Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سُورَةُ الْقَبْر (٥،١) 00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00000 سُورَةُ القَّمْ وهي مكية قد تقدم في حديث أبي واقد أن رسول الله وسلم كان يقرأ بقاف، واقتربت الساعة(١) في الأضحى والفطر (٢)، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة. بسم الله الرحمن الرحيم وَكَذَّبُواْ (١ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَعِرٌ () - ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ ( حِكْمَةٌ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرُّ بَلِغَّةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] وقد وردت الأحاديث بذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله و ﴿ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبقَ منها إلا شِفِّ (٣) يسير فقال: ((والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيراً) (٤). قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ . حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوساً عند النبي وَّر والشمس على قعيقعان(٥) بعد العصر فقال: ((ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى)) (٦). (١) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة ق. (٢) أي: عيد الأضحى وعيد الفطر. (٣) الشف هو: بقية النهار. (٤) أعلّه الحافظ ابن كثير بخلف بن موسى، ويتقوى بالشواهد الآتية. (٥) وهو أحد جبال مكة. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٧/١٢ ح ٥٩٦٦) وقال محققوه: صحيح لغيره. اهـ. وحسنه = ٨٢ ـُوْرَةِ القر (٥،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله وَال﴿ل يقول: ((بُعثت أنا والساعة هكذا)) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى(١). وأخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا [محمد بن عبيد] (٣)، أخبرنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السوائي قال: قال رسول الله وَ له: ((بُعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها)) وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى(٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله صل* يذكر به الساعة؟ فقال سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((أنتم والساعة كهاتين))(٥) تفرد به أحمد تَذَتُهُ، وشاهد ذلك أيضاً في الصحيح في أسماء رسول الله وَير أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان، قال بهز، وقال قبل هذه المرة: خطبنا رسول الله ﴿، قال: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً ما يدرك لها قعراً، والله لتملؤنه أفعجبتم؟ والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام))(٧). وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم (٨). وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب، حدثني ابن عُليَّة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ اُلْقَمَرُ ﴾﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غداً؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو = الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٥٠/١١). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٨/٥) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب اللعان وقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَُّونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنَ لَّْ شُهَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُ ... ﴾ [النور: ٦] (ح٥٣٠١) وصحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة (ح ٢٩٥٠). (٣) كذا في المسند، وفي الأصل صُحف إلى: ((محمد بن عبد)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٠/٣١ ح ١٨٧٧٠) وقال محققوه: صحيح لغيره. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١/ ٥٠ ح ١٣٣٣٧) وصحح سنده محققوه. (٦) صحيح البخاري، المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله وَّو (ح ٣٥٣٢). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٤٤) وسنده صحيح. (٨) أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة به. (الصحيح، الزهد ح ٢٦٩٧). ٨٣ • سُورَةُ القَمْ (٥،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله رجب يقول: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ ﴾﴾ ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغداً السابق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة(١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول اللهِ وَّ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: ((خمس قد مضين الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر)) (٢)، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ◌َّر، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك: رواية أنس بن مالك: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي وَ لا آية، فانشق القمر بمكة مرتين فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَشَقَّ الْقَمَرُ ﴾﴾(٣). ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق(٤). وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله وَ﴿ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما(٥). وأخرجاه أيضاً من حديث يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان، عن قتادة (٦)، ورواه مسلم أيضاً من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة، عن قتادة به (٧) . څله: رواية جبير بن مطعم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ولو فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا (٨) محمد. فقالوا: إن كان سحرنا(٩) فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم(١٠). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وأسنده البيهقي في (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن لأن ابن عُليَّة وهو إسماعيل سمع عطاء بن السائب قبل الاختلاط. (٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] (ح ٤٧٦٧). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٥/٣) وسنده صحيح. (٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر بعد (ح ٢٨٠٢). (٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر ح٣٨٦٨). (٦) صحيح البخاري، المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي وَّ ر آية (ح٣٦٣٧) وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر (ح٤٦/٢٨٠٢). (٧) المصدر السابق (ح ٤٧/٢٨٠٢). (٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((سحره)). (٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((سحره)). (١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٤/٢٧، ٣١٥ ح ١٦٧٥٠) وقال محققوه: إسناده ضعيف، = ٨٤ • سُوَّرَةُ الْقَبْ (٥،١) الدلائل من طريق محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن(١). وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به(٢)، ورواه البيهقي أيضاً من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما عن حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره(٣). رواية عبد الله بن عباس قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي وَ ﴾(٤). ورواه البخاري أيضاً ومسلم من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك به مثله(٥). وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي عبيد، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَقَْبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِفُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرُّ ﴾﴾ قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه (٦)، وروى العوفي، عن ابن عباس نحو هذا(٧). وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ◌َي﴿ فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿تُسْتَعِرٌ﴾ (٨). رواية عبد الله بن عمر: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله وَطهور، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل حصين بن عبد الرحمن وهو السلمي لم يسمع هذا الحديث من محمد بن جبير بن مطعم، بينهما جبير بن محمد بن جبير ... وهو مجهول. (١) دلائل النبوة (٢٦٨/٢) وسنده ضعيف كسابقه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه. (٣) أخرجه البيهقي من طريق حصين عن جبير بن محمد بن جبير به، وسنده ضعيف لجهالة جبير بن محمد كما تقدم قبل روایتین. (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ﴾ [القمر] ح ٤٨٦٦). (٥) صحيح البخاري، المناقب، باب انشقاق القمر (ح ٣٨٧٠) وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر (ح ٤٨/٢٨٠٣). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ثابت. (٧) أخرجه الطبري بسنده ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق. (٨) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٥٠/١١ ح ١١٦٤٢) ويشهد له قول ابن مسعود التالي عند البيهقي والطبري بعد أربع روايات. ٨٥ سُورَةُ الْقَبْ (١، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي وَله: ((اللَّهَمَّ اشهد)) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد به، قال مسلم كرواية مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح(١). رواية عبد الله بن مسعود: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله وَّلو شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله وَله : (اشهدوا))(٢). وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به(٣)، وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود به(٤). وقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله وَلّر بمنى، فانشق القمر فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله وَلير: ((اشهدوا اشهدوا))(٥) . قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق، عن عبد الله: بمكة (٦). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله وَّر، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا انظروا ما يأتيك به السفار(٧)، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك(٨) . وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة فقالوا: رأيناه(٩)، ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به، وزاد فأنزل الله رأيك: (١) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢٦٧/٢) وهو حديث صحيح فقد أخرجه مسلم من طريق شعبة به (الصحيح، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر ح ٤٥/٢٨٠٠)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة القمر (ح٤ ٣٢٨). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٧/١) وسنده صحيح. (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْ ءَايَةٌ يُعْرِفُواْ﴾ [القمر] (ح٤٨٦٥) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٤٣/٢٨٠٠). (٤) المصدر السابق صحيح البخاري (ح ٤٨٦٤) وصحيح مسلم (ح ٢٨٠٠/ ٤٤). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عبد الله بن مسعود، ويشهد لآخره سابقه. وأخرجه البخاري من طريق أبي معمر عن ابن مسعود (الصحيح، المناقب، باب انشقاق القمر ح٣٨٦٩). (٧) أي: المسافرين. (٦) المصدر السابق. (٨) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند رقم ٢٩٥) وسنده صحيح. (٩) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢٦٦/٢) وسنده صحيح. . ٨٦ • سُورَةُ الْقَرة (١، ٥) أَقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُليَّة، أخبرنا أيوب، عن محمد هو: ابن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود أنه كان يقول: لقد انشق القمر(٢). وقال ابن جرير أيضاً: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، ورواه الإمام أحمد عن مؤمل، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله وَ﴿ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر(٣). وقال ليث، عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﴿ فصار فرقتين، فقال النبي وَ ل لأبي بكر: ((اشهد يا أبا بكر)) فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق(٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ﴾ أي: دليلاً وحجة وبرهاناً ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: لا ينقادوا له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ويقولون هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما(٥): أي: باطل مضمحل لا دوام له ﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءُهُمَّ﴾ أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم. وقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرُّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر(٦). وقال ابن جريج: مستقر بأهله(٧). وقال مجاهد: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرُّ﴾ أي: يوم القيامة(٨). وقال السدي: مستقر؛ أي: واقع، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَّمَهُم مِّنَ الْأَثْبَِّ﴾ أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ﴾ أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب. وقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ﴾ أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه فمن الذي يهديه (١) أخرجه الطبري والطيالسي (المسند رقم ٢٩٣) من طريق المغيرة به، وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الفاكهي من طريق ابن عُليه به، وسنده منقطع بين ابن سيرين وابن مسعود، ويتقوى بما سبق من الروايات الكثيرة. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤١٣/١) وسنده حسن. وصححه محققو المسند (٣٩/٧ ح٣٩٢٤)، ولعل تصحيحهم بالمتابعات، فكان الأولى أن يقال: صحيح لغيره. (٤) في سنده ليث وهو ابن أبي سليم وفيه مقال، ومجاهد لم يسمع من أبي بكر، فسنده ضعيف. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر. (٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. ٨٧ سِوَرَةِ الْقَ (٦، ١٧) 0000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000 (٢٤٩) من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فِلِلَِّ اٌلْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام] وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ الْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. نَّهُمْ خُشَعَا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ ﴿ فَتَوَّلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ ( جَرَادُ مُنْتَشِرٌ ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الذَّاعِ يَقُولُ آلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَيْرٌ (ج)﴾. يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ثُكُرٍ﴾ أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء بل والزلازل والأهوال، ﴿خُشَعًا أَبْصَرُهُمْ﴾ أي: ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ وهي القبور ﴿ كَهُمْ جَدٌ مُنَّشِرٌ﴾ أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق، ولهذا قال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعَ﴾ لا يخالفون ولا يتأخرون ﴿يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عِيرٌ﴾ أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَ عَسِيرُ ( عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر]. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحِ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ﴿٦ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ وَفَجِّرْنَا اُلْأَرْضَ عُونًا فَالْنَّقَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿﴿ وَحَمَلْنَهُ عَلَى مُنھیرِ فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَءٍ ذَاتِ أَلْوَجِ وَدُسُرِ ﴿٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَرَكْنَهَآ ءَايَّةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴿﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّذَّكِرٍ ﴾﴾. يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ أي: صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ﴾ . قال مجاهد: ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ أي: استطير جنوناً (١)، وقيل: وازدجر؛ أي: انتهروه وزجروه وتواعدوه ﴿لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ يَلَنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] قاله ابن زيد(٢)، وهذا متوجه حسن . ﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ ﴾﴾ أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدینك(٣). قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَآءِ تُّنْهَمِرٍ ﴾ قال السدي: وهو الكثير. ﴿وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أي: نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيوناً ﴿فَلْنَقَى الْمَآءُ﴾ أي: من السماء والأرض ﴿عَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: أمر مقدر. قال ابن جريج، عن ابن عباس ﴿فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَِّ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾﴾ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٣) معناه صحيح. ٨٨ سُؤَدَّةُ القَّة (٩، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فالتقى الماءان على أمر قد قدر (١)، وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل علياً عن المجرة فقال: هي شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر (٢). ١٣ وَحَمَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير(٣)، واختاره ابن جریر، قال: وواحدها دسار. ويقال: دسير كما يقال: حبيك وحباك، والجمع: حبك(٤). وقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة(٥). وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج (٦). وقال الضحاك: طرفاها وأصلها (٧). وقال العوفي، عن ابن عباس: هو كلكلها؛ أي: صدرها(٨). وقوله: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزَآءَ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصاراً لنوح علَلا. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَّكْنَهَآ ءَايَةً﴾ قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة(٩)، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَءَيَّةٌ لَهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ ﴾﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَاَ اَلْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ اُلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فِي الْجَارِيَةِ ﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُنْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنُ وَعِيَةُ (١)﴾ [الحاقة] ولهذا قال ههنا: ﴿فَهَلّ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ أي: فهل من يتذكر ويتعظ. قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله وَّ﴿ ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ [فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن مُذَّكر أو مُذَّكر؟ قال: أقرأني رسول الله وَّ: ﴿مُذَّكِرٍ﴾](١٠) (١١)، وهكذا رواه البخاري، حدثنا يحيى، (١) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس. (٢) أخرجه البخاري من طريق أبي الطفيل عن ابن الكواء به (الأدب المفرد ح٧٦٦) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٥٨٩). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند فيه ابن لهيعة عن القرظي ويتقوى بسابقه ولاحقه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٤) ذكره بنحوه ولم يذكر والجمع: ((حبك)). (٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن بلفظ: («تدسر الماء بصدرها)). (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: ((كلكل السفينة)). اهـ. أي: صدرها، ويشهد له ما سبق . (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه. (١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٥/١) وسنده صحيح. (١١) ما بين معقوفين زيادة من المسند، ولم أجده في النسخ الخطية. ٨٩ سُورَةُ القَة (٩، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ◌َّهِ ((فهل من مذكر))(١)، وقال النبي ◌َّ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾(٢). وروى البخاري أيضاً من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله وَّهُ يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾(٣). وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق أنه سمع رجلاً سأل الأسود فهل من مذكر أو مدكر، قال: سمعت عبد الله يقرأ ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ وقال: سمعت رسول الله وَّل يقرؤها ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ دالاً(٤). وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي إسحاق(٥). وقوله تعالى: ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (1)﴾ أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي؟ ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِكْرِ﴾ أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِنَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَةٌ لِيََّّوْ ءَايَتِهِ وَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِرَ بِهِ اَلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَُّّا (3))﴾ [مريم]. قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِذِكْرِ﴾ يعني: هونا قراءته(٦). وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن. وقال الضحاك، عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله رغبات(٧). قلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي وسلم أنه قال: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)»(٨) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي(٩)؟ .... [القمر] (١) كذا في (ح) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحفت إلى: ((فهل من مدكر)). (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَّكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ح ٤ ٤٨٧). (٣) المصدر السابق (ح ٤٨٧٣). (٤) المصدر السابق باب ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ ... ﴾ [القمر: ٢٠] (ح ٤٨٧١). (٥) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يتعلق بالقراءات (ح٨٢٣) وسنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح٣٩٩٤)، وسنن الترمذي، القراءات، باب ومن سورة القمر (ح٢٩٣٧)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ﴾﴾ [القمر] (ح١١٥٥٥). (٦) أخرجه آدم والفريابي (تغليق التعليق ٣٧٨/٥)، والطبري كلهم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس (٨) أخرجه البخاري (الصحيح، فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ح٤٩٩١). (٩) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر. ٩٠ • سُورَةُ القَرْ (١٨، ٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر هو الوراق في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ هل من طالب علم فيعان(١) عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق(٢)، ورواه ابن جرير، وروى عن قتادة مثله(٣). تَزِعُ ﴿ ﴿كَذَّبَتْ عَدٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُّذُرٍ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسِ مُسْتَمِرٍ النَّاسَ كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرِ ﴿ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلّ مِن مُذَّكِرٍ ٢٢ يقول تعالى مخبراً عن عاد قوم هود، إنهم كذبوا رسولهم أيضاً، كما صنع قوم نوح وأنه تعالى أرسل عليهم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وهي الباردة الشديدة البرد ﴿ فِي يَوْمِ نَخْسٍ﴾ أي: عليهم، قاله الضحاك وقتادة والسدي(٤) ﴿مُسْتَمِرٍ﴾ عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي. وقوله: ﴿تَنِعُ النَّاسَ كَهُمْ أَعْجَازُ غَهْلٍ مُقَعِرٍ ﴾﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط على الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِ ﴾ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُّدُرِ ﴿ وَلَقَدْ يَنَّرْنَ الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ .(@ مِن مُدَّکر فَقَالُواْ أَبَرًا مِنَّا وَحِدًا تَّتَّعُهُ، إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴿ أَلْفِىَ الذِّكْرُ 2- ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنَّذُرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًّا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ ٢٥ فَقِبْهُمْ وَأَصْطَبِ ﴿ وَنَبِتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرُ (﴿ فَكَيْفَ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهٌ فَعَالطَى فَمَقَرَ (٢٨) كَانَ عَذَابِ وَنَذْرِ ٣٠َ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِ الْمُخْتَظِرِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن ◌ُذِکِرِ وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحاً ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا تَّشَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا. ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّبُ أَشِرٌ﴾ أي: متجاوز في حدٌ الكذب، قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴾﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أکید. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةُ لَّهُمْ﴾ أي: اختباراً لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صَمَّاء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليلها فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله صالح: ﴿فَرْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَبِرْ﴾ أي: انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم فإن العاقبة لك، والنصر في الدنيا والآخرة ﴿وَنَبِّْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ﴾ أي: يوم لهم ويوم للناقة كقوله: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومِ (٢٥)﴾ [الشعراء]. (١) أخرجه الفريابي في تفسيره عن ضمرة به (ينظر: تغليق التعليق ٣٧٩/٥) وسنده حسن. (٢) المصدر السابق. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه. وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٩١ سُورَةُ الْقَر (٤٠،٣٣) وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ تُحَضَرُ﴾ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء. وإذا جاءت حضروا اللبن(١)، ثم قال تعالى: ﴿فَادَوْاْ صَاِجَهٌ فَعَطَى فَقَرَ (٣)﴾ قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قُدَار بن سالف(٢)، وكان أشقى قومه. لقوله: ﴿إِذِ أُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا ﴾﴾ [الشمس] ﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: فجسر ﴿فَقَرَ ﴿ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (٣٥)﴾ أي: فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي ﴿إِنَّ أَرْسَنَا عَلَهِمْ صَيْحَةُ وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ اَلُْخْتَظِرِ ﴾﴾ أي: فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد ويييس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين، والمحتظر قال السدي هو المرعى بالصحراء حين بيبس ويحترق وتسفيه الريح. وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظاراً على الإبل والمواشي من يبيس الشوك(٣)، فهو المراد من قوله: ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيرِ﴾. وقال سعيد بن جبير: ((هشيم المحتظر)) هو التراب المتناثر من الحائط (٤)، وهذا قول غريب، والأول أقوى، والله أعلم. [ نِعْمَةٌ مِّنْ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍِ بِلَنُّذُرِ ﴿٣َ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِيًّا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَجَيْنَهُم بِسَحَرٍ ( عِندِنَاْ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ (٢٥) وَلَقَدْ أَنَذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْ بِالنُّذُرِ ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَاً . ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴿٨َ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ (®َ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا أَعْيُهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ يقول تعالى مخبراً عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكاً لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى أمر جبريل لعلّ* فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيِهِمْ حَاصِبًا﴾ وهي الحجارة ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تََّهُم بِسَحَرٍ﴾ أي: خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالماً لم يمسه سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا﴾ أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه شَكْرَ هَا فما التفتوا إلی ذلك ولا أصغوا إليه بل شگُوا فيه وتماروا به. ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ وذلك ليلة ورد عليه الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مُرُد حسان محنة من الله بهم، فأضافهم لوط عَلَّا(٥)، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) ذكره الطبري. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٥) ذكر الحافظ ابن كثير قصتهم مفصلة في (قصص الأنبياء ١٧٥/١ - ١٧٧). ٩٢ سُورَةُ الْقَبْ (٤١، ٤٦) فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية ولوط ظلّلا يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ﴾ [هود: ٧٨] يعني: نساءهم ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِىِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍ﴾ [هود: ٧٩] أي: ليس لنا فيهن أرب ﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل لعلّا فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال إنها غارت من وجوههم، وقيل: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطاًعليّلها إلى الصباح. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ ﴾﴾ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك لهم منه ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ (﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكٍِ فَ أَكْفَارُكُمْ غَيْرٌ كَُّواْ بِشَايَتِنَ كُلِهَا فَأَخَذْتَهُ أَنْذَ عَزِيزٍ مُقْنَدِرٍ ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (١) مِنْ أُوْلَبِّكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزِّ ﴿٨ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنْنَصِرٌ ﴿٤ سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الذُّبُرَ (١٥) يَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ يقول تعالى مخبراً عن فرعون وقومه: إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؛ أي: فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبر ولا عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أي: أيها المشركون من كفار قريش ﴿غَيْرٌ مِّنْ أُوْلَكُمْ﴾ يعني: من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل وكفرهم بالكتب، أأنتم خير من أولئكم؟ ﴿أَمَّ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّيرِ﴾ أي: أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال؟ ثم قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿أَ يَقُولُونَ نَحْنُ حَمِيعُ مُنْنَصِرُ ﴾﴾ أي: يعتقدون أنهم يتناصرون بعضهم بعضاً، وأن جميعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبْرَ ﴾﴾ أي: سيتفرق شملهم ويغلبون. قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد، وقال أيضاً: حدثنا محمد، حدثنا عفان بن مسلم، عن وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي وَّ قال وهو في قبة له يوم بدر: ((أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبداً)) فأخذ أبو بكر ظُه بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الذُّبْرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُّ (9﴾﴾﴾(١). وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع من حديث خالد، وهو ابن مهران الحذاء به(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبْرَ ﴾﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُرُّ (@)﴾ [القمر] ح ٤٨٧٧). (٢) المصدر السابق باب قوله: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَبُوَلُونَ الدُّبُرَ ﴾﴾ [القمر] (ح ٤٨٧٥)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوْلُّونَ الدُّبْرَ (®﴾ (ح١١٥٥٧). ٩٣ • سُورَةُ القَرْ (٤٧، ٥٥) يغلب، قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ولم يثب في الدرع وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر)» فعرفت تأويلها يومئذٍ(١). وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم، أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين فقالت: نزل على محمد وَ* بمكة وإني لجارية ألعب(٢) ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ (@)﴾ هكذا رواه ههنا مختصراً، ورواه في فضائل القرآن مطولاً، ولم يخرجه [مسلم](٣). ٤٨ 2] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُهُرٍ (٨٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِغَدَرٍ ﴿﴿ وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ كَلَيْجٍ بِاَلْبَصَرِ ﴾ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرِ ﴿ وَكُلِّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِىِ الزُّبُرِ ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ ﴿﴿ إِنَّ الْتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ (@)﴾ . ( ٥٤ يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق وسُعُر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضُلَّالاً يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون؟ ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: ﴿ذُوقُواْ مَسَ سَفَرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرِ (@)﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَدَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان] ﴿ الَّذِ خَلَقَ فَسَوَّىِ ﴿﴿ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى] أي: وكقوله تعالى: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى قدر قدراً وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية، الذين [نبغوا](٤) في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلاً وما ورد فيه من الأحاديث في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري تَخّْتُهُ، ولنذكر ههنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة. قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ◌ّ يخاصمونه في القدر فنزلت إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ (﴾﴾(٥). وهكذا رواه ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُودِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَّرَ ( (١) يشهد له ما سبق في صحيح البخاري. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُرُّ [القمر] ح ٤٨٧٦). (٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل لم يذكر لفظ: ((مسلم)). (٤) كذا في (ح)، وفي الأصل و(حم): ((سعوا)). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٤/٢) وسنده صحيح. (٤٦) ٩٤ • سُورَةُ الْقَبْ (٤٧، ٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث وكيع عن سفيان الثوري به (١) . وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ( ٤٧ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَ سَفَرَ ﴿٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾﴾ إلا في أهل القدر(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب، عن كنانة، حدثني جرير بن حازم، عن [سعيد](٣) بن عمرو بن جعدة، عن ابن زرارة، عن أبيه، عن النبي ◌َ﴿ أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُواْ مَ سَقَرَ ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ (﴾﴾ قال: ((نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله))(٤). وحدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ ﴿٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَتَهُ بِقَدَرٍ ﴾﴾ أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين(٥). وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر وفيه مرفوع فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن بعض إخوته، عن محمد بن عبيد المكي، عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنَّها فإني سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق إلياتهن (٦) مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً، كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً»(٧). ثم رواه أحمد، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن العلاء بن الحجاج، عن محمد بن عبيد فذكر مثله(٨). لم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو صخر، (١) صحيح مسلم، القدر، باب كل شيء بقدر (ح٢٦٥٦)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الطور (ح ٣٢٩٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح٨٣). (٢) أخرجه البزار (المسند ١١٠/٢ ح١٥١٢) وسنده ضعيف لضعف يونس بن الحارث (التقريب ص٦١٣، مجمع الزوائد ٧/ ١٢٠). (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((سعد)). (٤) أخرجه الطبراني من طريق جرير بن حازم به (المعجم الكبير ٢٧٦/٥ ح٥٣١٦) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه (مجمع الزوائد ٧/ ١٢٠). (٥) في سنده مروان بن شجاع الجزري صدوق له أوهام (التقريب ص٥٢٦). (٦) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل غير منقوطة. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٠/١) وسنده ضعيف لإبهام شيخ الأوزاعي. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٠/١) وسنده ضعيف لضعف العلاء بن الحجاج، وقد ضعفه الأزدي كما نقل الحافظ ابن حجر (تعجيل المنفعة ص٣٢٣). ٩٥ • سُوَرَّةُ الْقَبْ (٤٧، ٥٥) 00000000000000000000000000000000000 0001100000000000000000000000000000000000000000 عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: (سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر)). ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل به (١). وقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ◌َّه قال: ((لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) (٢). لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((سيكون في هذه الأمة مسخ ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية(٣))(٤). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صخر حميد بن زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله وَر: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)»(٦). ورواه مسلم منفرداً به من حديث مالك(٧). وفي الحديث الصحيح: ((استعن بالله ولا تعجز فإن أصابك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان))(٨). وفي حديث ابن عباس أن رسول الله وه جر قال له: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك جفت الأقلام وطويت الصحف))(٩). وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٠/٢) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة، باب في القدر ح ٤٧١٠) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٦/٢) وسنده ضعيف لأن عمر بن عبد الله مولى غفرة لم يسمع من صحابي كما في جامع التحصيل ص٢٩٦. (٣) الزنديقية: نسبة إلى الزندقة وهي اسم المذهب الزنديق قيل: وهو المبطن للكفر المظهر للإسلام أو من لا دين له أو الذي يعبد الأصنام قاله السندي في حاشية (المسند ١٠٩/١٠). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٨/١٠ ح ٥٨٦٧) وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وهذا الحديث مما أنكر على أبي صخر حميد بن زياد. (٥) سنن الترمذي، القدر (ح٢١٥٤)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الخسوف (ح٤٠٦١) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٢٨٢). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٢/٢) وسنده صحيح. (٧) صحيح مسلم، القدر، باب كل شيء بقدر (ح ٢٦٥٥). (٨) صحيح مسلم، القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز (ح ٢٦٦٤). (٩) تقدم تخريجه وتحسينه. ٩٦ • سُورَةُ الْقَبْ (٤٧، ٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)) يا بني إن متَّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار(١). ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم، عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به وقال: حسن صحيح غريب(٢) . وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَلّ: ((لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره)) وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن علي فذكره وقال: هذا عندي أصح(٣)، وكذا رواه ابن ماجه من حديث شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي به (٤). وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّ ه: ((إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) زاد ابن وهب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾(٥) [هود: ٧]، ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب(٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَّ إِلَّ وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ﴾﴾ وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبرنا بنفوذ قدره فيهم فقال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّ وَحِدَةُ﴾ أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلاً موجوداً كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: يقول له: كُن قولةً فيكون إذا ما أراد الله أمراً فإنما (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٨/٣٧ ح٢٢٧٠٥) وصحح سنده محققوه. (٢) سنن الترمذي، القدر، (ح٢١٥٦)، وأخرجه أبو داود (السنن ح ٤٧٠٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٣٣). (٣) أخرجه الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي به (السنن، القدر، باب رقم ١٠ ح٢١٤٥ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح١٧٤٤). (٤) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح٨١). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٦٦). (٥) صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى بَا﴾ (ح ٢٦٥٣). (٦) سنن الترمذي، القدر، باب ١٨ (ح٢١٥٧). ٩٧ • سُورَةُ الْقَبَةُ (٤٧، ٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْبَاعَكُمْ﴾ يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل ﴿فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك وقدر لهم من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن قَبْلٌ﴾ [سبأ: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ﴾﴾ أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أي: من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرُ﴾ أي: مجموع عليهم ومسطر في الملائكة صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم بن [بانك](١) سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث وهو ابن أخي عائشة لأمها، عن عائشة أن رسول الله وَ ر كان يقول: ((يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً)(٢). ورواه النسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني(٣)، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنباً فاستصغره فأتاه آتٍ في منامه فقال له: يا سلیمان. إن الصغير غداً يعود كبيرا لا تحقرن من الذنوب صغيراً عند الإله مُسطراً تسطيرا إن الصغير ولو تقادم عهده لا تكن صعب القياد وشمرَنْ تشميرا فازجر هواك على البطالة طار الفؤاد وأُلهم التفكير إن المحب إذا أحب إلهه فكفى بربك هادياً ونصيراً (٤) فاسأل هدايتك الإله بنية أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر وقوله تعالى: ﴿إِنَّ المُنَّقِينَ فِی جَنَّتٍ وَنَهَرٍ والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد. وقوله تعالى: ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه ﴿عِندَ مَلِكِ مُقْنَدِرٍ﴾ أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها. وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ◌ّ قال: ((المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))(٥). انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث (١) كذا في (ح) و(حم) والتقريب، وفي الأصل صحف إلى: ((ماهك)). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٦/٤٢ ح ٢٥١٧٧) وحسن سنده محققوه. (٣) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الذنوب (ح ٤٢٤٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٢١). (٤) أخرجه ابن عساكر من طريق سعيد بن مسلم به. (تاريخ دمشق ٧/ ل ٣٥٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٠/٢) وسنده صحيح. ٩٨ • سُورَةُ الْقَرْ (٤٧، ٥٥) سفيان بن عيينة بإسناده مثله(١) . آخر تفسير سورة اقتربت، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. (١) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (ح ١٨٢٧)، والسنن الكبرى للنسائي، القضاء، باب فضل الحاكم العادل (ح ٥٩١٦). ٩٩ سُورَةُ الَّمن Poo 00000 سُورَةُ الرَّحْمنُ وهي مكية قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرِّ أن رجلاً قال [لابن مسعود]ً(١) كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو أسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأت. قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعر لا أبالك؟ قد علمت. قرائن النبي ◌َّل (٢) التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمَنُ وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد وأبو مسلم السعدي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله وَلقر على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: ((لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)». ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، ثم حكي عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا (٣)، ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن مالك، عن الوليد بن مسلم، وعن عبد الله بن أحمد بن شبويه، عن هشام بن عمارة، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أُمية، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَله قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: ((ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((ما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ إلا قالت الجن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب)) ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ إلا من هذا الوجه (٤) بهذا الإسناد(٤). (١) زيادة من المسند لم أجدها في النسخ الخطية. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٢/١) وسنده حسن. (٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الرحمن ح٢٢٩١) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٦٢٤)، وأخرجه الحاكم من طريق الوليد بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٧٣/٢). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في تفسير الآية ١٣ من هذه السورة الكريمة وأخرجه البزار كما في كشف الأستار رقم ٢٢٦٩ ويشهد له سابقه. ١٠٠ • سُوَرَّةُ الَّحْنَّ (١، ١٣) 0000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ ﴾َ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ جَ خَلَقَ الْإِنسَنَ جَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿ أَلَّا تَطْفَوْا فِ اَلْمِيزَانِ بِحُسْبَانٍ ﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ ج وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴿ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ٨ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ ﴾ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّبْحَانُ (٣٣) فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ أَ خَلَقَ الْإِنسَنَ ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ قال الحسن: يعني النطق. وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر (١)، وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللِّسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها. وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ أي: يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَاَرِّ وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ [يس] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِزِ (@﴾ [الأنعام]. اُلْعَلِيمِ وعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجنَّ والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجاباً واحداً من سبعين حجاباً دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءاً من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عياناً، رواه ابن أبي حاتم(٢). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾﴾ قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق(٣)، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض(٤)؛ يعني: من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري(٥)، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال مجاهد: النجم الذي في السماء(٦). وكذا قال الحسن وقتادة (٧)، وهذا القول هو الأظهر (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي العوام عن قتادة. (٢) سنده ضعيف لإرساله وغرابته. (٣) ذكره الطبري بنحوه. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شريك عن السدي. (٦) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن =