌَّّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ والثانية في سورة سبأ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِّ لَتَأْنَنَّكُمْ﴾ والآية الثالثة هي هذه ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَقِي لَُعَثُنَّ ثُمّ ◌َُوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الَهِ يَسِيرٌ (٣)﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَا﴾ يعني: القرآن ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَّعْ﴾ وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ (ج لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَّعْلُوم يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ٥)﴾ [الواقعة]. ٢٩١ • سُورَةُ الْتَّخَائِرُ (١١، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة(١)، وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد(٢). وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّائِهِ، وَيُدْيِظْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدَّأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَتِنَآَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ وقد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة. ، ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يقول تعالى مخبراً بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿مَّآ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ اْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَهَاً﴾ [الحديد: ٢٢] وهكذا قال لههنا: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: بأمر الله يعني: عن قدره ومشيئته(٣). ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيراً منه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه (٤). وقال الأعمش: عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهْ﴾ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم(٥). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما . وقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهٌ﴾ يعني: يسترجع يقول: ﴿إِنَا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. وفي الحديث المتفق عليه: ((عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)»(٦) . (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بمعناه. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق الأعمش به. (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥. ٢٩٢ سُؤَدَّةُ النَّخَابُ (١٨،١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أُمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلاً أتى رسول الله وَليه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيل الله)). قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله. قال: ((لا تتهم الله في شيء قضى لك به))(١). لم يخرجوه. وقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ﴾ أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم(٢). ثم قال تعالى مخبراً أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره فقال: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب؛ أي: وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه وتوكلوا عليه كما قال تعالى: ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَخِذْهُ وَّكِيلًا ﴾﴾ [المزمل]. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّحِكُمْ فَأَحْذَرُوهُمَّ وَإِن تَعْفُواْ وَنَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ إِنَّمَا أَقَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاَللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمُّ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ عَلِّمُ إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيةُ اَلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾. يقول تعالى مخبراً عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والولد بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُذْهِكُمْ أَمَوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ [المنافقون] ولهذا قال لههنا: ﴿فَأَحْذَرُوهُمْ﴾. قال ابن زيد: يعني على دينكم(٣). وقال مجاهد: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ﴾ قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية ﴿يَأَيُهَا (١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٣٩٠/٣٧ ح ٢٢٧١٧) قال محققوه: حديث محتمل للتحسين، وهذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة. (٢) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وقال الحافظ ابن حجر: هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في (النوادر))، ومن طريقه الخطيب، قال الحميدي: حدثنا سفيان قال: قال رجل للزهري: يا أبا بكر قول النبي ◌َّه: (ليس منا من شقَّ الجيوب)) ما معناه؟ فقال الزهري: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم. (فتح الباري ٥٠٤/١٣). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وفي آخره بلفظ: ((إلا أن يقطعه)). ٢٩٣ • سُوَرَّةُ النَّخََابُ (١٤، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله بَير، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله وَله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١) وكذا رواه الترمذي، عن محمد بن يحيى، عن الفريابي وهو محمد بن يوسف به. وقال حسن صحيح ورواه ابن جرير والطبراني من حديث إسرائيل به(٢)، وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه(٣) وهكذا قال عكرمة مولاه سواء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة؛ أي: اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ﴾ أي: يوم القيامة أجر عظيم كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ اُلِسَآِ وَأَلْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران] والتي بعدها . قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُريدة، سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله * يخطب فجاء الحسن والحسين ◌ًّا عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله 98 من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: ((صدق الله ورسوله، ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما))(٤) ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديثه(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا شُريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله وَّر في وفد كِندة فقال لي: ((هل لك ولد؟)) قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْد، ولوددت أن بمكانه سبع القوم. فقال: ((لا تقولن ذلك، فإن فيهم قرة عين وأجراً إذا قبضوا))، ثم قال: ((ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة(٦)، إنهم لمجبنة محزنة))(٧). تفرد به أحمد. (١) سنده حسن. (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة التغابن (ح٣٣١٤) والمعجم الكبير للطبراني ٢٧٥/١١ (ح ١١٧٢٠). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٤٢). (٣) سنده ضعيف ويتقوى بسابقه فقد تبع العوفي في الرواية السابقة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٣٧، ١٠٠ ح٢٢٩٩٥) وقال محققوه: إسناده قوي. (٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب الإمام يقطع الخطبة (ح١١٠٩) وسنن الترمذي، المناقب، باب مناقب الحسن والحسين (ح٣٧٧٦) وسنن النسائي، الجمعة، باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة ١٩٢/٣ وسنن ابن ماجه، اللباس، باب لبس الأحمر للرجال (ح ٣٦٠٠). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٠٠). (٦) قال البغوي: أراد أن الرجل إذا كثر ولده بخل بماله إبقاءً عليهم، وجبن عن الحروب استبقاءً لنفسه. (شرح السنة ٢٦/١٣). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦١/٣٦ ح٢١٨٤٠) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد = ٢٩٤ سُورَةُ النَّخَابُ (١٤، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَليون: ((الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة محزنة)). ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد (١). وقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله وَّه قال: ((ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزاً لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك))(٢). وقوله تعالى: ﴿فَنَُّواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: جهدكم وطاقتكم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه))(٣). وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك، عن زيد بن أسلم إن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران وهي قوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران](٤). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء هو ابن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفاً على المسلمين: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت الآية الأولى(٥). وروى عن أبي العالية وزيد بن أسلم وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك(٦). وقوله: ﴿وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾ أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم. وقوله: ﴿وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِّأَفُسِكُمْ﴾ أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء ضعيف، مجالد وهو ابن سعيد الهمداني ضعيف. اهـ. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أحسن. = (١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ٢٤٧/٢ ح ١٧٩٧) وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي. (مجمع الزوائد ١٥٨/٨). (٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٩٤/٣ ح٣٤٤٥) وسنده ضعيف لضعف رواية إسماعيل بن عياش عن أبيه كما في التقريب. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحشر آية ٧. (٤) سنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما يليه من المراسيل. (٥) سنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة واللاحقة. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة لكنه مرسل، وبقية الآثار عن أبي العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي تقدم ذكرها في تفسير سورة آل عمران آية ١٠٢. ٢٩٥ • سُورَةُ النَّخَابُ (١٤، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، يكن خيراً لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شراً لكم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر(١)، وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية بما أغنى عن إعادته لههنا ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه ونزل ذلك منزلة القرض له كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول: ((من يقرض غير ظلوم ولا عديم))(٢) ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَعِفْهُ لَكُمْ﴾ كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ويغفر لكم أي: ويكفر عنكم السيئات ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ شَكُرُ﴾ أي: يجزي على القليل بالكثير ﴿حَلِيمُ﴾ أي: يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ تقدم تفسيره غير مرة. آخر تفسير سورة التغابن، ولله الحمد والمنة. (١) في الآية رقم ٩. (٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ظه. (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر آخر الليل ح١٧١/٧٥٨). ٢٩٦ • سُورَةُ الطََّلَاقِ (١) 900000000000000000000000000000000000000 000 000 000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 07 00000 .00000 سُورَةُ الطََّلَاقِ وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿وَيُّهَا الْنَبُِّ إِذَا طَلَقْتُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِئَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾﴾ . خوطب النبي ◌َّ﴿ أولاً تشريفاً وتكريماً، ثم خاطب الأمة تبعاً فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: طلَّق رسول الله وَلتر حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة(١). ورواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة فذكره مرسلاً (٢). وقد ورد من غير وجه أن رسول الله وَليقول طلَّق حفصة ثم راجعها . وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلَّق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله وسل* فتغيَّظ رسول الله وَي منه ثم قال له: ((ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر بها الله رَ))(٣). هكذا رواه البخاري لههنا وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه: ((فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)» (٤). ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طريق متعددة وألفاظ كثيرة ومواضع استقصائها كتب الأحكام. (١) في سنده أسباط بن محمد ثقة لكن فيه ضعف يسير (تهذيب التهذيب ٢١١/١) وقد أخرجه من هو أوثق منه مرسلاً كما في رواية الطبري التالية، فقد أخرجه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة مرسلاً، وهو أرجح. (٢) أخرجه الطبري عن ابن بشار به، ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطلاق باب رقم ١ ح ٤٩٠٨). (٤) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﴿ها (الصحيح، الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ح ١٤٧١). ٢٩٧ • سُوَرَّةُ القَّفَلَاقِ (١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأمسُ لفظ يورد لههنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عَزَّة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضاً على عهد رسول الله وَّر، فقال رسول الله وَله: ((ليراجعها)). فردَّها. وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك. قال ابن عمر: وقرأ النبي ◌َّهِ ﴿يَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾(١). وقال الأعمش: عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع(٢). وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلك وهو رواية عن عكرمة والضحاك(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة (٤). وقال عكرمة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ العدة: الطهر، والقرء: الحيضة أن يطلقها حبلى مستبيناً حملها ولا يطلقها وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا . ومن لههنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرة من غير جماع أو حاملاً قد استبان حملها، والبدعي هو أن يطلقها في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع واللّه ◌ُعَلَ أعلم. وقوله: ﴿وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةً﴾ أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أي: في ذلك. وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها ولا يجوز لها أيضاً الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضاً. وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مَُِّةٍ﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة (١) أخرجه مسلم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به بلفظ: ((أو ليمسك)). (الصحيح، الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ح ١٤٧١/ ١٤). (٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق الثوري عن الأعمش به. (٣) قول ابن عمر تقدم مرفوعاً، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود (المصنف ٣/٥) وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً بسند حسن من طريق هشام عن ابن سيرين والحسن. (المصدر السابق ٢/٥)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. ٢٩٨ سُورَةُ الطلاق (١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مبينة فتخرج من المنزل والفاحشة المبينة تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أبو قلابة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والسدي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم(١). وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال كما قاله أُبي بن كعب وابن عباس(٢) وعكرمة وغيرهم. وقوله: ﴿وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه ومحارمه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ﴾ أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها فقد ظلم نفسه؛ أي: بفعل ذلك. وقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها فيكون ذلك أيسر وأسهل. قال الزهري: عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت: هي الرجعة(٣). وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري(٤). ومن لههنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة؛ أي: المقطوعة وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضاً على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات وكان غائباً عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك فأرسل إليها وكيله بشعير يعني نفقة فتسخطته فقال: والله ليس لكي علينا نفقة، فأتت رسول الله وَ ل﴿ فقال: ((ليس لك عليه نفقة))(٥). ولمسلم ولا ((سكنى))، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدِّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك)) الحديث(٦). وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه الحاكم من قول ابن عمر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٩١/٢)، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عن ابن زيد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند ضعيف من طريق صالح بن مسلم عن عامر الشعبي وصالح بن مسلم هو ابن رومان وهو ضعيف (التقريب ص٥٤٥) ويشهد له ما تقدم. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٧٤/٤) والطبري بسند حسن من طريق محمد بن إبراهيم عن ابن عباس. (٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري به (مصنف عبد الرزاق رقم ١٢٠٢٤). (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق ابن علية عن أيوب عن عكرمة، (المصنف ٢٦٢/٥) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب عن الحسن. (٥) أخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، باب المطلقة ثلاثاً ح ٤١/١٤٨٠). (٦) المصدر السابق (٤٢/١٤٨٠). ٢٩٩ سُورَةُ القَطَلَاقِ (٣،٢) حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد في سرية قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار. فقلت: إن النبي ◌َّ﴾، فبعثه رسول الله لي نفقة وسكنى حتى يحلّ الأجل. قال: لا. قالت: فأتيت رسول الله وَل﴿ فقلت: إن فلاناً طلقني وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة فقال له: ((ما لك ولابنة آل قيس)). قال: يا رسول الله إن أخي طلقها ثلاثاً جميعاً. قالت: فقال رسول الله وَله: ((انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى اخرجي فانزلي على فلانة))، ثم قال: ((إنه يتحدث إليها انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك))(١). وذكر تمام الحديث. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التُّستري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئاً ولا أوصانا به، فانطلقت إلى رسول الله * فقلت: يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي فسألت أولياءه السكنى والنفقة علي فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء. فقال رسول الله وَله: ((إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا كانت لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره فلا نفقة لها ولا سكنى))(٢). وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سعيد بن يزيد(٣) وهو الأحمسي البجلي الكوفي قال أبو حاتم الرازي: وهو شیخ یروی عنه. ] ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَ بِمَعْرُوفٍّ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُنْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهَا (١) وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِفٍ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا شَّـ يقول تعالى: إذا بلغت المعتدات أجلهن أي: شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك ولكن لم تفرغ العدة الكلية، فحينئذٍ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده بمعروف؛ أي: محسناً إليها في صحبتها، وإما أن يعزم (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٧٣/٦) وسنده ضعيف لضعف مجالد، ويتقوى بالشاهد الصحيح السابق في صحيح مسلم. (٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣٨٢/٢٤ ح ٩٤٨)، وأخرجه النسائي من طريق الفضل بن دكين عن سعيد بن يزيد به. (السنن، الطلاق، باب الرخصة في ذلك ١٤٤/٦ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح٣١٨٨). (٣) الجرح والتعديل ٤/ ٧٤. ٣٠٠ • سُورَةُ الصَّلَاِق (٣،٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 على مفارقتها بمعروف؛ أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف بل يطلقها على وجه جميل وسبیل حسن. وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُؤْ﴾ أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها كما رواه أبو داود وابن ماجه، عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد(١). وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُؤْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله ◌َ إلا أن يكون من عذر. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرع هذا ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة. ومن لههنا ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب الإشهاد في الرجعة كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها . وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبْ﴾ أي: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذرِّ قال: جعل رسول الله ﴿ يتلو عليَّ هذه الآية ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهَا وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ حتى فرغ من الآية ثم قال: ((يا أبا ذرِّ لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم)). قال: فجعل يتلوها ويرددها عليَّ حتى نعست، ثم قال: ((يا أبا ذرّ كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟)) قلت: إلى السعة والدعة أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة. قال: ((كيف تصنع إذا خرجت من مكة؟)). قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة قال: ((وكيف تصنع إذا خرجت من الشام؟)) قلت: إذاً والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال: ((أو خير من ذلك؟)) قلت: أو خير من ذلك؟ قال: ((تسمع وتطيع وإن كان عبداً حبشيا))(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا علي بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن [شُتير](٣) بن شَكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن (١) سنن أبي داود، الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يشهد (ح٢١٨٦) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب الرجعة (ح ٢٠٢٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٩١٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٦/٣٥ ح٢١٥٥١) وضعف سنده محققوه لأن أبا السليل لم يدرك أبا ذرً. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((شتل)).