Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ • سُوَرَّةُ الحَدَِّ (١٦، ١٧) عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود ... فذكره(١). وقال سفيان الثوري: عن المسعودي، عن القاسم قال: ملَّ أصحاب رسول اللهِ وَّهِ مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، [فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُشُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] قال: ثم ملُّوا مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله](٢) فنزلت ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملّوا مَلَّة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَم ◌َأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَِّ﴾(٣) . وقال قتادة: ﴿أَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذُكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((إن أول ما يرفع من الناس الخشوع))(٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُنُواْ كَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ أي: في الأعمال فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةٌ يُحْرِفُونَ الْكَلِمَ عَنْ قَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِّرُواْ بِدَّ﴾ [المائدة: ١٣] أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار، عن منصور بن المعتمر، عن الربيع بن عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثاً ما سمعت أعجب إليَّ منه إلا شيئاً من كتاب الله أو شيئاً قاله النبي وي لإر قال: ((إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ثم (١) مسند البزار ٢٧٥/٤ ح ١٤٤٣، وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٧٩/٢). (٢) زيادة من (حم) و(ح). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يوسف آية ٣ من طريق محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان عن المسعودي به. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي: صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. (التقريب ص٣٤٤). (٤) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، وأخرجه أبو الشيخ من طريق قتادة عن الحسن عن شداد (طبقات أصبهان ١٦٤/٣) وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من شداد. ١٨٢ سُورَةُ الحَدِ (١٨، ١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أدرجه، فجعله في قرن ثم علَّق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلاناً فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تبعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلاناً ذلك الفقيه قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا، قال: وما فيه؟ اعرضوه عليَّ؟ فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه مُتَعلِّقاً ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنين وسبعين ملة، وخير مللهم ملّة أصحاب ذي القرن)) قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أموراً تنكرونها لا تستطيعون لها غيراً، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره (١). وروى أبو جعفر الطبري، حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله. هلك من لم يعرف قلبه معروفاً ولم ينكر قلبه منكراً. إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه(٢)، فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه، وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم مِلَّة صاحب القرن(٣). وقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضلُّ لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعَّال، وهو الحكيم العدل في جميع الفِعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. 2- ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُوْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَيْكَ هُمُ الصِّدِّيقُونِّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَحِيمِ يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة (١) في سنده هشام بن عمار صدوق كبر فصار يتلقن. (التقريب ص٥٧٣) وشهاب بن خراش: صدوق يخطئ. (التقريب ص٢٦٩). (٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل وردت من غير نقط، والثندوتان للرجل كالثديين للمرأة. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وضعف أبي معشر وهو نجيح. ١٨٣ سُورَةُ الحَدِد (١٨، ١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاءً ممن أعطوه ولا شكوراً، ولهذا قال: ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب کریم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذا تمام لجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذه مفصولة ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِنْدَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمّ﴾(١). وقال أبو الضحى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(٢). وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم(٣). وقال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَّ وَالشُّهَآءُ عِندَ رَبِهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف(٤): يعني المصدقين والصديقين والشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن الصديق أعلى مقاماً من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس ◌َّهُ في كتابه الموطأ عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَّر قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)) قال: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: ((بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين))(٥). اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به(٦). وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير، عن مجاهد(٧)، ثم قال ابن جرير: حدثني صالح بن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((مؤمنو أمتي شهداء)) قال: ثم تلا النبي ◌َّ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٨). هذا حديث غريب. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد المتقدم ذكره قبل الرواية السابقة. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عن مسروق، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه. (٥) سنده صحيح. (٤) سنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (ح٣٢٥٦) وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف .. (ح ٢٨٣١). (٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((بالإيمان على أنفسهم بالله)). (٨) سنده ضعيف لضعف إسماعيل بن يحيى. (التقريب ص ١١٠). ١٨٤ • سُوَرَّةُ الحَدِ (٢٠، ٢١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُؤْرُهُمّ﴾ قال: يجيئون يوم القيامة معاً كالأصبعين. وقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَلَّهُ عِنْدَ رَبِهِمْ﴾ أي: في جنات النعيم كما جاء في الصحيحين: ((إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟! فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة، فقال: إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون))(١). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم عند الله أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال كما قال الإمام أحمد، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله و18 يقول: ((الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقتل فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا)) ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ﴿ أو قلنسوة عمر، ((والثاني: مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية، والثالث: رجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع: رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافاً كثيراً لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة))(٢). وهكذا رواه علي بن المديني، عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة، وقال هذا إسناد مصري صالح(٣)، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب(٤) . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَُّواْ بِشَايَِنَآَ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلَْحِيمِ﴾ لما ذكر السعداء ومآلهم عطف بذكر الأشقياء وبيَّن حالهم. ] ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَّوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَثُرٌ فِ الْأَنْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ بَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّاً وَفِي الأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَحُ الْغُرُورِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يقول تعالى موهناً أمر الحياة الدنيا ومحقراً لها: ﴿أَنََّا الْحَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلِّدِ﴾ أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الواقعة آية ٨٩. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٣/١ ح ١٥٠) وضعف سنده محققوه، لجهاله أبي يزيد الخولاني. (٣) أخرجه عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة به (الجهاد رقم ١٢٦). (٤) سنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في الشهداء عند الله (ح١٦٤٤). ١٨٥ سُوَرَّةُ الحَدِ (٢٠، ٢١) وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَالَّهُ عِندَهُ حُسْنُ اَلْمَشَابِ ﴾﴾ [آل عمران] ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْتٍ﴾ وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَائُهُ﴾ أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ﴿ثُمَّ ◌َهِيجُ فَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا﴾ أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفراً بعد ما كان خضراً نضراً، ثم يكون بعد ذلك كله حطاماً؛ أي: يصير يبساً متحطماً، هكذا الحياة الدنيا تكون أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزاً شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضاً طرياً لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى، قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ وَهُوَ اُلْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (@﴾ [الروم] ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِ الَّخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَنَعُ الْغُرُورِ﴾ أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْخَيَّوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة. قال ابن جرير: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَير: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا: ﴿وَمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾)) (١). وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ◌َله: (للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك))(٢). انفرد بإخراجه البخاري في الرقاق من حديث الثوري، عن الأعمش به(٣). ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فلهذا حثه الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات وتحصل له الثواب والدرجات فقال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه دون الزيادة في قوله: اقرؤوا ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ اٌلْغُرُورِ﴾ وهو حديث صحيح تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٨٥. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٢/١). وسنده صحيح. (٣) صحيح البخاري، الرقاق، باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله .. (ح ٦٤٨٨). ١٨٦ • سُوَرَّةُ الحَدِلَ (٢٢، ٢٤) عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران] وقال هُهنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنَّه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمناه في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال: ((أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين)) قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله وَله: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))(١). ] ﴿مَّ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَأَ إِنَّ لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِّ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ٢٤ يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: ﴿مَّ أَصَابَ مِنِ قُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَ فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: في الآفاق وفي أنفسكم ﴿إِلَّ فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن تَبْرَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: من قبل أن نبرأها عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً مع الحسن فقال رجل سلِهُ عن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِىِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَاً﴾ فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة(٢). وقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض قال: هي السنون يعني الجدب ﴿وَلاَ فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾ يقول: الأوجاع والأمراض(٣)، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر (٤). وهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق - قبحهم الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ (١) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح٨٤٣) وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح٥٩٥). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) الأثر تتمة لسابقه لكن هذه التتمة فيها ضعف لأن قتادة. رواه بلاغاً. ١٨٧ • سُوَرَّةُ الحَدِلَّ (٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة))(١). ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد، ثلاثتهم عن أبي هانئ به، وزاد ابن وهب: ((وكان عرشه على الماء))(٢). ورواه الترمذي وقال حسن صحيح(٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله رَك؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، ولو كان کیف کان يكون. وقوله تعالى: ﴿لَّكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَنكُمْ﴾ أي: جاءكم، وتفسير آتاكم؛ أي: أعطاكم وكلاهما متلازم؛ أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبَطراً تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال في نفسه متكبر فخور؛ أي: على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً (٤). ثم قال تعالى: ﴿ الَِّينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبُغْلِّ﴾ أي: يفعلون المنكر ويحضُّون الناس عليه ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: عن أمر الله وطاعته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحِيدُ﴾ كما قال موسى ﴿إِن تَكْفُُّواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَّيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ . ٢٥ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ﴾ وهو النقل الصدق ﴿وَاَلْمِيزَانَ﴾ وهو العدل، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (٥)، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَّةَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾﴾ [الرحمن] (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٩/٢). وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم وموسى بالشّا (ح ٢٦٥٣). (٣) أخرجه الترمذي من طريق حيوة به (السنن، القدر، باب رقم ١٨ ح٢١٥٦) .. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن سماك البكري عن عكرمة عن ابن عباس (المصنف ١٣/ ٣٧٣) وأخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٧٩/٢). (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ١٨٨ • سُوَرَّةُ الحَدِ (٢٧،٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِلْقِسْطِ﴾ أي: بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَّ أَنْ هَدَنَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِأَلَّيِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعائده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله وَلقه بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي المنيب الجرشي الشامي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله : (بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم))(١). ولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ﴾ يعني: السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والإزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك. قال علباء بن أحمد: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندان والكلبتان والميقعة يعني: المطرقة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ يَصُرُؤُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ أي: من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض . ﴿وَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْزَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ فَمِنْهُمْ مُهْتَذٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ (٣) ثُمَّ قَفَتِّنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَنَهُ الْإِنِعِلِّ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ الَّذِينَ أَتَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةُ وَرَهَاِيَّةً آبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَانِتِهَاُ فَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُوٌّ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليّا لم يرسل بعده رسولاً ولا نبياً إلا من ذريته وكذلك إبراهيم علّ* خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة سورة البقرة آية ١٠٤. (٢) أخرجه الطبري من طريق علباء بن أحمر به، وسنده ضعيف لأن فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف. ١٨٩ • سُورَةُ الحَدِ (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا فِىِ ذُرِيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ﴾ حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّتِنَا عَلَى ءَاتَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَّيْنَهُ الإِنِيلٌ﴾ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ أَّعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأَفَةٌ﴾ أي: رقة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق. وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَةُ ابْتَدَعُوهَا﴾ أي: ابتدعها أمة النصارى ﴿مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: (أحدهما): أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة(١). (والآخر): ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: فما قاموا بما التزموا حق القيام، وهذا ذمُّ لهم من وجهين : (أحدهما): في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. (والثاني): في عدم قيامهم بما التزموا مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله رقيّك . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السري بن عبد ربه، حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله وَّه: ((يا ابن مسعود)) قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ظلّل، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيرات فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ آبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾))(٢). وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم)) وذكر نحو ما تقدم وفيه ((﴿فَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمِّ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ وهم الذين كذبوني (١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٢) في سنده بكير بن معروف وهو: صدوق فيه لين. (التقريب ص١٢٨) ويتقوى بالروايات التالية على رأي الحافظ ابن كثير كما يلي. ١٩٠ سُورَةُ الحَدِلَ (٢٧،٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وخالفوني)) (١). ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن قد أسنده أبو يعلى عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حزن به مثل ذلك(٢)، فقوي الحديث من هذا الوجه. وقال ابن جرير وأبو عبد الرحمن النسائي واللفظ له: أخبرنا الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظًا قال: كان ملوك بعد عيسى ظلّ بدلت التوراة والإنجيل فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتموناه هؤلاء إنهم يقرأون: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] هذه الآيات مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نردّ عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنو لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نردّ عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَةً أَبْتَدَهُوُهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ . والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث الله النبي وَّ ولم يبق إلا القليل انحطّ منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله وَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ولو وتصديقهم به قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] القرآن واتباعهم النبي ◌َّ قال: ﴿لَّثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾(٣). هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين على غير هذا، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف داود بن المحبر، وضعف عقيل الجعدي، ولكن داود بن المحبر توبع كما سيأتي ويبقى ضعف عقيل، فقد أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن المبارك عن الصعق بن حزن عن عقيل به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عقيل الجعدي منكر الحديث. (المستدرك ٤٨٠/٢). (٢) وفي سنده أيضاً شيخ الصعق وهو عقيل. (٣) أخرجه النسائي والطبري بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة الحديد، ح١١٥٠٣). وفي سنديهما عطاء بن السائب وهو صدوق اختلط. (التقريب ص٣٩١). ١٩١ سُورَةُ الحَائِل (٢٩،٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة المسافر أو قريباً منها، فلمّا سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة وإنها صلاة رسول الله و لو ما أخطأت إلا شيئاً سهوت عنه، إن رسول الله وسلم كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)) ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر، قال: نعم. فركبوا جميعاً فإذا هم بديار قُفر قد بادَ أهلها وانقرضوا وفنوا خاوية على عروشها، فقالوا: أتعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها هؤلاء أهل الديار أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف تزني، والقدم والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله، أخبرنا سفيان، عن زيد العمِّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك أن النبي ◌ّ ﴿ قال: ((لكل نبي رهبانية ورهبانية هذه الأُمة الجهاد في سبيل الله (َ))(٢). ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه: ((لكل أُمة رهبانية ورهبانية هذه الأُمة الجهاد في سبيل الله)(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين - هو ابن محمد - حدثنا ابن عياش يعني: إسماعيل، عن الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مُدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري ظُبه أن رجلاً جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله وَّله من قبلك، أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض(٤). تفرد به أحمد، والله أعلم. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٨ ◌ِثَلَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَهُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ لََّ قد تقدم في رواية النسائي، عن ابن عباس أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب وأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الآية التي في القصص(٥)، وكما في حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣٦٥/٦ ح٣٦٩٤) وحسنه محققه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب به. (السنن، الأدب، باب في الحسد ح٤٩٠٤) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٣٤٦٨). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٧/٢١ ح ١٣٨٠٧) وضعف سنده محققوه لضعف زيد العمي. (٣) أخرجه أبو يعلى من طريق زيد العمي أيضاً (المسند ٧/ ٢١٠ ح ٤٢٠٤)، فسنده ضعيف، وضعفه محققه. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٩٨/١٨ ح١١٧٧٤) وضعف سنده محققوه لأن عقيل بن مدرك لم يدرك أبا سعيد. (٥) آية ٥٤. ١٩٢ سُورَةُ الحَدِ (٢٨، ٢٩) من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران)) أخرجاه في الصحيحين(١)، ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما(٢) وهو اختيار ابن جرير. وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفِلَيْنِ﴾ أي: ضعفين ﴿مِن رَّحْمَّهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة. رواه ابن جرير عنه(٣). وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِخَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (٣)﴾ [الأنفال] وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حبراً من أحبار اليهود كم أفضل ما ضُعّفت لكم حسنة؟ قال كفل ثلاثمائة وخمسين حسنة، قال فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله مك: ﴿يُؤْتِّكُمْ كِفِلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ قال سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك(٤)، رواه ابن جرير. ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله قال: ((مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضب النصارى واليهود وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاءً قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء))(٥) . قال أحمد: وحدثناه مؤمل، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر نحو حديث نافع عنه(٦) انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن نافع به، وعن قتيبة، عن الليث، عن نافع بمثله(٧). وقال البخاري: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن أبُريدٍ](٨)، عن أبي بردة، عن (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٢. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك. (٣) أخرجه الطبري مطولاً بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سعيد بن عبد العزيز لم يدرك عمر ظله، وهو من الطبقة السابعة وقد اختلط (التقريب ص٢٣٨). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/٢) وسنده صحيح. (٦) (المسند ١١١/٢). (٧) صحيح البخاري، الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار (ح٢٢٦٨). (٨) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحف إلى: (يزيد)). ١٩٣ • سُورَّةُ الحَدِ (٢٨، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبي موسى، عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استعمل قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا. فاستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا له بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور))(١). انفرد به البخاري ولهذا قال تعالى: ﴿لَّثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِنَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على ردِّ ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله ﴿وَأَنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ الَّهِ يُؤْنِيِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . قال ابن جرير: ﴿لَثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ أي: ليعلم، وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها (لكي يعلم)(٢) وكذا خطاب بن عبد الله، وسعيد بن جبير(٣). قال ابن جرير: لأن العرب تجعل ((لا)) صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح فالسابق كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَّمَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بالله ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ [الأنبياء]. آخر تفسير سورة الحدید. (١٩٥ ﴾ (٤) أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل ح٢٢٧١). (٢) ذكره الطبري بنحوه، وهي قراءة شاذة تفسيرية. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي هارون الغنوي عن خطاب بن عبد الله، وأخرجه أيضاً بسند صحيح من طريق أبي المعلى عن سعيد بن جبير. (٤) ذكره الطبري بنحوه. ١٩٤ • سُوَرَّةُ المُجَادِلَةِ (١) 47 00000 Poo 0.00000 سُورَةُ المُجَادْلَةِ وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَِّى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِیُ (ج))﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ◌َّر تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله وَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية (١)، وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقاً فقال: وقال الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة فذكره(٢). وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من غير وجه عن الأعمش به(٣). وفي رواية لابن أبي حاتم، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى على بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وَ طير، وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا﴾ قالت: وزوجها أوس بن الصامت. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة هو أوس بن الصامت: وكان أوس امرءاً به لمم، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئاً فأتت رسول الله واليهود تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وهكذا روى هشام بن عروة، عن أبيه أن رجلاً كان به لمم فذكر مثله (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا جرير يعني ابن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/٦) وسنده صحيح. (٢) أخرجه البخاري تعليقاً ووصله الحافظ ابن حجر برواية الإمام أحمد السابقة، وأخرجه الحافظ ابن حجر بسنده من طريق الأعمش به. (تغليق التعليق ٣٣٨/٥، ٣٣٩). (٣) سنن النسائي، الطلاق، باب الظهار (ح١٦٨/٨) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح١٨٨) وتفسير الطبري من عدة طرق. (٤) أخرجه الطبري من طريق أبان العطار عن هشام بن عروة به، ويشهد له سابقه. ١٩٥ • سُورَةُ المُجَادِلَةِ (٤،٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حازم قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها (١). هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب وقد روي من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا، عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأُمها: معاذة (٢) التي أنزل الله فيها ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣] (٣) صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت. ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْكُمْ مِن نِسَآِهِم ◌َا هُنَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُ غَفُورٌ ﴾ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ بِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِمُ (@) قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيَّ واللهِ وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت: كلًّا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله ﴿ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله وَل8* يقول: (يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه)). قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن، فتغشى رسول الله وَ﴿ ما كان يتغشاه ثم سُريَّ عنه فقال لي: ((يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنًا))، ثم قرأ عليَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّتِىِ تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾﴾ [المجادلة] إلى قول (١) سنده ضعيف لأن أبا يزيد لم يسمع من عمر . (٢) قال الحافظ ابن حجر: وتسمية أمها غريب. (فتح الباري ١٣/ ٣٧٤). (٣) سنده مرسل. ١٩٦ سُوَّةُ المَجَادلة (٤،٢) تعالى: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قالت: فقال لي رسول الله وَّر: ((مريه فليعتق رقبة)) قالت: فقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: ((فليصم شهرين متتابعين)) قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام قال: ((فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر)) قالت: فقلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله وَلّ: ((فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر)) قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر قال: ((قد أصبتِ وأحسنتِ فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً)) قالت: ففعلت(١). ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار به(٢)، وعنده خولة بنت ثعلبة ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تُصغَّر فيقال: خويلة، ولا منافاة بين هذه الأقوال فالأمر فيها قريب والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كانت سبب النزول ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب في ليلتي شيئاً فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي وَلـ فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا، أو يقول فينا رسول الله وَ له مقالة علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت حتى أتيت النبي وَلّ فأخبرته خبري فقال لي: ((أنت بذاك)) فقلت: أنا بذاك فقال: ((أنت بذاك)) فقلت: أنا بذاك قال: ((أنت بذاك)) قلت: نعم، ها أنا ذا فأمض في حكم الله رَبك فإني صابر له قال: ((أعتق رقبة)) قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: ((فصم شهرين متتابعين)) قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: ((فتصدق)) فقلت: والذي بعثكَ بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشَى ما لنا عشاء، قال: ((اذهب إلى صاحب صدقة بني رزيق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقاً من تمر ستين مسكيناً ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك)) قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ولد السعة والبركة قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليَّ فدفعوها إليَّ(٣)، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه واختصره الترمذي وحسنه، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢/٤٥ ح ٢٧٣١٩) وضعف سنده محققوه لجهالة معمر بن عبد الله بن حنظلة فلم يرو عنه سوى محمد بن إسحاق. (٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح٢٢١٤)، وسنده كسابقه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٣٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٧/٢٦ - ٣٤٩ ح ١٦٤٢١) وصححه محققوه بطرقه وشواهده. ١٩٧ • سُورَةُ المَجَازِلَةِ (٢، ٤) 8000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دلَّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل. قال خُصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خشيت أن يكون ذلك طلاقاً، فأتت رسول الله وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أوساً ظاهر مني، وإنّا إن افترقنا هلكنا وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ذلك وتبكي ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فدعاه رسول الله وَّه فقال: ((أتقدر على رقبة تعتقها))(١) قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله وَلخير حتى أعتق عنه ثم راجع أهله(٢). رواه ابن جرير ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآءِهِم﴾ أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنت عليَّ كظهر أُمي ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياساً على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقاً فأرخص الله لهذه الأُمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكان تحته ابنة عمّ له يقال لها: خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها فأسقط في يديه، وقال ما أراك إلا قد حرمت علي وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ( * فأتت رسول الله و لر فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فقال: ((يا خويلة)) ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على رسوله فقال: ((يا خويلة أبشري)) قالت: خيراً، فقرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآَبِهِمْ ثُمَّ يَعُدُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَسَا﴾ قالت: وأي رقبة لنا والله ما يجد رقبة غيري قال: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره قال: ﴿فَمَنْ لَّ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾ قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلي مثلها، قال: فدعا بشطر وشق ثلاثين صاعاً والوسق ستون صاعاً فقال: ليطعم ستين مسكيناً وليراجعك(٣). وهذا إسناد قوي وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا. (١) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح٢٢١٣) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب في الظهار (ح ٢٠٦٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٩٣٣)، وسنن الترمذي، التفسير باب ومن سورة المجادلة (ح ٣٢٩٥). (٢) أخرجه الطبري من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن الأُموي عن خصيف به، وفي سنده عبد العزيز الأموي وهو متهم (ينظر الجرح والتعديل ٣٨٨/٥) لكنه يتقوى بما سبق من الشواهد. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي حمزة وهو ثابت بن أبي صفية وهو رافضي أيضاً. (التقريب ص١٣٢). وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح١٥١٣) وقال البزار: وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف في روايته ومتن حديثه الثقات في أمر الظهار. ١٩٨ • سُورَةُ المُجَادْلَةِ (٤،٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن [الهروي](١)، حدثنا علي بن العاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيراً سيء الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد رجل أن يطلق امرأته قال: أنت عليَّ كظهر أُمي، وكان لها منه عَيّل أو عَيِّلان فنازعته يوماً في شيء فقال: أنت علي كظهر أمي، فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ◌ِّر وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شقَّ رأسه فقدمت عليه ومعها عَيَّلها، فقالت: يا رسول الله إن زوجي ضرير البصر فقير لا شيء له سيء الخلق، وإني نازعته في شيء، فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، ولي منه عَيّل أو عَيّلان فقال: ((ما أعلمك إلا قد حرمت عليه)). فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي، قالت: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها فقالت: يا رسول الله زوجي ضرير البصر فقير سيء الخلق وإن لي منه عيل أو عيلان وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت عليَّ كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، قالت: فرفع إلي رأسه وقال: ((ما أعلمك إلا قد حرمت عليه)) فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي قال: ورأت عائشة وجه النبي وَلهل تغير، فقالت لها: وراءك فتنحت، فمكث رسول الله وَله في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: يا عائشة أين المرأة فدعتها، فقال لها رسول الله : ((اذهبي فأتني بزوجك)) فانطلقت تسعى، فجاءت به فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيء الخلق. فقال النبي ◌َّ﴾: ((أستعيذ بالله السميع العليم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَِّىِ تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ قال النبي : ((أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها)) قال: لا، قال: ((أفلا تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد يعشو بصري. قال: ((أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟)) قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله صل فقال: ((أطعم ستين مسكيناً)) قال: وحول الله الطلاق فجعله ظهاراً (٢)، ورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود سمعت أبا العالية فذكر نحوه بأخصر من هذا السياق(٣)، وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر وجعل في الظهار الكفارة، رواه ابن أبي حاتم بنحوه، وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله منكم فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: ﴿مِن﴾ على أن الأمة لا ظهار منها ولا تدخل في هذا الخطاب. وقوله تعالى: ﴿َّا هُنَ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ أي: لا تصير المرأة بقول الرجل أنتِ عليَّ كأمي أو مثل أمي أو كظهر أُمي وما أشبه ذلك، لا تصير أُمه بذلك إنما أُمه التي (١) زيادة من (ح) و(حم). (٣) أخرجه الطبري عن ابن المثنى به، وحكمه كسابقه. (٢) سنده مرسل ويشهد له ما سبق من الصحيح. ١٩٩ • سُوَرَّةُ المَجَازِلَةِ (٢، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولدته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي: كلاماً فاحشاً باطلاً ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُ غَفُورُ﴾ أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضاً عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود أن رسول الله وَ ل# سمع رجلاً يقول لامرأته يا أختي، فقال: ((أختك هي؟)) فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآَبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل وهو اختيار ابن حزم وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر، عن [بكير](١) بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد المظاهرة زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق. وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة . وقد حُكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإمساك، وعنه أنه الجماع. وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريماً لا يرفعه إلا الكفارة، وإليه ذهب أصحابه والليث بن سعد . وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم(٢). وقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج، وكان لا يرى بأساً أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يُكفِّر(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَشَأْ﴾ والمس: النكاح(٤)، وكذا قال عطاء والزهري وقتادة ومقاتل بن حيان. وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يُكفِّر. وقد روى أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: ((ما حملك على ذلك يرحمك الله)) قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: ((فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله رقم(٥)))، وقال (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((بكر)). (٢) سنده حسن لأن ابن لهيعة يرويه من نسخة عطاء بن دينار لتفسير سعيد بن جبير. (٣) أخرجه الطبري من طريق أشعث عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق من طريق هشام عن الحسن بنحوه، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به مطولاً . (٥) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الظهار (ح٢٢٢٣)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب في المظاهر = ٢٠٠ • سُوَرَّةُ الْجَازِلَةِ (٢، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلاً، قال النسائي: وهو أولى بالصواب. وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي تَّتُهُ ما أطلق لههنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله وسلم قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) وقد رواه أحمد في مسنده في صحيحه(١). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن يسار، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: قال: أتى رسول الله وَله رجل فقال إني ظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر، فقال رسول الله وَتليفون: ((ألم يقل الله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا﴾)) قال: أعجبتني، قال: ((أمسك حتى تكفر))(٢). ثم قال البزار: لا يروى عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُنْ تُوعَظُونَ بٌِ﴾ أي: تزجرون به ﴿وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: خبير بما يصلحكم عليم بأحوالكم. وقوله تعالى: ﴿فَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَا فَمَن لَّْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾ قد تقدمت الأحاديث الآمرة بهذا على الترتيب كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان(٣). ﴿ذَلِكَ لِيُؤْمِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: شرعنا هذا لهذا. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهُ﴾ أي: محارمه فلا تنتهكوها . وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء كلا ليس الأمر كما زعموا بل لهم عذاب أليم؛ أي: في الدنيا والآخرة. = (ح١١٩٩) وسنن النسائي، الطلاق، باب الظهار ١٦٧/٦، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب المجامع يظاهر قبل أن يكفِّر (ح٢٠٦٥)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ٤٣٣) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٩٤٣). (١) الموطأ، العتق والولاء، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة (٥٩٥/٢ ح٨) والمسند ٤٤٧/٥، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (ح ٥٣٧). (٢) أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن مسلم به، وقال الحاكم: لم يحتج الشيخان بإسماعيل. وقال الذهبي: إسماعيل: واهٍ. (المستدرك ٢٠٤/٢). (٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة مظ لته (صحيح البخاري، الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء وتصدق عليه فليكفُّر ح١٩٣٦) وصحيح مسلم، الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم (ح١١١١).